Indexed OCR Text

Pages 101-120

باب : من بنى مسجدًا
فيه : عثمان أنه قال - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول - :
إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((من بنى مسجدًا - قال
بكير : حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله - بنى الله له [ مثله ] (١) في
الجنة )) .
المساجد بيوت الله وقد أضافها الله إلى نفسه بقوله: ﴿إنما يعمر
مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ (٢) حسبك بهذا شرفًا لها وقال:
﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ... ﴾ (٣) الآية فهي أفضل بيوت الدنيا
وخير بقاع الأرض ، وقد تفضل الله على بانيها بأن بنى له قصرًا في
الجنة ، وأَجْرُ المسجد جارٍ لمن بناه في حياته وبعد مماته ما دام يُذكر اللهُ
فيه ويُصَلَّى فيه ، وهذا مما جازت المجازاة فيه من جنس الفعل .
باب : يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد
فيه : جابر قال : ((مَرّ رجل في المسجد ومعه سهام ، فقال له رسول الله:
أمسك بنصالها )» .
وفيه : أبو بردة: قال نبي الله وَّم: « من مر في شيء من مساجدنا أو
أسواقنا بنبل ، فليأخذ على نصالها لا يعقر (بكفه) (٤) مسلمًا)).
(١) كذا في ((هـ))، والنسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): بيت.
(٣) النور : ٣٦ .
(٢) التوبة : ١٨.
(٤) هكذا في (( الأصل))، و((هـ)): لا يعقر بكفه مسلمًا، وهو الموافق لروايات
البخاري كما في (( فتح الباري )» لابن حجر (١/ ٦٥١ - ٦٥٢)، لكن وضع
بعضهم فوق كلمة ((بكفه)) علامة الضرب، ووضعها لحقّا بعد كلمة (انصالها))،
وليس أمامها (صح)) ولا (( ح))، وهو لفظ رواية عند مسلم كما نبه عليه في الفتح.
- ١٠١ -

هذا من تأكيد حرمة المسلم لئلا يروع بها أو يؤذي ؛ لأن المساجد
مورودة بالخلق ، ولا سيما في أوقات الصلوات ، فخشي عليه السلام.
أن يؤذى بها أحد ، وهذا من كريم خلقه ، ورأفته بالمؤمنين .
والمراد بهذا الحديث : التعظيم لقليل الدم وكثيره .
وفيه : أن المسجد يجوز فيه إدخال السلاح ، وأما حديث جابر فإنه
لا يظهر فيه الإسناد ؛ لأن سفيان قال لعمرو : أسمعت جابرًا يقول :
مر رجل في المسجد [ ومعه سهام] (١)، فقال له رسول الله :
(أمسك بنصالها)) .. ولم يُنقل أن عمرًاً قال له : نعم . وقد ذكره
البخاري في غير كتاب الصلاة عن [ علي ] (٢) بن عبد الله، عن
سفيان قال : قلت لعمرو : سمعت جابر بن عبد الله يقول : مر رجل
بسهام في المسجد ، فقال له رسول الله: ((أمسك بنصالها))، فقال:
نعم . فبان بقوله : نعم ، إسناد الحديث .
باب : إنشاد الشعر في المسجد
فيه : أبو سلمة أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله،
هل سمعت رسول الله وَل* يقول: (( يا حسان، أجب عن رسول الله ،
اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة : نعم)) .
قال المؤلف : ليس في حديث هذا الباب بيان أن حسان أنشد شعراً
في المسجد بحضرة النبي ، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب
بدء الخلق ، وبه يتم معنى هذا الباب ، قال سعيد بن المسيب :
(١) كذا في ((هـ))، والنسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): بهام.
(٢) من (( هـ)) وهو ابن المديني، وحديثه عند البخاري في كتاب ((الفتن
(٢٦/١٣، رقم ٧٠٧٣)، وفي (( الأصل)): عمرو ، خطأ.
- ١٠٢ - .

