Indexed OCR Text

Pages 381-400

ابن يسار ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله يقرأ في المغرب بقصار
المفصل .
وروى الشعبي عن ابن عمر أن رسول الله قرأ في المغرب بالتين
والزيتون . فهذا أبو هريرة يخبر عن النبي أنه كان يقرأ في المغرب
بقصار المفصل ، فلو حملنا حديث ابن جبير وزيد بن ثابت على ما
حمله المخالف لتضادت تلك الآثار وحديث أبي هريرة هذا ، وإن
حملناه على ما ذكرنا ائتلفت ، وأولى أن نحمل الآثار على الاتفاق
لا على التضاد ، فينبغي على هذا أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل
وهو قول مالك ، والكوفيين ، والشافعي ، وجمهور العلماء .
وأما طول الطوليين فإن العلماء قالوا : هي سورة الأعراف ، ذكر
ذلك النسائي في حديث زيد بن ثابت من رواية ابن وهب ، ومن رواية
ابن جريج .
وقال أبو سليمان الخطابي : طولى [ تأنيث ] (١) أطول ، والطوليين
تثنية الطولى يريد أنه كان يقرأ فيها بأطول السورتين يعني الأنعام
والأعراف .
قال غيره : فإن قيل : هي البقرة لأنها أطول السبع الطوال .
قيل : لو أراد البقرة لقال : بطول الطول ، فلما لم يقل ذلك دل
أنه أراد الأعراف ، وهي أطول السور بعد البقرة ، ويحتمل أن يكون
قرأها في الركعتين من المغرب ؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها غيرها .
وفي حديث جبير من الفقه : أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة
فيما علمه قبل إسلامه ؛ لأن جبيرًا كان يوم سمع رسول الله مشركًا ،
قدم في أسارى بدر .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تثنية . وهو خطأ.
- ٣٨١ -

باب : الجهر في العشاء
فيه : أبو هريرة: (( أنه قرأ في العتمة : إذا السماء انشقت . فسجد فقيل
له . فقال : سجدت خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه )).
وفيه : البراء: (( أن الرسول كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى
الركعتين بالتين والزيتون )) .
وترجم لحديث البراء باب [ القراءة ] (١) في العشاء بالسجدة . وباب
القراءة في العشاء .
سنة العشاء الجهر بها كالمغرب سواء ، وقراءته عليه السلام فيها بإذا
السماء انشقت ، وبالتين والزيتون ، يدل أنه لا توقيت في القراءة في
الصلوات لا يجزئ غيره ، إلا أنه حين قرأ في العشاء بالتين والزيتون
كان في سفر، وأما في الحضر فإنه كان يقرأ: ((إذا السماء انشقت)).
ونحوها ، وأطول منها ، وقد قرأ عمر بن الخطاب في إحدى الركعتين
بالتين والزيتون ، وترجم لحديث البراء : باب القراءة في العشاء
بالسجدة ، وكتب إلى أبي موسى [ الأشعري ] (١): اقرأ بالناس في
العشاء الآخرة بوسط المفصل . روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة،
عن الرسول مثله ، وهو قول عمر بن عبد العزيز، و(اختاره ) (٢)
أشهب . وقرأ فيها عثمان بن عفان بالنجم . وقرأ ابن عمر بالذين
كفروا والفتح ، وهي أطول المفصل ، وروى علي بن زياد ، عن مالك
قال : يقرأ فيها بالحاقة ونحوها .
وأجاز العلماء للمسافر إذا [ أعجله ] (٣) أصحابه أو استغيث به
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)): أجازه .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عجلوا - كذا .
- ٣٨٢ -

لميت بموت أن يقرأ سورة قصيرة ، كما قرأ الرسول بالتين والزيتون
في السفر ، وهو قول مالك. وقد قرأ أبو هريرة في العشاء بالعاديات،
ويحتمل أن يكون في سفر أو يكون أعجلته حاجة لذلك، والله أعلم .
وأما القراءة بالسجدة في العشاء وسائر المكتوبات فأجازه من العلماء
من قال بالسجود في المفصل ، وقد اختلفت الرواية عن مالك في
ذلك، ففي المدونة: كره مالك للإمام أن يتعمد قراءة سورة فيها / ١١/ق١٤٦-١)
سجدة ، لئلا يخلط على الناس ، فإن قرأها فليسجد ، وأكره أن
يتعمدها الفذ . وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس
لا يخاف أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك ، وروى عنه ابن وهب أنه
قال : لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة .
باب : يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين
فيه: جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد: ((لقد شكوك في كل شيء
حتى الصلاة . قال : أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ،
ولا آلو [ ما ] (١) اقتديت به من صلاة رسول الله . قال : صدقت ذاك
الظن بك - أو ظني بك)) .
قال الطبري : فيه البيان أن السنة من الرسول مضت في صلاة
الفريضة أن تكون الركعتان الأوليان أطول من الأخريين أو ركعته الآخرة
إن كانت المغرب ، وذلك أن سعدًا أخبر عمر أنه يركد في الأوليين
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مما .
- ٣٨٣ -

