Indexed OCR Text
Pages 121-140
المساجد عن قيام رمضان ، فصار هذا القيام واجبًا على الكفاية فمن
فعله كان أفضل ممن انفرد كالفروض التي على الكفاية .
قال ابن القصار : أما الذين لا يقدرون ولا يقوون على القيام
فالأفضل لهم حضورها ليسمعوا القرآن وتحصل لهم الصلاة ويقيموا
السنة التي قد صارت [ عَلَمَا ] (١).
باب : قيام الليل (٢)
قالت عائشة : قام النبي عليه السلام حتى تفطر قدماه . والفطور :
[الشقوق ](٣) انفطرت : انشقت.
فيه: المغيرة: ((إنْ كان رسول الله وَل﴿ ليقوم أو [ ليصلي] (٤) حتى تَرِم
قدماه أو ساقاه فيقال له : فيقول : أفلا أكون عبدا شكوراً )).
قال المهلب : فيه أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر
ذلك ببدنه ، وذلك له حلال ، وله أن يأخذ بالرخصة ويكلف نفسه ما
عفت له به وسمحت ، إلا أن الأخذ بالشدة أفضل ؛ ألا ترى قوله
عليه السلام: ((أفلا أكون عبداً شكورًا )) فكيف من لم يعلم أنه
استحق النار أم لا ؟ فمن وفق للأخذ بالشدة فله في النبي - عليه
السلام - أفضل الأسوة .
وإنما ألزم الأنبياء والصالحون أنفسهم شدة الخوف وإن كانوا قد
أمنوا؛ لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم [ وأنه ابتدأهم بها قبل
(١) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): عملا.
(٢) يعني للنبي {َله، انظر: الفتح (١٨/٣ - ١٩).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الشقاق. وهو خطأ.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يصلي .
- ١٢١ -
استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في شكره تعالى بأكبر مما افترض
عليهم] (١) فاستقلوا ذلك . ولهذا المعنى قال طلق بن حبيب: إن
حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد ، ونعمه أكثر من أن تحصى
[٢٠٢٠/١-ب] ولكن أصبحوا ( قانتين) (٢) وأمسوا تائبين، وهذا كله / مفهوم من
قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٣).
باب : من نام عند السحر
فيه: عبد الله بن عمرو [ أن رسول الله (وَ ل﴿ قال له] (٤): ((أحب الصلاة
إلی الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، و کان ینام نصف
الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ويفطر يومًا ويصوم يومًا )) .
وفيه: عائشة: (( كان أحب العمل إلى رسول الله الدائم، قلت : متى
كان يقوم ؟ قالت : إذا سمع الصارخ)) .
وفيه : عائشة قالت: (( ما [ألفاه] (٥) السَّحَرُ عندي إلا [ نائمًا ] (٦)
تعني النبي - عليه السلام )) .
قال المهلب : هذا يدل أن داود كان يجم نفسه بنوم أول الليل ثم
يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله - تعالى - : هل من سائل ؟ هل
من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح فيه من
[نصب ] (٧) القيام في بقية الليل .
وإنما صارت هذه الطريقة أحب إلى الله من أجل الأخذ بالرفق على
(١) من (( هـ )).
أ.(٢) في (( هـ)): تائبين .
(٣) فاطر: ٢٨.
(٤) ليس في ((الأصل)) ولا ( هـ))، وإنما أثبته من السلطانية (٦٣/٢)، والفتح
(٣/ ٢٠)، وكأنه سقط من المصنف سهوًا، والله أعلم.
(٥) من (( هـ)) وهو بالفاء أي وجده، وفى ((الأصل)): ألقاء بالقاف وهو تصحيف.
(٦) في ((الأصل)، و((هـ)): قائمًا. وهو تحريف.
(٧) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): نصف خطأ.
.- ١٢٢ -
النفوس التي يخشى منها السآمة والملل الذي هو سبب إلى ترك
العبادة، والله يحب أن يديم فضله ، ويوالي إحسانه أبدًا، وقد قال
عليه السلام: (( إن الله لا يمل حتى تملوا)) يعني إن الله لا يقطع
المجازاة على العبادة حتى تقطعوا العمل . فأخرج لفظ المجازاة بلفظ
الفعل ؛ لأن الملل غير جائز على الله - تعالى - ولا هو من صفاته .
وقول عائشة: ((كان يقوم إذا سمع الصارخ )) فهو في حدود ثلث
الليل الآخر ؛ ليتحرى وقت تنزل الله - تعالى - ثم يرجع إلى
الاضطجاع للراحة من نصب القيام ، ولما يستقبله من طول قيام صلاة
الصبح ، فلذلك كان ينام عند السحر ، وهذا كان يفعله عليه السلام
في الليالي الطوال [ و] (١) في غير شهر رمضان ؛ لأنه قد ثبت عنه
تأخير السحور على ما يأتي في الباب بعد هذا - إن شاء الله .