((مر عمر في المسجد وحسان ينشد ، فقال : كنت أنشد فيه ، وفيه من
هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك بالله أسمعت
النبي يقول : أجب عني اللهم أيده بروح القدس ؟ قال : نعم)).
يدل هذا أن قول الرسول لحسان: ((أجب عن رسول الله)) . كان في
المسجد ، وأنه أنشد فيه ما جاوب به المشركين .
واختلف العلماء في إنشاد الشعر في المسجد ، فأجازته طائفة إذا
كان الشعر مما لا بأس بروايته ، قال ابن حبيب: رأيت / ابن (٩٦٥/١-ب]
الماجشون ، ومحمد بن سلام ينشدان فيه الشعر ويذكران أيام العرب
وقد كان اليربوع ، والضحاك بن عثمان ينشدان مالكًا ويحدثانه بأخبار
العرب ، فيصغي إليهما ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فكرهوا إنشاد
الشعر في المسجد ، واحتجوا بما رواه الليث ، عن ابن عجلان ، عن
عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده (( أن الرسول كره أن ينشد
الشعر في المسجد ، وأن تباع فيه السلع، وأن يتحلق فيه قبل الصلاة)).
قال الطحاوي : وحجة أهل المقالة الأولى ما ذكره البخاري في بدء
الخلق ، أن عمر مر في المسجد وحسان ينشد فيه ، فزجره ، فقال :
كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك وكان ذلك بحضرة أصحاب
الرسول وَّة ، فلم ينكره أحد منهم ولا أنكره عمر أيضًا، فكأن
الشعر الذي نهي عن إنشاده في المسجد : الشعر الذي فيه الخنا
والزور، ويجوز أن يكون الشعر الذي يغلب على المسجد حتى يكون
كل من في المسجد متشاغلاً به ، كما تأول أبو عبيد في قوله عليه
السلام: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ ، خير له من أن
يمتلئ شعراً )» أنه الذي يغلب على صاحبه.
- ١٠٣ -

باب : أصحاب الحراب في المسجد
فيه: عائشة قالت: ((لقد رأيت رسول الله وَل﴾ يومًا على باب حجرتي،
والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم» .
قال المهلب : المسجد [موضوع ] (١) لأمر جماعة المسلمين، فما
كان من الأعمال مما يجمع منفعة الدين وأهله ، فهو جائز في المسجد،
واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب ، وهو من
الاشتداد للعدوٍّ ، والقوة على الحرب فهو جائز في المسجد وغيره.
!
وفيه : جواز النظر إلى اللهو المباح وقد يمكن أن يكون ترك الرسول
عائشة لتنظر إلى اللعب بالحراب ؛ [ لتضبط ] (٢) السنة في ذلك.
وتنقل بعض تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء.
المسلمين وتعرفهم بذلك
وفيه : من حسن خلق الرسول وكريم معاشرته لأهله ما يلزم المسلم
امتثاله والاقتداء به فيه ، ألا ترى وقوفه عليه السلام وستره لعائشة وهي:
تنظر إلى اللعب !
باب : ذكر [البيع والشراء ] (٣) على المنبر في المسجد
فيه: عائشة: (( أن بريرة أنتها تسألها كتابتها ، فقام رسول الله على المنبر:
فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله)). وذكر
الحديث .
(١) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): موضع.
(٢) من ((هـ))، و((الأصل)) وصوبت في هامش الأصل إلى ((لتعلم))، وكتب
أمامها (( ح))، ((صح)).أ
(٣) كذا في (( هـ، ن))، وفي (الأصل)): الشراء والبيع .
- ١٠٤ -

قال المؤلف : المساجد إنما اتخذت لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن ،
والصلاة ، وإنما يجوز فيها من البيع والشراء وسائر أمور الدنيا ما
يكون بمعنى تعليم الناس والتنبيه لهم على الاحتراس من مواقعة الحرام
ومخالفة السنن، والموعظة في ذلك، وقد روي عن نبي الله وَ لو أنه
نهى عن البيع والشراء في المسجد ، وهو قول مالك وجماعة من
العلماء ، وروى الدراوردي ، عن يزيد بن الخصيفة ، عن محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة أن الرسول قال: (( إذا رأيتم
الرجل يبيع ويشتري في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك ،
وإذا رأيتم الرجل ينشد فيه الضالة ، فقولوا : لا ( رد ) (١) الله
عليك)). وذكر مالك ، عن عطاء بن يسار أنه كان يقول لمن أراد أن
يبيع في المسجد : عليك بسوق الدنيا ، فإنما هذا سوق الآخرة .
قال الطحاوي : ومعنى البيع الذي نهي عنه في المسجد الذي يغلب
على المسجد ويعمه ، حتى يكون كالسوق ، فذلك مكروه ، وأما ما
سوى ذلك فلا بأس به ، وكذلك التحلق الذي نهي عنه قبل الصلاة
إذا عم المسجد وغلبه ، فهو مكروه ، وغير ذلك لا بأس به ، وقد
أجمع العلماء أن ما عقد من البيع في المسجد [ أنه ] (٢) لا يجوز
نقضه ، إلا أن المسجد ينبغي أن يجنب جميع أمور الدنيا ، ولذلك بنى
عمر بن الخطاب البطحاء خارج المسجد ، وقال: (( من أراد أن
يلغط، فليخرج إليها )) ، فوجب تنزيه المسجد عما لم يكن من أمور
الله - تعالی.
(١) في ((هـ)): ردها.
(٢) من (( هـ)).
- ١٠٥ -