ويخفف في الأخريين وأنه مُقْتد برسول الله في ذلك ، فإذا كان كذلك
فالذي ينبغي لكل مصل مكتوبة أن يفعل كذلك .
فإن قيل : أفرأيت إن خالف ذلك فأطال في ركعتيه الأخريين
وخفف في الأوليين .
قيل : نقول : إنه خالف في ذلك سنة الصلاة غير أن صلاته ماضية
لا خلاف بين الجميع في جوازها ، ولو لم يقرأ في جميعها إلا فاتحة
الكتاب، وذلك تسوية بين جميعها في التخفيف ، فإذا كان ذلك غير
مفسدها فالواجب أن تكون المخالفة بينهما بإطالة الأخريين وتخفيف
الأوليين غير مفسدها .
وفي المختصر عن مالك قال : لا بأس أن يقرأ في الثانية بأطول من
قراءته في الأولى . وقال الطحاوي : ذهب الثوري ومحمد إلى أنه
يطيل في الركعة الأولى من الصلوات كلها . .
وفي الواضحة قال : والصبح والظهر نظيرتان في طول القراءة
ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول .
1
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يطول الركعة الأولى من صلاة الفجر
على الثانية ، وركعتا الظهر سواء . قال الطحاوي : ولم نجد في ذلك
عن مالك نصا ، وتقدير القراءة يدل أنه كان يرى التسوية دون
التفضيل، و حديث سعد يدل على تسوية الأوليين من الظهر والعصر،
وقد ذكر البخاري في باب القراءة في الظهر حديث أبي قتادة أن نبي الله
كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب ،
وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية وهو في العصر كذلك .
وهو الحجة الثوري ومحمد أن الركعة الأولى في كل الصلوات أطول
- ٣٨٤ -

من الثانية ، وهو رد لقول أبي حنيفة وأبي يوسف أن ركعتا الظهر
سواء .
وقوله : لا آلو : لا أقصر ، تقول العرب : ما آليت في حاجتك
وما آلوتك نصحًا : ما قصرت بك عن جهدي . في كتاب الأفعال .
باب : القراءة في الفجر
وقالت أم سلمة : قرأ رسول الله بالطور .
وفيه : أبو برزة الأسلمي قال: (( كان رسول الله يصلي الظهر حين تزول
الشمس ، والعصر ويرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية ،
ونسيت ما قال في المغرب ، ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ،
ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها ، ويصلي الصبح فينصرف
الرجل (فيبصر ) (١) جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو [ إحداهما ] (٢)
ما بين الستين إلى المائة )) .
وفيه : أبو هريرة قال: (( في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله
أسمعناكم وما أخفى عنا أخفيناه [ عنكم ] (٣) وإن لم تزد على أم
القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو [ خير ] (٤))).
اتفق العلماء على أن أطول الصلوات قراءة الفجر ، وبعدها الظهر
إلا أن البخاري لم يدخل غير حديث أبي برزة أن نبي الله كان يقرأ في
الصبح ما بين الستين إلى المائة ، وذكر عن أم سلمة (( أن الرسول قرأ
(١) في ((هـ): فيعرف، وهو الموافق لما في الفتح (٢٩٤/٢).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أحدها.
(٣) من (( هـ)).
(٤) من (( هـ )) وفي (( الأصل)): خيراً .
- ٣٨٥ -

