Indexed OCR Text

Pages 61-80

باب : من رأى أن الله لم يوجب السجود
وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها . قال:
أرأيت لو قعد لها . كأنه لا يوجبه عليه . وقال سلمان : ما لهذا
[غدونا](١). وقال عثمان: إنما السجدة على من استمعها . وقال
الزهري : لا تسجد إلا وأنت طاهر ، فإذا سجدت وأنت في حضر
فاستقبل القبلة ، فإن کنت راكبًا فلا علیك حیث کان وجهك . وكان
السائب بن يزيد لا يسجد لسجود [القاص] (٢).
وفيه : (( عمر بن الخطاب أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر [ بسورة
النحل](٣) حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس ، حتى إذا
كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: / يا أيها الناس، [١٩٢٥/١- ب]
إنما نمرّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن [ لم يسجد ] (٤) فلا إثم
علیه . ولم يسجد عمر )) .
وزاد نافع عن ابن عمر: ((إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء)).
اختلف الفقهاء في سجود القرآن ، فقال مالك ، والليث ،
والأوزاعي ، والشافعي : سجود القرآن سنة . وقال أبو حنيفة : هو
واجب . واحتج أصحابه لوجوبه بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم
القرآن لا يسجدون ﴾ (٥) قالوا : والذم لا يتعلق إلا بترك الواجبات .
وبقوله : ﴿واسجد واقترب ﴾ (٦) وقالوا : هذا أمر .
قال ابن القصار : فالجواب أن الذم هاهنا للكفار بأنهم لا يؤمنون
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): عندنا. كذا.
(٢) من ((هـ))، ولم يذكر غيره في الفتح (٢/ ٦٥٠)، وفي ((الأصل)): القارئ.
(٣) من ( هـ )).
(٤) من ((هـ))، ولم يذكر غيره في الفتح (٢/ ٦٥٠)، وفي (( الأصل)): لا .
وهي صواب أيضًا .
(٥) الانشقاق : ٢١ .
(٦) العلق : ١٩ .
٠
- ٦١ -

وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ، فعلق الذم بترك الجميع ؛ لأنهم.
لو سجدوا ألف مرة في النهار مع كونهم كفارًا كان الذم لاحقًا بهم ،
فعلمنا أن الذم لم يختص السجود ، ويزيد هذا بيانًا قوله تعالى : ﴿بل
الذين كفروا يكذبون ﴾ (١) فلم يقع الوعيد إلا على التكذيب
وقوله: ﴿واسجد واقترب ﴾ (٢) هو أمر له بالصلاة وتعليم له ، وقد
تقدم أن سجود القرآن إنما هو [ ما ] (٣) جاء بلفظ الخبر ، وما جاء
بلفظ الأمر إنما هو إعلام له بالصلاة وأمر له بالسجود فيها .
وما ذكره البخاري في هذا الباب عن الصحابة من تركهم السجود
ولا مخالف لهم فهو حجة لمن لا يوجبه ؛ لأن الفرض لا يجوز
تركه، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار
على غيره في قوله: (( ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ألا ترى قول
عمر: ((إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء)).
قال المهلب : وفي فعل عمر دليل على أن على العلماء أن يبيِّنْوا
كيف لزوم السنن إن كانت على العزم أو الندب والإباحة ، وكان عمر
من أشد الناس تعليمًا للمسلمين كما تأول له رسول الله له في الرؤيا
[ أنه استحالت] (٤) الذّنُوب بيده غَرْبًا فتأوّل له العلم ، ألا ترى إلى
قول عمر حين رأى أنه قد بلغ من تعليم الناس إلى غاية رضيها قال :
قد سُنَّتْ لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على
الواضحة. فأعلمنا [ بهذا القول ] (٣) أنه يجب أن يفصل بين السنن
والفرائض .
(١) الانشقاق : ٢٢ .
(٣) من (( هـ).
(٢) العلق : ١٩ .
(٤) في (( هـ )) : أن استحالة .
- ٦٢ -

باب : من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها
فيه: أبو رافع قال: ((صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ((إذا
السماء انشقت )) فسجد ، فقلت : ما هذا ؟! قال : سجدت بها خلف
أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه )) .
في هذا الحديث حجة لقول الشافعي والثوري أنه من قرأ سجدةً في
صلاة مكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها ، إلا الذين لا يرون السجود
في المفصّل لا يرون السجود في هذه السورة ، فإن فعل فلا حرج
عندهم في ذلك ، وقد كره مالك قراءة سجدة في صلاة الفريضة فيما
يجهر به ، وفيما لا يجهر به مرة ، و[ أجازه ] (١) أخرى .
وقال ابن حبيب : لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسرّ فيه ، ويقرأها
فيما يجهر فيه ، وروي مثله عن أبي [ حنيفة ] (٢). ومنع ذلك أبو
مجلز ، ذكره الطبري عنه أنه كان لا يرى السجود في صلاة الفريضة ،
وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة ما ليس فيها ، ورأى أن السجود فيها
غير الصلاة .
قال الطبري : وحديث أبي هريرة شاهد بخلاف قول أبي مجلز ،
ودليل كاف يقضي [ بصحة ] (٣) قول الجماعة، وبه عمل السلف من
الصحابة وعلماء الأمة . وروي عن عمر بن الخطاب أنه صلى الصبح
فقرأ: ((والنجم)) فسجد فيها، وقرأ مرةً في الصبح ((الحج)) فسجد
فيها سجدتين ، وقال ابن مسعود في السورة يكون آخرها سجدة : إن
شئت سجدت بها [ ثم ] (٤) قمت فقرأت وركعت ، وإن شئت
ركعت [ بها ] (٥) .
(١) في ((الأصل)) و((هـ)): تقرأ: اختاره، أو اجتازه. والمثبت هو الأقرب
للسياق والله أعلم .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بحينة . خطأ.
(٣) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): صحة. (٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : فيها .
- ٦٣ -

