Indexed OCR Text

Pages 241-260

قال الطحاوي : لم أجد لأصحابنا في هذا نصًا ، غير أن أبا يوسف
قال : من أذن في صلاته إلى آخر الشهادتين لم تفسد صلاته إن أراد
الأذان . وفي قول أبي حنيفة : لم تفسد صلاته ، فهذا يدل من قولهم
أن من سمع الأذان في الصلاة أنه لا يقوله .
وقال بعض العلماء : القياس أنه لا فرق بين المكتوبة والنافلة في هذا
الباب ؛ لأن الكلام محرم فيهما . وقوله : حي على الصلاة ، حي
على الفلاح : كلام ، فلا يصلح في شيء من الصلاة ، وقد قال ابن
المواز : إنه من قاله في صلاته عامدًا أو قال : الصلاة خير من النوم
أنها تفسد صلاته ، وقال ابن [ خويز منداد ] (١) عن مالك : هو مسيء
ولا تبطل صلاته، وأما سائر الأذان فمن الكلام الذي يصلح في الصلاة .
وقال الطحاوي : وقد قال قوم : إن قول الرسول : ((إذا سمعتم
المؤذن فقولوا مثلما يقول )) على الوجوب . وخالفهم آخرون وقالوا :
هو على الاستحباب والندب ، واحتجوا بما رواه قتادة عن أبي
الأحوص، عن علقمة ، عن عبد الله قال: (( كنا مع الرسول في
بعض أسفاره فسمع مناديًا وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ، فقال رسول
الله : على الفطرة ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال رسول الله
وَل : خرج من النار ، فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة
فصلى)). قال الطحاوي : فهذا رسول الله سمع المنادي فقال غير ما
قال ؛ فدل أن قوله عليه السلام: (( فقولوا مثلما يقول المؤذن )» على
غير الإيجاب ، وأنه على الندبِ وإصابة الفضل ، كما علمهم من
الدعاء الذي أمرهم أن يقولوه عند إدبار الصلوات وشبه ذلك .
(١) من ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٦٠٦/٢)، و ((الديباج المذهب )) لابن
فرصون (ص ٢٦٨) وغيرهما، وهو محمد بن أحمد بن عبد الله وكنيته أبو بكر،
وجاء في هذا الموضع وغيره من ((الأصل)) و((هـ )): (( خوار بنداذ )) كذا .
- ٢٤١ -

باب : الدعاء عند النداء
فيه: جابر قال: قال رسول الله مَلي: (( من قال حين يسمع النداء.
اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة
والفضيلة ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم
القيامة )) .
قال الطحاوي: وقد روي عن الرسول وَل# أنه كان يقول عند:
[١٢١٥/١- ب) الأذان غير ما جاء في الحديث ويأمر به / وذلك ما روى الليث عن
حكيم بن عبد الله بن قيس ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن
أبيه ، أن رسول الله قال: (( من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، رضیت
بالله - عز وجل - ربا وبالإسلام ديناً ؛ غفر له )) ، وما رواه مجمد
ابن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن حفصة بنت أبي كثير ؛
عن أمها ، عن أم سلمة قالت: (( علمني الرسول فقال : إذا كان عند
أذان المغرب فقولي : اللهم هذا استقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات
دعاتك وحضور صلواتك ، اغفر لي )» .
قال الطحاوي : فهذه الآثار تدل على أنه أريد بها ما يقال عند
الأذان من الذكر ، فكل الأذان ذِكْر غير : حي على الصلاة حي على
الفلاح ، فإنهما دعاء إلى الصلاة ، والذكر أولى أن يقال .
وقال المهلب : فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلوات حين.
تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء في الحديث: (( ساعتان لا يرد
فيهما الدعاء حضرة النداء بالصلاة ، وحضرة الصف في سبيل الله))؛
فدلَّهم عليه السلام على أوقات الإجابة وأن يُدعى بمعنى ما فُتح له
أبواب السماء وهو قوله: ((رب هذه الدعوة التامة)) يعني الأذان
- ٢٤٢ -

المشتمل على شهادة الإخلاص لله - تعالى - والإيمان بنبيه - عليه
السلام - وبذلك [ تَمَّ] (١) استحقاق الدخول في الإسلام ،
و ((الصلاة القائمة)) التي هي أول الفرائض بعد الإيمان بالله، فإذا دعا
للنبي - عليه السلام - بالوسيلة والمقام المحمود فقد دعا لنفسه ولجميع
المسلمين. وقوله (( حَلَّت له شفاعتي)) معناه غشيته وحَلَّت عليه ، لا
أنها كانت حرامًا عليه قبل ذلك، و((اللام)) هاهنا بمعنى ((على))،
وذلك موجود في القرآن . قال تعالى : ﴿ ويخرون للأذقان
سجدًا﴾(٢) يعني على الأذقان سجدا، وقوله: ((رب هذه الدعوة))
لا حجة فيه للمعتزلة الذين يقولون بخلق الصفات ، تعالى الله عن
قولهم ؛ لأن الرب في اللغة يقال لغير الخالق للشيء ، وهو على
ضروب : فَرَبُّ الشيء بمعنى مالكه ومستحقه كما قال يوسف : ﴿إنه
ربي أحسن مثواي﴾(٣). أي أنه مالكي، والله - تعالى - وإن كان لا
يجوز أن يوصف بأنه مالك لصفاته فهو مستحق أن يوصف بها ؛ لأن
الملك والاستحقاق معناهما واحد .
باب : الاستهام في الأذان
ويذكر أن قومًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد
فيه : أبو هريرة : قال رسول الله: ((لو يعلم الناس ما في النداء
والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو
يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة
والصبح لأتوهما ولو حبواً)).
(١٠) في الأصل: (( ثم)) بالمثلثة، ولا مناسبة لها هنا، فهي تصحيف.
(٣) يوسف : ٢٣ .
(٢) الإسراء : ١٠٩.
- ٢٤٣ -