[١٤٦/١-١] بالطور)) وذكره في الباب بعد هذا / وذكر فيه ابن عباس (« أنه عليه
السلام قرأ : قل أوحي )) وذكر ابن أبي شيبة : سماك، عن جابر بن
سمرة ((أن قراءة الرسول في الفجر كانت بـ ((قاف)) ونحوها))
واختلفت الآثار عن الصحابة في ذلك ، فروي عن أبي بكر الصديق
أنه قرأ بسورة البقرة في الركعتين . وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ
بيونس وبهود ، وقرأ عثمان بيوسف وبالكهف ، وقرأ علي بالأنبياء ،
وقرأ عبد الله بسورتين الآخرة منهما بنو إسرائيل . وقرأ معاذ بالنساء ،
وقرأ عبيدة بالرحمن ونحوها ، وقرأ إبراهيم بياسين وأشباهها ، وقرأ
عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل ، فدل هذا الاختلاف
عن السلف أنهم فهموا عن الرسول إباحة التطويل والتقصير في قراءة
الفجر وأنه لا حَدَّ في ذلك لا يجوز تعديه ، ويمكن - والله أعلم - أن
يكون من طوّل القراءة فيها [ من الصحابة علم ] (١) حرص من
خلفهم على التطويل ، وأما اليوم فينبغي التزام التخفيف ؛ لأن في
الناس السقيم والكبير وذا الحاجة كما قال - عليه السلام - لمعاذ، ألا
ترى قول ابن عباس (٢) ((إن لم تزد على أم القرآن أجزأت، فإن زدت
فهو خير )) فدل ذلك أنه لا حد في ذلك ، وقد قال مالك في الرجل
يبادر التجارة أو يستغاث به أو يدعى لميت وهو في الصبح والظهر أن
يقرأ بالسورة القصيرة وكذلك المسافر يعجله أصحابه .
باب : الجهر بالقراءة في صلاة الفجر .
وقالت أم سلمة : طفت وراء الناس والنبي يصلي ويقرأ بالطور .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): على - كذا.
(٢) كذا ، وسبق في متى الصحيح أنه من كلام أبي هريرة .
- ٣٨٦ -

وفيه: ابن عباس قال : (( انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه
عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ،
وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟
قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأُرسلت علينا الشهب . قالوا : ما
حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض
ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء . فانصرف
أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - عليه السلام - وهو بنخلة
عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما
سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا والله الذي حال بینکم وبین خبر
السماء . فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا ﴿ إنا سمعنا قرآنًا
عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا ﴾ (١) فأنزل الله على
نبيه : ﴿قل أوحي إليّ﴾. وإنما أوحي إليه قول الجن)).
وفيه: ابن عباس قال: (( قرأ الرسول فيما أُمر وسكت فيما أُمر ﴿وما
كان ربك نسيا﴾ (٢) و﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٣).
الجهر في الفجر هي السنة وقد تقدم في الباب قبل هذا مذاهب
العلماء في القراءة في الفجر .
فإن قال قائل : إن حديث ابن عباس يدل أن الشهب إنما رميت في
أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع .
قيل : رمي الشهب لم يزل قبل الإسلام وعلى مَرِّ الدهور ، وروى
معمر ( و) (٤) غيره عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن ابن
(١) الجن: ١ - ٢ .
(٣) الأحزاب : ٢١ .
(٢) مريم : ٦٤ .
(٤) في (( هـ )): أو .
- ٣٨٧ -

عباس في قوله تعالى: ﴿يجد له شهابًا رصدًا﴾ (١) قال: ((بينا
الرسول جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال : ما
كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية قالوا : كنا نقول : يموت
عظيم أو يولد عظيم . قال : فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته
ولكن ربنا - تعالى - إذا قضى أمراً سبح حملة العرش ، ثم سبح
أهل السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء ، ثم
يستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ، ثم
يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا ويخطف
الجن السمع ، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ، ولكنهم يزيدون
فيه. قلت للزهري : أو كان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال : نعم .
قلت : أرأيت قوله تعالى: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن
يستمع الآن يجد له شهابًا رصدً﴾ (١) قال: غلظت وشدد أمرها حيث
بعث الله النبي - عليه السلام)) .
وأما قول ابن عباس: (( سكت رسول الله فيما أمر )) يريد أَسَرَّ بما
أُمرَ ، بدليل قول خباب : أنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله فيما أسر
[١/ ق١٤٧-١] فيه باضطراب / لحيته ، فسمى السرَّ : سكوتًا ، ولا يظن بالرسول أنه
سكت في صلاة صلاها ؛ لأنه قد قال: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب )) .
(١) الجن : ٩ .
- ٣٨٨ -

