Indexed OCR Text
Pages 301-320
باب : من قام إلى جنب الإمام لعلَّة
فيه : عائشة قالت: أمر رسول الله يا أبا بكر الصديق أن يصلي
بالناس في مرضه ، فوجد من نفسه خفةً ، فخرج ، فإذا أبو بكر يؤم
الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر ، فأومأ إليه أَنْ كَما أنت ، فجلس
رسول الله ◌َو حذاء أبي بكر إلى جنبه ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة
رسول الله وَلقر، والناس يصلون بصلاة أبي بكر .
سنة الإمامة تقديم الإمام ، وتأخير الناس عنه ، ولا يجوز أن يكون
أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين : أحدهما : العلة التي في
هذا الحديث وما كان في معناها ، مثل أن يضيق الموضع ، فلا يقدر
على التقدم ، فيكون معهم في صف ، ومثل العراة أيضًا إذا أمن أن
يرى بعضهم بعضا .
والموضع الثاني : أن يكون رجل واحد مع الإمام ، فإنه يصلي على
يمينه في الصف معه، كما فعل النبي ◌َ ◌ّ بابن عباس إذ أدارهُ من
خلفه إلى يمينه ، فإن صلى الإمام في صف المأمومين بغير عذر ، فقد
أساء وخالف سنة الإمامة وصلاته تامة .
وقال الطبري: إنما أقام النبي وَّ أبا بكر إلى جنبه ؛ ليعلم الناس
تكبير ركوعه وسجوده ، إذ كان صلى الله عليه وسلم قاعدً ، وفي
القوم ممن يصلي بصلاته من لا يراه ولا يعلم ركوعه ولا سجوده ،
فبان أن [ الأئمة ] (١) إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتم بهم ، أن
يجعلوا بينهم وبين من يأتم بهم علمًا يعلمون بتكبيره وركوعه ،
تكبيرهم وركوعهم ، وأن لمن لا يرى الإمام أن يركع بركوع المؤتم به،
ويسجد بسجوده ، وأن ذلك لا يضره ويجزئه أن لا يرى الإمام في كل
ذلك إذا رأى من يصلي بصلاته .
(١) كذا في ((هـ)) ولعل الصواب: ((للأئمة)).
- ٣٠١ -
وقوله : (( فلما رآه أبو بكر استأخر )» دليل واضح أنه لم يكن عنده
مستنكراً أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر ،
وذلك عمل في الصلاة من غيرها ، فكلُّ ما كان نظير ذلك ، فَعَلَهُ
فَاعِل في صلاته لأمر دعاه إليه ، فذلك جائز .
باب : من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول
فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته
فيه : سهل بن سعد الساعدي (( أن رسول الله ثم ذهب إلى بني عمرو
ابن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر
فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم. فصلی أبو بكر ، فجاء رسول
الله ◌َل والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق
الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق ،
التفت فرأى رسول الله صلهر، فأشار إليه رسول الله ﴾ أن امکث مكانك ،
فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله على ما أمر به رسول الله يستر من ذلك ، ثم
استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله ◌َ و فصلى:
فلما انصرف قال : (( يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ )) . فقال
أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله {آل﴾ . فقال
رسول الله خير: (( مالي أراكم أكثرتم التصفيق ؟ من رابه شيء في صلاته
فليسبح ، فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء)).
في هذا الحديث من الفقه الرد على الشافعي وأهل الظاهر في
إنكارهم استخلاف الإمام في الصلاة - إذا نابه فيها ما يخرجه منها -
من يُتَمَّ بهم صلاتهم، وذلك أن النبي ◌َّل ، جاء وقد صلى أبو بكر
وَ ل ، وصار الإمام ، وصار أبو
بالناس بعض الصلاة ، فتقدم النبي
- ٣٠٢ -
بكر مأمومًا بعد أن كان إمامًا، وائتم القوم بالنبي وَّ بعد أن كانوا
ھنا الله
يأتمون بأبني بكر ، وبنوا على صلاتهم ، فكذلك حكم الإمام إذا سبقه
حدث أو رعاف فقدم رجلا ، أن لهم أن يأتموا به بقية صلاتهم ، ولا
يضرهم خروج الإمام من موضعه ، كما لم يضر الناس الذين كانوا
يأتمون بأبي بكر، خروجهم من الائتمام به حين صار النبي وَّ إمامهم
دون أبي بكر ، قاله الطبري .
وممن قال : يجوز الاستخلاف في الصلاة : عمر ، وعلي ، ومن
التابعين : علقمة ، وعطاء ، والحسن ، والنخعي ، وهو قول مالك،
والثوري ، وأبي حنيفة ، وقال الشافعي : الاختيار أن يصلي القوم
فُرادى ، فإن قَدَّمُوا رجلا يصلي بهم أجزأهم ، وهذا الحديث حجة
عليه ، وهو الأصل في جواز الاستخلاف .