باب : من تسحر ثم قام إلى الصلاة فلم ينم حتى الصبح
فيه : أنس: (( أن النبي - عليه السلام - وزيد بن ثابت تسحرا، فلما
فرغا من سحورهما قام نبي الله وصل إلى الصلاة فصليا، قلت لأنس : كم
كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال : بقدر ما
يقرأ الرجل خمسين آية )) .
في هذا الحديث تأخير السحور .
وقوله : (( كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصلاة )) يريد صلاة
الصبح ، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الصيام ، باب
((قدر كم بين السحور وصلاة الصبح)) [ إلا أنه أول ما قام إليه
(١) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): أو. وقال الحافظ في الفتح (٢٣/٣): ((ويحتاج
في إخراج الليالي القضار إلى دليل » .
- ١٢٣ -
ركعتا الفجر ؛ لأنه حين ... (١) الفجر، وكان بين سحوره وَله
وصلاة الصبح ] (٢) قدر خمسين آية [ ... (٣) تلك المدة التي تقدر
بخمسين آية صلى ] (٢) ركعتي الفجر ثم قعد ينتظر الصبح.
باب : طول القيام في صلاة الليل
فيه : عبد الله قال: ((صليت مع النبي - عليه السلام - فلم يزل قائمًا
حتى هممت بأمر سوء ، قلنا : وما هممت به ؟ قال : هممت أن أقعد
وأذر النبي )) .
وفيه: حذيفة: (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا قام للتهجد من
الليل يشوص فاه بالسُّواك )) .
قال المهلب : فيه [ أن ] (٢) مخالفة الإمام [ أمر ] (٤) سوء كما
قال ابن مسعود ، وقال تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن
أمره ... ﴾(٥) الآية، وكذلك قال عليه السلام للذين صلوا خلفه قيامًا
وهو جالس: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) إلى قوله: ((فإذا صلى
جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون )) فينبغي أن يكون ما خالف الإمام من
أمر الصلاة وغيرها من سيئ الأعمال .
وفي حديث ابن مسعود دليل على طول القيام في صلاة الليل ؛ لأن
ابن مسعود أخبر أن النبي - عليه السلام - لم يزل قائماً حتى همّ
بالقعود ، وهذا لا يكون إلا لطول القيام ؛ لأن ابن مسعود كان جلدًا
مقتديًا بالرسول محافظًا على ذلك .
(١) طمس في ( هـ )
(٣) كلمة لم أستطع قراءتها من (( هـ)).
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بأمر .
(٢) من (( هـ)).
(٥) النور : ٦٣ .
- ١٢٤ -
وقد اختلف العلماء : هل الأفضل في صلاة التطوع طول القيام أو
كثرة الركوع والسجود ، فذهبت طائفة إلى أن كثرة الركوع والسجود
فيها أفضل ، وروي عن أبي ذر أنه كان لا يطيل القيام ويكثر الركوع
والسجود ، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله وَ لو يقول:
(من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة ، وحطت عنه بها
خطيئة )) .
وروي عن ابن عمر أنه رأى فتىّ يصلي قد أطال صلاته ، فلما
انصرف قال : من يعرف هذا؟ قال رجل : أنا . قال عبد الله : لو
كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود ؛ فإني سمعت رسول
الله وَل يقول: ((إذا قام / العبد يصلي أتي بذنوبه فجعلت على رأسه [١/ ق ٢٠٣-١)
وعاتقيه ، وكلما ركع وسجد تساقطت عنه )) .
وقال يحيى بن رافع : كان يقال : لا تطل القراءة في الصلاة
فيعرض لك الشيطان فيمنيك .
وقال آخرون : طول القيام أفضل ، واحتجوا بما روى وكيع عن
الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال: (( سئل رسول الله : أي
الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت)) وهو قول إبراهيم، وأبي مجلز،
والحسن البصري . وإليه ذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ،
"وقال أشهب : هو أحب إليّ لكثرة القراءة ، على سعة ذلك كله .
قال الطحاوي : وليس في حديث أبي ذر ما يخالف هذا الحديث ؛
[ لأنه ] (١) قد يجوز أن يكون قوله عليه السلام: ((من ركع الله ركعة
وسجد سجدة رفعه الله بها [ درجة ] (٢) وحَطَّ عنه خطيئة)) وإن زاد مع
ذلك طول القيام كان أفضل، وكان ما يعطيهم الله من الثواب أكثر.
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): لكنه.
(٢) من (( هـ )).
- ١٢٥ -
هذا أَوْلى ما حُمل عليه معنى الحديث ؛ لئلا يضاد الأحاديث الأخر ،.
وكذلك حديث ابن عمر ليس فيه تفضيل الركوع والسجود على طول
القيام ، وإنما فيه ما يعطاه المصلي على الركوع والسجود من حط.
الذنوب عنه ، ولعله يعطى بطول القيام أفضل من ذلك ، وحديث ابن
مسعود يشهد بصحة هذا القول .