باب : الجمع بين السورتين في ركعة والقراءة
بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة
ويذكر عن عبد الله بن السائب (( قرأ النبي - عليه السلام - المؤمنين في
الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سَعلة فركع .
وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة وفي الثانية
بسورة من المثاني .
وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو يونس . وذكر
أنه صلى مع عمر الصبح بهما .
وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال وفي الثانية بسورة من المفصل .
وقال قتادة فيمن يقرأ بسورة واحدة في ركعتين أو يردد سورة واحدة
في ر کعتين : کُل کتابُ الله .
وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس : كان رجل من الأنصار يؤمهم في
مسجد قباء فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به
افتتح : قل هو الله أحد . حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها
وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلِّمَهُ أصحابه وقالوا : إنك تفتتح بهذه
السورة ثم لا نرى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن
تدعها وتقرأ بأخرى . فقال : ما أنا بتاركها فإن أحببتم أن أؤمكم بذلك
فعلت وإن كرهتم تركتكم . وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن
.[يؤمهم] (١) غيره فلما أتاهم النبي - عليه السلام - أخبروه الخبر فقال:
يافلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يجملك على لزوم
هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال : إني أحبها . قال : حبّك إياها أدخلك
الجنة .
فيه أبو وائل : (( جاء رجل إلى ابن مسعود قال : قرأت المفصل الليلة
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يؤم.
- ٣٨٩ -

في ركعة . قال : هذا كهذِّ الشعر ، لقد عرفتُ النظائر التي كان رسول الله
يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة )) .
اختلف العلماء في جمع السورتين في كل ركعة ، فأجاز ذلك ابن
عمر ، وكان يقرأ بثلاث سور في ركعة ، وقرأ عثمان بن عفان وتميم.
الداري القرآن كله في ركعة .
وكان عطاء يقرأ سورتين في ركعة أو سورة في ركعتين في المكتوبة،
وقال مالك في المختصر : لا بأس بأن يقرأ السورتين وثلاث في ركعة،
وسورة أحب إلينا ولا يقرأ بسورة في ركعتين ، فإن فعل أجزأه . وقال
مالك في المجموعة : لا بأس به وما هو من الشأن . وأجاز ذلك كله
الكوفيون .
وممن كره الجمع بين سورتين في ركعة زيد بن خالد الجهني ، وأبو
العالية ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وأبو عبد الرحمن :
السلمي وقال : ( احظ ) (١) كل سورة حظها من الركوع والسجود .
وروي عن ابن عمر أنه قال : إن الله فَصَّل القرآن لتعطى كل سورة
حظها من الركوع والسجود ، ولو شاء لأنزله جملة واحدة ، والقول
الأول أولى بالصواب لحديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام -
كان يقرن بين سُور المفصل سورتين في ركعة .
قال الطحاوي : وقد قال عليه السلام : (( أفضل الصلاة طول
القيام)) فذلك حجة على من خالف ذلك ، ودليل واضح أن الأفضل
من الصلوات ما أطلت فيه القراءة ، ولا يكون ذلك إلا بالجمع بين
السور الكثيرة في ركعة وقد فعل ذلك الصحابة والتابعون ، وثبت عن
(١) في ((هـ)»: عطاء ولعل الصواب: اعط، وسبق أن عطاء كان يقرأ السورتين في ركعة.
- ٣٩٠ -

ابن عمر أنه فعله بخلاف ما روي عنه ، وأما من جهة [ النظر ] (١)
فإنا رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هي وسورة غيرها في ركعة ، ولا بأس
بذلك ، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك سائر السور .
وأما القراءة بالخواتيم وبأول سورة ، فروى ابن القاسم وعلي عن
مالك : إذا بدأ بسورة وختم [ بأخرى ] (٢) فلا شيء عليه ، وقد كان
بلال يقرأ من غير سورة وقد قرأ - عليه السلام - المؤمنين في الصبح
فأخذته سَعْلة في ذِكْرٍ عيسى فركع . وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من
الأنفال .
وأما قراءة سورة قبل سورة ففي المختصر عن مالك : أنه لا بأس أن
يقرأ في الثانية بسورة قبل التي قرأ في الأولى / وقراءة التي بعدها (١/ ١٤٧٥ - ب]
أحب إلينا . وروى عنه ابن القاسم ذلك كله سواء ولم يزل ذلك من
عمل الناس.
وأما تردد سورة واحدة في الركعتين ، ففي الواضحة عن مالك :
لا بأس به . وروى ابن القاسم عن مالك في العتبية أنه سئل عن
تكرير (( قل هو الله أحد)) في النافلة ، فكرهه وقال : هذا مما
أحدثوا. ومعنى كراهته لتكريرها يريد في ركعة واحدة يكررها مرارًاً.
وفي حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها في الفريضة في كل ركعة؛
لقوله عليه السلام للذي كان يكررها: ((حبك إياها أدخلك الجنة ))
فدل ذلك على جواز فعله ولو لم يجز [لبيَّن] (٣) له ذلك؛ لأنه بعث
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)": التطويل.
(٢) من ((هـ)) وهو الأنسب للسياق، وفي ((الأصل)): ((بالأخرى)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ليس . وهو تحريف.
- ٣٩١ -