قال الطبري : وفيه من الفقه خطأ قول من زعم أنه لا يجوز لمن
أحرم بصلاة المكتوبة وصلى بعضها ثم أقيمت الصلاة أنه لا يجوز له أن
يدخل مع الجماعة في بقية صلاته حتى يخرج منها بتسليم ، ثم يدخل
معهم ، فإن دخل معهم دون سلام فسدت عليه ، ولزمه قضاؤها .
ودليل هذا الحديث خلاف لقوله ؛ وذلك أن النبي وَجّ ابتدأ صلاته
التي كان صلى أبو بكر بعضها، وائتم به أصحابه ] (١) / في بقيتها، [١٣١٥/١- ب]
فكان النبي مبتدئًا والقوم مُتَمِّمِين ، فكذلك حكم الذي صلى بعض
صلاته ، ثم أقيمت الصلاة ، فدخل فيها مع الإمام يكون للإمام
والذين أحرموا معه ابتداء ، وتكون للرجل الذي دخل معه فيها بعد ما
صلى بعضها تمامًا ، إذا أتم بقيتها ، وخرج من الائتمام فيما ليس عمله
منها .
(١) هذا آخر السقط المشار إليه من ((الأصل)).
- ٣٠٣ -
قال المهلب : وفيه أن الإمام المعهود إذا أتى والناس في الصلاة أنه
ليس له أن يُخرجَ من قُدِّمَ إلا أن يأبى المستخلَفُ أن يُقيم في الإمامة ،
وقد علم بلحوق الأفضل ، كما فعل أبو بكر ، ليستكمل فضل
الرسول في الإمامة ..
وقد قال كثير من العلماء : هذا موضع خصوص للرسول ؛ لأنه
لا يجوز التقدم بين يديه إلا أن يُقرَّ ذلك عليه السلام ، فلا يعزل
المستخلف حتى يتم صلاته ، إذ ليس من تباين الناس اليوم في الفضل
من یجب أن یتأخر له .
قال غيره : ولسنا [ نقول: إن أبا بكر لو تمادى لم يُجزِه ذلك،
بل ] (١) نقول : إنه كان جائزًا له ؛ لإشارة النبي: أن امكث مكانك.
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وقد روى عيسى ، عن ابن القاسم
في الإمام يُحْدِثُ فيستخلف ، ثم ينصرف ، فيأتي ، ثم يخرج
المستخلف ، ويتم الأول بالناس أن الصلاة تامة ، قال : فإذا تمت
الصلاة ، فينبغي أن يشير إليهم حتى يتم لنفسه ، ثم يسلم ويسلموا ،
فيجوز التقدم والتأخر في الصلاة ، وهذا القول مطابق للحديث وبه.
ترجم البخاري ، وأكثر الفقهاء لا يقولون [ بإمامين لغير عذر . ..
قال المهلب: وقول مالك ] (١) ذلك؛ [ لأنه ] (١) لا يجوز
[عندهم] (١) الاستخلاف في الصلاة إلا لعذر ، ولا الصلاة بإمامين
لغير عذر .
قال المهلب : وقول مالك : إنه من أحرم قبل إمامه أنه لا تجوز
صلاته ، وعليهم الإعادة ، فإنه إنما أراد من ابتداء الصلاة بإمام واحد؛
فأحرموا قبله ، ثم مضوا حتى أتموا الصلاة ، وأما هذه [الصلاة](١)
(١) من (( هـ)).
- ٣٠٤ -
فإن الرسول حين دخل فيها صاروا كلهم محرمين قبله، وتمت صلاته
وصلاتهم .
وقال ابن المنذر : في هذا الحديث دلالة على أن الرجل قد يكون
في بعض صلاته إمامًا ، ومأمومًا في بعضها ، ويدل على إجازة
الائتمام بصلاة من تقدم افتتاح المأموم الصلاة قبله .
قال الطبري : وفي هذا الحديث الدلالة [ الواضحة ] (١) على أن
من سبق إمامَهُ بتكبيرة الإحرام ، ثم ائتم به في صلاته ، أن صلاته
تامة ، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا تجزئه ، وذلك أن أبا بكر
كان قد صلى بهم بعض الصلاة ، وقد كانوا كبّروا للإحرام معه ، فلما
أحرم رسول الله لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام ، ولم يستقبل القوم
صلاتهم ، بل بنوا عليها مؤتمين به ، وقد كان تقدم تكبيرُهم للإحرام
م ◌ُ
تكبيره .