باب: التقاضي والملازمة في المسجد
/ فیه : کعب بن مالك « أنه تقاضی ابن أبي حدرد دینًا كان له عليه في
[١/ق٩٧- ١]
المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وَمليار وهو في بيته
فخرج إليهما ، حتی کشف سجف حجرته ، فنادى : یا کعب ، قال :
لبيك يا رسول الله، قال : ضع من دينك هذا . وأومأ إليه أي الشطر ،
قال : قد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه)).
قال المؤلف : فيه : المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة
بالديون، وقال مالك : لا بأس أن يقضي الرجل الرجل فيه ذهبًا ،
فأما بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه .
قال المهلب : وفيه الحض على الوضع عن المُعْسِرِ .
وفيه : القضاء بالصالح إذا رآه السلطان صلاحًا ولم يشاور الموضوع
عنه إن كان يقبل الوضيعة أم لا .
وفيه : الحكم عليه بالصالح إذا كان فيه رشده وصلاح له لقوله :
((قم فاقضه )).
وفيه: أن الإشارة باليد تقوم مقام الإفصاح باللسان إذا فهم المراد بها.
وفيه : الملازمة في الاقتضاء .
وفيه : إنكار رفع الصوت بالمسجد بغير القراءة ، إلا أنه عليه السلام.
لم يعنفهما على ذلك لما كان لابُدَّ لهما منه .
باب : كنس المسجد ، والتقاط الخرق والقذى والعيدان
فيه : أبو هريرة: (( أن رجلا أسود - أو امرأة سوداء - كان يقم المسجد ،.
- ١٠٦ -

فمات، فسأل الرسول وَل# عنه فقالوا: مات. قال : أفلا كنتم آذنتموني
به دلوني على قبره - أو قال : قبرها - فأتى قبره ، فصلى عليه )) . وترجم
له : باب الخدم للمسجد .
قال ابن عباس : قوله تعالي : ﴿ إني نذرت لك ما في بطني محرراً﴾(١)
يعني : محررًا للمسجد .
قال المؤلف : فيه الحض على كنس المساجد وتنظيفها ؛ لأنه عليه
السلام إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه لأجل ذلك ، وقد رُوي عن
الرسول وَلا أنه كنس المسجد، ذكر ابن أبي شيبة، عن (وكيع)(٢)،
عن موسى بن عبيدة ، عن يعقوب بن زيد (( أن الرسول كان يتبع غبار
المسجد بجريدة)) . وعن وكيع ، قال : حدثنا كثير بن زيد ، عن
المطلب بن عبد الله بن حنطب (( أن عمر أتى مسجد قباء على فرس
له، فصلى فيه ثم قال : يا يرفأ ائتني بجريدة فأتاه بها ، فاحتجز عمر
بثوبه ، ثم كنسه )) .
وفي حديث أبي هريرة : خدمة الصالحين والتبرك بذلك .
وفيه : السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده .
وفيه : المكافأة بالدعاء والترحم على من أوقف نفسه على نفع
المسلمين ومصالحهم .
وفيه : الرغبة في شهود جنائز الصالحين .
قال ابن القصار : وفي صلاة الرسول على قبر السوداء بعد دفنها
(١) آل عمران: ٣٥.
(٢) في (( هـ)) : ابن وكيع ، خطأ .
- ١٠٧ -