قال المؤلف : وأما حديث حذيفة فلا مدخل له في هذا الباب ؟ ..
لأن شوص الفم بالسِّواك في صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة ولا
قصرها ، كما لا يدل عليه قوله: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة )» أنه أراد طوال الصلوات دون القصار ، وهذا
الحديث يمكن أن يكون من غلط الناسخ فكتب في غير موضعه ، وإن
لم يكن كذلك فإن البخاري أعجلته المنية عن تهذيب كتابه وتصفحه
وله فيه مواضع مثل هذا تدل على أنه مات قبل تحرير الكتاب والله
أعلم (١) .
وفيه أن السواك من الرغائب وهو من الفطرة، وقال ( أبو). (٢)
زيد: الشوص : الاستياك من سفل إلى علو ، وبه سمي هذا الداء
(شَوْصَة)» لأنه ريح يرفع القلب عن موضعه .
وقال أبو حنيفة في كتاب النبات : شاص فاه بالسواك شوصًا ،
و[ماصه موصًا] (٣)
(١) انظر: الفتح (٢٥/٣).
(٢) في (( هـ)): ابن . وهو خطأ.
(٣) من ((هـ)) وهو الصواب راجع مادة ((موص)) من المعجم الوسيط (٨٩٢/٢)
وغيره ، وفي (( الأصل )) : باصه به بوصًا .
- ١٢٦ -
باب : کیف صلاة اللیل و کم کان الرسول يصلي بالليل
فيه : ابن عمر: (( أن رجلا قال : يا رسول الله [ كيف ] (١) صلاة
الليل؟ قال : مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)».
وفيه : ابن عباس قال: (( كانت صلاة النبي ثلاث عشرة ركعة - يعني
بالليل » .
وفيه: عائشة: ((أن صلاة النبي [ بالليل ] (١) سبع وتسع وإحدى
عشرة سوى ركعتي الفجر)) .
وقالت أيضًا: (( كان النبي يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها
الوتر وركعتا الفجر )) .
وذهب أكثر العلماء إلى أن صلاته بالليل مثنى مثنى على حديث ابن
عمر، وقالوا: قوله: (( مثنى مثنى )) يفيد التسليم في كل ركعتين
ليفصل بينها وبين صلاة أربع وإلا فلا يفيد هذا الكلام ؛ لأنه على
التقدير تكون صلاة الظهر والعصر والعشاء مثنى مثنى ، فلما لم يقل
لواحدة منها مثنى مثنى علم أن المثنى يقتضي الفصل بالسلام ، وسأذكر
اختلاف العلماء في ذلك في صلاة النهار ، وهل هي مثنى مثنى في
بابه بعد هذا - إن شاء الله .
وأما عدد صلاته عليه السلام بالليل فإن الآثار اختلفت في
ذلك عن ابن عباس وعائشة ، فروى [ أبو ] (1) جمرة عن ابن عباس
(( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة )) ورواه
مالك عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس (( أنه
بات عند خالته ميمونة فذكر أنه صلى مع النبي - عليه السلام - إحدى
عشرة ركعة بالوتر )) فهذا خلاف ما روى مالك عن مخرمة ، عن
(١) من (( هـ)).
- ١٢٧ -
كريب ، ذكره النسائي ، وروى شريك بن أبي نمر عن كريب ، عن
ابن عباس : (( أنه صلى مع النبي - عليه السلام - إحدى عشرة
ركعة)). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله .
وذكر الطحاوي (١) عن علي بن معبد قال : حدثنا شبابة بن سوار،
حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو (٢) ، عن علي
ابن عبد الله بن عباس ، عن أبيه قال: ((أمرني العباس أن أبيت عند
النبي - عليه السلام - و( قدم) (٣) إليّ ألا [ تنام ] (٤) حتى تحفظ
لي صلاته قال : فصليت معه إحدى عشرة ركعة بالوتر)).
وأما اختلاف الآثار عن عائشة أيضًا ، فروى مسروق ، والقاسم بن
محمد، وأبو سلمة ، عن عائشة ((أن النبي - عليه السلام - صلى
[١/ ٢٠٣٥ -ب) إحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر)) / وروي عنها خلاف ذلك
من حديث مالك عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت :
((كان رسول الله وَالله يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي
إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين )» وكذلك روي عن زيد بن
خالد الجهني حين رمق صلاة النبي بالليل ثلاث عشرة ركعة بالوتر . :
وقد أكثر الناس القول في هذه الأحاديث فقال بعضهم : إن هذا
الاختلاف جاء من قبل عائشة وابن عباس ؛ لأن رواة هذه الأحاديث
(الثقات الحفاظ) (٥)، وكل ذلك قد عمل به رسول الله صل* ليدل
على التوسعة في ذلك ، وأن صلاة الليل لا حدّ فيها لا يجوز تجاوزه
إلى غيره وكلٌ سُنَّةٌ
(١) شرح المعاني (٢٨٦/١) .. والظاهر أن ذكر ((شعبة)) هناك في الإسناد خطأ،
والله أعلم .
