Indexed OCR Text

Pages 101-120

باب : صلاة القاعد
فيه: عائشة أنها قالت: ((صلى رسول الله وَال﴾ وهو شَاك، فصلى
جالسًا وصلى وراءه قوم [ قيامًا] (١) ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما
انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )) الحديث .
وفيه: أنس قال: ((سقط رسول الله وَ لَ عن فرس [ فخدش ] (٢) - أو
فجحش - شقه الأيمن [ فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة فصلى
قاعدًا فصلينا قعودًا ... )) الحديث .
وفيه: عمران بن حصين - وكان مُبْسورًا - ((أنه سأل النبي وَّ ر عن
صلاة الرجل قاعدًا، فقال : إن صلى قائمًا فهو أفضل ، وإن صلى قاعدا
فله نصف أجر صلاة القائم ، ومن صلى [ نائمًا ] (٣) فله نصف أجر
القاعد)).
وترجم له باب صلاة القاعد بالإيماء .
أما حديث عائشة ففيه أنه من لم يقدر على صلاة الفريضة لعلَّة
نزلت به ، فإن فرضَهُ الجلوسُ ؛ ألا ترى قولها: ((وهو شاك ،
وكذلك في حديث أنس أنه سقط وا له من الفرس فخدش أو فجحش
شقه ] (٤) فصلى جالسًا ، فأراد البخاري [ أن يدل ] (٥) أن الفريضة
لا يصليها أحد جالسًا إلا ( مَنْ شَكَا ما يمنعُه) (٦) القيام.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قيام.
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فجحش . وهو خطأ.
(٣) كذا وقع هنا في ((هـ )) وهو داخل في السقط الواقع في الأصل ، وسيأتي في
الشرح في ((هـ)) ((بإيماء)) وهو الصواب الموافق لسياق الشرح، وقد نبه الحافظ
ابن حجر في الفتح (٦٨٣/٢) إلى وقوعها هكذا (( بإيماء)) مصحفة في رواية
((الأصيلي)) والتي شرح عليها ابن بطال .
(٤) من (( هـ )) وسقط من الأصل، فكأنه انتقال نظر من الناسخ .
(٥) من (( هـ ).
(٦) في (( هـ )) : مِنْ شكوى تمنعه .
.
- ١٠١ -

والعلماء مجمعون أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي الفريضة
جالسًا، وقد تقدّم في أبواب الإمامة في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به
اختلافهم في إمامة القاعد ، فأغنى عن إعادته .
وأما حديث عمران فإنما ورد في صلاة النافلة ؛ لأن المُصَلِّي فَرْضَهُ
جالسًا لا يخلو أن يكون مطبقًا [على ] (١) القيام أو عاجزاً عنه ، فإن
كان مطيقًا وصلى جالسًا فلا تجزئه صلاته عند الجميع ، وعليه
[إعادتها] (٢) فكيف يكون له نصف فضل مصلي (٣) فإذا عجز عن
القيام فقد سقط عنه فرض القيام وانتقل فرضه إلى الجلوس ، فإذا
صلى جالسًا فليس المصلي قائمًا أفضل منه .
وأما قوله: (( من صلى [ بإيماء ] (٤) فله نصف أجر القاعد )) فلا
يصح معناه عند العلماء ؛ لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر
على القيام إيماءً وإنما دخل الوهم على ناقل هذا الحديث فأدخل معنى
الفرض في لفظ النافلة، ألا ترى قوله: (( كان مَبْسُورًا)) وهذا يدل
على أنه لم يكن يقدر على أكثر مما أدى به فرضه وهذه صفة صلاة
الفرض ، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يقال [ لمن ] (٥) لا يقدر على
الشيء : لك نصف أجر القادر عليه ، بل الآثار الثابتة عن النبي
أنه من منعه الله وحيسه عن عمله بمرض أو غيره ، فإنه يكتب له أجر
عمله، وهو صحيح ، ورواية عبد الوارث وروح بن عبادة عن حسين
١١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عن. وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إعادته.
(٣) بإثبات الياء في ((الأصل)) و(( هـ)).
(٤) من (( هـ)) وهو الصواب، وفي ((الأصل)): قائماً. وسبق التنبيه على وجه
الصواب في ذلك .
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إن.
- ١٠٢ -