دليل على جواز الصلاة في المقبرة ، وقال صاحب الأفعال : قَمَّ البيت
قمًا : كنسه ، والقمامة : الكناسة ، وقمت الشاة : رعت ، ويقال
للمكنسة : المقمة .
باب : تحريم تجارة الخمر في المسجد
فيه: عائشة قالت: (( لما ( نزلت) (١) الآيات من سورة البقرة في الربا
خرج النبي فقرأهن على الناس ، ثم حرم تجارة الخمر)) .
قال المؤلف : غرضه في هذا الباب - والله أعلم - أن المسجد لما
كان مسجدًا للصلاة ولذكر الله منزها عن ذكر الفواحش، والخمر
والربا من أكبر الفواحش ، فلما ذكر الرسول تحريمها في المسجد ، دل
أنه لا بأس بذكر المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها
والمنع منها .
باب : الأسير أو الغريم يربط في المسجد
وكان شريح يأمر الغريم أن يحبس إلى سارية المسجد .
..
فيه: أبو هريرة: قال الرسول: ((إن عفريتًا من الجن تفلت علي
البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة ، فأمكنني الله منه ،
وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ، حتى تصبحوا وتنظروا
(١/ ٩٧٥ -ب) إليه كلكم ، فذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي / وهب لي ملكًا
لا ينبغي لأحد من بعدي . قال روح: فرده خاسًا ».
(١) في ((هـ)): أنزل.
- ١٠٨ -

وفي هذا الحديث إباحة ربط الأسير في المسجد . قال المهلب : فيه
ربط من خشي هروبه لِحَقِّ عليه أو دَيْنٍ والتوثق منه في المسجد وغيره،
ورؤيته عليه السلام للعفريت هو ما خُصَّ به كما خُصّ برؤية الملائكة ،
فقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح ، وأخبرنا الله بذلك بقوله : ﴿لقد
رأى من آيات ربه الكبرى﴾ (١) وبقوله: ﴿ولقد رآه نزلةٌ أخرى﴾(٢).
وقد رآهم يوم انصرافهم عن الخندق ورأى الشيطان في هذه الليلة
وأقدر عليه لتجسمه ؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها ، ولكنه ألقي
في روعه ما وُهب سليمان ، فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه رغبة عما
أراد سليمان الانفراد به ، وحرصًا على إجابة الله دعوته ، وأما غير
الرسول 184 من الناس فلا يمكن من هذا ولا يرى أحد الشيطان على
صورته غير الرسول ؛ لأن الله يقول : ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث
لا ترونهم ﴾ (٣). لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله ،
[وتصور في غير صورته ] (٤)، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري
حين وجده في بيته في صورة حَيّة ، فقتلهُ ، فمات الرجل به ، وبين
الرسول ذلك في قوله: ((إن بالمدينة جنًا قد أسلموا)).
وقوله (( فرده خاسنًا)) . يقال : خسأ الكلب خسوءًا : تباعد ،
وخسأته قلت له : اخسأ .
باب : الاغتسال إذا أسلم
فيه: أبو هريرة قال: ((بعث الرسول وَلفي خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل
من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري
(١) النجم : ١٨.
(٣) الأعراف : ٢٧ .
(٢) النجم : ١٣ .
(٤) من (( هـ )).
- ١٠٩ -

المسجد ، فخرج إليه الرسول فقال : أطلقوا ثمامة ، فانطلق إلى نخل
قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله
إلا الله وأن محمدًا رسول الله )) .
اختلف العلماء هل على من أسلم غسل ؟ على ثلاثة أقوال ،
واختلف في ذلك قول مالك أيضًا ، فقال في المدونة : إذا أسلم
النصراني فعليه الغسل ؛ لأنهم لا يتطهرون ، ومن أوجب عليه الغسل
أحمد بن حنبل وأبو ثور .
والقول الثاني : روى ابن وهب ، وابن أبي أويس عن مالك أنه
سئل عن رجل أسلم هل يجب عليه غسل أم يكفيه الوضوء ؟ قال :-
لم يبلغنا أن رسول الله وَلو أمر أحدًا أسلم بالغسل.
والقول الثالث : قال ابن المنذر : قال الشافعي : أحب أن يغتسل
فإن لم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ، ولابن القاسم في العتبية مثله قال:
من أسلم فعليه أن يغتسل ، فإن توضأ وصلى ولم يغتسل أعاد أبدًا إذا
كان قد جامع أو كان جنبًا ، وهذا يدل من قوله : إن لم يكن جنبًا أنه
يجزئه الوضوء كما قال الشافعي . قال المهلب : وحديث ثمامة حجة
لرواية ابن وهب ، وابن أبي أويس ؛ لأن ثمامة حين انطلق فاغتسل،
ثم دخل المسجد ، ثم شهد بالإسلام ، وليس في الحديث أن نبي الله
أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله وَ ظله أمر
أحدًا أسلم بالغسل .
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وأما قول مالك الآخر : (( عليه
الغسل ؛ لأنهم لا يتطهرون)) ، فإن معناه لا يتطهرون من النجاسة في
أبدانهم ، لا يجوز غير هذا ؛ لأنه يستحيل عليهم التطهير من الجنابة
وإن نووها ؛ لعدم الشرع ، فسقط قول الشافعي وابن القاسم ، قال
- ١١٠ -

