Indexed OCR Text
Pages 141-160
وقال في المجموعة : ولا يصلي وبين يديه امرأة وإن كانت أُمُّه أو
أُخْتُه إلا أن يكون دونها سترة . وقال الشافعي : لا يستتر بامرأة
ولا دابة ووجه كراهيتهم لذلك - والله أعلم - لأن الصلاة موضوعة
للإخلاص والخشوع ، والمصلِّي خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه
الفتنة بها والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها ؛ لأن النفوس مجبولة على
ذلك ، والناس لا يقدرون من ملك [ آرابهم ] (١) على مثل ما كان
يقدر عليه الرسول"، فلذلك صلى هو خلف المرأة حين آمن شغل باله
بها ولم تشغله عن الصلاة .
باب : من قال : لا يقطع الصلاة شيء
فيه : عائشة (( أنه ذُكرَ عندها ما يقطع الصلاة ؛ فقالوا : الكلب والحمار
والمرأة . فقالت : شبهتمونا بالكلاب والحمر ، والله لقد رأيت الرسول
وَله يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة،
فأكره أن أجلس فأوذي الرسول فَأَنْسَلٌ من بين رجليه )).
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصلاة / لا يقطعها شيء روي [١٠٣٥/١ -ب]
ذلك عن عثمان ، وعلي ، وحذيفة ، وابن عمر ، ومن التابعين :
الشعبي ، وعروة ، وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ،
والشافعي ، وأبي ثور ، وجماعة ، وقال الطحاوي : زعم قوم أن
مرور الحائض والكلب الأسود والحمار يقطع الصلاة ، ورَوَىَ هذا
أنس، والحسن البصري ، ورُوي عن ابن عباس ، وعطاء أن الكلب
الأسود والحائض يقطعان الصلاة .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أريائهم ، كذا .
-
- ١٤١ -
وقالت طائفة : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود . وبه قال أحمد
واحتج هؤلاء بما رواه منصور عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن
الصامت ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله: (( يقطع الصلاة المرأة
والحمار والكلب الأسود)) قلت : يا أبا ذر وما بال الكلب الأسود من
الأحمر والأبيض ؟ قال : سألت رسول الله عما سألتني عنه فقال :
(«الكلب الأسود شيطان) . وروى ابن أبي عروبة عن قتادة ، عن
الحسن ، عن عبد الله بن مغفل أن نبي الله وَيقر قال: ((يقطع الصلاة
الكلب والحمار والمرأة)) .
روى هشام ، عن يحيى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أحسبه
أسنده إلى الرسول 8َ# قال: ((يقطع الصلاة الحائض والحمارة
والكلب الأسود واليهودي والنصراني )) .
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث عائشة أن الرسول كان يصلي
وهي بينه وبين القبلة معترضة ، وبما رواه شعبة ، عن الحكم ، عن
يحيى بن الجزار ، عن صهيب، عن ابن عباس قال: (( مررت
برسول الله 883* وهو يصلي وأنا على حمار ومعي رجل من بني هاشم
فلم ينصرف )).
فبان في هذا الحديث أنهما مَرَّا بين يدي الرسول ودل [ ذلك] (١)
أن مرور الحمار بين يدي الإمام لا يقطع الصلاة .
وروى سفيان عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ((أنه ذُكر
عنده ما يقطع الصلاة ؟ فقال (٢) : الكلب والخمار . قال ابن عباس:
إليه يصعد الكلم الطيب وما يقطع هذا، ولكنه يكره )) . فهذا ابن
(١) من ( هـ )).
(٢) كذا في ((الأصل))، و((هـ)): وكأن القائل أحد الحاضرين غير ابن عباس
رضي الله عنهما، ويكون المعنى ((فقيل)).
- ١٤٢ -
۔
عباس قد قال بعد رسول الله : إن الحمار والكلب لا يقطعان الصلاة،
فدل أن ما رواه عنه صهيب كان متأخراً عما رواه عنه عكرمة ، وأنه
ناسخ له ؛ لأنه لا يجوز أن يفتي بخلاف ما رواه عن الرسول وَله إلا
بعد ثبوت نسخه عنده . وبقي في حديث أبي ذر أنه فصل بين الكلب
الأسود وغيره ، فجعل الأسود خاصة يقطع الصلاة ، وأن الرسول بين
معنى ذلك بأنه شيطان .
قال الطحاوي : فأردنا أن ننظر هل عارض ذلك شيء ؟ فإذا أبو
سعيد قد رَوى عن الرسول أنه قال في المار بين يدي المصلي : ((فَلْيَدْرَأْهُ
ما استطاع ، فإن أَبَى فليقاتله فإنما هو شيطان )) وروى ابن عمر مثله ،
ففي هذا الحديث أن كلَّ مَارِّ بين يدي المصلي شيطان وقد سوى في
هذا بين بني آدم والكلب الأسود في المرور ، وقد أجمعوا على أن
مرور بني آدم بعضهم ببعض لا يقطع الصلاة ، روي ذلك عن الرسول
من غير وجه من حديث عائشة وأم سلمة وميمونة أنه عليه السلام كان
يصلي وكل واحدة منهن معترضة بينه وبين القبلة ، وكلها ثابتة من
إخراج البخاري .