وقال الطحاوي : إنما قرأ الرسول السجدة في العتمة والصبح ،
وهذا فيما جهر فيه ، وإذا سجد في قراءة السُّرُّ لم يدر الناس لم سجد
...
للتلاوة في الصلاة أم غيرها أو سجود شكر، فيسجدون [ من غير](١)
علم لما سجدوا له .
وفي حديث أبي هريرة حجة لمن قال : إن سجدة ((إذا السماء
انشقت)) ليست من عزائم السجود ؛ لترك السلف السجود فيها ،
ولذلك أنكر أبو رافع على أبي هريرة سجوده فيها كما أنكره عليه أبو
سلمة :
وقول أبي هريرة: (( سجدت بها خلف أبي القاسم ، فلا أزال
أسجد بها )) يحتمل أن يكون سجد بها خلفه ، ولم يواظب عليه
السلام على السجود فيها ؛ ولذلك أجمع الناس على تركها ، ولو
[١٩٣٥/١-١] واظب عليه لم يخف ذلك عليهم / ولا تركوها .
*
باب : من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام من الزحام
فيه: ابن عمر قال: (( كان النبي - عليه السلام - يقرأ السورة التي فيها
السجدة فیسجد ونسجد حتی ما یجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته )).
قال المؤلف : لم أجد في هذه المسألة نصا للعلماء ، ووجدت
أقوالهم فيمن لايقدر على السجود على الأرض من الزحام في صلاة
الفريضة ، فكان عمر بن الخطاب يقول : يسجد على ظهر أخيه . وبه
قال الثوري ، والکوفیون ، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور .
وقال نافع مولى ابن عمر: يومئ إيماءً . وقال عطاء ، والزهري :
يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد . وهو قول مالك وجميع
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): لغير.
- ٦٤ -

أصحابه، وقال مالك : إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة . وذكر
ابن شعبان في مختصره عن مالك قال : يعيد في الوقت وبعده . وقال
أشهب : يعيد في الوقت لقول عمر : اسجد ولو على ظهر أخيك .
فعلى قول من أجاز السجود في صلاة الفريضة من الزحام على ظهر.
أخيه فهو أجوز عنده في سجود القرآن ؛ لأن السجود في الصلاة فرض
وليس سجود القرآن بفرض .
وعلى قول عطاء ، والزهري ، ومالك الذين لا يجيزون السجود
في الصلاة من الزحام وغيره إلا على الأرض ، يحتمل أن يجوز
عندهم سجود التلاوة في الصلاة على ظهر رجل وإيماء على غير
الأرض ، كقول الجمهور ؛ لما قدمنا من الفرق بين سجود التلاوة وبين
سجود الصلاة ، ويحتمل خلافهم ، واحتمال وفاقهم أشبه بدليل
حديث ابن عمر ، وهو المقنع في ذلك - إن شاء الله تعالى .
*
أبواب تقصير الصلاة
باب : ما جاء في تقصير الصلاة و[ كم ] (١) يقيم حتى يقصر
فيه : ابن عباس قال: (( أقام الرسول تسعة عشر يومًا بقصر ، فنحن إذا
سافرنا تسعة عشر يومًا قصرنا وإن زدنا أتممنا)) .
وفيه: أنس: (( قال خرجنا مع النبي - عليه السلام - من المدينة إلى
مكة ، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ، قلت : أقمتم
بمكة [شيئًا؟] (٢) قال: أقمنا عشراً)).
إنما أقام الرسول تسعة عشر يومًا يقصر ، لأنه كان محاصراً في
(١) من ( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ستا. خطأ.
- ٦٥ -