أبو عبد الله : فإن قيل : إذا كان عندك غير جنب فلا يكون محدثًا
فأبيح له الصلاة بغير وضوء .
فالجواب : أنه إذا أسلم وهو غير جنب ولا متوضئ ، فوجب أن
يتوضأ للصلاة إذا كان غير متوضئ ، كما لا يغتسل لأنه غير جنب، وإنما
اغتساله سنة لما قال مالك أنهم لا يتطهرون من النجاسة في أبدانهم .
*
باب : الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم
فيه: عائشة أنها قالت: (( أُصيب سعد يوم الخندق في الأكحل ،
فضرب الرسول 18 خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلم يرعهم -
وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل ( إليها ) (١) . فقال : يا
أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يَغْذُو جرحه دمًا ،
فمات منها )) .
قال المهلب : فيه جواز سكنى المسجد للعذر .
وفيه : أن السلطان أو العالم إذا شق عليه النهوض إلى عيادة
/ مريض يزوره ممن يهمه أمره ، أن ينقل المريض إلى موضع يخف عليه [٩٨٥/١-١)
فيه زيارته ويقرب منه .
وفيه : أن النجاسات ليست إزالتها بفرض ، ولو كان فرضًا لحيل
بينها وبين الذريعة إليها ، ولما أجاز الرسول للجريح أن يسكن [في] (٢)
المسجد ، علمنا أن الأمر ليس على الفرض ، وكذلك حين ترك
الأعرابي يبول في المسجد ، وقال : دعوه ، ولو كان حرامًا فرضًا ،
ما قال : دعوه يستديم البول .
وقال صاحب العين : غَذَاَ العِرْقُ يغذو : إذا سال الدم .
(١) من ((الأصل)) و(هـ))، والمعنى: إلى الخيمة - أعني خيمة بني غفار - وفي
المطبوع: ((إليهم)) والمعنى إلى من في الخيمة من بني غفار.
(٢) من (( هـ )).
- ١١١ -

باب : إدخال البعير في المسجد للعلة
وقال ابن عباس : طاف النبي على بعير .
فيه : أم سلمة قالت: (( شكوت إلى رسول الله يعلم أني أشتكي قال:
طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ، فطفت ورسول الله يصلي إلى جنب
البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور )) .
قال المهلب : فيه جواز دخول الدواب التي تؤكل لحومها ،
ولا ينجس بولها المسجد إذا احتيج إلى ذلك ، وأما دخول سائر
الدواب فلا يجوز وهو قول مالك ، وفيه أن راكب الدابة ينبغي له أن
يتجنب ممر الناس ما استطاع ، ولا يخالط الرجالة ، وكذلك ينبغي أن
تخرج النساء إلى حواشي الطرق ، وقد استنبط بعض العلماء من هذا
الحديث طواف النساء بالبيت من وراء الرجال لعلة التزاحم والتناطح ،
قال غيره : طواف النساء من وراء الرجال هي السنة ؛ لأن الطواف
صلاة ومن سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال ، فكذلك
الطواف .
وقوله: (( طوفي وأنت راكبة)) فهو ضرورة ، وقد اختلف العلماء
في الصحيح يطوف راكبًا على ما يأتي في كتاب الحج - إن شاء الله .
باب
فيه : أنس (( أن رجلين من أصحاب الرسول خرجا من عند الرسول
في ليلة مظلمة ، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما ، فلما
افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله )) .
قال المؤلف : إنما ذكر البخاري هذا الحديث في باب أحكام
- ١١٢ -