(٢) هو الأسدي الكوفي، وجاء في ((الأصل، هـ)): المنهال بن عُمر. وهو خطأ.
(٣) في شرح المعاني : تقدم .
(٤) من (( هـ))، ومثله في شرح المعاني، وفي ((الأصل)): أنام.
(٥) كذا في ((الأصل)) و((هـ))، والأقرب: ((ثقات حفاظ)) كما يقتضيه السياق.
- ١٢٨ -
وقال آخرون : بل جاء الاختلاف فيها من قبل الرواة ، وأن الصحيح
منها إحدى عشرة [ ركعة ] (١) بالوتر . قالوا : وقد كشفت عائشة
هذا المعنى ورفعت الإشكال فيه لقولها: (( ما كان رسول الله يزيد في
رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) وهي أعلم الناس بأفعاله
لشدة مراعاتها له وهي أضبط لها من ابن عباس ؛ لأنه إنما ( رمق )(٢)
صلاته مرةً حين بعثه العباس ليحفظ صلاته بالليل ، وعائشة رقبت
ذلك دهرها کله .
فما روي عنها مما خالف إحدى عشرة ركعة فهو وهم ، ويحتمل
الغلط في ذلك أن يقع من أجل أنهم عدّوا ركعتي الفجر مع الإحدى
عشرة ركعة فتمت بذلك ثلاث عشرة ركعة .
وقد جاء هذا المعنى بينًا في بعض طرق الحديث، (روى ) (٣)
عبدالرزاق ، عن الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن
ابن عباس قال: (( بت عند خالتي ميمونة فقام الرسول يصلي ،
فتمطيت كراهية أن يراني أراقبه ، ثم قمت ففعلت مثل ما فعل فصلى
[فتتامت] (٤) صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر ثم نام حتى
نفخ ، فجاءه بلال فآذنه بالصلاة ، فقام فصلى ولم يتوضأ)».
وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب ويونس وعمرو بن الحارث ،
عن ابن شهاب، أخبرهم عن عروة ، عن عائشة قالت: ((كان
رسول الله 185 يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر
إحدى عشرة ركعة ، يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، ويسجد
سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، فإذا سكت المؤذن من أذان
الفجر وتبين له الفجر ركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه
الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة)) .
(١) من ((هـ).
(٢) في (( هـ)) : رقب .
(٣) في (( هـ)): روي عن. (٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فتأملت.
- ١٢٩ -
فكل ما خالف هذا عن ابن عباس وعائشة فهو وهم . وقالوا :
ومما يدل على صحة هذا التأويل قول ابن مسعود للرجل الذي قال :
قرأت المفصّل في ركعة فقال: ((هذا كَهَذِّ الشِّعْر، لقد عرفت النظائر
التي كان رسول الله وَّه يقرن بينهما ، فذكر عشرين سورة من
المفصّل، سورتين في [ كل ] (١) ركعة)) فدل هذا أن حزبه بالليل
عشر ركعات ثم يوثر بواحدة ، قاله المهلب وأخوه عبد الله .
وقال آخرون : الذي تأتلف عليه أحاديث النبي - عليه السلام -
[في الصلاة ] (٢) بالليل وينفي التعارض عنها - والله أعلم - أنه قد
روى أبو هريرة وعائشة عن الرسول ((أنه كان إذا قام من الليل يصلي
افتتح صلاته بركعتين خفيفتين )) فمن جعل صلاته بالليل عشر ركعات
والوتر واحدة لم يعتد بهاتين الركعتين في صلاته ، ومن عدها جعلها
ثلاث عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر .
وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن عيينة ، عن أيوب ، عن محمد بن
سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قام أحدكم
من الليل يصلي فليصل ركعتين خفيفتين يفتتح بهما صلاته )) وحديث
عائشة رواه ابن أبي شيبة عن هشيم قال : حدثنا أبو حرة ، عن
الحسن، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، عن النبي مثله .
وأما قول عائشة: ((إن صلاة النبي- عليه السلام - بالليل
سبع وتسع)) فقد روى الأسود عنها أنها قالت: ((كان رسول الله
45* يصلي من الليل تسع ركعات، فلما أسن صلى سبع ركعات )»
وروي عنها (( أنه كان يصلي بعد السبع ركعتين وهو جالس [ وبعد
التسع كذلك)) رواه معمر عن قتادة، عن الحسن قال: أخبرنا سعد
(١) من (( هـ)).
(٢) كأن ذلك سقط سهواً من المصنف أو النساخ ، والمعنى يفتقر إليه.
: - ١٣٠ -
ابن هشام ، أنه سمع عائشة تقول: ((كان رسول الله 143 يوتر بتسع
ركعات وهو جالس] (١) فلما ضعف أوتر بسبع ركعات وهو جالس)).