وقد جعل عليه السلام في حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر كُلَّ
مَارٍّ بين يدي المصلي شيطانًا ، وأخبرنا أبو ذر أن الكلب الأسود أيضًا
يقطع الصلاة ؛ لأنه شيطان ، وكانت العلة التي جعل لها قطع الصلاة
قد جعلت في بني آدم ، وقد ثبت عنه عليه السلام أنهم لا يقطعون
الصلاة فدل ذلك أن كُلَّ مَارِّ بين يدي المصلي مما سِوَى بني آدم كذلك
أيضًا لا يقطع الصلاة ، ومما يدل على ذلك أيضًا فُتْيَا ابن عمر أن
الصلاة لا يقطعها شيء ، وقد رَوَي عن الرسول درء المصلي من مَرَّ
بين يديه ، فدل ذلك على ثبوت نسخ ما رواه عنه عليه السلام ، وأنه
على وجه الكراهة - والله أعلم - قاله الطحاوي .
- ١٤٣ -
باب : إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة
١
فيه : أبو قتادة (( أن رسول الله وي لو كان يصلي وهو حامل أمامة بنت
زينب بنت رسول الله ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس ، فإذا سجد
وضعها (ثم) (١) إذا قام حملها)) .
اختلف قول مالك في تأويل هذا الحديث فروى عنه أشهب أن حمله
أُمامة كان في النافلة ، وروى عنه أيضًا أشهب وابن نافع أنه سئل هل
للناس الأخذ بهذا ؟ فقال : نعم عند الضرورة إذا لم يجد من يكفيه ،
فأما لحُبِّ / الولد فلا أرى ذلك .
[١/ق١٠٤-١]
وقد روي عن أبي قتادة أن حمل الرسول الأمامة كان في الفريضة ؛
روى الليث ، وابن عجلان ، وابن إسحاق كلهم عن سعيد المقبري
عن [ عمرو بن سليم ] الزرقي عن أبي قتادة قال: ((بينما نحن في
المسجد جلوس ننتظر الرسول و8* خرج علينا يحمل أُمَامة على عنقه ،
فصلى ، فإذا ركع وضعها ، وإذا قام رفعها » ، وزاد ابن إسحاق .
(«ننتظر الرسول في الظهر أو العصر))، وذكره البخاري في حديث
الليث في كتاب الأدب في باب ((رحمة الولد وتقبيله)).
وسئل أحمد بن حنبل عن الرجل أيأخذ ولده وهو يصلي ؟ قال :
نعم. واحتج بحديث أبي قتادة في قصة أُمَامة ، وإنما أدخل البخاري
هذا الحديث في هذا الموضع - والله أعلم - ليدل على أن حمل
المصلي الجارية على عُنُقْه [في الصلاة ] (٣) لا يضر صلاته، وحَمْلُهُا
أشد من مرورها بين يديه ، فلما لم يضره حَمْلُها ، كذلك لا يضره:
أ.
مرورها بين يديه .
(١) في (( هـ)): و .
(٢) في ((الأصل)) ((سعد بن سليمان)) وفي ((هـ)): ((عمرو بن سليمان))
وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبت، راجع ترجمة المثبت من (( تهذيب الكمال )
للمزي : (٢٢ /٥٥) .
(٣) من (( هـ)).
- ١٤٤ -
وفيه جواز العمل الخفيف في الصلاة والعلماء مجمعون على جوازه.
باب : إذا صلی إلی فراش فیه حائض
فيه : ميمونة قالت : (( كان فراشي حيال مصلى رسول الله فربما وقع
عَلَيَّ ثوبُه، وأنا على فراشي)). وقالت مَرّةً: (( كان الرسول يصلي وأنا
إلى جنبه نائمة ، فإذا سجد أصابتني ثيابه وأنا حائض)).
وهذا الحديث حجة في أن الحائض لا تقطع الصلاة ، وهذا الحديث
وشبهه من الأحاديث [التي] (١) فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته
فيها دليل أن النهي إنما هو عن المرور خاصة لا عن القعود بين يدي
المصلي ، واستدل العلماء على أن المرور لا يضر بدليل جواز القعود.
وحيال وحذاء وتجاه ووجاه كله بمعنى المقابلة والموازاة عند العرب .