قال المؤلف : لا أعلم من يقول : إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة
إلا الشافعي ، بناءً على أصل مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة
الإمام ، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه ،
و[سيأتي](٢) الحجة للجماعة في ذلك في باب: ((إنما جعل الإمام
ليؤتم به )) إن شاء الله، وأذكر هنا طرفًا منها، وذلك أن النبي - عليه
السلام - وإن كان كبر بعد تكبير أبي بكر ، وبعد تكبير الناس ، فإنه
صار بمنزلة من استخلف ، وصار تكبير القوم بعد تكبير الإمام الأول،
وهو أبو بكر ، والرسول الإمام الثاني يقوم مقام الأول ، ألا ترى أنه
بنى على صلاة أبي بكر، ولم يبتدئها، وإذا صح القول بالاستخلاف صحت
هذه المسألة ، ولم يلزم فيها أن يكون تكبير المأموم قبل إمامه ، ولا
يجوز أن يقضى بها على قوله عليه السلام: ((فإذا كبر الإمام فكبروا)).
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الراجحة.
(٢) من (( هـ)).
- ٣٠٥ -
قال غيره : وفيه من الفقه فضل أبي بكر على سائر الصحابة وأنهم
كانوا [ يؤهلونه ] (١) في حياة رسول الله لِمَا صار إليه بعد وفاته من
الخلافة ، ولا يرون لذلك الموضع غيره .
قال المهلب : وقول المؤذن لأبي بكر : تصلي للناس . دليل على أن
المؤذن [ هو الذي ] (٢) يقدم للصلاة، لأنه يخدم أمر [الإمامة] (٣)،
وجماعة أهل المسجد ، وهي ولاية ليس لأحد أن يتقدم إلى إمامة.
الجماعة إلا بأمره أو بأمر من ولي ذلك من ( المؤمنين ) (٤).
وفيه : أن الإمام يُنتظر ما لم يُخش فوات الوقت الفاضل .
قال المهلب : وفيه : جواز إعلام المصلي بما يَسُرُّه.
قال غيره : وفيه : أن الالتفات في الصلاة للحاجة ومهم الأمر
جائز.
.
وفيه: شكر الله على الوجاهة في الدين ، وأن ذلك من أعظم النعم
قال تعالى في عيسى: ﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ﴾ (٥):
وقال مالك أنه من أُخبر في صلاته بما يَسُرُّه، يحمد الله عليه، وله
أن یترکه تواضعًا وشكرًا لله وللمنعم به.
[١/ ق١٣٢-٤١
/ باب : إذا استووا في القراءة، فليؤمهم أكبرهم
فيه : مالك بن الحويرث قال : قدمنا على النبي ونحن شببة فلبثنا عنده.
نحواً من عشرين ليلة، وكان النبي رحيمًا فقال: ((لو رجعتم إلى
(١) من (( هـ))، وهو الأنسب هنا وفي ((الأصل)): يؤملونه.
(٢) من (( هـ)) ..
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): الجماعة - خطأ.
(٤) في (( هـ)) : المؤذنين .
(٥) آل عمران : ٤٥ .
- ٣٠٦ -
بلادكم ، فعلمتموهم، مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة
كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن [ لكم ] (١) أحدكم،
وليؤمكم أكبركم )) .
قال المؤلف : لا خلاف بين العلماء أنهم إذا استووا في القراءة
والفقه والفضل ، فالأسنُّ أَوْلَى بالتقديم ، وموضع الدلالة من هذا
الحديث على التساوي في القراءة ، وهو أن مالك بن الحويرث قال :
قدمنا على الرسول ونحن شبية ، فلبثنا عنده نحوّاً من عشرين ليلة .
فاستدل بتقاربهم في السن وتساويهم في مدة التعليم ، وإن كان بعضهم
أقبل لها وأسرع حفظًا من غيره ، أنهم قد تساووا في تعليم ما تجزئهم
الصلاة به ، ولذلك رَقَّ عليهم النبي وصرفهم إلى أهليهم ، ولو لم
يتعلموا ما يجزئهم في الصلاة ما صرفهم حتى [يتعلموه ] (٢).
وقوله : (( فليؤمكم أكبركم)» فيه دليل أن الإمامة تستحق بالسن إذا
كان معه علم وفضل ، وأما إن تعرى السن من العلم والقراءة
والفضل، فلا حَظَّ للكبير في الإمامة ، بدليل تقديم النبي عمرو بن
سلمة وهو صبي في مسجد عشيرته ، وفيهم الشيوخ والكهول .
باب : إذا زار الإمام قومًا فأمهم
فيه : عتبان بن مالك قال: (( استأذن النبي - عليه السلام - فأذنت له
فقال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب،
فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم، فسلمنا )) .
هذا الباب رَد [ لما] (٣) روي عن النبي أنه قال: ((من زار قومًا
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تعلموه .
(٣) من ((هـ))، وهو الأنسب هنا، وفي ((الأصل)): لمن.