قال أبو جعفر الداودي : قوله عليه السلام: ((لو يعلمون ما في
النداء والصف الأول )) يريد لو يعلمون ما فيه من عظم الثواب لبادروا
إليه جميعًا ، فلا يبقى من يقيم لهم الجمعة ؛ لأن إمام الجمعة لا يكون
مؤذنًا ، وإنما يؤذنون بين يديه إذا جلس على المنبر ، ولذلك قال عمر:
لولا الخلافة لأَذَّنْتُ :
وأما إقراع سعد بين الذين اختلفوا في الأذان فإن الطبري ذكر أنه
افتتحت القادسية صدر النهار واتبع الناسُ العدوَّ ، فرجعوا وقد حانت
صلاة الظهر وأصيب المؤذن ؛ فتشاج الناس في الأذان حتى كادوا
یجتلدون بالسيوف ، فأقرع بينهم سعد فخرج سهم رجل فأذن .
فالقرعة أصل من أصول الشريعة في تبدية من استوت دعواهم في
الشيء ، وفضل الصف الأول على غيره لاستماع القرآن إذا جهر
الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند فراغه من فاتحة الكتاب ، وقد
قيل إن المراد بذكر الصف الأول المسابقة إلى المسجد ؛ لأن من بكر إلى
الصلاة وانتظرها وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر وصلى
في الصف الأول ؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة ، والتهجير : السبق
إلى المسجد في الهواجر ، فمن ترك قائلته وقصد إلى المسجد ينتظر
الصلاة، فهو في صلاة وهو في رباط .
وقوله: (( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً»،
[١/ ١٢٢٥-١] وإنما خاطب بذكر العتمة من لا يعرف العشاء إلا بهذا الاسم /
فخاطبهم بما يعقلون ، ومن علم أن اسمها العشاء لم يخاطب إلا بما
في القرآن قاله الداودي .
قال الطبري : وإنما خص العتمة والصبح دون سائر الصلوات
للزومها في أثقل الأوقات ، العشاء وقت الدعة والسكون من كل تعب ،
- ٢٤٤ -

وقد جعل الله الليل سكنًا ، وفيها تكلف الحركة في ظلمة الليل مع
خوف الهوام الضارة في الطريق ، وأما الفجر فوقت اشتداد النوم
لمحبة الناس استدامة الراحة ، فكان خروجًا من الدعة إلى تعب
الوضوء والمشي إلى المساجد وليس كسائر الصلوات ، وبَيَّنَ ذلك
قولهُ: (( أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر))، وقال ابن عمر:
كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والصبح أَسَأْنَا به الظن . وقال
عمر : إني لأشهد الفجر في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة .
وقال عثمان : من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة . ومن شهد
الصبح كأنما قام ليلة، وقوله: ((ولو حَبْوًا)) يعني لأتاهما من لا
يقدر على المشي كالمقعد وشبهه .
باب : الكلام في الأذان
وتكلم سليمان بن صرد في أذانه ، وقال الحسن : لا بأس أن
یضحك وهو يؤذن أو یقیم
وفيه : ابن عباس (( أنه خطبهم في يوم رَزْغٍ فلما بلغ المؤذن حي على
الصلاة ، أمره أن ينادي : الصلاة في الرحال ، فنظر القوم بعضهم إلى
بعض ، فقال : فعل هذا من هو خير منه ، وإنها عَزْمَةٌ )) .
قال المؤلف : رخص في الكلام في الأذان عروة بن الزبير وعطاء
وقتادة ، وبه قال عبد العزيز بن أبي سلمة وأحمد بن حنبل ، وكرهه
النخعي ، وابن سيرين ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو
حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي ، إلا أنه روي عن الكوفيين أنه إن
تكلم في أذانه يجزئه ويبني ، وقال ابن القاسم في المجموعة : إذا
خاف على صبي أو أعمى أو دابة تقع في بئر وشبهه تكلم وبنى . وقال
الزهري : إن تكلم في الإقامة أعادها . وهذا الحديث يدل أنه من
- ٢٤٥ -