قال المهلب : وإنما كان يوتر بتسع ركعات - والله أعلم - حين
يفاجئه الفجر ، وأما إذا اتَّسَع له الليل فما كان ينقص من عشر
ركعات؛ للمطابقة التي بينها وبين الفرائض التي امتثلها عليه السلام في
نوافله وامتثلها في الصلوات المسنونة .
[١/ق ٢٠٤-١]
/ باب : قيام النبي بالليل من نومه وما نسخ من قيام الليل
وقوله تعالى ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ﴾ إلى
قوله ﴿ سبحًا طويلا﴾ (٢) وقوله ﴿علم أن لن تحصوه
فتاب عليكم ﴾ إلى قوله ﴿غفور رحيم﴾ (٣)
قال ابن عباس : نشأ: قام بالحبشية، وطاءً : مواطأة للقرآن أشد موافقة
لسمعه وبصره وقلبه ، ليواطئوا : ليوافقوا .
وفيه: أنس قال: (( كان رسول الله يفطر من الشهر حتى نظن ألا يصوم
منه ، ويصوم حتى نظن ألا يفطر منه شيئًا ، وكان لا تشاءُ أن تراه من
الليل مصليًا إلا رأيته ، ولا نائمًا إلا رأيته)) .
قال المؤلف : ذكر ابن الأدفوي أن للعلماء في قوله تعالى : ﴿قم
الليل إلا قليلا نصفه﴾ (٤) أقوالا ، منها : أن قوله : ﴿قم الليل ﴾
ليس معناه الفرض ، يدل على ذلك أن بعده : ﴿ نصفه أو انقص منه
قليلا أو زد عليه ﴾ (٥) وليس كذا يكون الفرض وإنما هو ندب وحض.
(١) من (( هـ)).
(٤) المزمل : ٢ - ٣ .
(٣) المزمل: ٢٠ .
(٢) المزمل : ١ - ٧ .
(٥) المزمل : ٣ - ٤ .
- ١٣١ -
وقيل : هو حتم . والقول الثالث أن يكون حتمًا وفرضًا على
النبي - عليه السلام - وحده ، روي ذلك عن ابن عباس ، وحجة هذا
القول قوله عليه السلام: ((لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني
خشيت أن يفرض عليكم )) فهذا يبين أنه لم يكن فرضًا عليهم .
ويجوز أن يكون فُرضًا عليه وعلى أمته ، ثم نسخ بعد ذلك بقوله :
﴿فتاب عليكم﴾ (١) وعلى هذا جماعة من العلماء ، وحجتهم ما
روى النسائي: قال: حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا خالد
ابن الحارث قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن زرارة بن أبي أوفى،
عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: (( أنبئيني عن قيام رسول الله
وَلَّه قالت : إن الله افترض القيام في أول يا أيها المزمل على النبي
وعلى أصحابه حتى انتفخت أقدامهم [ و] (٢) أمسك الله خاتمتها اثني
عشر شهرًا ، ثم نزل التخفيف في آخر هذه السورة [ فصار قيام
الليل] (٢) تطوعًا بعد أن كان فريضة)) وقال النحاس : هذا قول ابن
عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم وجماعة .
وقال الحسن ، وابن سيرين : صلاة الليل فريضة على كل مسلم
ولو قدر حلب شاة . قال إسماعيل بن إسحاق : أحسبهما قالا ذلك
لقوله تعالى : ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه ﴾ (١) .
وقال الشافعي : سمعت بعض العلماء يقول : إن الله - تعالى -
أنزل فرضًا في الصلاة قبل [فرض ] (٢) الصلوات الخمس فقال : ﴿يا
أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه ﴾ (٣) الآية ثم نسخ هذا بقوله:
﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾(١) ثم احتمل قوله: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾(١)
أن يكون فرضًا ثابتًا(٤)؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾(٥)
(١) المزمل: ٢٠ .
١
(٢) من (( هـ)).
(٣) المزمل: ١ - ٣ .
(٤) كأن ههنا سقطًا معناه: واحتمل أن يكون ندبًا، وفي كتاب ((الأم)) للشافعي
(٦٨/١) كلام نحو هذا ..
(٥) الإسراء : ٧٩ .
- ١٣٢ -
۔۔
فوجب طلب الدليل من السَّنَّة على أحد المعنيين ، فوجدنا سُنَّة
الرسول تدل ألا واجب من الصلوات إلا الخمس .
وقوله تعالى : ﴿ قم اللیل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد
عليه ﴾ (١) التقدير - والله أعلم - أنه منصوب بإضمار فعل كأنه قال
تعالى : قم نصف الليل إلا قليلا ، فعلم تعالى أن هذا القليل يختلف
الناس في تقديره على قدر أفهامهم وطاقتهم على القيام ، فقال : أو
انقص من نصف [ الليل] (٢) بعد إسقاط ذلك القليل قليلا أو زد
عليه، وكأن هذا ( تخييرًا ) (٣) من الله - تعالى - إرادة الرفق بخلقه
والتوسعة عليهم .