المعلم [ لحديث عمران هذا تدفعه الأصول ، والذي يصح فيه رواية
إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم ] (١) على ما يأتي في الباب بعد
هذا ، وهو في صلاة الفريضة .
وقد غلط النسائي في حديث عمران بن حصين وصحَّفَهُ وترجم له
باب : صلاة النائم ، فظن أن قوله عليه السلام: ومن صلى [بإيماء](٢)
إنما هو : ومن صلى [ نائمًا ] (٣) والغلط فيه ظاهر ؛ لأنه قد ثبت عن
النبي عليه السلام أن للمصلي إذا غلبه النوم أن يقطع الصلاة ، ثم [بين
عليه السلام] (٤) معنى ذلك قال: (( لعله يستغفر فيسبّ نفسه )) فكيف
يأمره بقطع الصلاة وهي مباحة له ، وله عليها نصف أجر
القاعد(٥).
والصلاة لها ثلاثة أحوال : أولها القيام ، فإن عجز عنه فالقعود ،
ثم إن عجز عن القعود فالإيماء ، وليس النوم من أحوال الصلاة .
باب: إذا لم [ يُطق ] (٦) قاعدًا صلى على جنب
/ وقال عطاء: إذا لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان (١٩٩٥/١ -ب]
وجهه .
فيه : عمران بن حصين قال: (( كانت بي بواسير فسألت النبي - عليه
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ)) وهو الصواب، وفي ((الأصل)): قائمًا. وهو خطأ.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قائمًا . وهو خطأ.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ثبت .
(٥) راجع تعليق الحافظ ابن حجر على هذا التوجيه في الفتح (٦٨٣/٢).
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : يكن .
- ١٠٣ -

السلام - عن الصلاة ، فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع قائمًا فقاعدًا،
فإن لم تستطع فعلی جنب )) .
هذا الحديث في صلاة الفريضة ، والعلماء مجمعون أنه يصليها كما
يقدر حتى ينتهي به الأمر إلى الإيماء على ظهره أو على جنبه كيفما تيسّر
عليه، فإن صلى على جنبه كان وجهه إلى القبلة على حسب دفن
الميت ، وإن صلى على ظهره كانت رجلاه في قبلته ويومئ برأسه إيماءً.
ومساق إبراهيم بن طهمان لهذا الحديث -ولم يذكر فيه : فله نصف
أجر القائم - يدل أنه في صلاة الفرض ، ويدل أن القيام لا يسقط
فرضه إلا بعدم الاستطاعة ، ثم كذلك القعود ، فإذا لم يقدر على
القعود انتقل فرضه إلى الإيماء على جنب أو كيف تهيّأ له ، حتى يسقط
عنه ذلك عند عدم القدرة فيصير إلى حالة الإغماء لا يلزمه شيء .
وحديث عمران هذا تعضده الأصول ولا يختلف الفقهاء في معناه
وهو أصح معنى من حديث روح بن عبادة وعبد الوارث عن حسين .
باب : إذا صلى قاعداً ثم صح أو وجد
یتم ما بقي
خفّةً
وقال الحسن : إن شاء المريض صلى ركعتين قاعدًا وركعتين قائمًا ..
فيه: عائشة أخبرته (١): (( أنها لم تر رسول الله وَلا يصلي صلاة الليل
قاعدًا قط حتى أسنّ ، فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ
نحواً من ثلاثين أو أربعين آبة ثم ركع )) .
هذه الترجمة في صلاة الفريضة وأما هذا الحديث فهو في النافلة ،
(١) يعني أخبرت عروة بن الزبير .
- ١٠٤ -

ووجه استنباط البخاري منه حكم الفريضة هو أنه لما جاز في النافلة
القعود لغير علَّة مانعة من القيام ، وكان عليه السلام يقوم فيها قبل
الركوع ، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلا بعدم القدرة
على القيام أَوْلى أن يلزم القيام فيها إذا ارتفعت العلة المانعة منه .
وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال ابن القاسم في المريض يصلي
مضطجعًا أو قاعدًا ثم [ يخف ] (١) عنه المرض فيجد قوة : أنه يقوم
فيما بقي من صلاته ، ويبني على ما مضى منها . وهو قول زفر
والشافعي .
وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : إن صلى ركعة مضطجعًا
ثم صح : أنه يستقبل الصلاة [ و] (٢) لو كان قاعدًا يركع ويسجد ،
بنى في قول أبي حنيفة ، ولم يبن في قول محمد بن الحسن .
وقال ابن القصار : الدليل على أنه يبني أن للمصلي ثلاثة أحوال :
أولها القيام مع القدرة ، وثانيها القعود إن عجز عن القيام ، وثالثها
الإيماء إن عجز عن القعود ، فقدرته على القعود بعد الإيماء يوجب
عليه البناء ، فيجب أن تكون قدرته على القيام توجب عليه البناء ؛
لأنه أصل كالقعود .
فإن قيل : الفصل بين المومئ والقاعد أن القاعد يقدر على الركوع
والسجود ، والمومئ لا يقدر عليه ، والقاعد معه بدل القيام ، والمومئ
لا بدل معه منه .
قيل : صلاته بالإيماء صحيحة [كقدرته ] (٣) على القيام والقعود
فقد استوت أحواله ، فإذا كان عجزه عن فرض لا يبطل الفرض الآخر
ويبني معه ، فقدرته على فرض لا تبطل الفرض الآخر ويبني معه .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : كف .
(٣) من ( هـ)) وفي ((الأصل)): لقدرته .
(٢) من ( هـ ).
- ١٠٥ -