حصار الطائف أو خرب هوازن ، فجعل ابن عباس هذه المدة حدا بين
القصر والإتمام ؛ لقوله: (( فنحن إذا سافرنا تسعة عشر يومًا قصرنا
وإن زدنا أتممنا )) .
قال المهلب : والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوّله ابن عباس
ويقولون : إنه كان عليه السلام في هذه المدة التي ذكرها ابن عباس غير
عازم على الاستقرار ؛ لأنه كان ينتظر الفتح ثم يرحل بعد ذلك ، فظن
· ابن عباس أن التقصير لازم إلى تسعة عشر يومًا ، ثم ما بعد ذلك
حضر تُتم فيه الصلاة ، ولم يُراع نيته في ذلك .
وقد روى جابر بن عبد الله ((أن النبي وَّلة أقام بتبوك عشرين ليلة
يقصر الصلاة)) . ذكره عبد الرزاق . وروى ابن عيينة عن ابن أبي
نجيح أنه سأل سالم بن عبد الله : كيف كان ابن عمر يصنع ؟ قال :
إذا أجمع المكث أتم ، وإذا قال : اليوم وغدًا قصر الصلاة ، وإن
مكث عشرين ليلةً .
والعلماء مجمعون على هذا لا يختلفون فيه ، وتأوّل الفقهاء في
حديث أنس أيضًا أن إقامته عليه السلام بمكة لا استيطانًا لها لئلا يكون
رجوعًا في الهجرة، وقد روي عن ابن عباس أيضًا : أما من نوى
إقامة عشر ليال أنه يتم الصلاة . وهو قول له آخر خلاف تأويله
للحديث ، ولا أعلم أحدًا من أئمة الفتوى قال بحديث ابن عباس
وجعل تسعة عشر يومًا حدا للتقصير فهو مذهب له انفرد به ، وقد ذكر
ابن أبي شيبة عن حفص ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
((أن نبي الله أقام [سبع] (١) عشرة يقصر الصلاة)) قال ابن عباس :
(١) من ((هـ))، ومثله في مصنف ابن أبي شيبة (٤٥٤/٢)، وفي ((الأصل):
تسعة . خطأ .
- ٦٦ -

من أقام سبع عشرة قصر الصلاة ، ومن أقام أكثر من ذلك أتم . وإنما
جاء هذا الحديث - والله أعلم - من الرواة ، وروى عبّاد بن منصور،
عن عكرمة (( تسع عشرة )) كما روى البخاري، ولم يقل [ سبع ] (١)
عشرة أحد من الفقهاء أيضًا إلا الشافعي / فإنه قال : من أقام بدار (١٩٣٥/١ -ب]
الحرب خاصةً سبع عشرة ليلةً قصر . وسأذكره في هذا الباب - إن
شاء الله .
وأما حديث أنس فروي عن علي وابن عباس أنه إذا نوى إقامة عشر
ليال أتم الصلاة .. وسيأتي اختلاف العلماء في هذه المسألة بعد هذا في
باب كم أقام النبي - عليه السلام - في حجته . وأذكر فيه طرفًا من
أقوالهم وحجتهم في ذلك .
وتأويل الفقهاء في حديث أنس أيضًا أن إقامته عليه السلام بمكة
عشرًا كانت بنية الرحيل ، وكانت العوائق تمنعه من ذلك ، فما كان
على نية الرحيل فإنه يقصر فيه وإن أقام مدةً طويلة بإجماع العلماء .
وفي حديث ابن عباس من الفقه ما ذهب إليه مالك ، وأبو حنيفة
وأحد قولي الشافعي أنه من كان في أرض العدو من المسلمين ونوى
الإقامة مدة يتم المسافر في مثلها الصلاة [ أنه يقصر الصلاة ] (٢) لأنه
لايدري متى يرحل .
قال ابن القصار : والقول الثاني للشافعي الذي خالف فيه الفقهاء
قال : إن كان المقيمون بدار الحرب ينتظرون الرجوع كل يوم فإنه يجوز
لهم أن يقصروا إلى سبعة عشر يومًا أو ثمانية عشر يومًا ، فإذا جاوزوا.
هذا المقدار أتمّوا ، واحتج بأن الرسول أقام بهوازن هذه المدة يقصر ،
وقوله الأول الموافق للفقهاء أولى ؛ لأن إقامة من كان بدار الحرب
ليست بإقامة صحيحة ، وإنما هي موقوفة على ما يتفق لهم من الفتح؛
لأن أرض العدو ليست بدار إقامة للمسلمين .
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصلى)): تسع. خطأ.
(٢) من (( هـ).
- ٦٧ -

وقد روى جابر أن النبي - عليه السلام - أقام بتبوك عشرين يومًا
يقصر الصلاة ، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر [ يحارب و] (١).
يقصر، وأقام أنس بنيسابور سنتين يقصر الصلاة، و[فعله ] (٢)
جماعة من الصحابة
باب : الصلاة بمنى
فيه : ابن عمر قال: « صليت مع النبي - عليه السلام - بمنی ركعتين
وأبي بكر وعمر ، ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أنّها )) .
وفيه: حارثة بن وهب قال : (( صلى بنا النبي - عليه السلام -
[آمِنَ](١) ما كنا بمنى ركعتين)).
وفيه : عبد الرحمن بن يزيد قال : (( صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع
ركعات، فقیل ذلك لعبد الله بن مسعود ، فاسترجع ثم قال : صليت مع
رسول الله بمنی ر کعتین ، وصلیت مع أبي بکر بمنی ر کعتین ، وصلیت مع
عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان
متقبلتان )).
اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى
وسائر المشاهد ؛ لأنه عندهم في سفر؛ إذ ليست مكة دار إقامة إلا
لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها ، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك
المقام بها، فلذلك لم يَنْوِ رسول الله وَر الإقامة بمكة ولا بمنى.
واختلف الفقهاء في صلاة المكي بمنى ، فقال مالك: يتم المكي بمكة
ويقصر بمنى ، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة
(١) من (( هـ )).
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): نقله.
- ٦٨ -
1