تكلم يبني ولا يبتدئ لأنه قد قال : الصلاة في الرحال ، وتمادى في
أذانه وهو حجة على من خالفه .
قال المهلب: وقوله: ((الصلاة في الرحال))، وأباح التخلف
عن الجمعة بعد أن قال: (( إنها عزمة )) يدل أنه صلى الجمعة وحدها
ولم يصل بعدها العصر ، فهو حجة لمالك أنه لا يجوز الجمع بين
الظهر والعصر لعذر المطر : .
وقال ابن دريد : الرزغة : الطين الذي يبل القدم ، وقد أرزغ المطر
الأرض ، وقال صاحب العين : الرزغة أشد من الردغة ، والرازغ
المرتطم فيها .
باب : أذان الأعمی إذا کان له من يخبره
فیه : ابن عمر ، أن النبي قال : (( إن بلالا یؤذن بلیل ، فكلوا واشربوا
حتی ینادي ابن أم مكتوم . قال : وكان رجلا أعمی لا ینادي حتی یقال
له : أصبحت أصبحت )) .
قال المؤلف : اختلفوا في أذان الأعمى ، فكرهه ابن مسعود وابن
الزبير ، وكره ابن عباس إقامته وأجازه طائفة ، وروي أن مؤذن النخعي
كان أعمى ، وأجازه مالك ، والكوفيون ، والشافعي ، وأحمد إذا
كان له من يعرفه الوقت ؛ لأن أذان ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن
يقال له : أصبحت أصبحت .
قال المهلب : وفيه جواز شهادة الأعمى على الصوت ؛ لأنه ميز
صوت من علمه الوقت ممن يثق به ، فقام أذانه على (قوله) (١) مقام شهادة
المخبر له ، وفيه أيضًا أنه يجوز أن يذكر الرجل بما فيه من العاهات ؛
(١) يعني: على قول من عَلَّمَهُ الوقتَ، وفي الأصل تحتمل أن تكون: (( قبوله.))
فأثبت المناسب للمعنى:
- ٢٤٦ -

ليستدل بذلك على ما يحتاج إليه ، وفيه أن ينسب الرجل إلى أمه إذا
كان معروفًا بذلك ، وفيه تكنية المرأة ، وفيه تكرير اللفظ للتأكيد .
باب : الأذان بعد الفجر
فيه : حفصة (( أن رسول الله كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا
الصبح، صلى ركعتين خفيفتين / قبل أن تقام الصلاة)) .
[١/ ق١٢٢ -ب]
وفيه : عائشة أيضًا قالت : (( كان الرسول يصلي ركعتين خفيفتين بين
النداء والإقامة من صلاة الصبح » .
وفيه : ابن عمر ، قال الرسول: (( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا
حتی ینادي ابن أم مكتوم )) .
الأذان بعد الفجر لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما اختلفوا في جوازه
قبل الفجر على ما يأتي ذكره في الباب بعد هذا - إن شاء الله - وفيه
مواظبة رسول الله على ركعتي الفجر وتخفيفه لهما .
قال المؤلف : وحديث حفصة قد اختلفت ألفاظه ، فرواه عبد الله
ابن يوسف ( التنيسي ) (١) عن مالك ((أن رسول الله (٢) ... ))،
وخالفه سائر الرواة عن مالك ((أن رسول الله كان إذا سكت المؤذن
عن الأذان بصلاة الصبح)) مكان ((اعتكف المؤذن))، وروي عن
عائشة مثل هذا اللفظ ((إذا سكت المؤذن ... ))، وهو [ يوافق ] (٣) رواية
الجماعة عن مالك، ذكره البخاري في باب ((من انتظر الإقامة )) بعد هذا.
(١) هكذا في ((الأصل))، وهو الصواب، وكتب أمامها: ((التيمي صح))، كذا،
هو خطأ .
(٢) يعني: إذا اعتكف المؤذن .
(٣) في الأصل: ((يومئذٍ )) والأقرب ما أثبت .
- ٢٤٧ -

فإن كانت رواية التنيسي عن مالك محفوظة ولم تكن غلطًا ، فوجه
موافقتها للترجمة أن المؤذن كان يعتكف للصبح ، أي ينتظر الصبح لكي
يؤذن ، والعكوف في اللغة : الإقامة ، فكان يرقب طلوع الفجر ليؤذن
في أوله ، فإذا طلع الفجر أذن ، فحينئذ كان يركع الرسول ركعتي
الفجر قبل أن تقام الصلاة ، ويشهد لصحة هذا المعنى رواية الجماعة
عن مالك ((كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين)) ، فدل أن
ركوعه كان متصلا بأذانه ، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر ،
فكذلك كان الأذان بعد الفجر ، وعلى هذا المعنى حمله البخاري ،
ولذلك ترجم له باب (( الأذان بعد الفجر)) ، وأردف عليه حديث
عائشة (( أن النبي كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من
صلاة الصبح)) ليدل أن هذا النداء كان بعد الفجر.
فمن أنكر هذا (١) لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم يكن يؤذن لها
بعد الفجر ، وهذا غير سائغ من القول .
وأما أذان ابن أم مكتوم فقد اختلف العلماء في تأويله ، فقال ابن
حبيب : ليس معنى قوله : (( أصبحت أصبحت )) إفصاحًا بالصبح
على معنى أن الصبح قد انفجر وظهر ، ولكنه على معنى التحذير من
إطلاعه والتحضير له على النداء بالأذان خيفة انفجاره ، ومثل هذا قال
أبو محمد الأصيلي ، وأبو جعفر الداودي ، وسائر المالكيين ، وقالوا:
معنى قوله: (( أصبحت أصبحت)) قارب الصباح كما قال تعالى :
﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ (٢) يريد إذا قارب ذلك؛ لأنه إذا انقضى أجلها
وتمت عدتها فلا سبيل لزوجها إلى مراجعتها وقد انقضت عدتها ،
قالوا : ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل
إلى وقت أذانه ؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر .
وأما مذهب البخاري في هذا الحديث على ما ترجم به في هذا
(١) راجع ((فتح الباري)): (٢/ ١٢١) ..
(٢) البقرة : ٢٣٤
- ٢٤٨ -