فإن قالوا : قد جوزنا معكم إمامة القاعد ، ومنعنا إمامة المومئ فثبت
الفرق بينهما ؛ لأن القاعد معه بدل القيام والقعود جميعًا ، وقد صَحّ
عقده لتكبيرة الإحرام كما تصح في قيامه وقعوده ، وأما التفرقة: بينهما
في الإمامة فليس إذا أبطلنا حكم المأموم لعلة في الإمام ، وجب أن
تبطل صلاة الإمام ، وصلاة المومئ في نفسه صحيحة ، وإن لم يصح
الائتمام به ، كصلاة المرأة هي صحيحة وإن لم يصح الائتمام بها ،
والأمي بالقارئ .
وكذلك اختلفوا فيمن افتتح الصلاة قائمًا وصلى ركعة ، ثم عجز
عن القيام وصار إلى حال الإيماء ، فعند مالك أنه يبني عليها قاعدً .
وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي .
وقال أبو يوسف، ومحمد : تبطل صلاته إلا أن يتمادى قائمًا،
والدلائل المتقدمة تلزمه ؛ لأن طرءان العجز بعد القدرة كطرءان القدرة
بعد العجز ، وأن العجز عن الركن لا يبطل حكم الركن المقدور عليه
كما أن القدرة إذا طرأت لم تبطل حكم ما مضى .
[١/ ق ٢٠٠-١]
واختلفوا في / النافلة يفتتحها قاعدًا ، هل يجوز له أن يركع قائمًا؟.
قال الطحاوي : فكره ذلك قوم ، واحتجوا بما رواه حماد بن زيد عن
بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي ، عن عائشة قالت :
((كان رسول الله وَل يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا فإذا صلى قائمًا ركع
قائمًا ، وإذا صلى قاعدا ركع قاعداً )).
وخالفهم آخرون فأجازوا لمن افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قائمًا
واحتجوا بحديث عائشة المذكور في هذا الباب . وهو قول أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد ، وهو قياس قول مالك ، وقاله أشهب ..
قال الطحاوي : هذا الحديث أولى من حديث ابن شقيق [ عن
- ١٠٦ -

عائشة ؛ لأن في هذا الحديث أنه كان يركع قائمًا بعدما افتتح الصلاة
قاعدًا ، وهو نص في موضع الخلاف ، وتماديه على الركوع في حديث
ابن شقيق ] (١) حتى يركع قاعدًا لا يدل أنه ليس له أن يقوم فيركع
قائمًا ، وقيامه من قعوده حتى يركع قائمًا يدل أن له أن يركع قائمًا بعد
ما افتتح قاعدًا ، وهو حكم زائد ، والزيادة يجب الأخذ بها، فلذلك
جعلناه أولى من حديث ابن شقيق .
وقال مالك : من افتتح النافلة قائمًا ثم شاء الجلوس فله ذلك .
وخالفه أشهب فقال : إذا أحرم قائمًا في نافلة فلا يجلس لغير عذر ،
وقد لزمه تمامها بما نوى فيها من القيام ، فإن فعل أعاد إلا أن يُغلب فلا
قضاء عليه .
باب : التهجد بالليل و قوله ﴿ ومن اللیل
فتهجد به نافلة لك ﴾ (٢) أي اسهر نافلة لك
فيه: ابن عباس قال: ((كان رسول الله وَالر إذا قام من الليل بتهجد
قال: اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك
الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ملك
السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق
ولقاؤك حق، وقولك حق ، والجنة حق، والنار حق ، و [ النبيون ] (٣)
حق ، ومحمد حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ،
وعلیك تو کلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت وإليك حاكمت ، فاغفر
(١) من (( هـ).
(٢) الإسراء : ٧٩ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): النشور.
- ١٠٧ -

لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدم، وأنت
المؤخر، لا إله إلا أنت - أو لا إله غيرك)).
التهجد عند العرب : التيقظ والسهر بعد نومة من الليل ، والهجود
أيضًا النوم ، يقال : تهجّد إذا سهر وهجد إذا نام .
وقوله : ﴿ نافلة لك ﴾ (١) يعني فضلاً لك عن فرائضك .
واختلف في المعنى الذي من أجله خص بذلك رسول الله وَلخيله فقال
بعضهم : إنما خص بذلك لأنها كانت عليه فريضة ولغيره تطوع ،
فقال: أقمها نافلة لك . عن ابن عباس .
وقال مجاهد : إنما قيل له ذلك لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه
شيئًا من الذنوب ؛ لأن الله كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
فكان له نافلةً فضلٌ وزيادة ، فأما غيره فهو كفارة له وليس له نافلةً .
وقال الطبري : وقول ابن عباس أولى بالصواب ؛ لأن النبي - عليه
السلام - قد كان خصه الله بما فرضه عليه من قيام الليل دون سائر
أمته، ولا معنى لقول مجاهد ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان أشد
استغفاراً لربه بعد نزول قوله : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
تأخر ﴾ (٢) وذلك أن هذه السورة نزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية
وأنزل عليه : ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ عام قُبض ، وقيل له فيها
(فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا ﴾ فكان يعد استغفاره في
المجلس الواحد مائة مرة ، ومعلوم أن الله - تعالى - لم يأمره أن
يستغفره إلا بما يغفر له [ باستغفاره ] (٣) فبان فساد قول مجاهد
(١) الإسراء : ٧٩ .
(٢) الفتح : ٢ .
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): بدون الباء ولا يستقيم.
- ١٠٨ -
.--

وقال قتادة : نافلة لك : تطوعًا وفضيلة .
وفي حديث [ ابن عباس ] (١) تهجده عليه السلام وأنه كان يدعو
عند قيامه ويخلص الثناء على الله بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده
وفيه الأسوة الحسنة .
وقوله: (( أنت قيم السماوات والأرض)) فيه ثلاث لغات يقال :
قيام وقيوم وقيم . قال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء .
وكذلك قال أبو عبيد .
وقوله: ((أنت نور السماوات والأرض)) أي بنورك يهتدي من في
السماوات ومن في الأرض .
وقوله: (( أنت الحق)) فالحق اسم من أسمائه وصفة من صفاته .
((وقولك الحق)) يعني قولك الصدق والعدل .
/ ((ووعدك حق)) يعني لا تخلف الميعاد وتجزي الذين أساءوا بما [١/ ٢٠٠٥ -ب]
عملوا إلا ما تجاوز عنه ، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى .
وقوله: ((ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق)) فيه الإقرار بالبعث
بعد الموت ، والإقرار بالجنة والنار ، والإقرار بالأنبياء عليهم السلام .
وقوله: (( لك أسلمت)) معناه : انقدت لحكمك وسلمت ورضيت.
وقوله: ((وبك آمنت)) يعني صدقت بك وبما أنزلت ، والإيمان في
اللغة : التصديق .
(( وعليك توكلت)) تبرأ إليه من الحول والقوة وصرف أموره إليه .
قال الفراء : الوكيل : الكافي .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : ابن مسعود. وهو خطأ.
- ١٠٩ -

وقوله : ((إليك أنبت )) أي أطعت أمرك، والمنيب المقبل بقلبه
إلى الله ((وبك خاصمت)) يقول : بما آتيتني من البراهين احتججت.
(( وإليك حاكمت)) يعني إليك احتكمت مع كل من أبى قبول الحق
والإيمان ، وكان عليه السلام يقول عند القتال: ((اللهم أنزل الحق ))
ويستنصر .
وقوله: ((اغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت)) أُمر
الأنبياء وإن كانوا قد غفر لهم أن يستغفروا الله ويدعوا الله ، ويرغبوا
إليه، ويرهبوا منه؛ وكان عليه السلام يقول: ((اللهم إني أستغفرك
من عمدي وخطئي وجهلي وظلمي ، وكل ذلك عندي » يُقر على نفسه
بالتقصير ، وكان يقول في سجوده (( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما
باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الذنوب كما نقيت الثوب
الأبيض من الدنس )) وبهذا رفع الله رسله وأنبياءه ؛ أنهم يجتهدون في
الأعمال لمعرفتهم بعظمة من يعبدونه ، فأمتهم أحرى بذلك . قاله
[الداوودي ] (١)
قال المهلب: وقوله: ((أنت المقدم وأنت المؤخر)) يعني أنه (٢) قُدّم
في البعث إلى الناس على غيره عليه السلام: بقوله: (( نحن الآخرون
السابقون )) ثم قدمه عليهم يوم القيامة بالشفاعة بما فضله به على سائر
الأنبياء ، فسبق بذلك الرسل .
باب : فضل قيام الليل
فيه : ابن عمر: (( كان الرجل منا في زمن رسول الله وَلو إذا رأى رؤيا
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): كأنها الرازي أو الداوي. وكلاهما خطأ
(٢) أي: النبى وَلا
- ١١٠ -