وعرفات ، وجعل أن هذه المواضع مخصوصة بذلك ؛ لأن الرسول لما
قصر بعرفة لم يميّز من وراءه ، ولم يقل : يا أهل مكة أتموا . وهذا
موضع بيان ، وكذلك عمر بن الخطاب بعده قال لأهل مكة : يا أهل
مكة ، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر . وممن روي عنه أن المكي يقصر
بمنى: ابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، وطاوس، وبه قال الأوزاعي ،
وإسحاق .
وقالت طائفة : لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات ؛ لأنه ليس
بينهما مسافة ما تقصر فيه الصلاة . روي ذلك عن عطاء ، والزهري ،
وهو قول الثوري ، والكوفيين ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ،
قالوا : وفي قول عمر بن الخطاب لأهل مكة : أتموا صلاتكم . ما
أغنى أن يقول ذلك بمنى .
قال الطحاوي : ليس الحج موجبًا للقصر ؛ لأن أهل منى وعرفات
إذا كانوا حجاجًا أتموا ، وليس هو متعلقًا بالموضع ، وإنما هو متعلق
بالسفر ، وأهل مكة مقيمون هناك فلا يقصرون ، ولما كان المعتمر لا
يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج .
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث حارثة بن وهب قال: (( صلى
بنا النبي - عليه السلام - ونحن أكثر ما كنا قط وآمنَ بمنى ركعتين )»
وحارثة كانت أمه تحت عمر بن الخطاب فولدت له عبد الله ، وكانت
دار حارثة بمكة ، ولو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال حارثة :
وأتممنا نحن ، أو : قال لنا : أتموا ؛ لأنه عليه السلام يلزمه البيان
لأمته فثبت القصر بمنى لأهل مكة بالسنة .
وأما إتمام الصلاة في السفر فإن العلماء والسلف اختلفوا في ذلك
/ فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة ، روي ذلك عن عائشة، وسعد بن [١/ ١٩٤٥-]
أبي وقاص أنهما كانا يتمان في السفر، ذكره عطاء بن أبي رباح عنهما،
وعن حذيفة مثله ، وروي مثله عن المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن
- ٦٩ -

ابن الأسود وعن سعيد بن المسيب ، وأبي قلابة ، وروى أبو مصعب
عن مالك قال : قصر الصلاة في السفر سنة ، وهو قول الشافعي وأبي
ثور . وذهب الشافعي إلى أنه مخير غير أن الإتمام أفضل ، وذهب
بعض أصحاب مالك إلى أنه مخير غير أن الاستحباب القصر .
وقال ابن القصار: وهذا اختيار الأبهري واختياري .
وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان ، روي ذلك عن
عمر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وهو قول الكوفيين ومحمد بن
سحنون ، واختاره إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك .
واحتج الكوفيون عن عائشة قالت: (( فرضت الصلاة ركعتين في
الحضر والسفر ... )) الحديث ، وقد تقدم في أول كتاب الصلاة شيء
من معنى هذا الحديث ، ونزيده هاهنا بيانًا وإيضاحًا على حسب ما
يقتضيه هذا الباب ، فنقول : إن الفرض قد يأتي لغير الحتم والإيجاب
كما نقول : فرض القاضي النفقة ، يعني قدّرها وبيَّنها ، وقد قال
بعض المفسرين في قوله تعالى : ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ (١)
أي بيَّن لكم كيف تكفّرون عنها .
وقال الطبري: يحتمل قول عائشة: ((فرضت الصلاة ركعتين في
السفر )) يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك وإن
اختار أن يكون فرضه أربعًا فله ذلك .
فإن قيل : فهل يوجد فرض بهذه الصفة يكون للمفروض عليه الخيار
في تركه إذا شاء ، والعمل به إذا شاء ؟
قيل: نعم ، إنا وجدنا تأخر الحاج بمنى في اليوم الثاني من أيام
(١) التحريم : ٢ .
- ٧٠ -