ورتل القرآن ترتيلا ﴾ (٤) : أي اقرأه على ترسل . عن مجاهد .
قولا ثقيلا ﴾ (٥) : حلاله وحرامه . عن مجاهد ، وقيل :
العمل به. عن الحسن .
﴿ناشئة الليل﴾ (٦) بعد النوم ، أي ابتداء عمله شيئًا بعد شيء وهو
من نشأ إذا ابتدأ .
ابن عباس ومجاهد : هي الليل كله .
ابن عمر وغيره : هي ما بين المغرب والعشاء .
أشد وطئًا﴾ (٦) أي أمكن موقعًا .
الأخفش : أشد قيامًا .
قتادة : أثبت في الخير ، وأشد للحفظ ؛ للتفرغ بالليل .
وأصل الوطء الثقل ، ومن قولهم : اشتدت وطأة ( الشيطان ) (٧)
(١) المزمل: ٢ - ٤ .
(٢) من ( هـ ) .
(٣) هكذا في (( الأصل)) و((هـ)) بالنصب ، وهي لغة.
(٤) المزمل : ٤ .
(٥) المزمل : ٥ .
(٦) المزمل : ٦ .
(٧) في (( هـ)): السلطان .
- ١٣٣ -
ومن قرأ: ((وطاء)) فالمعنى أشد مهادًا للتصرف في التفكر والتدبر.
عن مجاهد : يواطئ السمع والبصر والقلب .
﴿ وأقوم قيلا﴾ (١) أي أثبت للقراءة . عن مجاهد ، قال بعضهم:
ولهذا المعنى فرض الله صلاة الليل بالساعات جزءًا من الليل لا جزءًا
من القرآن ، إرادة التنبيه على تفقهه وتدبره والعمل بالقلب ، وأنه ليس
بِهَذِّه الحروف وجريه على اللسان ، وأن الثواب بمقدار تمام الساعات
التي يقرأ فيها .
وسبحًا طويلا﴾ (٢) أي فراغًا. عن ابن عباس وغيره .
[١/ق٢٠٤-ب] قال المهلب : وحديث أنس يدل / أن أعمال التطوع ليست منوطة
بأوقات معلومة وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها .
باب : عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل
فيه: أبو هريرة: أن الرسول - عليه السلام - قال: (( يعقد الشيطان
على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب عند كل عقدة :
عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ، فإن توضأ
انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقدة ، فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا
أصبح خبيث النفس كسلان )) .
وفيه : سمرة بن جندب عن الرسول في الرؤيا قال: (( أما الذي يُتلغ
رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة )).
قال المهلب : قد فَسَّر النبي - عليه السلام - معنى العقد وهو قوله:
((عليك ليل طويل فارقد)) كأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى
حزبه فيعتقد في نفسه أنه بقيت من الليل بقية طويلة حتى يروم
(١) المزمل : ٦ .
(٢) المزمل : ٧ .
- ١٣٤ -
بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت حزبه ، فإذا ذكر الله انحلت عقدة
أي علم أنه قد مَرَّ من الليل طويل وأنه لم يبق منه طويل ، فإذا قام
وتوضأ استبان له ذلك أيضًا وانحل ما كان عقد في نفسه من الغرور
والاستدراج ، فإذا صلى واستقبل القبلة انحلت العقدة الثالثة ؛ لأنه لم
يصغ إلى قوله ، ويئس الشيطان منه .
والقافية : هي مؤخر الرأس ، وفيه العقل والفهم ، فعقده فيه إثباته
في فهمه أنه بقي عليه ليل طويل .
(( فيصبح نشيطًا طيب النفس )) لأنه مسرور بما قدم ، مستبشر بما
وعده الله من الثواب والغفران، وإذا لم يصل (( أصبح خبيث النفس))
أي مهمومًا بجواز كيد الشيطان عليه ، و(( كسلان)) بتثبيط الشيطان له
عما كان اعتاده من فعل الخير .
قال المؤلف : ورأيت لبعض من فَسَّرَ هذا الحديث قال : العقد
الثلاث هي : الأكل والشرب والنوم ، وقال : ألا ترى أن من أكثر
الأكل والشرب أنه يكثر نومه لذلك ، والله أعلم بصحة هذا التأويل
وبما أراد عليه السلام من ذلك .
قال المهلب : وقوله في حديث سمرة: ((يأخذ القرآن فيرفضه))
يعني يترك حفظ حروفه والعمل بمعانيه ، فأما إذا ترك حفظ حروفه
وعمل بمعانيه فليس برافض له ، لكنه قد أتى في الحديث أنه يحشر يوم
القيامة أجزم أي مقطوع الحجة ، والرافض له يثلغ رأسه وذلك لعقد
الشيطان فيه ، فوقعت العقوبة في موضع المعصية .