قصها على رسول الله وَل [ فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على
رسول الله](١) وكنت غلامًا شابًا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله
فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية
كطي البئر وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول :
أعوذ بالله من النار ، فلقينا ملك آخر فقال لي : لم تُرِعْ . فقصصتها على
حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله وَليلةٍ فقال : نعم الرجل عبد الله لو
كان يصلي من الليل . فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً )).
قال المهلب : إنما فسر الرسول هذه الرؤيا في قيام الليل - والله
أعلم- من أجل قول الملك الآخر : لم ترع أي لم تعرض عليك لأنك
مُستحقها ، إِنما ذُكِّرْتَ بها ، ثم نظر رسول الله في أحوال عبد الله فلم
ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض [ فيذكر ] (٢) بالنار، وعلم مبيته في
المسجد فعبَّر بذلك ؛ لأنه منبه على قيام الليل فيه بالقرآن ، ألا ترى أن
النبي - عليه السلام - رأى الذي علمه القرآن ونام عنه بالليل تشدخ
رأسه إلى يوم القيامة في رؤياه عليه السلام .
وفيه أن قيام الليل ينجي من النار .
وروى سنيد : حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ،
عن جابر بن عبد الله قال: ((قال رسول الله وَله : قالت أم سليمان
السليمان : يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل
فقيرًا يوم القيامة )) .
وذكر الطبري : قال حدثنا أحمد بن بشير ، حدثنا يزيد بن زريع ،
حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَل: ((الرؤيا ثلاث : فرؤيا حق ، ورؤیا یحدث بها
(١) من ( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فذكره .
- ١١١ -

الرجل نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، فمن رأى ما يكره فليقم
!
فليصل )) .
فيه : تمني الخير والعلم والحرص عليه ؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من
ستة وأربعين جزءًا من النبوة ، وتفسير النبي لها من العلم الذي يجب
الرغبة فيه .
[١/ ق ٢٠١-١]
باب : طول السجود في قيام / الليل
فيه: عائشة: (( أن الرسول كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك
صلاته ، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن
يرفع رأسه ... )) الحديث .
أما طول [ سجود ] (١) النبي - عليه السلام - في قيام الليل
[فذلك] (١) والله أعلم ( لاجتهاده ) (٢) فيه بالدعاء والتضرع إلى الله،
وذلك أبلغ أحوال التواضع والتذلل إلى الله - تعالى - وهو الذي أبى
إبليس منه فاستحق بذلك اللعنة إلى يوم الدين والخلود في النار أبدًاً ،
فكان عليه السلام يطول في السجود في خلوته ومناجاته لله شكراً على
ما أنعم به عليه ، وقد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . .
وفيه : الأسوة الحسنة لمن لا يعلم ما يفعل به أن يمتثل فعله عليه
السلام [ في صلاته ) (١) بالليل وجميع أفعاله ويلجأ إلى الله في سؤال
العفو والمغفرة ، فهو الميسر لذلك عز وجهه، وكان (السلف)(٣)
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)) : الاجتهاد .
(٣) في ((هـ): الصحابة.
- ١١٢ -

يفعلون ذلك، قال [ أبو ] (١) إسحاق : ما رأيت أحدًا أعظم سجدة
من ابن الزبير .
وقال يحيى بن وثاب : كان ابن الزبير يسجد حتى تنزل العصافير
على ظهره ، وما تحسبه إلا جرم حائط .
#
*
باب : ترك القيام للمريض
فيه : جندب: (( اشتكى النبي - عليه السلام- فلم يقم ليلة أو ليلتين)).
وقال جندب : (( احتبس جبريل عن النبي - عليه السلام - فقالت
امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه . فنزلت : ﴿ والضحى والليل إذا
سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف
يعطيك ربك فترضى ﴾» .
[ قال المؤلف: رُوي عن النبي وَ﴿ أنه من كان له حظ من العبادة
ومنعه الله منها بمرض فإن الله - عز وجل - يتفضل عليه بهبة ثوابها .
وروى أبو موسى عن النبي ◌َطلّ أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر
يكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» ذكره البخاري في كتاب الجهاد.
ورُوي عن النبيِ وَله قال: ((ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها
نوم إلا كتب له أجر صلاته ، وكان نومه عليه صدقة )) .
قال المهلب: لما لم يقم النبي وَلل وقت شكواه، ولم تسمعه المرأة
يصلي حينئذ ظنت هذا الظن والقصة واحدة رواها جندب .
وقد رُوي (( أن خديجة (٢) قالت للنبي وَ لّ حين أبطأ عنه الوحي:
(١) من ((هـ)) وهو السبيعي، وفي ((الأصل)) ابن . وهو خطأ.
(٢) راجع فتح الباري لابن حجر (١٢/٣).
- ١١٣ -