- ٣٠٧ -
فلا يؤمهم )). رواه وكيع عن أبان العطار ، عن بديل بن ميسرة ، عن
أبي عطية ، عن رجل منهم قال : كان مالك بن الحويرث يأتينا في
مصلانا هذا ، فحضرت الصلاة ، فقلنا له : تقدم . فقال : لا ،
ليتقدم بعضكم ، حتى أحدثكم لم لا أتقدم ، سمعت رسول الله
يقول: ((من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم))، وهذا
إسناد ليس بقائم ؛ لأن أبا عطية مجهول يرويه عن مجهول ، وصلاته
عليه السلام في بيت عتبان مخالف له ، ويمكن الجمع بين الحديثين ،
وذلك أنه يحمل قوله عليه السلام: (( من زار قومًا فلا يؤمهم )) - لو
صح - أن يكون إعلامًا منه أن صاحب الدار أولى بالإمامة فيه من
الداخلين عليه ، إلا أن يشاء صاحب الدار أن يُقَدِّمَ غيرَه ممن هو أفضل
منه فإنه يستحب له ذلك ، بدليل تقديم عتبان بن مالك في بيته للنبي
عليه السلام ، وحمل الحديثين على فائدتين أولى من تضادهما .
وقد روى ابن القاسم ، عن مالك أنه : يستحب لصاحب المنزل إذا
حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدِّمه للصلاة ، ولا خلاف بين العلماء
في أن صاحب الدار أولى بالإمامة منه ، وقد روي عن أبي موسى
الأشعري أنه أمّ ابن مسعود وحذيفة في داره ، وفعله ابن عمر بمولى ،
فصلى خلف الموالي .
وقال عطاء : صاحب الدار يؤم من جاءه ، وهو قول مالك
والشافعي ، ولم أجد فيه خلافا .
- ٣٠٨ -
باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به
وصلى الرسول في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس .
وقال ابن مسعود : إذا رفع قبل الإمام يعود فیمکث بقدر ما رفع ، ثم
يتبع الإمام .
وقال الحسن فيمن يركع مع الإمام ركعتين ، ولا يقدر على السجود :
يسجد للركعة الآخرة سجدتين ، ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها ،
وفیمن نسي سجدة حتى قام : يسجد .
فيه: عائشة قالت: (( لما مرض النبي - عليه السلام - قال : ضعوا لي
ماءً في المخضب . قالت : ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوءَ ، فأُغمي
عليه، ثم أفاق . فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا
رسول / الله . قال: ضعوا لي ماءً في المخضب. قالت: فاغتسل، ثم [١٣٢٥/١ -ب]
ذهب لينوءَ، فأغمي عليه ثم أفاق ثلاث مرات ، والناس عكوف في
المسجد ينتظرون النبي - عليه السلام - لصلاة العشاء الآخرة ، فأرسل
رسول الله إلى أبي بكر يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله
يأمرك أن تصلي بالناس . فقال أبو بكر : يا عُمَرُ صَلِّ بالناس . فقال له
عمر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن الرسول وجد
في نفسه خفَّةً ، فخرج بين رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر ،
وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه
الرسول بأن لا يتأخر. قال : أجلساني إلى جنبه . فأجلساه إلى جنب أبي
بكر ، فجعل أبو بكر يصلي ، وهو يأتم بصلاة رسول الله ، والناس
يصلون بصلاة أبي بكر ، والنبي قاعد )).
وفيه: عائشة قالت : (( صلى النبي - عليه السلام - وهو شَاك في بيته،
فصلى جالسًا ، وصلى وراءه قوم قيامًا ، فأشار إليهم : أن اجلسوا ،
- ٣٠٩ -
فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا رکع فارکعوا ، وإذا
رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسًا ، فصلوا جلوسًا)).
وفيه : أنس قال : (( ركب رسول الله فرسًا ، فصرع عنه فَجُحْشَ شقه
الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد ، فصلينا وراءه قعودًا ،
فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائمًا ، فصلوا
قيامًا ، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال : سمع الله لمن
حمده، فقولوا: ربنا [ و] (١) لك الحمد ، وإذا صلى جالسًا ، فصلوا
جلوسًا أجمعون )) .
قال الحميدي : قوله: (( وإذا صلى جالسًا ، فصلوا جلوسًا )) هو في
مرضه القديم ، ثم صلى عليه السلام بعد ذلك جالسًا والناس خلفه
قيامًا ، ولم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله عليه
السلام .
قال المؤلف: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ، وإذا
رفع فارفعوا)) . فإن العلماء اختلفوا هل يكون عمل المأموم والإمام
معًا أو بعده . فقال ابن حبيب : قال مالك : ويفعل المأموم مع الإمام
إلا في الإحرام والقيام من اثنتين والسلام ، فلا يفعله إلا بعده . وقال
أبو حنيفة ، وزفر ، ومحمد، والثوري: يكبر في الإحرام مع الإمام ..
وروى سحنون ، عن ابن القاسم في العتبية : إن أحرم معه أجزأه،
وبعده أصوب ، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة .
:
وفي المجموعة عن مالك : إن أحرم معه أو سلم يعيد الصلاة
وقاله أصبغ ، وحققه ابن عبد الحكم ، وقال أبو يوسف ، والشافعي:
لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير . وقال ابن أبي زيد في
(١) من (( هـ)).