باب : المرأة تَطْرَحُ عن المصلي شيئًا من الأذى
فيه: ابن مسعود قال: (( بينما رسول الله وَلخير قائم يصلي عند الكعبة
وجَمْعُ قَريشٍ في مجالسهم ، إذ قال قائل منهم : ألا تنظروا إلى هذا
المرائي : أیکم یقوم إلى جزور آل فلان فیعمد إلى فرثها ودمها وسلاها
فيجيء به ، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه ، فانبعث أشقاهم ،
فلما سجد الرسول وضعه بین کتفیه وثبت الرسول ساجدًا ، فضحكوا
حتى مال بعضهم على بعض من الضحك فانطلق منطلق إلى فاطمة -
وهي جويرية - فأقبلت تسعى وثبت الرسول ساجداً حتى ألقته عنه ،
وأقبلت عليهم تسبهم ، فلما قضى رسول الله الصلاة قال : اللهم عليك
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الذي .
- ١٤٥ -
بقريش - ثلاثًا - ثم سَمّى : اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة بن
3 .
ربيعة، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي
معيط، وعمارة بن الوليد . قال عبد الله : فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم
بدر، ثم سُحبوا إلى القَليب - قَليب بدر - ثم قال رسول الله وَاليه : وأُتْبعَ
أصحابُ القَليب لَعْنَةً)) .
قال المؤلف : هذه الترجمة قريبة من معنى الأبواب المتقدمة قبلها ،
وذلك أن المرأة إذا تناولت [ طَرْحَ ] (١) ما على المصلي من الأذى ،
فإنها لا تقصد إلى أخذ ذلك من ورائه إلا كما تقصد إلى أخذه من
أمامه ، بل تتناول ذلك من أي جهات المصلي أمكنها تناوله وسهل
عليها طرحه ، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها من بين يديه
فليس بدونه ، ومن هذا الحديث استنبط العلماء حكم المصلي إذا صلى:
بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة فطرحه ، فذهب الكوفيون إلى
أنه يتمادى في صلاته ولا يقطعها ، وروى ابن وهب عن مالك مثله ،
وذكره في المبسوط ، ورُوي مثله عن ابن عمر ، والقاسم، والنخعي ،
والحسن البصري ، والحكم ، وحماد .
ولمالك في المدونة قول آخر قال : يقطع وينزع الثوب النجس
ويبتدئ صلاته ، قال إسماعيل : وعلى مذهب عبد الملك يتم صلاته
ولا يقطعها ، ثم يعيد ، وهو قول الكوفيين ، وروايةُ ابنِ وهبٍ عن
مالك أَشْبَهُ ، بدليل هذا الحديث ، وقوله في المدونة : يقطع وينزع
الثوب النجس ويبتدئ صلاته . هو استحسان منه واحتياط للصلاة ،
[١/ ٥ ١٠٤-ب) والأصل في ذلك ما فعل الرسول من أنه لم يقطع / صلاته للسَّلا
الذي وضع على ظهره ، بل تمادى فيها حتى أكملها والحجة في السُّنَّةِ
(١) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): تطرح.
- ١٤٦ -
لا فيما خالفها ، وأما قول عبد الملك : يتم الصلاة ثم يعيد ؛ فلا وجه
له ؛ لأنه لا يخلو أن يجوز له التمادي فيها أو لا يجوز ، فإن جاز له
التمادي فلا معنى لإعادته ، وإن كان لا تجزئه صلاته فلا معنى لأمره
بالتمادي في ما لا يجزئه .
وهؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله وَجلو كانوا ممن لم تُرْجَ إجابتهم
ورجوعهم إلى الإسلام ، فلذلك دعا عليهم بالهلاك ، فأجاب الله
دعاءه فيهم ، وهم الذين أخبره الله أنه كفاه إياهم بقوله تعالى : ﴿إنا
كفيناك المستهزئين ﴾ (١) وأما كل من رجا منه الرسول الرجوع والتوبة
عما هو عليه فلم يُعجّل بالدعاء عليه ، بل دعا له بالهدى والتوبة
فأجاب الله دعاءه فيهم .
وفيه الدعاء على أهل الكفر إذا جَنَوْا جنايات وآذوا المؤمنين .
(١) الحجر : ٩٥ .
- ١٤٧ -
كتاب مواقيت الصلاة وفضلها
قوله تعالى : ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتًا﴾(١).
مُؤَقَّنَا وَقَتَهُ عليهم
فيه: ابن شهاب (( أن عمر بن عبد العزيز أَخَّر الصلاة [ يومًا] (٢)
فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أَخَّر الصلاة يومًا
وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال : ما هذا يا مغيرة؟
أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلی فصلى رسول الله ، ثم نزل فصلى
فصلى رسول الله ◌َّر خمس مرات ، ثم قال : بهذا أمرت . فقال عمر
لعروة : اعلم ما تحدث ، أو إن جبريل هو الذي أقام لرسول الله وقت
الصلاة . قال عروة : کذلك كان بشير بن أبي مسعود یحدث عن أبيه قال
عروة : ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس
في حجرتها [ قبل أن تظهر ] (٣))).