إن ربك قد قلاك ، فنزلت : ﴿ والضحی والليل إذا سجى ما ودعك
ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك
فترضى﴾](١) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة من لؤلؤ ترابها المسك في
كل قصر ما ينبغي له ، ذكره بقي بن مخلد في التفسير .
وقد قيل في هذا الحديث : من لم يرزء في جسمه فليظن أن الله قد
قلاه . لكن روي عنه عليه السلام أنه قال: (( لا يحزن أحدكم ألا
يراني في منامه، إذا كان طالبًا للعلم فله في ذلك العوض )) (٢).
باب : تحريض النبي عليه السلام على قيام
الليل والنوافل من غير إيجاب وطرق الرسول
فاطمة وعليا ليلا للصلاة
فيه: أم سلمة: (( أن النبي ◌َل﴿ استيقظ ليلة فقال : سبحان الله ماذا
أنزل الليلة من الفتن ، ماذا أنزل من الخزائن ، من يوقظ [صواحب] (٣).
الحجرات، يَارُبّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) .
وفيه: عليّ: (( أن الرسول طرقه وفاطمة [بنت النبي ◌َ#] (١) ليلة فقال:
ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول الله ، أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا،
فانصرف حين قلت ذلك ولم [ يرجع ] (٤) إلي [ شيئًا ] (٥) ثم سمعته
(١) من ( هـ)).
(٢) لم يتبين لي وجه المناسبة بين ما قيل في الحديث ، وما روي عنه عليه السلام ،
. ولم أقف على هذا الحديث فالله أعلم .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: صاحب . كذا .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يراجع.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شيء.
.-
- ١١٤ -

وهو مولي (١) يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء
جدلا﴾ (٢) )).
وفيه: عائشة قالت: ((إن كان رسول الله وَ ل ليدع العمل وهو يحب
أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ... )) الحديث .
وقالت عائشة: ((صلى رسول الله وَلي ذات ليلة في المسجد فصلى
بصلاته ناسٌ ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الليلة
الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله تَطاهر، فلما أصبح قال: قد
رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إلا ( أنني ) (٣) خشيت أن
یفرض علیکم وذلك في رمضان )) .
وفي حديث أم سلمة وحديث علي فضل صلاة الليل وإنباه النائمين
من الأهل والقرابة . قال الطبري : وذلك أن الرسول أيقظ لها عليا
وبنته مرتين ؛ حثا لهما على ذلك في وقت جعله الله لخلقه سكنًا ؛ لَمَّا
علم عظيم ثواب الله عليها ، وشرفت عنده منازل أصحابها ، اختار
لهم إحراز فضلها على السكون والدعة .
قال المهلب : في حديث علي رجوع المرء عما ندب إليه ، إذا لم
يوجب ذلك ، وأنه ليس للإمام والعالم أن يشتد في النوافل وقوله :
((أنفسنا بيد الله)) فهو كلام صحيح قنع به النبي - عليه السلام -
من العذر [ لترك ] (٤) النافلة، ولا [ يعذر ] (٥) بمثل هذا
(١) كذا في (( الأصل)) و((هـ )) بإثبات الياء.
(٢) الكهف : ٥٤ .
(٣) في (( هـ)»: أني.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): في .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يقدم . كذا .
- ١١٥ -