المساجد - والله أعلم - لأن الرجلين كانا مع الرسول وهو موضع
جلوسه مع الصحابة ، فلما كان معه هذان الرجلان في علم ينشره أو
في صلاة ، أكرمهم الله - تعالى - بالنور في الدنيا ببركة الرسول
وفضل مسجده وملازمته والرجلان هما [ عباد ] (١) بن بشر ، وأُسَيد
ابن حضير .
قال المهلب: و[تلك] (٢) آية للنبي ◌ّله وكرامة له وأنه خص في
الآيات بما لم يخص به من كان قبله ، أن أُعطي أن يُكرمَ أصحابهُ بمثل
هذا النور عند حاجتهم إليه وذلك من خرق العادات ، وكان يصلح أن
يترجم لهذا الحديث باب قوله تعالى : ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما
له من نور ﴾ (٣) يشير إلى أن الآية عامة فيما يحتمل أن يستثبت منها
المعنى، لا سيما وقد ذكر الله النور في المشكاة والزجاجة ﴿في بيوت
أذن الله أن ترفع ﴾ (٤) الآية ، فاستدل أن الله - تعالى - يجعل لمن
يسبح في تلك المساجد نوراً في قلوبهم ، ونورًا في جميع أعضائهم
ونورًا بين أيديهم ومن خلفهم في الدنيا والآخرة ، ومن لم يجعل الله
له نوراً فما له من نور ، فلما خرجا من عند النبي في الليلة المظلمة
أراهم بركة نبيه وكرامته بما جعل الله لهما من النور بين أيديهما
يستضيئان به في ممشاهما مع قوله: (( بشر المشائين في الظلم إلى
المساجد بالنور التام يوم القيامة)). [ فجعل ] (٥) لهم منه في الدنيا ؛
ليزدادوا إيمانًا بالنبي مع إيمانهم ، ويُوقِنَا أن كذلك يكون ما وعدهم الله
من النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة ؛ برهانًا
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عبد الله، خطأ.
(٢) من (( هـ ))، وفي (( الأصل)): ذلك.
(٣) النور : ٤٠ .
(٤) النور : ٣٦.
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): جعل .
- ١١٣ -

لمحمد - عليه السلام - على صدق ما وعد به أهلَ الإيمان الملازمين
للبيوت [ التي ] (١) أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
*
باب : الخوخة والممر في المسجد
فيه: أبو سعيد الخدري قال: خطب الرسول و 98 فقال: ((إن الله خيّر
[٩٨٥/١- ب) عَبْدًا بين الدنيا وبين ما عنده / فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر فقلت
في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ، إن يكن الله خير عبدًا بین الدنیا وبین ما
عنده، فاختار ما عند الله ؛ فكان رسول الله ◌َ# هو العبد ، وكان أبو بكر
أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا ( تبكي ) (٢) إن أمنّ الناس عليّ في صحبته.
وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا ، لاتخذت أبا بكر ،
ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقينّ في المسجد باب إلا سُدَّ إلا بابُ
أبي بكر )) .
وفيه: [ ابن عباس ] (٣) أن نبي الله ◌َيُ قال في مرضه الذي مات فيه
(( ليس من الناس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله ... )) الحديث .
قال المهلب : فيه التعريض بالعلم للناس ، وإن قل فهماؤه ؛ خشية
أن يدخل عليهم مساءة أو حزن .
وفيه : أنه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم ، والحافظ لا يبلغ
درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ عالم بالنص لا بالمعنى والتأويل؛ ألا ترى
أن أبا سعيد جعل لأبي بكر مزية بفهمه ، أوجب له بها العلم حقيقة
وإن كان قد أوجب العلم للجماعة .
(١) في ((الأصل)) و((هـ)): ((الذي)) وهو غير مناسب فأثبت الصواب.
(٢) كذا في ((الأصل)) و (( هـ)) بإثبات الياء.
(٣) من ((هـ )) وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): ابن عمر ، خطأ .
- ١١٤ -

وفيه : أن أبا بكر أعلم الصحابة ؛ لأن أبا سعيد شهد له بذلك
بحضرة جماعتهم ، ولم ينكر ذلك عليه أحد ، ويدل على صحة ذلك
مقامه بعد موت النبي صلى الله عليه ، ووقت ارتداد العرب على بديهة
منه دون أن يطيش له جنان ، أو يختلج له لسان ، وشدة نفسه وثبات
قدمه ، ولذلك حلف أبو هريرة بالله الذي لا إله إلا هو : لولا أبو
بكر الصديق ما عبد الله . وسيأتي تمام هذا المعنى في كتاب الزكاة .
وفيه : الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا والإعلام بمن
اختار ذلك من الصالحين .
وفيه : أن على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه
وماله، والاعتراف له بالمنة ، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشَارَكْ فيها،
كما اختص هو أبا بكر بما لم يخص به غيره ، وذلك أنه جعل بابه في
المسجد ؛ ليخلفه في الإمامة ليخرج من بيته إلى المسجد ، كما كان
الرسول يخرج ، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافة أبي بكر
بعد الرسول ، ودليل على أن المرشح للخلافة يُخَصُّ بكرامة تدل على
ترشحه .
وفيه : دليل أن الخليل فوق الصديق والأخ .
وفيه: استئلاف النفوس بقوله: ((ولكن أخوة الإسلام أفضل)).
فاستألفهم بأن حرمة الخُلَّة بمعنى شامل لهم عنده ، وإن كان قد فضل
أبا بكر بما دل على ترشحه ( للخلافة ) (١) بعده ، وهكذا وقع في
الحديث: ((ولكن خُوَّة الإسلام أفضل)). ولا أعرف معناه وقد
وجدت الحديث في الباب بعده (( ولكن خلة الإسلام أفضل )) ،
وهو الصواب ؛ لأنه عليه السلام صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر
(١) في (( هـ): للأمر.
- ١١٥ -