معلمًا ، وقد روى البخاري مثل حديث أنس عن عائشة (( أن الرسول
بعث رجلاً على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه [ في صلاتهم ] (١)
فيختم: بـ ((قل هو الله أحد)) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - عليه
السلام - فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك . فقال : لأنها صفة
الرحمن . فقال عليه السلام: (( فأخبروه أن الله يحبه )) . ذكره في باب
الاعتصام في باب دعاء النبي - عليه السلام - أمته إلى توحيد الله - تعالى ..
وقد روي في الذي كان يقرأ : قل هو الله أحد . أنه کان يرددها.
في صلاة النافلة ولا يقرأ غيرها رواه الدارقطني من حديث مالك ، عن
عبد الله بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال :
((وحدثني أخي قتادة بن النعمان أن رجلاً قام من الليل يقرأ : قل هو
الله أحد . يرددها لا يزيد عليها ، فجاء رجل إلى الرسول فأخبره ،
وكان يتقالها ، فقال : إنها لتعدل ثلث القرآن .
ففيه حجة لمن أجاز تكرارها في ركعة واحدة في النافلة .
وروى وكيع ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهب ، عن
محمد بن كعب القرظي قال : من قرأ في سبحة الضحى : قل هو
الله أحد . عشر مرات بني له بيت في الجنة .
قال المهلب : وأما إنكار ابن مسعود على الرجل قراءة المفصل في
ركعة فإنما فعل ذلك ليحضه على تدبر القرآن ؛ لقوله تعالى : ﴿ أفلا
يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ (٢) لا أنه لا تجوز قراءة المفصل
في ركعة ، فقد تجوز قراءة القرآن بغير تدبر ، وقد جاء في الحديث
(١) من (( هـ ).
(٢) محمد : ٢٤ .
- ٣٩٢ -

أن الله جعل في كل حرف منه عشر حسنات ، فإن تدبره أعظم لأجره
إلى ما لا نهاية له من تفضل الله - تعالى - .
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: قول ابن مسعود (( لقد عرفت
النظائر التي كان رسول الله يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من
المفصل سورتين في كل ركعة )) فدل أن صلاته بالليل عليه السلام
كانت عشر ركعات ، وكان يوتر بواحدة .
وقوله : قرأ عمر بسورة من المثاني فقال ( شيبان ) (١) النحوي :
المثاني : ما لم تبلغ مائة آية . وقال طلحة بن مصرف : المثاني :
عشرون سورة ، والمئون إحدى عشرة سورة . وروي عن [ ابن ] (٢)
مسعود مثله ، قال أهل اللغة : إنما سميت مثاني ؛ لأنها ثنت المئين أي
أتت بعدها ، والمفصل سمي مفصلا لكثرة السور فيه والفصول يعني :
بسم الله الرحمن الرحيم ، عن ابن عباس .
باب : يقرأ في الأخريين بفاتحة [ الكتاب ] (٢)
فيه : أبو قتادة عن أبيه عن النبي - عليه السلام -: (( كان يقرأ في
الظهر في الأوليين بأم ( القرآن ) (٣) وسورتين، وفي الركعتين الأخريين
بأم (القرآن ) (٣) ويسمعنا الآية ، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول
في الركعة الثانية ، وهكذا في العصر ، وهكذا في الصبح )) .
وقد تقدم معنى هذا الباب في باب القراءة في الظهر ونزيده
[هاهنا] (٢) بيانًا وذلك أن حديث أبي قتادة هذا من رواية همام بيّن
(١) في (( هـ)): عمر خطأ.
(٢) من (( هـ).
(٣) في (( هـ )) : الكتاب
- ٣٩٣ -