.
التشريق ، وتركه النفر فيه إلى اليوم الثالث ، فإنه إن اختار المقام به
إلى اليوم الثالث فعلى فرضه أقام ، وإن نفر في اليوم الثاني وتعجل
فيه فعلى أداء فرضه نَفَر ، وأيّ ذلك فعل كان صوابًا .
وكذلك المسافر ، ولو كان فرض المسافر الذي ليس له غيره :
الركعتين لم يكن له أن [ يجعلهما ] (١) أربعًا [ بوجه من الوجوه ،
كما ليس للمقيم أن يجعل ظهره مثنى وصلاة الفجر أربعًا ] (٢) وقد
اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا أدرك ركعةً من صلاة المقيم لزمه
الإتمام ، فهذا يدل أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير ، وبان أن
من صلى من المسافرين الظهر أربعًا ففرضه اختار ، وأن من صلاها
ركعتين فعلى تمام فرضه انصرف .
وأمّا إتمام عثمان الصلاة بمنى فللعلماء في ذلك أقوال ، روى أيوب
عن الزهري قال : إنما صلى عثمان بمنى أربعًا ؛ لأن الأعراب كانوا
[كثرو!] (٣) في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربعًا . وقال
ابن جريج : إن أعرابيا ناداه في منى فقال : يا أمير المؤمنين ، مازلت
أصليها مُذْ رأيتك عام أول صليتها ركعتين . فخشي عثمان أن يظن
جهالُ الناس أن الصلاة [ ركعتان ] (٤) وروى معمر عن الزهري وجهًا
آخر قال : إنما صلى عثمان أربعًا لأنه أزمع على المقام بعد الحج .
وروي عن عبد الله بن الحارث بن أبي ذباب ، عن أبيه - وقد عمل
الحارث لعمر بن الخطاب - قال: (( صلى بنا عثمان أربع ركعات فلما
سلم أقبل على الناس فقال : إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يجعلها .
(٢) من (( هـ)) .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): اكثروا . كذا .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ركعتين . خطأ.
- ٧١ -

وَ لّه يقول : من تأهل ببلدة فهو من أهلها فليصل أربعًا .. وهذه
الوجوه كلها ليست بُشيء . .
قال الطحاوي : وذلك أن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في
زمن رسول الله وَّ فلم يتم بهم لتلك العلة ، ولم يكن عثمان
لیخاف عليهم ما لم يخفه رسول الله ؛ لأنه بهم رءوف رحيم
قال غيره : ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل
عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود وقد ( يجوز ) (١) أن صلاة
الجمعة في كل ( مكان ) (٢) ركعتان ..
وأمّا ما ذكر عنه أنه أزمع على المقام بعد الحج فليس بشيء ، فإن
المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة ، وقد صح عن عثمان أنه کان
لا يودع [ النساء ] (٣) إلا على راحلته، ويسرع الخروج من مكة خشية
أن يرجع في هجرته التي هاجرها لله .
وما ذكر عنه أنه اتخذ أهلا بمكة فالنبي - عليه السلام - كان في
غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر بأهله بعد أن يقرع بينهن ، وكان
أولى أن يتأول ذلك ويفعله ، فلم يفعله وقصر الصلاة ، وكذلك تأولوا
في إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث ما حلت فهو بيتها ، وهذا
في الضعف مثل الأول ؛ ألا ترى أن النبي - عليه السلام - كان أيًا
للمؤمنين وهو أولى بهم من عائشة ولم يتأول ذلك .
والوجه الصحيح في ذلك - والله أعلم - أن عثمان وعائشة إنما أتمّا
[١٩٤٥/١-ب] في السفر لأنهما اعتقدا في / قصر الرسول أنه لما خُير بين القصر
(١) هكذا صورتها في ((الأصل)) وصورتها في ((هـ)): تجوزوا أو نحوها. ولم
يتبين لي وجه الصواب في ذلك .
(٣) من (( هـ)) وفي ( الأصل)): كلمة غير واضحة .
(٢) في (( هـ )) : يوم.
- ٧٢ -

والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته ، وقالت عائشة : (( ما خير
رسول الله وَلّ في أمرين قط إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثماً)).
فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة وتركا الرخصة ؛ إذ كان
ذلك مباحًا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله تعالى فيه ، ويدل على
ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان ثم صلى خلفه وأتم ، ثم
كلم في ذلك فقال : الخلاف شر .
ولو كان القصر فرضًا لم يخف على عثمان ، ولم [ يجز ] (١) له
أن يتم ، ولا أتم خلفه ابن مسعود ولا جماعة الصحابة بالحضرة دون
نكير ، ولا يجوز على جماعة الصحابة أن يعلموا أن فرضهم ركعتان
ويصلوها مع عثمان أربعًا ، كما لا يجوز لو صلى بهم الظهر خمسًا
والفجر ثلاثًا أن يتبعوه على ذلك.
وإنما جاز لهم اتباعه والانقياد له لعلم جميعهم أنه فَعَلَ مباحًا
جائزًا، وهذه حُجَّة قاطعة ، وإنما قال ابن مسعود : الخلاف شر ؛ لأنه
رأى أن الخلاف على الإمام فيما سبيله التخيير والإباحة شر .
وقد روى ابن أبي شيبة ، عن ميمون بن مهران: (( أنه سأل سعيد
ابن المسيب عن الصلاة في السفر ، فقال : إن شئت ركعتين وإن شئت
أربعًا » .
وذكر عن أبي قلابة أنه قال: (( إن صليت في السفر ركعتين فالسنة،
وإن صليت أربعًا فالسنة)) .
#
باب : كم أقام الرسول في حجته
فيه : ابن عباس قال: (( قدم النبي - عليه السلام - وأصحابه لصبح
رابعة يُلبَّون بالحجٌّ، فأمرهم أن يجعلوها عُمرةً إلا من معه هدي )) .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يتم . خطأ.
- ٧٣ -