الباب فأن أذانه كان بعد طلوع الفجر ، والحجة له على ذلك نص
ودليل ، فأما الدليل فقوله عليه السلام : ((إن بلالا ينادي بليل فكلوا
واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم )) ، فلو كان أذان ابن أم مكتوم قبل
الفجر لم يكن لقوله: (( إن بلالا ينادي بليل)) معنى ؛ لأن أذان ابن
أم مكتوم أيضًا كذلك هو في الليل ، وإنما يصح الكلام أن يكون نداء
ابن أم مكتوم في غير الليل في وقتٍ يحرم فيه الطعام والشراب اللذان
كانا مباحين في وقت أذان بلال .
وقد روي هذا المعنى نصًا في بعض طرق هذا الحديث . ذكره
البخاري في كتاب الصيام في باب قول النبي - عليه السلام - :
(( لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال)) من رواية عائشة قالت: ((إن
بلالا يؤذن بليل فقال عليه السلام : كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم
مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر )» ، وهذا نص قاطع للخلاف .
وأما علة من اعتل أن أذانه لو كان بعد الفجر لم يجز أن يؤمر
بالأكل إلى وقت أذانه للإجماع أن الصيام واجب أول الفجر ، فإنها
علة لا توجب فساد معنى الصيام ، وإنما كان أذان ابن أم مكتوم علامة
لتحريم الأكل لا للتمادي فيه ، ولابد أنه كان له من يراعي له الوقت
ممن يقبل قوله ويثق بصحته من وكل بذلك منه .
وقد قال ابن القاسم : إنه من طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يجامع فليلق
ما في فيه ولينزل عن امرأته ، ولا خلاف في الأكل والشرب وإنما اختلفوا
في الوطء على ما يأتي ذكره في كتاب الصيام، ولم يكن الصحابة ليخفى عليهم
/ إيقاع الأكل في غير وقته فيزاحمون به أذان ابن أم مكتوم ، بل كانوا [١/ ق١٢٣-١]
أحوط لدينهم وأشد تحرزً من ذلك، وقد بين هذا ما رواه شعبة عن خبيب
ابن عبد الرحمن ، عن عمته أنيسة ، وكانت قد ( حجت ) (١) مع
(١) كتب في هامش الأصل: خرجت، وأمامها (( ح)) علامة الحاشية، والظاهر أنها الصواب.
- ٢٤٩ -

الرسول (( أنه كان إذا نزل بلال وأراد ابن أم مكتوم أن يصعد تعلقوا
به، وقالوا : كما أنت حتى نتسحر)» .
باب : الأذان قبل الفجر
:
--
فيه: ابن مسعود: (( قال الرسول: لا يمنعن أحدكم أذانُ بلال من
سحوره ، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم ، ولينتبه نائمكم ، وليس أن
يقول الفجر أو الصبح ، وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى
أسفل حتى يقول هكذا )) ، ومَدَّ زهير سبابتيه عن يمينه وشماله .
وفيه : عائشة: قال رسول الله: (( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا
حتى يؤذن ابن أم مكتوم » .
واختلف العلماء في جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر ، فأجاز
ذلك طائفة ، وهو قول مالك، والأوزاعي ، وأبي يوسف ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال ابن حبيب : يؤذن للصبح
وحدها قبل الفجر ، وذلك واسع من نصف الليل ، وذلك آخر أوقات
العشاء إلى ما بعد ذلك . وقال ابن وهب : لا يؤذن لها قبل السدس
الآخر من الليل . وقاله سحنون . وقالت طائفة : لا يجوز الأذان لها
إلا بعد الفجر . وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومحمد ، واحتجوا
بحديث ابن مسعود أنه قال عليه السلام: (( لا يمنعنكم من سحوركم
أذان بلال فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم ، ولينبّه نائمكم )) .
قال الطحاوي : فأخبر أن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع
القائم لا للصلاة ، وبما رواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع،
عن ابن عمر (( أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي أن يرجع
- ٢٥٠ -