قال المهلب : تأخير عمر بن عبد العزيز الصلاة كان عن الوقت
المستحب المرغَّب فيه ، ولم يؤخرها حتى خرج وقتها كله وغربت
الشمس أو قريب من ذلك ، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما
يدل على ذلك وهو قوله: (( إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة شيئًا»
ولا يجوز على عمر بن عبد العزيز على مكانته من العلم والفضل أن
يؤخرها عن جميع وقتها ويصليها في وقت غيره ، وإنما أنكر عليه عروة
(١) النساء : ١٠٣.
(٢) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): لم تظهر
- ١٤٨ -
ترك الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل [ بالنبي {14َ] (١) وهو
الوقت الذي عليه الناس ، هذا مفهوم الحديث .
ففي هذا من الفقه : المباكرة بالصلاة في وقتها الفاضل .
وقوله: ((أخر الصلاة يومًا)) يدل [ على ] (١) أنه كان نادراً من
فعله ، وهذه الصلاة التي أخرها عمر كانت صلاة العصر روى ذلك
شعيب عن الزهري في المغازي من هذا الكتاب ، ويدل على ذلك
قوله: ((ولقد أخبرتني عائشة أن رسول الله وَ لو كان يصلي العصر
والشمس في حجرتها قبل أن تظهر )) يريد تعجيل العصر بخلاف ما
صلاها عمر بن عبد العزيز ذلك اليوم .
وفيه من الفقه : دخول العلماء على الأمراء إذا كانوا أئمة عدل .
وفيه : إنكار العلماء على الأمراء ما يخالف السنة .
وفيه : جواز مراجعة العالم لطلب البيان .
وفيه : الرجوع عند التنازع إلى السنة وأنها الحجة والمقنع .
وفيه : أن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع لقوله: «كذلك
كان بشير بن أبي مسعود يحدّث عن أبيه )) لأن عروة قد كان أخبر أن
جبريل أقام لرسول الله وقت الصلاة فلم يقنع بذلك من قوله إذ لم
يسند له ذلك، فلما قال له: ((اعلم ما تحدث به )) لجأ إلى الحجة
القاطعة فقال: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه .
وهذا الحديث يعارض ما روي عن النبي صلى الله عليه من إمامة جبريل
له لكل صلاة في وقتين في يومين ؛ لأن محالا أن يحتج عروة على عمر
بصلاة جبريل بالنبي في وقت واحد، وهو يعلم أن جبريل قد صلى به تلك
(١) من (( هـ)).
- ١٤٩ -
الصلاة في آخر وقتها مرة ثانية ، وهو الوقت الذي أخرها إليه عمر بن
عبد العزيز لو صح حديث الوقتين إذا كان [ من ] (١) حق عمر أن
يقول لعروة : لا معنى لإنكارك عليّ تأخير الصلاة إلى وقت إقامة
جبريل للنبي عليه السلام وأَمَّ به فيه ، فاحتجاج عروة على عمر بن
عبد العزيز واحتجاج أبي مسعود على المغيرة يدل أن صلاة جبريل
[٥/١ ١٠-٢) بالرسول كانت / في وقت واحد في يوم واحد ولو صلى به في يومين
لما صح الاحتجاج لعروة ولا لأبي مسعود بهذا الحديث .
فإن قيل : فقد قال عليه السلام للذي سأله عن وقت الصبح (( ما بين
هذين وقت )) فأحاله على وقت تجوز فيه الصلاة فصح حديث الوقتين.
فالجواب : أن أبا محمد الأصيلي قال : لا يجوز لنا أن نقول : قال
رسول الله إلا فيما صح طريقه وثبتت عدالة ناقليه ، فنقول : إن
جبريل صلى بالرسول في أول الوقت بحديث بشير بن أبي مسعود
لصحته ولا نقول : إن جبريل صلى به في آخر الوقت إلا بسند صحيح
لقوله صلى الله عليه: ((من تقول عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من
النار)) .
قال غيره : وإنما قال الرسول للذي سأله عن صلاة الصبح : ((ما
بين هذين وقت)) على طريق التعليم للأعرابي أن الصلاة تجوز في آخر
الوقت لمن نسي أو كان له عذر ، إذ خشي منه عليه السلام أن يظن أن
الصلاة في آخر الوقت لا تجزئ ، ولو كان جبريل قد صلى به في أول
الوقت وآخره وأعلمه أنهما في الفضل سواء ، لما التزم عليه السلام
الصلاة في أول الوقت ، ولَصَلَّى مَرَّةً في أول الوقت ، ومَرَّةً في
آخره، وأَعْلَمَ به الناس أنهم مخيرون بين ذلك ، فَدَلَّ لزومُه الصلاة
(١) من ( هـ )).