وقال في كتاب المغازي باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه .
فيه : عمر بن عبد العزيز: (( أنه سأل السائب ابن أخت [ النمر ](١) :.
ما سمعت في سكنى مكة ؟ قال : سمعت العلاء بن الحضرمي قال : قال
رسول الله لي: ثلاث للمهاجر بعد الصدر)).
وقال أحمد بن حنبل : قدم الرسول مكة صبح رابعة من ذي
الحجة، فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع ، وهو في ذلك
كله يقصر الصلاة ، ثم خرج إلى منى يوم التروية وهو اليوم الثامن
فلم يزل مسافرًا في المناسك إلى أن تم حجه . فجعل أحمد بن حنبل
أربعة أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى إقامتها ، وإن ( أقام ) (٢) أكثر من
ذلك فهو حضر يتم فيه الصلاة ، واستدل بحديث ابن عباس هذا .
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : هذا الحديث يدل أنه من أقام
عشرين صلاة يقصر الصلاة ؛ لأنه عليه السلام صلى في الرابع الظهر
والعصر ، ثم صلى في الخامس والسادس (والسابع ) (٣) خمس
عشرة صلاة ، ثم صلى الليلة الثامنة المغرب والعشاء والصبح فذلك
عشرون صلاة ، ولم يتم ، وهو حجة على ابن الماجشون وسحنون
في قولهما أنه من أقام عشرين صلاة أنه يتم .
وذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة
أربعة أيام بلياليها أنه يتم الصلاة ولا يقصر ، وروي مثله عن عمر ،
وعثمان .
قال ابن القصار : وحجة هذه المقالة حديث العلاء بن الحضرمي أن
النبي - عليه السلام - جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه [ ثلاثًا ثم] (٤)
.(٢) في ((هـ)): نوى .
(١) من ((هـ)). وفى ((الأصل)): أيمن . خطأ.
(٣) ليس في (( هـ ).
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ثلاثة أيام.
: - ٧٤ -

يصدر ، وذلك أن الله حرم على المهاجرين الإقامة بمكة ؛ الأرض التي
هاجروا منها ولا يستوطنوها ، ثم أباح رسول الله للمهاجر المسافر أن
يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام .
فبيّن عليه السلام أن ثلاثة أيام [سفر ] (١) لا إقامة ، إذ لو كان ما
فوق الثلاث سفرًا لما منعهم من ذلك ، فدل أنه إقامة ، ووجب أن
تكون الثلاث فصلا بين السفر والإقامة ، ولا وجه لمن اعتبر مقام
رسول الله وَلخل في حجته من حين دخوله مكة إلى خروجه إلى منى
ولا إلى صدره إلى المدينة ؛ لأن مكة ليست له بدار إقامة ولا لأحد من
المهاجرين ؛ لأن رسول الله لم يزل مسافرًا منذ خرج من المدينة وقصر
بذي الحليفة إلى أن انصرف إلى المدينة ، ولم ينو في شيء من ذلك
إقامة ، وليس في هذه المسألة اختلاف - سوى ما تقدم - يقتضي
الباب ذكره ؛ وذلك لأنه ذهب قوم إلى أنه إن نوى إقامة أكثر من
خمسة عشر يومًا أتم الصلاة ، وإن نوى إقامة أقل قصر، روي هذا
عن ابن عمر ، وهذا قول الكوفيين والثوري .
وذهب قوم إلى أنه إذا نوى إقامة اثنتي عشرة أتم الصلاة ، وإن نوى
إقامة أقل قصر ، هذا قول ابن عمر - أحد أقاويله - وأخذ به
الأوزاعي . وذهب قوم أنه إذا عزم على [ مقام ] (٢) عشر ليال أتم
الصلاة ، روي ذلك عن علي ، وابن عباس ، وقد تقدم هذا القول
في حديث / أنس في أول أبواب التقصير .
[١/ ق١٩٥-١]
وروي عن ربيعة قول شاذ أنه من نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة .
وحجة الليث (٣) ما رواه ابن إسحاق عن الزهري ، عن
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): سفراً.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تمام.
(٣) كذا في ((الأصل هـ))، ولم يسبق لليث ذكر هنا .
- ٧٥ -