فينادي : ألا إن العبد قد نام)) ، فهذا ابن عمر يروي هذا وهو قد
روى أن بلالا ينادي بليل ؛ فثبت أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر
إنما كان لغير الصلاة ، وأن ما أنكره عليه إذ فعله كان للصلاة ، واحتج
أهل المقالة الأولى بقوله عليه السلام: (( إن بلالا ينادي بليل فكلوا
واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) . قال ابن القصار : فأخبر عليه
السلام أن نداء بلال للصبح يقع في الوقت الذي يجوز لمن أراد الصوم
أن يأكل ويشرب ، وهو قبل الفجر .
وأما قولهم : إن نداء بلال كان لِيُسَحُرَ الناس بأذانه ويستيقظ النائم
وينام القائم كما جاء في الخبر ، فالجواب أنه لو أراد به السحور فقط
لقال حي على السحور ، ولم يقل حي على الصلاة فيدعوهم ، وهو
يريد أن يدعوهم إلى السحور ، فشأنه يدعوهم إلى الصلاة ، وقد
يكون لهما جميعًا فيكون أذانه حضا على الصلاة ، وإن احتاج أحد
إلى غسل اغتسل ، أو يكون فيهم مَنْ عادته صلاة الليل ذلك الوقت،
أو يكون إنسانًا قائمًا فيعرف أنه قد بقي عليه وقت يستريح فيه بنومه كما
كان يفعل الرسول - عليه السلام - ، فهذا معنى قوله: (( ليرجع
قائمكم ولينبه نائمكم)) . وهذا يحتاج إليه في شهر رمضان وغيره ممن
يصوم دهره أو عليه نذر، وقوله: ((إن بلالا ينادي بليل )) أي إن من
شأنه أن يؤذن بليل الدهر كله ، فإذا جاء رمضان فلا يمنعنكم أذانه
المعهود من سحوركم ، وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل
والنهار لا أذان لها دليل بيِّن أن أذانه كان لصلاة الصبح .
قال المهلب : وفيه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام . وقوله :
((ليس الفجر هكذا)) يريد أن الفجر ليس هو هذا الفجر الأول المعترض
في الأفق ، وذلك لا حكم له ، وإنما هو علامة للفجر الثاني الذي يُحِلّ
- ٢٥١ -

ويُحرم ، الطالع في مشرق الشمس المستطير إلى المغرب ، ولذلك مَدَّ
زهير سبابتيه عن يمينه وشماله دلالة على طلوع الفجر وانتشاره ] (١)
باب : كم بين الأذان والإقامة
فيه : عبد الله بن مغفل أن رسول الله قال: (( بين كل أذانين صلاة -
ثلاثًا - لمن شاء)) .
وفيه : أنس قال: (( كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي -
عليه السلام - يبتدرون السواري حتى يخرج الرسول وهم كذلك /
[١/ ١٢٣٥ -ب] يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)).
قال شعبة : لم يكن بينهما إلا قليل .
وترجم له : بين كل أذانين صلاة لمن شاء .
قال بعض الفقهاء : أما كم بين الأذان والإقامة في الصلوات كلها
فلا حَدَّ في ذلك أكثر من اجتماع الناس ، وتمكن دخول الوقت .
وأما قوله: ((بين كل أذانين صلاة)) فإنه يريد بين الأذان والإقامة
موضع صلاة لمن شاء ، لا خلاف في ذلك بين العلماء إلا المغرب
وحدها ، فإنهم اختلفوا في الركوع قبلها ، فأجازه أحمد وإسحاق ،
واحتجا بهذا الحديث ، وأباه سائر الفقهاء ، وسيأتي الكلام في ذلك
مستوعبًا - إن شاء الله .
(١) انتهى هنا السقط المشار إليه آنفًا من ((هـ)).
- ٢٥٢ -

باب : من انتظر الإقامة
فيه: عائشة قالت: ((كان رسول الله إذا سكت المؤذن بالأولى من
صلاة الفجر ، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر ، بعد أن
يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن
للإقامة)».
قال المؤلف : في هذا الحديث دليل على [ أن ] (١) ما جاء فى
الحض على التهجير والترغيب في الاستباق إلى المساجد ، إنما [ كان
لمن ] (١) هو على مسافة من المسجد لا يسمع فيها الإقامة من بيته ،
ويخشى إن لم يبكر أن يفوته فضل انتظار الصلاة ، وأما من كان
(مجاور المسجد ) (٢) حيث يسمع الإقامة ولا تخفى عليه، فانتظارها
في داره كانتظاره لها في المسجد ، له أجر منتظر الصلاة ؛ لأنه
لا يجوز أن يترك الرسول الأفضل من الأعمال في خاصته ويحض
عليها أمته ، بل كان يلتزم التشديد في نفسه ، ويحب التخفيف على
أمته ، ولو لم يكن له في بيته فضل الانتظار لخرج إلى المسجد قبل
الإقامة ، ليأخذ [ بحظ ] (٣) من هذا الفضل . والله أعلم.
وقد قال أبو سليمان الخطابي: ((سكب )) المؤذن - بالباء - رواه
عن عبد العزيز بن محمد ، عن الجنيد ، قال سويد : عن ابن
المبارك، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قال
سويد : سكب : يريد أَذَّنَ، والسَّكْبُ : الصَّبُّ ، وأصله في الماء
يُصَبُّ ، وقد يستعار فيستعمل في القول والكلام كقول القائل : أفرغ
في أذني كلامًا لم أسمع مثله ، وأنشد ابن دريد: (( لا يفرغن في أذني
(١) من (( هـ).
(٢) في (( هـ )) : مجاورًا للمسجد وكلاهما صحيح .
(٣) في ((الأصل)) و((هـ)): ((بحض)) وهو تحريف، والصواب ما أثبت.
- ٢٥٣ -