((الخلالة))، فأتى بلفظ مشتق منها وهو ((الخُلَّة))، ولم أجد ((خُوَّةٌ))
بمعنى (( خُلَّة)) في كلام العرب . وقال أبو سليمان الخطابي : قوله:
((أَمَنَّ)): أسمح بماله وأبذل له ولم يرد به معنى الامتنان ؛ لأن المنة
تفسد الصنيعة، ولا منَّةً لأحد على رسول الله بَّه، بل له المنة على
الأمة قاطبة، و((الَنَّ)) في كلام العرب : الإحسان إلى من لا يستثيبه
قال الله - تعالى -: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾(١).
وقال : ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (٢) أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر
مما أعطيت .
باب : الأبواب والغلق للكعبة والمساجد
قال ابن أبي مليكة لابن جريج : لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها .
فيه: ابن عمر: (( أن نبي الله قدم مكة فدعا عثمان بن طلحة ، ففتح
الباب فدخل الرسول وَل ◌َى، [وبلال](٣)، وأسامة بن زيد، وعثمان بن
طلحة ثم أغلق الباب ، فلبث فيه ساعة ، ثم خرجوا)).
قال المؤلف : اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان
الريب ، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات .
قال المهلب : وإدخال الرسول معه هؤلاء الثلاثة ، لمعان تخص كل
واحد منهم ، فأما دخول عثمان فلخدمته البيت في الغلق والفتح
والكنس ، ولو لم يدخله لغلق بابها ؛ لتوهم الناس أنه عزله ، وأما
بلال فمؤذنه وخادم أمر صلاته ، وأما أسامة فمتولي خدمة ما يحتاج
إليه وهم خاصته ، فللإمام أن يستخص خاصة ببعض ما يستتر به عن
(١) سورة ص : ٣٩.
(٢) المدثر : ٦ .
(٣) من (( هـ ).
-١١٦ - ٠

الناس وأما غلق الباب - والله أعلم - حين صلى في البيت ؛ لئلا
يظن الناس أن الصلاة فيه سنة / فيلزمون ذلك .
[١/ق٩٩-١]
*
باب : دخول المشرك المسجد
فيه: أبو هريرة: (( بعث رسول الله ﴿ خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من
بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد )).
اختلف الفقهاء في دخول المشرك المسجد ، فأجازه أبو حنيفة
والشافعي ، إلا أن الشافعي قال : لا يدخل المسجد الحرام خاصة ،
ويدخل سائر المساجد ، وجوزه أبو حنيفة في المسجد الحرام وسائر
المساجد ، وأجاز ابن محيريز ومجاهد دخول أهل الكتاب في المسجد،
وقال أبو صالح : ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد الحرام إلا.
خائفين، وقال مالك والمزني : لا يدخل المشرك كل مسجد أصلا .
وروي مثله عن عمر بن عبد العزيز . والحجة لهم قوله تعالى :
﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ (١) . ومن تعظيم
الشعائر منع الكافر دخول البيت والمساجد كلها ، وقد اتفقنا على منع
الجنب والحائض من دخول المسجد ؛ لمنعهما من القراءة ، والكافر
أولى بذلك، وحجة من أجاز ذلك حديث ثمامة، وأن الرسول وَلجلد
حبسه في المسجد وهو مشرك .
قال ابن المنذر : في حديث ثمامة دخول المشرك المسجد وإباحة
دخول الجنب فيه وهو أولى بذلك ؛ لأن النبي أخبر أن المسلم ليس
بنجس ومما رواه ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان أن مشركي
(١) الحج : ٣٢.
- ١١٧ -