في ردِّ قول الكوفيين ومَنْ وافقهم أن الركعتين الأخريين إن شاء قرأ
فيهما وإن شاء سبح [ لأن همامًا ] (١) بَيَّن في روايته لهذا الحديث أن
النبي - عليه السلام - قرأ في الركعتين الأخريين من الظهر بفاتحة
[٥/١ ١٤٦-١] الكتاب، وقال: إنه كان يسمعهم / الآية أحيانًا [ فثبت ] (٢) قول
من أوجب القراءة في كل ركعة وسقط قول من قال بالتسبيح في
الأخريين من الظهر والعصر ؛ لأنه مخصوص بالسنة الثابتة ، وأيضًا.
فإنه عليه السلام قال: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) ولما
كانت الركعةُ الواحدةُ صلاةٌ - بإجماع أن الوتر ركعة وهي صلاة - دَلَّ
أن القراءة واجبة في كل ركعة بفاتحة الكتاب .
وفيه أن الركعتين الأوليين أطول من الأخريين في كل صلاة ؛ لأنه
إذا قرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة ، وقرأ في الأخريين بأم القرآن
وحدها ، دَلَّ أن الأوليين أطول من الأخريين .
وترجم له باب إذا أسمع الإمام الآية ، وقد تقدم القول فيه
وترجم له باب يطول في الركعة الأولى وذلك بيِّن في الحديث .
باب : جهر الإمام بالتأمين
وقال عطاء : آمين دعاء . أَمَّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد
لَلَجَّةً، وكان أبو هريرة ينادي الإمام: لا [تسبقني](٣) بآمين.
وقال ( نافع ) (٤) : كان ابن عمر لا يدعه ویحضهم عليه وسمعت منه
في ذلك ( خیراً ) (٥)
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لأنهما مما . وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): فيه . وهو خطأ.
(٣) في (( هـ )): تَغْنِي .
(٤) في (( هـ)) : ابن نافع . وهو خطأ ونافع هو مولى ابن عمر .
(٥) بالموحدة، وهي من ((الأصل)) و(( هـ)) وفي رواية الكشميهني: ((خيراً »
بالياء آخر الحروف ، كما في الفتح (٣٠٧/٢).
- ٣٩٤ -

وفيه : أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا أمن الإمام
فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
وقال ( ابن شهاب ) (١): وكان رسول الله يقول: ((آمين)).
اختلف العلماء في الإمام يقول : آمين ، فروى مطرف وابن
الماجشون عن مالك أن الإمام يقول : آمين كالمأموم على حديث أبي
هريرة ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث والأوزاعي
[والشافعي](٢) وأحمد وإسحاق [ وأبي ثور] (٢).
وقالت طائفة : لا يقول الإمام : آمين ، وإنما يقول ذلك من خلفه،
وإن كان وحده قالها . هذا قول مالك في المدونة ، وقاله المصريون
[من أصحابه ] (٢).
وحجة هذا القول قوله - عليه السلام -: ((إذا قال الإمام : ﴿غير
المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ (٣) فقولوا : آمين )) قالوا : فلو كان
الإمام يقول آمين لقال عليه السلام : إذا قال الإمام : آمين ، فقولوا :
آمين ، ووجدنا فاتحة الكتاب دعاء ، فالإمام داع والمأموم مؤمن ،
وكذلك جرت العادة أن يدعو واحد ويؤمن المستمع ، وقد قال تعالى
في قصة موسى وهارون : ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ (٤) فسماهما
داعيين، وإنما كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فدل ذلك أن الإمام
داع بما في فاتحة الكتاب والمأموم مستجيب ، لأن معنى آمين في اللغة :
استجب لنا .
واحتج أهل المقالة الأولى بقوله عليه السلام: ((إذا أمن الإمام
فأمنوا)) قالوا : وذلك يدل أن الإمام يقول : آمين ، ومعلوم أن قول
المأموم هو : آمين ، فكذلك ينبغي أن يكون قول الإمام .
(١) في (( هـ)): أشهب . وهو خطأ.
(٣) الفاتحة : ٧ .
(٢) من (( هـ)).
(٤) يونس : ٨٩ .
- ٣٩٥ -