- ١٥٠ -
في أولِ الوقت دَهْرَهُ كُلَّهُ ، أنه الوقت الذي أقامه له جبريل وأن قوله:
((ما بين هذين وقت)) على طريق التعليم لأهل العذر وأشباههم ،
ودَلَّ أن الوقت الفاضل أول الوقت ، وقد قال يحيى : إن الرجل
ليصلي الصلاة وما [ فاتته ] (١)، ولَمَا فاته من وقتها أعظم من أهله
وماله ، فصح ما قلناه والحمد لله .
وقوله : (( والشمس في حجرتها قبل أن تظهر )) إن قال قائل : ما
معنى قولها (( قبل أن تظهر)) والشمس ظاهرة على كل شيء من أول
طلوعها إلى غروبها .
فالجواب : أنها أرادت الفيءَ في حجرتها قبل أن تعلو على
البيوت، فَكَنَّتْ بالشمس عن الفَيءِ لأن الفَيءَ عن الشمس يكون ،
كما تسمي العرب النبت ندى ؛ لأنه بالمطر يكون ، وتسمي المطر سماء
لأنه من السماء ينزل ، وقد جاء هذا المعنى بينًا في بعض طرق
الحديث، روى الليث وابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن
عائشة (( أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم
تظهر الفيء)) اللفظ لابن عيينة ومعلوم أن الفيء أبدًا ملازم لأثر
الشمس ، فإذا لم يظهر الفيء من الحجرة فلا شك أن الشمس في
قاعة الحجرة ، وقد رَوى هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة
((والشمس لم تخرج من حجرتها)) . وروى أبو أسامة عن هشام :
((من قعر حجرتها))، والشمسُ لا تكون إلا في قاعة الحجرة
الصغيرة، يعني قبل أن تعلو على الجُدُرِ ويرتفع ظلها عن قاعة الحجرة،
وكل شيء عَلا فقد ظهر ، قال الله تعالى: ﴿ فما اسطاعوا أن
يظهروه﴾ (٢) يريد يعلونه، والحجرة يومئذ كانت ضيقة والشمس
(١) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): فاته.
(٢) الكهف : ٩٧ .
- ١٥١ -
لا تكون في قاعة الحجرة الصغيرة إلا وهي مرتفعة قائمة في وسط
السماء ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجُدُرَ كانت قصيرة وأَنَّ الظل في الحجاز هو
أقصر منه في غيره ؛ لأنه وسط الأرض ، وهذا يدل على قصر بنيانهم
واقتصادهم ، وقد قال الحسن : كنت أدخل بيوت النبي وأنا محتلم
وأنال سقفها بيدي ، وذلك في خلافة عثمان .
باب : قوله تعالى: ﴿ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة
ولا تكونوا من المشركين ﴾ (١)
فيه: ابن عباس قال: (( قدم وفدُ عبد القيس على رسول الله وَلجر فقالوا:
إنا هذا الحي من ربيعة ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام ، فمرنًا
بشيء نأخذْهُ عنك ، وندعوا إليه مَن وراءنا . فقال : آمركم بأربع وأنهاكم
عن أربع : الإيمان بالله - ثم فسرها لهم - شهادة أن لا إله إلا الله وأني
رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا إليّ خُمُسَ ما
غنمتم، وأَنْهَى عن: الدََّّاءِ، والحَنْثَمِ ، والَّقير، والمُغَيِّر )).
قال المؤلف : قرن الله التُّقَى ونَفْيَ الإشراكِ به تعالى بإقامة الصلاة،
فهي أعظُم دعائم الإسلام بعد التوحيد ، وأقربُ الوسائل إلى الله -
تعالى - ومفهوم هذه الآية يدل أنه من لم يقم الصلاة فهو مشرك ،
ولذلك قال عمر: (( ولا حظ في الإسلام [ لمن ترك الصلاة]» (٢).
[١٠٥٥/١-ب) وسيأتي حكم ترك الصلاة، واختلاف / العلماء في ذلك في كتاب المرتدين.
وقد تقدم في كتاب الإيمان معنى أمره عليه السلام وفد عبد القيس بما
أمرهم به ونهيه لهم عن الأشربة والظروف ، وذلك أنه كان
(١) الروم : ٣١ .
(٢) من ( هـ).
- ١٥٢ -
يُعَلِّمُ كُلَّ قوم ما بهم الحاجة إليه ، وما الخوف عليهم من قبله أشد ،
وكان وفد عبد القيس يخاف منهم الغلول في الفيء ، وكانوا يكثرون
الانتباذ في هذه الأوعية ، فعرفهم ما بهم الحاجة إليه وما يخشى منهم
مواقعته ، وترك غير ذلك مما قد كثر وفشا عندهم .
باب : البيعة على إقامة الصلاة
فيه: جرير بن عبد الله قال: (( بايعت الرسول على إقام الصلاة وإيتاء
الزکاة والنصح لكل مسلم » .