: - ٣١٠ -
كتاب آخر : والعمل بعده في كل شيء أحسن ؛ لقوله عليه السلام :
( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا )) . وقاله أحمد بن حنبل وهو
معنى قول الشافعي .
وحجة هذا القول ، قوله عليه السلام: (( إنما جعل الإمام ليؤتم
به، فإذا ركع فاركعوا)»، فجعل فعلهم عقيب فعله ، فالفاء للتعقيب،
وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير ، والسلام ، فلا يصح الائتمام به ؛ لأنه
محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه ، ولا يدخل فيها
الإمام إلا بالتكبير ، والإمام اشتق من التقدم ، والمأموم من الاتباع ،
فوجب أن يتبع [ فعل ] (١) المأموم بعد إمامه .
ووجه قول [ ابن أبي سلمة ] (٢) وابن القاسم ، وابن عبد الحكم
أنه يجزئه إحرامه معه ؛ لأن الائتمام [ معناه الامتثال ] (٣) لفعل
الإمام، فهو إذا فعل مثل فعله ، فسواء أوقعه معه أو بعده ، فقد حصل
ممتثلا لفعله .
واختلفوا فيمن ركع أو سجد قبل إمامه ، فروي عن ابن عمر أنه
قال : لا صلاة له . وهو قول أهل الظاهر .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه من رفع رأسه قبل الإمام في ركوع
أو سجود ، فليضع رأسه بعد رفعه إياه ، كقول ابن مسعود ، قال
الحسن والنخعي : إذا رفع من السجود قبله يعود في سجدته قبل أن
يرفع الإمام رأسه ، وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق .
وقال الشافعي وأبو ثور : إذا ركع أو سجد قبله فأدركه الإمام وهو
راكع أو ساجد فقد أساء ، ويجزئه ، وقد شَذَّ الشافعي فقال : إن كبر
للإحرام قبل إمامه ، فصلاته تامة .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فجعل. ولها وجه.
(٢) هو عبد العزيز الماجشون الذي سبق قوله قريباً، وجاء في الأصل: ((سلمة))
وفي (( هـ)) « أبي سلمة )) وكلاهما خطأ .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): امتثال.
- ٣١١ -
[١/ ١٣٣-١] وقال مالك والكوفيون: إن كَبَّر قبل إمامه كبر بعده، وأجزأه / ،
وإن لم يستأنف التكبير بطلت صلاته .
والحجة على [ قول ] (١) الشافعي قوله في حديث أنس ، وأبي
هريرة: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا)). ذكر ذلك
البخاري في باب (( إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة )) بعد هذا ، وقد.
تقدم قبل هذا أن الفاء للتعقيب ، ومن مذهب الشافعي الاقتداء بالإمام.
في الفعل و[المقام ] (٢) وأن المأموم لو صَلَّى قدام إمامه لم تصح
صلاته، فيلزمهم في تكبيرة الإحرام مثله .
فإن قالوا : لو وقع منه سبق في ركوعه الركوع الإمام لم تبطل
صلاته ، فكذلك في تكبيرة الإحرام .
قيل : الفرق بينهما صحيح ، وذلك أنه لا يجوز أن يتحلل بالسلام
من الصلاة قبل إمامه ، فكذلك لا يجوز أن يدخل فيها قبله ، وإذا
أحرم بعده فلا يضره أن يقع سبق في بعضها ، لأن عقدها قد صح معه ..
وأما قول الحسن فيمن ركع ولا يقدر على السجود ، فإن العلماء.
اختلفوا في ذلك ، فقال الكوفيون : يستحب له أن يتأخر حتى يرفع
الرجل رأسه فيسجد بالأرض ، فإن لم يفعل وسجد على ظهر رجلٍ
فقد أساء ، وتجزئه وهو قول الثوري والشافعي .
وقال مالك: [ لا] (١) تجزئه ويعيد ..
واحتج الكوفيون بما روي عن عمر قال: « من أذاهُ الحَرَّ ، فليسجد على
ثوبه أو على ظهر أخيه )) ، ولا مخالف له في الصحابة ، ذكره الطحاوي .
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ))، وهو المناسب لما بعده، وفي ((الأصل)): المقال.
- ٣١٢ -
وأما قوله عليه السلام : (( وإذا قال : سمع الله لمن حمده ،
فقولوا: ربنا ولك الحمد)) . ففيه حجة لقول مالك ، والليث ، وأبي
حنيفة أن المأموم يقتصر على أن يقول : ربنا ولك الحمد ، دون أن
يقول : سمع الله لمن حمده ، سيأتي قول من خالف هذا في بابه إن
شاء الله ، وكذلك اختلفوا فيمن صلى أمام إمامه ، فقال الكوفيون
والثوري والشافعي في رواية البويطي : لا تجزئه .