قالوا : وكذلك قول أبي هريرة للإمام : لا تسبقني بآمين يدل أن
الإمام يقول : آمين ؛ ألا ترى قول ابن شهاب: كان رسول الله يقول:
((آمين)) ..
واختلفوا في الجهر بها ، فذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ،
وأبو ثور إلى الجهر بها . وروى ابن وهب وأبو مصعب عن مالك أن:
الإمام يُسِرُّ بها وهو قول الكوفيين ، وروي ذلك عن عمر ، وعلي ،
وابن مسعود ، وعن النخعي ، والشعبي ، وابن أبي ليلى .
وحجة من جهر بها قوله عليه السلام: ((إذا أمن الإمام فأمنوا )).
[وهذا يدل أنه ] (١) ينبغي أن يكون قولهم بعد قوله كتكبيرهم بعد
تكبيره ، فلو أن الإمام يُسِرَّ بها لم يمكن من وراءه أن يؤمنوا بتأمينه .
وقد قال عطاء : كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن :
آمين، هم و[ من] (٢) وراءهم حتى إن للمسجد لَلَجَّة.
ووجه الإخفاء بها قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ (٣).
وقد مدح الله زكريا بقوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفيا ﴾ (٤) . وقال ابن
وهب ، عن مالك : لم أسمع في الجهر بها للإمام إلا حديث ابن
شهاب ، ولم أره في حديث غيره .
واللّجة : اختلاط الأصوات ، وألَجَّ القوم : إذا سمعت لهم لجة
أي: صوتًا ، والتجت الأصوات : اختلطت . من كتاب العين ..
قال المؤلف : معنى قول أبي هريرة للإمام : لا تسبقني بآمين أي :
لا تحرم في الصلاة حتى أفرغ من الإقامة لئلا تسبقني بقراءة أم القرآن
(١) من (( هـ)).
(٣) الأعراف : ٥٥ .
(٢) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): هم .
(٤) مريم : ٣ .
- ٣٩٦ -

فيفوتني التأمين معك ، وهو حجة لمذهب الكوفيين لأنهم يقولون : إذا
بلغ المؤذن في الإقامة إلى قوله : قد قامت الصلاة وجب على الإمام
الإحرام ، والفقهاء على خلافهم، لا يرون إحرام الإمام إلا بعد تمام / [١٤٨٥/١ -ب)
الإقامة وتسوية الصفوف ، وقد تقدم بيان هذا في باب الإمام تعرض
له الحاجة بعد الإقامة في أبواب الأذان .
باب : فضل التأمين
فيه: أبو هريرة: (( أن رسول الله قال : إذا قال أحدكم : آمين ، وقالت
الملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم
من ذنبه )) .
وقال المهلب : كان أبو محمد الأصيلي يقول في معنى الموافقة في
هذا الحديث أن تقول الملائكة آمين كما يقول المصلون ، ولا يراعى
موافقة المؤمن ؛ لأنه قد يقول القائل : وافقت فلانًا على قول كذا إذا
قال مثله وسواء قاله قبله أو بعده ، وإنما يأجر الله - تعالى - على
الاتفاق في القول والنية لا على وقوع الكلام في زمن واحد .
قال المهلب : والذي يشتق من ظاهر هذا الحديث أن يكون قول
الملائكة وقول المصلين في زمن واحد .
قال غيره : وتأمين الملائكة هو استغفارهم للمصلين ودعاؤهم أن
يستجيب الله منهم كما قال تعالى : ﴿ ویستغفرون للذين آمنوا ربنا
وسعت كل شيء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا ... ﴾ (١) الآية . فإذا
كان تأمين العبد مع تأمين الملائكة ( يرتفعا ) (٢) إلى الله في زمن
(١) غافر : ٧ .
(٢) في (( هـ )): مرتفعاً .
- ٣٩٧ -

واحد ، وتأمين الملائكة مجاب وشفاعتهم يوم القيامة مقبولة فيمن
استشفعوا [ له ] (١) فلا يجوز في تفضل الله أن يجاب الشفيع إلا وقد
عم المشفوع له الغفران - والله أعلم - وهذا أولى بتأويل الحديث.
*
باب : جهر المأموم بالتأمين
:
فيه : أبو هريرة : (( أن رسول الله قال: إذا قال الإمام : غير المغضوب
عليهم ولا الضالين ، فقولوا : آمين ، فإنه من وافق قوله قول الملائكة
غفر له ما تقدم من ذنبه )» .
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : قوله : ((إذا
قال الإمام : ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين))
خطاب للمأمومين أن يقولوا آمين (دون الإمام قالوا : وهذا ظاهر
الحديث ولم يرو للإمام قول آمين)(٢) وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
وقالت طائفة أخرى : معناه : إذا بلغ الإمام موضع التأمين وهو
قوله : ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وقال : آمين ، فقولوا:
آمين . واحتجوا بما رواه معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله: إذا قال الإمام: ﴿غير
المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ فقولوا : آمين ، فإن الملائكة تقول:
آمين ، وإن الإمام يقول : آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر
له ما تقدم من ذنبه » [ وبما ] (٣) رواه الليث ، عن خالد بن يزيد ،
عن أبي هلال ، عن نعيم المجمر قال : صليت وراء أبي هريرة فقرأ
بأم القرآن ، فلما بلغ : ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ قال :
(١) من (( هـ ).
(٢) ليس في (( هـ )).
(٣) في ((الأصل، وهـ)): وربما. وهو خطأ.
- ٣٩٨ -