مثلها )) وفي الحديث: ((ويل لأقماع القول)) وهم الذين يسمعون.
ولا يعملون به ، شبه آذانهم بالأقماع يصب فيها الكلام صب الماء في
الإناء ، وهذا الذي رواه سويد ، عن ابن المبارك له وجه في
الصواب، ولا يدفع ذلك رواية من روى (( سكت)) - بالتاء - لأنها
بيِّنة المعنى في الصواب، وقد تأتي (( الباء )) بمعنى (( من))، و(( عن))
في كلام العرب كقوله تعالى: ﴿الرحمن فاسأل به خبيرًا﴾ (١) أي
عنه، وقوله : ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ (٢) أي يشرب منها ، وممكن
أن يكون - والله أعلم - حمل الراوي لهذا الحديث على أن يرويه
سكب - بالباء - دون التاء ؛ لأن المشهور في سكت أن تكون معلقة
(بعن)) أو ((من)) كقولهم: سكت عن كذا ، أو سكت من كذا ،
فلما وجد في الحديث مكان (( من)) و(( عن)) الباء ظن أنه ((سكب))
من أجل مجيء الباء بعدها ، وقد ذكرنا أن الباء تأتي بمعنى (عن))
و ((من))، وكل الروايتين خارج المعنى ، والله أعلم .
باب : من قال ( يؤذن ) (٣) في السفر مؤذن واحد
فيه: مالك بن الحويرث قال : (( أتيت الرسول في نَفَر من قومي ،
فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيمًا شفيقًا ، فلما رأىّ شوقنا إلى:
أهلينا قال : ارجعوا فكونوا فيهم ، وعلموهم وصلوا ، فإذا حضرت
الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم [ أكبركم] (٤))).
قال المؤلف : هكذا روى هذا الحديث وهيب ، عن أيوب
(١) الفرقان : ٥٩ .
(٢) الإنسان : ٦ .
(٣) في (( هـ)): ليؤذن وهو الموافق لما في ((الفتح)) (١٣٠/٢).
(٤) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): ((أحدكم" ثم ثبتت بجوارها في الأصل
((أكبركم))، ثم كتب (( ح)) وهو الموافق لما في ((الفتح)).
- ٢٥٤ -

((وصلوا))، ورواه عبد الوهاب ، عن أيوب في كتاب خبر الواحد
((وصلوا كما رأيتموني أصلي)» ، وقَصَّرَ وُهيب في هذه الزيادة ، وبها
يتم الحديث . والمؤذن الواحد يجزئ في السفر والحضر ، وقد اختلفت
الآثار ، كم كان يؤذن للنبي ؟ فروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن
عمر أنه كان لرسول الله مؤذنان : ابن أم مكتوم ، وبلال ، وقال
السائب ابن أخت نَمِر : ما كان للنبي - عليه السلام - إلا مؤذن واحد
يؤذن إذا قعد على المنبر ويقيم إذا نزل ، ثم أبو بكر ، ثم عمر كذلك،
حتى كان عثمان وفشا الناس وكثروا ، زاد النداء الثالث عند الزوراء .
قال المهلب : وإنما اشترط السن في الإمامة / لعلمه - عليه السلام - [١/ ق١٢٤-١]
باستوائهم في القراءة والفقه ، فطلب الكمال بالسن وسيأتي الكلام في
هذا المعنى في بابه - إن شاء الله .
باب : الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة
وكذلك بعرفة وقول المؤذن: (( الصلاة في الرحال)) في الليلة
الباردة أو المطيرة
فيه: أبو ذر قال: (( كنا مع الرسول في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن
فقال له : أبرد . ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد . ثم أراد أن يؤذن ،
فقال له : أبرد . حتى ساوى الظل التلول ، فقال - عليه السلام - : إن
شدة الحر من فیح جهنم )) .
وفيه : مالك بن الحويرث قال : (( أتى رجلان النبي - عليه السلام -
يريدان السفر ، فقال النبي : إذا أنتما خرجتما فَأَذِّنَا ثم أقيما ، ثم
لیؤمکما أکبر کما )» .
- ٢٥٥ -