وقال مالك والليث : تجزئه . ذكره الطحاوي ، وقال ابن المنذر :
إن قول إسحاق وأبي ثور ، كقول مالك والليث ، واحتج ابن القصار
لمالك بأن دار آل عمر بن الخطاب كانت أمام المسجد ، وكانوا يصلون
بصلاة الإمام في المسجد ، ولا مخالف فيه ، وحجة من خالف ذلك
قوله {َ له: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فإذا كان قدامه فقد خرج
عن الموضوع .
قيل له : إنما قيل الإمام ؛ لأن أفعاله متقدمة لأفعالهم ، ولم يُرد
بذلك الموضعَ ؛ ألا ترى أن المأموم قد يقف عن يمين الإمام ، فليس
الإمام أمامه ، ولو وقف الإمام عن ذراعين من الكعبة ، ووقف
المؤتمون به عن ذراع منها ، لأجزأتهم صلاتهم ، فثبت أن المراد اتباع
أفعاله في الصلاة ، حتى توقع أفعاله بعد أفعاله ، والله الموفق .
وأما قوله عليه السلام: ((وإذا صلى جالسًا ، فصلوا جلوساً
أجمعون)). فاختلف العلماء في إمامة الجالس ، فقالت طائفة : يجوز
أن يؤم الجالس الجلوس إذا كان الإمام مريضًا ، وإن كان من خلفه
قادرين على القيام . روي هذا عن عطاء ، وهو قول الأوزاعي ،
وأحمد ، وإسحاق .
وقالت طائفة : يجوز أن يصلي القيام خلف الإمام القاعد ، ولا يسقط
عنهم فرض القيام ، لسقوطه عن إمامهم ، هذا قول أبي حنيفة ،
- ٣١٣ -
وأبي يوسف ، والأوزاعي ، وزفر ، والشافعي، وأبي ثور ، رَوى
مثلَه الوليدُ بن مسلم ، عن مالك ، فقال : وأحب إلي أن يقوم إلى
جنبه من يُعْلِمُ الناسَ بصلاته ، كما فعل أبو بكر .
وقالت طائفة : لا يجوز أن يؤم أحد قاعدًا ، هذا قول مالك ،
والثوري ، ومحمد بن الحسن ، قال [ محمد ] (١) : وصلاته عليه
السلام قاعدًا في ( مرضه ) (٢) خاص له ، لا يجوز لأحد بعده.
واحتج ابن القاسم بأن مالك حدثه عن ربيعة بأن أبا بكر كان الإمام
بالنبي ، ولا يجوز لأحد أن يؤم قاعداً في فريضة ولا نافلة ، وإن
عرض له ما يمنعه استخلف .
وحجة أهل المقالة الأولى: قوله عليه السلام: ((وإذا صلى
جالسًا، فصلوا جلوسًا )) .
وقال أحمد بن حنبل : وهذه سنة ثابتة ينبغي أن يصلي القعود - وإن
كانوا لا علة بهم - وراء المريض الجالس ، وقد فعل ذلك أربعة من
أصحاب النبي : جابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأسيد بن حضير ،
وقيس بن قَهْد ، فدل ذلك من فعلهم أنه ليس بخاص بالنبي- عليه
السلام - ولا منسوخ بفعله ؛ إذ لو كان هذا ، لَعَابَهُ سائر الصحابة
على هؤلاء الأربعة الذين فعلوه ، وقد روى عبد الرزاق ، عن أنس
ابن مالك أنه فعل مثله .
وأيضًا فإن صلاته عليه السلام في مرضه لا تشبه الصلاة التي أمر
[١/ ١٣٥- ب] فيها / بالقعود ، حين جُحشَ شقه ؛ لأنها صلاة ابتدأ الإمام فيها
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): مجاهد - خطأ ..
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): موضعه - خطأ.
--
- ٣١٤ -
قاعداً، [ فعليهم ] (١) القعود، لسنته عليه السلام ، وصلاته في
مرضه هي صلاة أبي بكر ابتدأ فيها القيام ، فقاموا خلفه ثم جاء
النبي - عليه السلام - بعد ذلك فقعد إلى جنبه ، وهو مريض فالصلاة
على ما ابتدئت ، فلا تشبه هذه هذه ، ولا تنسخ هذه هذه ، والأُولى
سُنة على معناها ، [ والثانية سُنة على معناها ] (٢).
وحجة أهل المقالة الثانية : صلاته عليه السلام في مرضه
[الأخير](٣) بالناس قاعدًا وهم قيام ، قالوا : وهو ناسخ لصلاته
بالناس جالسًا وهم جلوس .
قال ابن شهاب : كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر
رسول الله كما قال الحميدي .
قال الطحاوي : واحتج أهل المقالة الثالثة وقالوا : لا حجة لكم
في هذا الحديث ، لأن رسول الله كان في تلك الصلاة مأموما ، وقد روى
شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل، عن مسروق ، عن عائشة
قالت : صلى النبي في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدًا .
وروى ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب حدثنا حميد ، عن
ثابت البناني، عن أنس بن مالك ((أن رسول الله وَلقوله صلى خلف
أبي بكر قاعدًا في ثوب واحد مخالف بين طرفيه ، فكانت آخر صلاة
صلاها )) .
واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأنه إن كان رُوي هذا فإن أفعال
النبي في صلاته تلك تدل على أنه كان إمامًا ، وذلك أن عائشة قالت
في حديث الأسود عنها : ((فقعد رسول الله عن يسار أبي بكر)) ،
(١) من ((هـ))، وهو المناسب هنا، وفي ((الأصل)): فعلمهم.
(٢) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الآخر.
- ٣١٥ -
وذلك قعود الإمام لا قعود المأموم ؛ لأنه لو كان أبو بكر إمامًا له ،
لكان عليه السلام يقعد عن يمينه ، فلما قعد عن يساره دل ذلك على ما
قلناه ، ذكره البخاري في باب الرجل يأتم بالإمام ، ويأتم الناس
بالمأموم بعد هذا .
قال: الطحاوي : وحجة أخرى وهي أن ابن عباس روى أن نبي الله
كان إمامًا ، وقال في حديثه ، فأخذ رسول الله في القراءة من حيث
انتهى [ أبو] (١) بكر ، ولولا أنه كان عليه السلام الإمام ما قرأ ، لأن
تلك الصلاة كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ، ولولا ذلك ما علم
رسول الله بالموضع الذي انتهى إليه أبو بكر ، ولا خلاف بين الناس أن
المأموم لا يقرأ خلف الإمام ، كما يقرأ الإمام ، فهذا وجه هذا الباب
من طريق الآثار .
وأما وجهه من طريق النظر ، فإنا رأينا الأصل المجتمع عليه أن
دخول المأموم في صلاة الإمام قد يوجب فرضًا على المأموم لم يكن
عليه قبل دخوله ، ولم نره يسقط فرضًا عليه قبل دخوله ، فمن ذلك
أنا رأينا المسافر يدخل في صلاة المقيم ، فيجب عليه أن يصلي أربعًا
ولم يكن ذلك واجبًا عليه قبل دخوله معه ، وإنما أوجبه عليه دخوله
معه ، ورأينا مقيمًا لو دخل خلف مسافر فصلى بصلاته حتى فرغ أتى
بتمام صلاة المقيم ، فالنظر على ذلك أن يكون الصحيح الذي عليه.
فرض القيام إذا دخل مع المريض الذي سقط عنه فرض القيام ألا يسقط
عنه فرض كان عليه قبل دخوله في الصلاة .
قال غيره : وما روي عن عائشة أن أبا بكر كان الإمام ، فالروايات
الثابتة عنها من رواية الأسود ، وعروة ، وعبيد الله بن عبد الله ، كلهم
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أبي - كذا .
- ٣١٦ -
عن عائشة أن الرسول كان الإمام أكثر وأصح ، وهو الذي صححه
البخاري . ولو جعلنا ما روي عن عائشة متعارضًا، [ لكانت ] (١)
رواية ابن عباس حجة كافية في ذلك ، فلم يختلف عنه أن النبي -عليه
السلام - كان الإمام .
وأما حديث ربيعة فلا يحتج بمثله لانقطاعه ، وقد يحتمل أن يكون
أبو بكر المتقدم في صلاة من صلوات مرضه ؛ لأن مرضه كان أياما ،
وخرج فيها مرارًا ، ولا خلاف في جواز صلاة المريض الجالس خلف
القائم .
وقوله: (( فذهب لينوء)) أي: تمايل ليتحامل على القيام ، قال
صاحب العين : ينوء بالدابة أي : يميل بها ، وكل ناهض بثقل
كذلك، وفي القرآن: ﴿ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾ (٢) وناء
النجم ينوء : مال إلى السقوط .
باب : متى يسجد من خلف الإمام
قال أنس عن النبي : إذا سجد فاسجدوا
فيه: البراء قال: ((كان النبي - عليه السلام - إذا قال : سمع الله لمن
حمده لم يَحْنِ أحد / منا ظهره حتى يقع النبي ساجدًا ، ثم نقع سجودًا [١٣٤٥/١-١]
بعده )) .
وهذا الحديث حجة لمن قال من العلماء أن فعل المأموم يقع بعد فعل
الإمام في أفعال الصلاة كلها ، وقد تقدم اختلافهم في ذلك في الباب
قبل هذا .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فكان.
(٢) القصص : ٧٦ .
- ٣١٧ -
وقال يحيى بن معين : وقول ( أبي ) (١) إسحاق : حدثنا عبد الله
ابن يزيد ، حدثنا البراء ، وهو غير كذوب ، يريد [ أن ] (٢) عبد الله
ابن يزيد كان غير كذوب ، ولا يقال للبراء أنه غير كذوب [ قال] (٣)
يحيى بن معين : وعبد الله بن يزيد هذا هو الخطمي ، وهو جد
الأنصاري الذي كان على الغارمين ، وكان عبد الله بن يزيد واليًا لابنٍ:
الزبير على الكوفة .