وقوله : ((ينام عن الصلاة المكتوبة )) يعني لخروج وقتها وفواته ،
وهذا إنما يتوجه إلى تضييع صلاة الصبح وحدها ؛ لأنها هي [التي] (١)
(١) من ( هـ)).
- ١٣٥ -
تبطل بالنوم وهي التي أكد الله المحافظة عليها ، وفيها تجتمع الملائكة ،
وسائرُ الصلوات إذا ضُيعت (فحملها محملها)(١)، لكن لهذه الفضل.
باب : إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه
فيه : عبد الله قال: (( ذكر عند النبي - عليه السلام - رجل فقال : ما
زال نائماً حتى أصبح ما قام إلى الصلاة . فقال : بال الشيطان في أذنه » .
قال المهلب: قوله: ((بال الشيطان في أذنه)) على سبيل
[الإغياء](٢) من تحكم الشيطان في العقد على رأسه [بالنوم ] (٣)
الطويل ، وقال ابن مسعود : كفى لامرئ من الشر أن يبول الشيطان
في أذنه .
قال ابن قتيبة : والعرب تقول : بال في كذا إذا أفسده ، قال
الفرزدق :
کساعٍ إلی أسد الشری یستبيلها
وإن الذي یسعی ليفسد زوجتي
معناه : يطلب مفسدتها .
باب : الدعاء في الصلاة من آخر الليل
قال تعالى : ﴿ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ (٤) ينامون.
فيه: أبو هريرة: أن رسول الله وَله [قال] (٥): ((ينزل ربنا [كل ليلة](٥)
:
(١) هكذا صورتها في ((الأصل)، و( هـ).
(٢) هكذا صورتها في (( الأصل)) و(( هـ)) فالله أعلم.
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): في النوم.
(٤) الذاريات : ١٧ .
(٥) من ( هـ)).
- ١٣٦ -
إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول : من يدعوني
فأستجيب / له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له )).
[١ / ق ٥ ٢٠ -٤١
قال ابن فورك (١) : [ حجة ] (٢) أهل البدع هذا الحديث وشبهه ،
وقالوا : لا يمكن حمل شيء منه على تأويل صحيح من غير أن يكون
فيه تشبيه أو تحديد أو وصف للرب - تعالى - بما لا يليق [ به ] (٣)
وقد ورد التنزيل بمعنى هذا الحديث وهو قوله : ﴿وجاء ربك والملك
صفا صفا ﴾ (٤) و﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام
والملائكة﴾ (٥) و﴿ أتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (٦) .
ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف [ جميع ] (٣) ذلك
إلى الأجسام التي يجوز عليها الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان
وشغل غيره ، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان
تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته عَزَّ وجَلَّ .
فمن ذلك أنا وجدنا لفظة النزول في اللغة مستعملة على معان
مختلفة ، فمنها النزول بمعنى الانتقال والتحويل كقوله : ﴿وأنزلنا من
السماء ماءً طهورًا﴾ (٧) ومنها النزول بمعنى الإعلام كقوله: ﴿نزل به
الروح الأمين﴾ (٨) أي أعلم به الروحُ الأمين محمدًا - عليه السلام.
ومنها النزول بمعنى القول في قوله تعالى: ﴿ سأنزل مثل ما أنزل
الله﴾ (٩) أي سأقول مثل ما قال ، ومنها النزول بمعنى الإقبال على
الشيء ، وذلك هو المستعمل في كلامهم الجاري في عرفهم ، وهو
(١) ابن فورك متجهم ، حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف
أحاديث الصفات والطعن فيها ، فلا يلتفت إلى قوله الآتي، والصواب ما قاله
السلف الصالح من الإيمان بالنزول وغيره من أحاديث الصفات على الوجه
الذي يليق بالله سبحانه وتعالى، وإمرار ذلك من غير تكييف ولا تمثيل ، كما
قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهذا هو الطريق
الأسلم والأعلم والأحكم ، فتنبه .
(٢) من ((هـ) وفي ((الأصل)): عند.
(٣) من (( هـ)).
(٤) الفجر : ٢٢ .
(٥) البقرة : ٢١٠ .
(٦) النحل : ٢٦ .
(٧) الفرقان : ٤٨ .
(٩) الأنعام : ٩٣ .
(٨) الشعراء : ١٩٣ .
- ١٣٧ -
أنهم يقولون : نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيّها ، أي أقبل إلى
دنيها ، ونزل قدر فلان عند فلان [ أي ] (١) انخفض .
ومنها النزول بمعنى نزول الحكم ، من ذلك قولهم : كنا في خير
وعدل حتى نزل بنا بنو فلان ، أي حكمهم . وكل ذلك متعارف عند
أهل اللغة ، وإذا كانت هذه اللفظة مشتركة المعنى فينبغي حمل ما
وصف به الرب - تعالى - من النزول على ما يليق به [ من بعض هذه
المعاني ] (٢).