وفيه : نافع، عن ابن عمر (( أذن في ليلة باردة بضَجْنَان ، ثم قال : صلوا
في رحالكم ، فأخبرنا أن النبي - عليه السلام - كان يأمر مؤذنًا أن
يؤذن، ثم يقول على إثره : ألا صلوا في الرحال . في الليلة الباردة أو
المطيرة في السفر )» .
وفيه: أبو جحيفةٍ (( رأيت النبي - عليه السلام - بالأبطح ، فجاءه
بلال، فآذنه بالصلاة ، وأخرج العنزة ، فركزها بين يدي رسول الله
بالأبطح، وأقام الصلاة )) .
اختلف العلماء في الأذان والإقامة في السفر ، فاستحب طائفة أن
يؤذِّن المسافرُ ويقيم لكل صلاة ، روى ذلك عن [ سلمان ] (١) وعبد الله
[ ابن عمرو ] (٢)، وعن سعيد بن المسيب مثله ، وهذا قول
الكوفيين، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وقالت
طائفة : هو بالخيار إن شاء أذن ، وإن شاء أقام . روي ذلك عن علي
ابن أبي طالب ، وهو قول عروة ، والثوري ، والنخعي . وقالت
طائفة : يجزئه إقامة . روي ذلك عن مكحول ، والحسن البصري ،
والقاسم ، وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح ، فإنه
كان يؤذن لها ويقيم .
وفي المختصر عن مالك : ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على
من يُجتمع إليه لأذانه . وقال عطاء : إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم
تقم فَأَعد الصلاة . وقال مجاهد : إذا نسي الإقامة في سفر أعادٍ ،
(١) من ((هـ))، وهو الفارسي انظر مصنف ابن أبي شيبة (٢١٩/١) وفي
((الأصل)»: سليمان، وهو تصحيف .
(٢) من ((هـ))، وهو الصواب وفي ((الأصل)): ابن عُمر والثابت عن ابن عُمر
خلاف ذلك ، راجع (( فتح الباري» (٢/ ١٣٢) وسيأتي .
- ٢٥٦ -

والحجة لهما قوله - عليه السلام - للرجلين: (( أذنا وأقيما)) . قالا :
وأمره على الوجوب والعلماء على خلاف قول عطاء ، ومجاهد ؛
لأن الإيجاب يحتاج إلى دليل لا منازع فيه، وجمهور العلماء على أنه
غير واجب في الحضرِ . والسفرُ الذي قصرت فيه الصلاة عن هيئتها
أَوْلَی بذلك .
قال ابن القصار : والجواب عن قوله للرجلين: ((أذنا وأقيما)).
فإنه أراد الفضل بدلالة قوله: ((أَذْنَا )) والواحد يجزئ عندهم.
وأحاديث هذا الباب محمولة عند العلماء على استحباب الأذان
والإقامة في السفر، وقد جاءت آثار (في ترغيب الأذان والإقامة)(١) في
أرض فلاة ، وأنه من فعل ذلك يصلي وراءه من الملائكة أمثال الجبال .
باب : هل ( يُتْبع ) (٢) المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ؟ وهل يلتفت في
الأذان؟ ویذکر عن بلال أنه جعل أصبعیه في أذنيه ، و کان ابن عمر
لا يجعل أصبعيه في أذنيه
وقال إبراهيم : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء .
وقال عطاء: الوضوء حق وسنة، وقالت عائشة: (( كان النبي يذكر الله
على كل أحيانه )) .
وفيه : أبو جحيفة « أنه رأى بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه هاهنا ،
وهاهنا ( بالأذان) (٣))).
قال المؤلف : إنما يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ، ليعم الناس
(باستماعه ) (٤) .
(١) كذا في ((الأصل)) و((هـ)) ولعل الصواب: ((في الترغيب في الأذان والإقامة)).
(٢) هذه رواية الأصيلي كما قاله في ((الفتح)) (١٣٥/٢) وفي ((هـ )): يتتبع.
(٤) في (( هـ)): بإسماعه.
(٣) ليس في (( هـ)).
- ٢٥٧ -

وأما إدخاله أصبعيه في أذنيه ، فذلك ليتقوى على تأدية صوته ؛
وإسماعه الناس ، وهذا كله مباح عند العلماء ، فما كان أندى
لصوته، کان له فعله .
وقال ابن سيرين والحسن : لا بأس أن يدخل أصبعيه في أذنيه وهو
قول الكوفيين ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال مالك :
ذلك واسع .
وقال إبراهيم : يستقبل المؤذن بالأذان والشهادة والإقامة القبلة ، فإذا
قال حي على الصلاة ، قال بوجهه عن يمينه وشماله ، وهو قول
الحسن البصري ، وكره ابن سيرين أن يستدير في أذانه .
وفي المدونة : أنكر مالك الاستدارة إنكارًا شديدًا ، قال ابن
القاسم: وبلغني عنه أنه قال : إن كان يريد أن يسمع فلا بأس به .
وحديث أبي جحيفة حجة على من أنكر الاستدارة ، لأن قوله :
١١/ ١٢٤٥ -ب] ((جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا)) يدل / على استدارته ، وقد روى ابن
أبي شيبة هذا المعنى قال : حدثنا عباد بن العوام ، عن حجاج ، عن
عون بن [ أبي ] (١) جحيفة عن أبيه (( أن بلالا ركز العنزة ، وأذن ،
فرأيته يدور في أذانه )) ولا يخلو فعل بلال أن يكون عن إعلام النبي له
بذلك ، أو رآه يفعله ، فلم ينكره ، فصار حجة وسنة .
وقال مالك في المختصر : لا بأس أن يستدير عن يمينه وشماله
وخلفه، وليس عليه استقبال القبلة في أذانه ، وفي المدونة لابن نافع :
أرى أن يدور ويلتفت حتى يبلغ حي على الصلاة ، وكذلك ابن
الماجشون ، ورآه من حَدِّ الأذان ، وقال الكوفيون والشافعي : إن
(١) سقط من ((الأصل))، و(هـ))، والصواب إثباته.
- ٢٥٨ -