باب : [إثم ] (٢) من رفع رأسه قبل الإمام
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي: (( أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه
قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار )) .
معنى هذا الحديث الوعيد لمن خالف إمامه في أفعال الصلاة ، ومن
خالف الإمام ، فقد خالف سنة المأموم ، وأجزأته صلاته عند جمهور
العلماء ؛ لأن النبي - عليه السلام - لم يقل إن من فعل ذلك فضلاته.
فاسدة .
وفي المجموعة لابن القاسم ، عن مالك : أن من رفع قبل إمامه
يظن أنه رفع ، فليرجع ساجدًا أو راكعًا ، ولا يقف ينتظره ، فإن
عجل الإمام فليتمادى ويجزئه ، وهو قول أكثر العلماء ، وقد تقدم في
باب إنما جعل الإمام ليؤتم به من خالف هذا وزيادة فيه .
(١) هو أبو إسحاق السبيعي كما يُعلم من ترجمته، وترجمة عبد الله بن يزيد
الخطمي، وفي ((هـ)»: ابن . وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بل وهو تحريف .
- ٣١٨ -
باب: إمامة العَبْد والمَوْلَى
وكانت عائشة يؤمها عبدُها ذكوان من المصحف . وَوَلَد البغيِّ ،
والأعرابيُّ والغلام الذي لم يحتلم ، لقول النبي - عليه السلام - :
يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله . ولا يُمْنَعُ العَبْدُ من الجماعة لغير علَّة .
فيه: ابن عمر قال: « لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع
بقباء- قبل مقدم الرسول كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان
أكثرهم قرآنًا)) .
وفيه : أنس قال عليه السلام: (( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل حبشي
كأن رأسه زبيبة )» .
قال المؤلف : أما العبد والمولى وولد البغي والأعرابي والصبي الذي
لم يحتلم فإمامتهم جائزة ؛ لأنهم كلهم دخلوا في قوله : (( يؤم القوم
أقرؤهم لكتاب الله)) وهذا الحديث وإن كان أشار إليه البخاري ،
واعتمد عليه ، فلم يخرجه في مصنفه هذا ، وقد ذكرته في باب أهل
العلم والفضل أحق بالإمامة وهو حديث حسن أخرجه المصنفون ،
وهو أصل في معناه .
وممن أجاز إمامة العبد غير عائشة : أبو ذر ، و( حذيفة ) (١)،
و[ابن ] (٢) مسعود، ومن التابعين : الحسن ، وابن سيرين،
والنخعي ، والشعبي ، والحكم . ومن الفقهاء : الثوري ، وأبو
حنيفة، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وكره إمامته أبو مجلز ، وقال مالك : لا يؤم العبد الأحرار إلا أن
يقرأ وهم لا يقرءون ، ولا يؤمهم في عيد ولا جمعة . والحجة له أن
إمامة سالم للمهاجرين إنما كانت لأنه كان في أول الإسلام ، وكان
(١) في (( هـ)): خليفة - كذا - .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبو.
- ٣١٩ -
أكثرهم قرآنًا ، ولم تجز إمامته في الجمعة ؛ لأنها لما سقطت عنه شبهه.
بمن لا تجب عليه أصلا ، ومَنْ أجازَ إمامته فيها قال: إذا حضر الجمعة
صار من أهلها وأجزأت عنه الركعتان إذا كان مأمومًا ، فكذلك إذا كان
إمامًا .
و[أما ] (١) قوله عليه السلام: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل
عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة )) فقد رواه أنس عن النبي وقال فيه :
عبد حبشي . ذكره البخاري في كتاب الأحكام .
ففيه حجة لمن أجاز إمامة العبد راتبا وفي الجمعة وغيرها ؛ لأنه عليه
السلام إذا أمر بطاعة العبد الحبشي ، فقد أمر بالصلاة خلفه وقد قال
النخعي : رب عبد خير من مولاه .
وممن أجاز إمامة ولد الزنا إذا كان مرضياً : النخعي ، والشعبي ،
وعطاء ، والحسن ، وقالت عائشة : ليس عليه من وزر أبويه شيء
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ (٢) وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة،
والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وكره إمامته : عمر بن عبد العزيز، ومجاهد . وقال مالك : أكره أن
يكون إمامًا [ راتبًا] (٣) وإنما ذلك لما يناله من الألسنة و[تأثم] (٤) الناس ..
وأما الأعرابي فإن كان عالمًا فهو والحضري سواء ، ولكن الكلام
خرج فيمن كره إمامته على الأغلب من جهلهم بحدود الصلاة ، وممن
كره إمامته: أبو مجلز ، ومالك بن أنس ، وقال : لا يؤم الأعرابي
(٢) الأنعام : ٦٤ وغيرها .
(١) من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): زانيًا. كذا وهو خطأ لا شك فيه.
(٤) من (( هـ)) وهو الأنسب للسياق ، وفي الأصل : يأثم .
- ٣٢٠ -