قال المهلب : مبايعة الرسول جريرًا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
فَهُمَا دعامة الإسلام ، وهما أول الفرائض بعد توحيد الله ، والإقرار
برسوله وذِكْرُ النَّصْحِ لكل مسلم بعدهما ، يدل أن قوم جرير كانوا
أهل غدر ، فَعَلَّمهم ما بهم إليه أشد حاجة ، كما أُمَر وفد عبد القيس
بالنهي عن الظروف ، ولم يذكر لهم النصح لكل مسلم ، إذ عَلِمَ
[أنهم ] (١) في الأغلب لا يُخاف منهم من تَرْكِ النُّصْحِ ما يُخَافُ على
قوم جرير ، وكان جرير وَفَدَ من اليمن مِنْ عِنْدِ قومه وفيه قال
الرسول: ((إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه))، فبايعه بهذا ورجع إلى
قومه معلمًا .
*
باب : الصلاة كفارة
فيه: حذيفة قال: (( كنا جلوسًا عند عمر فقال : أيكم يحفظ قول
رسول الله وَل في الفتنة؟ . قلت : أنا ، كما قاله . قال : إنك عليه - أو
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): منهم ، كذا .
- ١٥٣ -
غليها - لجريء . قلت : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره
تكفرها الصلاة ، والصوم، والصدقة، والأمر، والنهي )) الحديث.
وفيه: ابن مسعود (( أن رجلا أصاب من امرأة قُبْلَةً، فأتى الرسول وَله
فأخبره ، فأنزل الله : ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن
الحسنات يذهبن السيئات﴾ (١) . فقال الرجل : ألي هذا يا رسول الله ؟
قال: جميع امتي ◌ُلُّهم)) .
قوله: (( فتنة الرجل في أهله وماله)) يصدقه قوله تعالى: ﴿إنما
أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ (٢) ، والمعنى في ذلك أن يأتي من أجلهم ما
لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة ، كالقُبلة التي أصابها
الرجل من المرأة وشبهها ، فذلك الذي يكفرها الصلاة والصوم ،
ومثله قوله عليه السلام: ((الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما
اجتنبت الكبائر » .
قال المهلب: قوله: (( فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره)).
يريد ما يعرض له معهم من شَرِّ أو حُزْنٍ وشبه ذلك ، وسأستقصى
تفسير هذا الحديث وأزيد في البيان عن معنى الفتنة فيه في كتاب الصيام
في باب الصوم كفارة - إن شاء الله - تعالى .
وإنما علم عمر أنه الباب لأن الرسول كان على حراء هو وأبو بكر
وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي: (( اثبت حراء ، فإنما
عليك نبي وصدّيق وشهيدان )) وفهم ذلك - رضي الله عنه - من قول
حذيفة حين قال : بل يكسر الباب ، قال غيره : ويدل على ذلك قوله:
((إِذًا لا يغلق))؛ لأن الغلق إنما يكون في الصحيح ، وأما المنكسر فهو
(١) هود : ١١٤ .
(٢) التغابن : ١٥ .
- ١٥٤ -
هتك لا يجبر وفتق لا [يُرْقَعُ] (١)، وكذلك انخرق عليهم بقتل
عثمان بعده من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القيامة ، وهي الدعوة التي
لم يُجَبْ فيها عليه السلام [ في أمته ] (٢)، ولذلك قال: (( فلن يزال
الهرج إلى يوم القيامة )).
وأما حديث ابن مسعود فإن أهل التأويل ذهبوا إلى قوله : ﴿وأقم
الصلاة طرفي النهار ﴾ (٣) الفجر (وصلاة) (٤) العشاء. هذا قول
مجاهد والضحاك ، وقال الحسن وقتادة : طرفا النهار : الفجر
والعصر، وزلفًا من الليل : المغرب والعشاء ﴿إن الحسنات يذهبن
السيئات ﴾ (٣). قالوا : الحسنات التي ذكرهن الله هاهنا الصلوات
الخمس ، هذا قول ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ،
وسعيد بن المسيب وغيرهم ، فدلت هذه الآية أن الصلاة كفارة لصغائر
الذنوب ، ودل هذا الحديث أن القُبلة وشبهها مما أصابه الرجل من
المرأة غير الجماع كل ذلك من الصغائر التي يغفرها الله باجتناب
الكبائر، والصغائر هي من اللمم التي وعد الله مغفرتها / لمجتنب [١٠٦٥/١-١]
الكبائر بقوله تعالى : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا
اللمم إن ربك واسع المغفرة ﴾ (٥) وهذه الآية تفسير قوله: ﴿إن
الحسنات يذهبن السيئات ﴾ (٣).