إما أن يراد به إقباله على أهل الأرض بالرحمة والتنبيه الذي يلقى في
قلوب أهل الخير منهم ، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على
الطاعة ، ويحتمل أن يكون ذلك فعلا يظهر بأمره ، فيضاف إليه ، كما
يقال : ضرب الأمير اللص ، ونادى الأمير في البلد، وإنما أمر بذلك ،
فيضاف إليه الفعل على معنى أنه عن أمره ظهر، وإذا احتمل ذلك في
اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا
بهذا النداء والدعاء ، فيضاف إلى الله ، وقد روي هذا التأويل في
بعض طرق هذا الحديث ، روى النسائي قال : حدثنا إبراهيم بن
يعقوب ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن
الأعمش ، حدثنا أبو إسحاق ، حدثنا أبو مسلم ، عن الأغر قال :
سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله: ((إن
الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا ينادي [يقول](٢):
هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى)).
وقد سئل الأوزاعي عن معنى هذا الحديث [ فقال ] (٢): يفعل الله
ما يشاء . وهذه إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه تعالی
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إذا.
(٢) من (( هـ)).
- ١٣٨ -
--
وقد روى حبيب عن مالك أنه قال في هذا الحديث : ينزل أمره
ورحمته . وقد رواه غير حبيب عنه ، روى محمد بن علي البجلي
بالقيروان قال : حدثنا جامع بن سوادة قال : حدثنا مطرف ، عن
مالك بن أنس أنه سئل عن هذا الحديث فقال : ذلك تنزل أمره .
وقد سئل بعض العلماء عن حديث النزول فقال : تفسيره قول
إبراهيم حين أفل النجم : ﴿لا أحب الآفلين ﴾ (١) فطلب ربا لا يجوز
عليه الانتقال والحركات ، ولا يتعاقب عليه النزول ، وقد مدحه الله
بذلك وأثنى عليه في كتابه فقال : ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت
السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (٢) فوصفه (لأنه) (٣) -
بقوله هذا - موقن .
وفي حديث أبي هريرة أن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار ،
وقال تعالى : ﴿وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ (٤) وروى محارب بن
دثار، عن عمه: (( أنه كان يأتي المسجد في السحر فيمر بدار ابن
مسعود فيسمعه : اللهم إنك أمرتني فأطعت ، ودعوتني فأجبت ،
وهذا السحر فاغفر لي . فسئل ابن مسعود عن ذلك فقال : إن يعقوب
أخر بنيه إلى السحر بقوله : ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ (٥))).
وروى الجريري (( أن داود - عليه السلام - سأل جبريل : أي الليل
أسمع؟ فقال: لا أدري ، غير أن العرش يهتز في السحر)) [ وقوله:
أسمع ] (٦) يريد أنها أوقع للسمع ، والمعنى أنها أولى بالدعاء وأرجى
للاستجابة ، وهذا كقول ضماد حين عَرض عليه رسول الله الإسلام
فقال: سمعت كلامًا [ لم أسمع ] (٦) قط أسمع منه يريد أبلغ منه
ولا أنجع في القلب . عن الخطابي .
(١) الأنعام : ٧٦ .
(٢) الأنعام : ٧٥ .
(٣) هكذا في (( الأصل)) و(( هـ))، والأقرب أن يكون الصواب : بأنه.
(٤) الذاريات : ١٨ .
(٦) من ( هـ)).
(٥) يوسف : ٩٨
- ١٣٩ -
[١/ ق ٢٠٥-ب] وترجم لحديث / التنزل في كتاب الدعاء باب الدعاء نصف الليل
وسأذكر فيه معنى تخصيص الله ثلث الليل بإجابة الدعاء - إن شاء الله
تعالى .
باب : من نام أول الليل وأحيى آخره
وقال سلمان لأبي الدرداء : (( نم. فلما كان من آخر الليل قال : قُم
قال عليه السلام: صدق سلمان )) .
وفيه: الأسود قال: « سألت عائشة : كيف صلاةُ النبي بالليل ؟ قالت:
كان ينام أوله ، ويقوم آخره فيصلي ، ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن
المؤذن وثب فإن كانت به حاجة اغتسل ، وإلا توضأ وخرج )) .
قال المهلب : إنما كان يقوم آخره من أجل حديث التنزل ، وهذا
كان فعل السلف ، روى الزهري عن عروة ، عن عبد الرحمن بن
عبد القاري قال : قال عمر بن الخطاب : الساعة التي تنامون فيها
أعجب إليّ من الساعة التي تقومون فيها . وقال ابن عباس في قيام
رمضان : ما تتركون منه أفضل مما تقومون فيه .
وفيه دليل أنه في رجوعه من الصلاة إلى فراشه قد كان يطأ ويصبح
جنبًا ثم يغتسل ، وقد كان لا يفعل ذلك .
:
باب : قيام الرسول بالليل في رمضان وغيره
فيه : عائشة قالت : « ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره
على إحدى عشرة ركعة ، يصلي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهن وطولهن ،
ثم يصلي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثًا ، قالت
- ١٤٠ -