[ عبيد الله] (١) [ عن ] (٢) عبد الله بن عباس ((أن النبي - عليه
السلام - أقام حيث فتح مكة [ خمسة عشر] (٣) يومًا يقصر الصلاة
حتى سار إلى خيبر
وحجة الكوفيين ما رواه مجاهد عن ابن عمر وابن عباس أنهما
قالا: إذا قدمت بلدًاً وأنت مسافر ، وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة
ليلة ، فأكمل الصلاة .
i
ولا حجة لمن اعتبر اثني [عشر ] (٤) يومًا ولا لربيعة ؛ لأن النبي -
عليه السلام - وأصحابه لم يتم واحد منهم في هذا المقدار .
وأصح الأقوال في هذه المسألة قول مالك ومن وافقه ، وبيان ذلك
من حديث ابن عباس مع الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم
الجمعة، أن مقام النبي - عليه السلام - [ بمكة ] (٥) في حجته كان
عشرة أيام كما قال أنس في حديثه .
وذكر أن النبي - عليه السلام - قدم مكة صبح رابعةٍ من ذي الحجة
صبيحة يوم الأحد ، صلى الصبح بذي طوى ، واستهل ذو الحجة
ذلك العام ليلة الخميس ، فأقام الرسول بمكة يوم الأحد والاثنين
والثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس ، ثم نهض يوم الخميس ضحوةً إلى
منى ، فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة ثم نهض يوم الجمعة إلى
عرفات فبقي [ بها ] (٥) نهاره ، ودفع منها بعد غروب الشمس من
ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها باقي ليلته ثم نهض منها قبل طلوع
(١) من ((هـ))، ومثله في ((شرح معاني الآثار)) (٤١٧/١)، والظاهر أنه عبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، فهو المشهور هنا عند الإطلاق ، ويحتمل أن
يكون عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، فكلاهما يروى عن ابن عباس وعنه
الزهري . وفي (( الأصل) : عبد الله .
(٢) من شرح المعاني (٤١٧/١) وغيره، وجاء في ((الأصل)) و((هـ)): ((بن)). خطأ.
(٣) في ((الأصل، هـ)): خمس عشرة. وهو خطأ. وفي شرح المعاني:
(خمسة)) فكأنه سقط منه لفظة ((عشرة)).
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عشرة . كذا .
(٥) من (( هـ )).
- ٧٦ -

الشمس من يوم السبت وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى فرمى جمرة
العقبة ضحوةً، ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم فطاف بالبيت قبل الظهر.
ثم رجع في يومه ذلك إلى منى فأقام بها باقي يوم السبت ويوم
الأحد ، ويوم الاثنين ، ويوم الثلاثاء [ ثم نهض بعد الظهر من يوم
الثلاثاء ] (١) وهو آخر أيام التشريق إلى المحصّب ، فصلى به الظهر ،
وبات فيه ليلة الأربعاء ، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة من التنعيم
ليلا، ثم طاف النبي - عليه السلام - طواف الوداع سَحَرًا قبل صلاة
الصبح من يوم الأربعاء وهي صبيحة رابعة عشرة ، فأقام عشرة أيام
كما قال أنس في ( حديثه )(٢) ثم نهض إلى المدينة ، وكان خروجه من
المدينة إلى حجة الوداع يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة ، وصلى
الظهر بذي الحليفة ، وأحرم بإثرها ، وهذا كله [ مستنبط ] (٣) من
قوله : (( قدم النبي - عليه السلام - صبيحة أربع من ذي الحجة )) ومن
الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة ، وفيه نزلت : ﴿اليوم
أكملت لكم دينكم ﴾ (٤) .
باب : في كم تُقْصَرُ الصلاة
وسمى النبي عليه السلام السفر يومًا وليلة . وكان ابن عمر وابن
عباس يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا .
وفيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تسافر المرأة ثلاثًا
إلا مع ذي محرم)) .
وفيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة )) .
(١) من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): مستفيض.
(٢) في (( هـ)): حديث .
(٤) المائدة : ٣.
- ٧٧ -

اختلف العلماء في قدر المسافة التي يستباح فيها القصر في الصلاة
فكان مالك يقول : يقصر في مسيرة يوم وليلة ، ثم رجع فقال :
يقصر في أربعة بُرُد ، وهي ثمانية وأربعون ميلا ، كقول ابن عمر وابن
عباس، وبه قال الليث والشافعي في أحد أقواله ، وهو قول أحمد
وإسحاق .
وروى أشهب عن مالك فيمن خرج إلى ضيعته وهي على رأس
خمسة وأربعين ميلا قال: يقصر. وروى [ أبو زيد ] (١) عن ابن
القاسم فيمن قصر في ستة وثلاثين ميلا قال : لا يعيد ، وقال ابن
حبيب : يقصر في أربعين ميلا ، وهي قريب من أربعة بُرُد . وقال
الأوزاعي : [عامة العلماء] (٢) يقولون : مسيرة يوم تامٍ ، وبه نأخذ.
وقالت طائفة : يقصر في يومين ، روي هذا عن ابن عمر ،
والحسن البصري ، والزهري ، وذكر مثله عن الشافعي . وقالت
طائفة : لا يقصر إلا من سافر ثلاثة أيام ، روي هذا عن ابن مسعود،
وبه قال الثوري والكوفيون .
وقال الأوزاعي : كان أنس بن مالك يقصر الصلاة في خمسة
فراسخ ، وذلك خمسة عشر ميلا . وحُكي عمن لا يعتد بخلافه من
أهل الظاهر أنه يجوز القصر في قليل السفر وكثيره إذا جاوز البنيان ولو
قصد إلى بُستانه ، وحكوه عن علي بن أبي طالب .
قال ابن القصار . والحجة لقول مالك ومن وافقه حديث أبي هريرة
[١٩٥٥/١- ب) أن النبى - عليه السلام - قال: «لا يحل لامرأة تؤمن / بالله واليوم
(١) ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) (١/ ٤٣٤) فيمن روى عن ابن
القاسم: أبو زيد بن أبي الغُمر الدمياطي ، فالظاهر أنه هو هذا ، ووقع في
((الأصل)): ابن يزيد، وفي ((هـ)): أبو يزيد وأراهما تصحيفًا والله أعلم.
(٢) من (( هـ).
- ٧٨ -

الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حُرمة )) فجعل اليوم والليلة
حكمًا خلاف حكم الحضر ، فعلمنا أنه الزمان الفاصل بين السفر الذي
يجوز فيه القصر ، وبين السفر الذي لا يجوز فيه ، قال : وهذا قول
ابن عمر ، وابن عباس .
واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر أن رسول الله وسلم قال: ((لا تسافر
المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)) وقالوا: لما اختلفت الآثار والعلماء في
المسافة التي تقصر فيها الصلاة ، وكان الأصل الإتمام لم يجب أن ننتقل
عنه إلا بيقين ، واليقين ما لا تنازع فيه، وذلك ثلاثة أيام .
قال ابن القصار : والجواب أن النبي - عليه السلام - قد ذكر اليوم
والليلة ، ونص عليه فهو أولى من دليل خبركم أن ما كان دون الثلاث
فبخلافها ، والدليل إذا اجتمع مع النص قُضي بالنص عليه .
قال الأصيلي : والدليل على أن المسافر يقصر في يوم وليلة قوله
تعالى : ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ (١)
فلما نقل الله المسافر من حال الصيام إلى حال الإفطار في سفر يوم ،
كذلك يجب أن ينتقل من التمام إلى القصر في ذلك .
وقال غيره : وأما اختلاف الآثار في يوم وليلة وفي ثلاثة أيام ، وقد
روي في يومين فالمعنى الذي [ تأتلف ] (٢) عليه هذه الأخبار أنها كلها
خرجت على جواب سائلين مختلفين ، كأن سائلا سأله عليه السلام :
هل تسافر المرأة [ يومًا ] (٣) وليلة مع غير ذي محرم ؟ فقال :
لا . ثم سأله آخر عن مثل ذلك في يومين، فقال: لا. ثم سأله آخر
(١) البقرة : ١٨٤.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): قابلت . كذا .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يوم.
- ٧٩ -

عن مثل ذلك في ثلاث ، فقال : لا . فَرَوى عنه - عليه السلام -.
كلّ واحد ما سمع وليس بتعارض ولا نسخ ؛ لأن الأصل ألا تسافر
المرأة أصلا ، ولا تخلو مع غير ذي محرم ؛ لأن الداخلة عليها في
الليلة الواحدة كالداخلة عليها في الثلاث ، وهي علة المبيت والمغيب
على المرأة في ظلمة الليل ، واستيلاء النوم على الرفقاء فيكون الشيطان
ثالثهما ، فقويت الذريعة وظهرت الخشية على ناقصات العقل والدين،
وقد قال عليه السلام: (( لا يخلون رجل بامرأة ليست بذي محرم منه))
وقال : ((إنها صفية ".
۔۔
واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر وأبي هريرة فقالوا : لا يحل
للمرأة أن تخرج إلى الحج مع غير ذي محرم ، وجعلوا المحرم للمرأة
سبيلا من سبل الحج.
. وقال مالك وغيره : تخرج في الرفقة المأمونة مع جماعة النساء ،
وإن لم يكن لها محرم .
وقال المهلب: وقوله عليه السلام: (( لا تسافر المرأة يومًا وليلةً إلا
مع ذي محرم)» مبني على فرض الله اللازم للنساء من وجوب الحج
عليهن .
وفي قوله: ((لا يحل لامرأة)) شاهد أنه إنما نهاها عن السفر الذي
لا يلزمهن ولهن استحلاله وتركه فمنعهن عليه السلام من الأسفار
المختارة إلا الضرورية الجماعية التي لا تعدم فيها المرافقة ؛ ألا ترى
اشتراط مالك خروجها للحج في جماعة المرافقين بالغة الدين في سفر
الطاعة لله واستشعارهم الخشية له، ولذلك [ سن ] (١) عليه السلام
(١) من (هـ)) وفي ((الأصل)): بين
٠ ٨٠