وأما الكبائر فأهل [ السنة ] (٦) مجمعون على أنه لا بد فيها من
التوبة والندم والإقلاع واعتقاد أن لا عودة فيها ، روى سعيد بن بَشِير
عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله
وَ له: ((الصلوات الخمس كفارة لما بينهن لمن اجتنب الكبائر)).
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): يرجع ، خطأ.
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): لأمته .
(٣) هود : ١١٤ .
(٤) في (( هـ )): وصلاتي .
(٥) النجم : ٣٢ .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): البرية، خطأ.
- ١٥٥ -
وفي الآية تأويل آخر قال مجاهد : الحسنات يذهبن السيئات هي
سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
قال الطبري: والصواب قول من قال [ هي ] (١) الصلوات
الخمس؛ لثبوت الخبر عن الرسول أنه قال: ((مثل الصلوات الخمس
كمثل نهر عذب ينغمس كل يوم فيه خمس مرات ، فماذا يبقين من
درنه؟ ))، وأن ذلك في سياق أمر الله بإقام الصلوات ، فالوعدُ على
إقامتها جزيل الثواب [ عقبها ] (٢) أَوْلَى من الوعد على ما لم يَجْرِ لَهُ
ذكر من سائر صالحات الأعمال ، إذ خُصَّ بالقصد بذلك بعض دُونَ
بَعْضٍ ، وسأذكر مذاهب العلماء في الصغائر والكبائر في كتاب
الأدب- إن شاء الله
باب : فضل الصلاة لوقتها
فيه : عبد الله قال: (( سألت النبي صلى الله عليه أي الأعمال أحب إلى
الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قال: ثم أي؟ قال: [ ثم ] (٣) بر
الوالدين قال : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قال : حدثني بهن
ولو استزدته لزادني » .
وفيه: أبو هريرة قال الرسول ميل: (( أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم
يغتسل فيه كل يوم خمسًا ما تقول ذلك يُبْقي من درنه ؟ قالوا : لا يبّقي
من درنه شيئًا . قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا)).
وفيه : أنس (( أنه بكى فقال ابن شهاب : ما يبكيك ؟ فقال : لا أعرف
شيئًا مما [أدركت ] (٤) إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت).
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): ((عقيبها )).
(٣) من (( هـ))، وكذا فى النسخة السلطانية.
(٤) من (( هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)) : أدري.
:
- ١٥٦ -
قال المؤلف : في حديث عبد الله أن الصلاة لوقتها أحب إلى الله
من كل عمل ، وذلك يدل أن تركها أبغض الأعمال إلى الله بعد
الشرك.
وفيه أن أعمال البر يَفْضُلُ بعضُها بعضًا عند الله .
وفيه فضل بر الوالدين ، ألا ترى أنه عليه السلام قرن ذلك
بالصلاة، كما قرن الله شكرهما بشكره ، فقال : ﴿ أن اشكر لي
ولوالديك ﴾ (١).
وفيه أن البدار إلى الصلاة في ( أوَّل ) (٢) أوقاتها، أفضل من
التراخي فيها ؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إلى الله إذا
أقيمت لوقتها المستحب الفاضل ، وفي حديث أبي هريرة بيان أن
صغائر الذنوب ( يغفرها ) (٣) بمحافظته على الصلوات ؛ لأنه شبه
الصغائر بالدرن ، والدرن ما لم يبلغ مبلغ الجراح .
قال المهلب: وقول أنس في الصلاة: ((أليس قد ضيِّعَتْ))، وفي
حديث آخر : (( أليس قد ضيعتم فيها )) يعني تأخيرها عن الوقت
المستحب لا أنهم أخرجوها عن وقتها كله .
وقد قيل في قوله تعالى : ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات
فسوف يلقون غيا ﴾ (٤) قال : والله ما ضيعوها بأن تركوها ولو
تركوها كانوا كفاراً ، ولكنهم أخروها عن أوقاتها .
*
(١) لقمان : ١٤ .
(٢) في (( هـ)): ((أوائل)).
(٣) في ((هـ ): ((تكفر)).
(٤) مريم : ٥٩ .
- ١٥٧ -
باب : المصلي يناجي ربه
فيه أن الرسول ◌َلل قال: ((إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه، فلا يَتْفَنْ
عن یمینه ولكن تحت قدمه الیسری )) .
فيه : فضل الصلاة على سائر الأعمال ؛ لأن مناجاة الله لا تحصل
للعبد إلا في الصلاة خاصة ، فينبغي له إحضار النية فيها وترك خواطر
الاشتغال عنها ، ولزوم الخشوع ولا يقدر على ذلك إلا بعون الله له ،
وقال بعض الصالحين : إذا قُمْتَ إلى الصلاة فاعلم أن الله يُقْبِلُ عليك،
فَأَقْبِلْ على من هو مُقْبل عليك ، واعلم أنه قريب منك ، نَاظر إليك،
فإذا ركعت فلا تأمل أنك ترفع ، وإذا رفعت فلا تأمل أنك تضع ،
ومثِّل الجنةَ عن يمينك والنارَ عن شمالك والصراطَ تحت قدمك ، فإذا
فعلت كنت مُصَلِّيًا .