زال ببدنه كله في الأذان فهو مكروه ، ولا شيء عليه ، وهذا خلاف
ما رواه ابن أبي شيبة في أذان بلال أنه كان يدور فيه .
واختلفوا في الأذان على غير وضوء ، فممن أجازه سوى إبراهيم :
قتادة ، والحسن ، وحماد ، ورواية عن عطاء ، وهو قول مالك
والثوري وأبي حنيفة ، وممن كرهه إلا على وضوء : أبو هريرة ،
قال : لا يؤذن إلا متوضئًا ، وهو قول مجاهد ، ورواية عن عطاء ،
وبه قال الأوزاعي ، وإسحاق ، وكان الشافعي وأبو ثور يكرهان
ذلك، ويجزئه إن فعل، وقول عائشة: (( كان الرسول يذكر الله على
كل أحيانه)) . حجة لمن لم يوجبه ، وقال أبو الفرج : لا بأس بأذان
الجنب ، وأجازه سحنون في غير المسجد .
وقال ابن القاسم : لا يؤذن الجنب ، وكرهه ابن وهب .
باب : قول الرجل فاتتنا الصلاة
وكره ابن سيرين أن يقول الرجل : فاتتنا الصلاة ، ولْيَقُلْ : لم ندرك.
وقول الرسول أصح .
فيه : ابن أبي قتادة عن أبيه قال: (( بينما نحن نصلي مع الرسول إذ
سمع جلبة رجال ، فلما صلى قال : ما شأنكم ؟ قالوا : استعجلنا إلى
الصلاة . قال : فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ، فما
أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا )) .
قال المؤلف : قوله: (( وما فاتكم ، فأتموا )» يقتضي جواز قول
الرجل : فاتتنا الصلاة ، ولا وجه لقول ابن سيرين .
وفيه الأمر بالسكينة في الإقبال إلى الصلاة ، وترك الإسراع إليها .
- ٢٥٩ -

وقد اختلف السلف في ذلك، فروي عن أبي ذر أنه قال : إذا أقيمت الصلاة،
فامش إليها كما كنت تمشي، فصل ما أدركت ، واقض ما سُبقت . وعن أبي
هريرة ، وزيد بن ثابت مثله، وروى أبو هريرة ، وأنس عن الرسول مثله .
روى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن
أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( إذا أقيمت الصلاة ،
فليمش أحدكم نحو ما كان يمشي ، فليصلّ ما أدرك ، وليقض ما
فاته)). وحديث أنس رواه حماد ، عن ثابت وقتادة وحميد ، عن
أنس، عن الرسول نحوه . وقال ابن مسعود: امشوا إلى الصلاة ،
وقاربوا بين الخُطا ، واذكروا الله .
وروى ابن أبي شيبة ، عن ابن عمر أنه كان يمشي إلى الصلاة ، فلو
مشت معه نملة ، لرأيت ألا يسبقها ، وعن مجاهد مثله ، وهو قول
أحمد بن حنبل على ظاهر الحديث ، وقد رخصت طائفة في الإسراع
إلى الصلاة ، روي عن ابن مسعود خلاف ما تقدم عنه أنه قال : أحق
ما سعينا إليه الصلاة ، وكان ابن مسعود ، وسعيد بن جبير يهرولان
إلى الصلاة ، وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه سمع
الإقامة فأسرع المشي ، وهذا يدل - مع ما روي عنه أنه لا يسرع المشي
إلى الصلاة - أنه حمل قوله - عليه السلام -: (( عليكم بالسكينة ))
أن المراد به من لم يخش فوات الصلاة ، وكان في سعة من وقتها ،
وقد روي عن مالك مثل قول ابن عمر ، وروى عنه ابن القاسم أنه قال:
لا بأس بالإسراع إذا أقيمت الصلاة، ما لم يَخُبَّ (١)، إذا خاف
فوت الركعة، وقال : لا بأس أن يحرك فرسه من سمع مؤذن الحرم
ليدرك الصلاة ، وقال إسحاق بن راهويه : إذا خاف فوت التكبيرة
الأولى ، فلا بأس أن يسعى .
۔۔
(١) من ((الخبب)) وهو العَدْوُ، يقال: خَبَّ، خبًّا، وخَبَباً، وخَبِيَباً: عَدًا".
(المعجم الوسيط ٢١٣/١) .
- ٢٦٠ -