آمين ، وقال الناس : آمين ، فلما سلم قال : والله إني لأشبهكم صلاة
برسول الله . فهذا فعل أبي هريرة وهو راوي الحديث عن الرسول ،
وأقسم أنه أشبههم صلاة برسول الله ، فعلى هذا ينتفي التعارض من
هذا الحديث ، وبين قوله : إذا أمن الإمام فأمنوا .
وقد جمع الطبري بين الحديثين فقال : ليس في أحدهما دفع
لصاحبه ؛ لأن الحديثين كلاهما عن أبي هريرة ، وذلك أن التأمين في
الصلاة ليس من الأمور التي لا يجوز تركها ، وإنما المصلي مندوب
إليه إمامًا كان أو مأمومًا ، فأخبر عليه السلام أن المأموم إذا أمن بعد
فراغ الإمام من فاتحة الكتاب فله من الأجر ما ذكر . وكذلك إذا أمن
بعد تأمين الإمام فله من الأجر مثل ذلك ، وليس في أحد الحديثين
معنى يدفع ما في الآخر ، بل في كل واحد منهما ما في الآخر من
وجه ، وفيه ما ليس في الآخر من وجه ، فالذي فيه ما ليس في الآخر
أمرُ مَنْ خَلْف الإمام بالتأمين إذا أمن القارئ ، والذي في الآخر أمرٌ
لهم بالتأمين إذا قال الإمام : ﴿ولا الضالين) وإن لم يؤمن
الإمام، فذلك زيادة معنى على ما في الحديث الآخر . وأما ما هما
متفقان فيه [ما](١) لقائل ذلك من الثواب وهذا المراد من الحديث سواء
أمن الإمام أم لا .
وأما جهر ( المأموم ) (٢) بالتأمين فليس [ بيِّناً ] (٣) في الحديث ،
لأن قوله عليه السلام: ((فقولوا آمين)) لا يقتضي الجهر دون السر ،
لكن لما كان / الإمام يجهر بالتأمين ، ولولا ذلك ما سمعه المأموم [١٤٩٥/١ - ١]
وكانوا مأمورين باتباع الإمام في فعله وجب على المأموم الجهر بها كما
جهر بها الإمام ، هذا وجه الترجمة .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): من .
(٢) في ((هـ): الإمام . وهو خطأ .
(٣) في ( الأصل)) و(( هـ )): بَيْن.
- ٣٩٩ -

وقد اختلف العلماء في ذلك فقال عطاء وعكرمة : لقد أتى علينا
زمان إذا قال الإمام ﴿ولا الضالين﴾ سمعت لأهل المسجد رجة من
قولهم : آمين .
وقالت طائفة : يُسِرّ بها المأموم . وقال الطبري : والخبر بالجهر
بآمين والمخافتة بها صحيحان ، وقد عمل بكل واحد منهما جماعة من
علماء الأمة وذلك يدل أنه مما خيرهم رسول الله في العمل بأي ذلك
شاءوا ، ولذلك لم يُنكر بعضهم على بعض ما كان منهم في ذلك ،
وإن كنتُ مختارًا خفض الصوت بها ؛ [ إذ ] (١) كان أكثر الصحابة
والتابعين على ذلك .
باب : إذا ركع دون الصف
فيه: أبو بكرة: (( أنه انتهى إلى النبي - عليه السلام - وهو راكع ،
فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ذلك للنبي - عليه السلام -
فقال: زادك الله حرصًا ولا تعد )).
اختلف العلماء فیمن رکع دون الصف ، فروي عن زيد بن ثابت ،
وابن مسعود أنهما ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعًا ، وفعله
سعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، و أبو سلمة ، وعطاء . وقال
مالك والليث : لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ويمشي إلى
الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق به ..
وقال أبو حنيفة ، والثوري : يكره للواحد أن يركع دون الصف
(١) من ((هـ) وفي (( الأصل)): إذا خطأ.
- ٤٠٠ -