[١/ ق١٠٦ -ب]
باب : الإبراد / بالظهر في شدة الحر
فيه: أبو هريرة عن الرسول والإ قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن
الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)). وزاد أبو هريرة: « واشتكت النار
إلى ربها فقالت : يا رب أَكَلَ بعضي بعضًا ، فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْن :
(نفس) (١) في الشتاء ، و( نفس ) (١) في الصيف ، أشد ما تجدون من
الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير )) .
وفيه : أبو ذر قال: (( أذن مؤذن النبي - عليه السلام - الظهر فقال :
أبرد أبرد - أو قال : انتظر انتظر - وقال : شدة الحر من فيح جهنم فإذا
اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة حتى رأينا فَيْءَ التلول» ..
(١) في ((هـ)): نفسًا. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢٤/٢): بالجرِّ فيهما
على البدل أو البيان، ويجوز الرفع والنصب .
- ١٥٨ -
وترجم لحديث أبي ذر باب الإبراد بالظهر في السفر وقال أبو ذر: ((كنا
مع النبي - عليه السلام - في سفر ... )) وذكر الحديث .
اختلف العلماء في تأخير الظهر عند شدة الحر فذكر ابن أبي شيبة ،
وعبد الرزاق رواية عن عمر بن الخطاب أنه كان يبرد بها ، وعن أبي
هريرة وقيس بن أبي حازم مثله .
وقال أبو الفرج عن مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا
الظهر في شدة الحر ، ولمالك في المدونة خلاف ما حكاه عنه أبو
الفرج، وهو أنه استحب أن يصلي الظهر والعصر والعشاء بعد تمكن
الوقت وذهاب بعضه وبتأخير الظهر في شدة الحر . قال أبو حنيفة ،
وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الشافعي :" يبرد بالظهر في
شدة الحر إذا كان المسجد يُنْتَابُ من ( البُعْد ) (١) ، فأما من صلاها في
بيته أو في جماعة بفناء بيته فيصليها في أول وقتها .
وذهبت طائفة إلى تعجيل الظهر في الحر وغيره في أول وقتها ،
ولم يقولوا بالإبراد ، وسأبين قول عمر في الباب بعد هذا - إن شاء
الله تعالى - ومعنى قوله : فَيْء التلول يريد ظل كل شيء بارز على
وجه الأرض من حجر أو نبات أو غيره فهو تَلّ .
فإن قيل : إن أول النهار للتلول في أيضًا . قيل : إذا طلعت
الشمس يكون ظل كل شيء ممدودًا إلى جهة المغرب ، فلا يزال الظل
يقصر حتى تقف الشمس في وسط السماء ، فإذا وقفت قصر ظل كل
شيء حذاء وخاصة في الحجاز في زمن القيظ ، فليس لشيء في ذلك
الوقت ظل فلا تجوز الصلاة حينئذ فإذا زالت الشمس ، وفاء الفيء
(١) في ((هـ)): بُعْدِ .
- ١٥٩ -
امتد كل شيء إلى جهة المشرق ، وبدا للتلول في ولا يبدو لها في
.
٠
الحجاز إلا بعد تمكن الوقت
والفيح : سطوع الحر ، في كتاب العين .
باب : وقت الظهر عند الزوال
وقال جابر : كان الرسول عليه يصلي الظهر بالهاجرة .
وفيه : أنس (( أن الرسول خرج حين زاغت الشمس ، فصلى الظهر ،
ثم قام على المنبر ، فذكر الساعة ، فذكر أن فيها أموراً عظامًا ، ثم قال :
من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل ، ولا تسألوني عن شيء إلا
أخبرتكم ما دمت في مقامي ، فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول :
سلوني ، فقام عبد الله بن حذافة ، فقال : من أبي ، فقال : أبوك حذافة،
ثم أكثر أن يقول : سلوني . فبرك عمر على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله
ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ... )) الحديث.
وفيه : أبو برزة: ((كان الرسول ◌َو يصلي الصبح وأحدنا يعرف
جليسه ، والظهر إذا زالت الشمس ... )) الحديث .
وفيه: أنس: (( كثا إذا صلينا خلف رسول الله { } بالظهائر سجدنا على
ثيابنا ؛ اتقاء الحر )) .
وأجمع العلماء على أن أول وقت الظهر زوال الشمس وممن كان
يصليها عند الزوال أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن
أبي طالب ، وابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وروى إبراهيم ،
عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت أحدًا كان أشد تعجيلا
للظهر من الرسول وأبي بكر وعمر ، وكتب عمر إلى أبي موسى ؛ أن
- ١٦٠ -