في فريضة، وقوله: ((أنفسنا بيد الله)) كقول بلال: (( أخذ بنفسي
الذي أخذ بنفسك )) وهو معنى قوله تعالى : ﴿ الله یتوفی الأنفس حین
موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت﴾ (١)
[٢٠١٥/١-ب) أي أن نفس النائم / مسكة بيد الله ، وأن التي في اليقظة مرسلة إلى
جسدها، غير خارجة من قدرة الله - تعالى - فقنع بذلك النبي
وانصرف .
وأما ضربه فخذه وقوله : ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا﴾ (٢)
فإنه يدل أنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم ، وكذلك لا يحرج
الناس إذا حُضوا على النوافل ولا يُضيّق عليهم وإنما يذكروا في ذلك
ويشار عليهم .
وقوله : ((ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا أنزل من الخزائن)» قال.
ذلك لما أعلمه الله من الوحي أنه يفتح على أمته من الغنى والخزائن ،
وعرفه أن الفتن مقرونة بها مخوفة على من فتحت عليه ؛ ولذلك آثر
كثير من السلف القلة على الغنى ؛ خوف التعرض لفتنة المال ، وقد
استعاذ النبي - عليه السلام - من فتنة الغنى كما استعاذ من فتنة الفقر.
وقوله: (( من يوقظ صواحب الحجرات )) يريد أزواجه عليه السلام.
[ يعني ] (٣) من يوقظهن للصلاة بالليل، وهذا يدل أن الصلاة تنجي
من شر الفتن ، ويُعتصم بها من المحن .
وقوله: ((كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )) يريد كاسية بالثياب
الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن ، ومن يحرم عليه النظر إلى ذلك
منهن ، وهن عاريات في الحقيقة فربما عوقبت في الآخرة بالتعري.
(١) الزمر : ٤٢ .
(٢) الكهف : ٥٤ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يريد.
- ١١٦ -

الذي كانت إليه [ مائلة ] (١) في الدنيا ، مباهية بحسنها ، فعرف
النبي - عليه السلام - أن الصلاة تعصم من شر ذلك ، وقد فسر مالك
حديث كاسيات عاريات أنهن لابسات رقيق الثياب وقد يحتمل أن يريد
عليه السلام بقوله : (( كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )) النهي عن
لباس رقيق الثياب واصفًا كان أوغير واصف خشية الفتنة وسيأتي هذا
المعنى مستوعبًا في كتاب الفتن في باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر
منه .
وأما حديث عائشة فظاهره أن من الفرائض ما يفرض الله على العباد
من أجل رغبتهم فيها وحرصهم عليها ، والأصول ترد هذا التوهم ،
وذلك أن الله فرض على عباده الفرائض وهو عالم بثقلها وشدتها
عليهم ، أراد محنتهم بذلك لتتم الحجة عليهم فقال : ﴿وإنها لكبيرة
إلا على الخاشعين ﴾ (٢) وقال موسى لمحمد - عليه السلام - ليلة
الإسراء حين رده الله من خمسين صلاة إلى خمس صلوات : ((راجع
ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك )) .
ويحتمل حديث عائشة - والله أعلم - معنيين : أحدهما أنه يمكن
أن يكون هذا القول منه عليه السلام في وقت فرض قيام الليل عليه
دون أمته؛ لقوله في الحديث ((لم يمنعني من الخروج إليكم إلا
(أنني)(٣) خشيت أن تفرض عليكم)) فدل أنه كان فرضًا عليه وحده .
وقد روي عن ابن عباس أن قيام الليل كان فرضًا على النبي - عليه
السلام-، ذكره ابن الأدفوي، فيكون معنى قول عائشة: ((إن كان
رسول الله (* ليدع العمل)) يعني إن كان يدع إظهار عمله لأمته
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المائلة.
(٢) البقرة : ٤٥ .
(٣) في (( هـ )) : أني .
- ١١٧ -

ودعاءهم إلى فعله معه ، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلا،
وقد فرضه الله - تعالى - [ عليه ] (١) أو ندبه إليه ؛ لأنه كان أتقى
أمته لله وأشدهم اجتهادًا ؛ ألا ترى [ أنه ] (١) لما اجتمع الناس من
الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم ، ولا شك أنه صلى حزبه تلك
الليلة في بيته .
فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه صلاة الليل أن يسّوي الله -
تعالى- بينهم وبينه في حكمها فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض
عليه؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة ،:
فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم ( فيها ) (٢) سواء، وكذلك ما
كان منها سنة أو نافلة .
والمعنى الثاني هو أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه
أن يضعفوا عنها فيكون من تركها عاصيًا لله في مخالفته لنبيه، وترك
اتباعه ، متوعدًا بالعقاب على ذلك ؛ لأن الله - تعالى - فرض اتباعه
فقال : ﴿ واتبعوه لعلكم تهتدون ﴾ (٣) وقال في ترك اتباعه: ﴿فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (٤)
فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه ؛ لأن طاعة
الرسول كطاعة الله ، وكان عليه السلام رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم .
وسيأتي في باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعني في
كتاب الاعتصام زيادة في هذا المعنى وبيانه - إن شاء الله تعالى .
وقال المهلب : في حديث عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين
سنة ؛ لأنه عليه السلام صلى بصلاته ناس ائتموا به ، وهذا خلاف
... ) (٥) عمر ، ولم يتق الله في مقالته
قول من أزرى فقال: (
(١) من (هـ)). (٢) في ((هـ): فيه. (٣) الأعراف: ١٥٨. (٤) النور : ٦٣
(٥) كلمة في ((الأصل)) و((هـ )) لم أتبينها، صورتها كأنها : ((سخرة)) لكن
الخط يحتمل أن تكون هذه السين حرفين كالباء والتاء ونحوهما ، فالله أعلم .
- ١١٨ -

/ ولا صدق ؛ لأن الناس كانوا يصلون لأنفسهم أفذاذا ، وإنما فعل [١/ ٥ ٢٠٢-١]
عمر التخفيف عنهم ، فجمعهم على قارئ واحد يكفيهم القراءة
ويفرغهم للتدبر .
وقد احتج قوم من الفقهاء بقعود النبي ◌َ﴾ عن الخروج إلى
أصحابه الليلة الثالثة أو الرابعة وقالوا : إن صلاة رمضان في البيت
للمنفرد أفضل من صلاتها في المسجد . منهم مالك وأبو يوسف
والشافعي ، وقال مالك : كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون
ولا يقومون مع الناس وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله وَ الر إلا في
بيته .
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر ، وسالم ، وعلقمة ، والأسود
أنهم كانوا لا يقومون مع الناس في رمضان . وقال الحسن البصري :
لأن تفوه بالقرآن أحب إليك من أن يفاه به عليك .
ومن الحجة لهم أيضًا حديث زيد بن ثابت (( أن النبي - عليه
السلام - حين لم يخرج إليهم قال لهم : إني خشيت أن يفرض
عليكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته
إلا المكتوبة)) فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد لا سيما
مع رسول الله وَخُلّ في مسجده.
وخالفهم آخرون فقالوا : صلاتها في الجماعة أفضل . قال الليث:
لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حتى تترك المساجد ،
حتى لا يقوم فيها [ أحد ] (١) لكان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى
المسجد حتى يقوموا فيه ؛ لأن قيام الناس في رمضان الأمر الذي لا
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أحداً . كذا.
- ١١٩ -

ينبغي تركه، وهو ما سَنَّ عمر بن الخطاب [ للمسلمين] (١).
وجمعهم [ علیه ] (١) .
ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله بن السائب قال: (( كنت أصلي
بالناس في رمضان فبينا أنا أصلي إذ سمعت تكبير عمر على باب:
المسجد قدم معتمرًا فدخل فصلى خلفي )) .
وكان ابن سيرين يصلي مع الجماعة ، وكان طاوس يصلي لنفسه
ويركع ويسجد معهم ، وقال أحمد بن حنبل : كان جابر يصليها في
جماعة . وروي عن علي وابن مسعود مثل ذلك، وهو قول محمد بن
عبد الحكم .
قال الطحاوي : وممن قال إن الجماعة أفضل : عيسى بن أبان ،
والمزني ، وبكار بن قتيبة ، وأحمد بن أبي عمران ، واحتج أحمد في
ذلك بحديث أبي ذر (( أن النبي -عليه السلام- خرج لما بقي من الشهر
سبع فصلى بهم حتى [مضى] (٢) ثلث الليل، ثم لم يصل بنا السادسة
ثم خرج الليلة ( الخامسة ) (٣) فصلى بنا حتى مضى شطر الليل فقلنا:
يا رسول الله، لو نفلتنا . قال: إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى
ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة ، ( ثم خرج الليلة السابعة ) (٤).
وخرجنا وخرج بأهله حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح وهو السحور ؟ رواه
ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل ، عن داود بن أبي هند ، عن
الوليد بن عبد الرحمن الجُرشي ، عن جبير بن نفير ، عن أبي ذر .
قال الطحاوي : وكل من اختار التفرد فينبغي أن يكون ذلك على أن
لا ينقطع معه القيام في المسجد [ فأما الذي ينقطع معه القيام في
المسجد ] (١) فلا . قال : وقد أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل
(١) من (( هـ)).
.(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مضت .
(٣) كذا في ((الأصل)) و((هـ)) وهو غير مستقيم ، وفي مصنف ابن أبي شيبة
(٣٩٤/٢) : السابعة .
(٤) كذا ، وليس ذلك في المصنف .
- ١٢٠ -