قريش حين أتوا النبي في فِداء من أُسِرَ منهم ببدر ، كانوا يبيتون في
مسجد الرسول ( فمنهم ) (١) جبير بن مطعم ، فكان جبير يسمع قراءة
الرسول وَل* وجبير مشرك، والحجة على أبي حنيفة في جواز دخوله
في المسجد الحرام قوله تعالى : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد
الحرام بعد عامهم هذا ﴾ (٢) الآية ، وهذا خطاب للمؤمنين أن يمنعوهم
من المسجد الحرام ، وقال أبو حنيفة : معناه لا يقربوه للطواف خاصة،
وقيل : هو عموم وظاهره أن لا يقربوه أصلا .
فإن قال : هو موضع من الحرم فأشبه سائر الحرم في جواز
دخولهم فيه .
قيل : يلزمكم هذا في دخولهم البيت فإن امتنعوا من البيت انتقض
تعليلهم وإن جوزوه فهو قبيح جدًا ، وقد أمر الله - تعالى - بتعظيم
شعائره وذلك يوجب منعهم منه .
باب : رفع الصوت في المسجد
فيه السائب بن زيد قال: (( كنت قائمًا في المسجد ، فحصبني رجل ،
فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال : اذهب ائتني بهذين ، فجئته بهما.
فقال : من أنتما - أو من أين أنتما - ؟ قالا : من أهل الطائف . قال : لو
كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول
.“ 山
وفيه : کعب « أنه تقاضی ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد
رسول الله في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وكليتي
(١) في (( هـ)): فمنع، كذا وهو خطأ.
(٢) التوبة : ٢٨ .
- ١١٨ -

وهو في بيته ، فخرج إليهما حتی کشف سجف حجرته ، ونادى : یا کعب
ابن مالك . قال : لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن ضع الشطر من
دینك . قال کعب : قد فعلت یا رسول الله . قال رسول الله: قم فاقضه)).
قال بعض الناس : أما إنكار عمر رفع الصوت في المسجد فيدل
أنهم رفعوا أصواتهم فيما لا يحتاجون إليه من اللغط الذي لا يجوز
في المسجد ، ولذلك بنى عمر البطحاء خارج المسجد ؛ لينزهه عن
الخنا والرفث ، فسألهم إن كانوا من أهل البلد ممن تقدم العلم إليهم
بإنكار رفع الصوت في اللغط فيه ، فلما أخبراه أنهما من غير البلد
عذرهما بالجهل .
وأما ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد في المسجد، فلما كان على
طلبٍ حقٍ واجبٍ ، لم يغيرّ الرسول ذلك عليهم ، ولو كان لا يجوز
رفع الصوت فيه في حق ولا غيره لما ترك النبي - عليه السلام - بيان
ذلك إذ هو مُعَلِّم ، وقد فرض الله - تعالى - عليه ذلك .
وأما مذاهب العلماء في ذلك ، فذهب مالك وطائفة أنه لا يرفع
الصوت في المسجد في العلم ولا غيره . قال مالك : ولقد أدركت
الناس قديمًا يعيبون ذلك على بعض من يكون ذلك محله ، وما للعلم
ترفع فيه الأصوات ، إني / لأكره ذلك ، ولا أرى فيه خيرًا رواه ابن [٩٩٥/١ -ب]
عبد الحكم عنه ، وقال [ محمد ] (١) بن مسلمة في المبسوط : لا بأس
برفع الصوت في المسجد في الخبر يخبرونه والخصومة تكون بينهم ،
ولا بأس بالأحداث التي تكون بين الناس فيه من الشيء يعطونه وما
يحتاجون إليه ؛ لأن المسجد مجتمع للناس فلابد لهم مما يحتاجون إليه
من ذلك ، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في المسجد .
(١) من ((هـ)).
- ١١٩ -

ذكر ابن أبي خيثمة قال : حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان
ابن عيينة قال : مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد وقد
ارتفعت أصواتهم . فقلت : يا أبا حنيفة هذا في المسجد والصوت
لا ينبغي أن يرفع فيه ، فقال : دعهم فإنهم لا يفهمون إلا بهذا .
باب : الحلق والجلوس في المسجد
فيه : ابن عمر قال: (( سأل رجل النبي ◌َل ره - وهو على المنبر - ما ترى
في صلاة الليل ؟ قال : مثنى مثنى ، وقال مرة : إن رجلا نادى النبي وهو
في المسجد )) .
وفيه : أبو واقد الليثي: (( بينما الرسول في المسجد فأقبل ثلاثة نفر،
فأقبل اثنان إلى رسول الله وذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى فرجة في
الحلقة فجلس ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الآخر فأدبر
(ذاهبًا)(١) ، فلما فرغ رسول الله قال : ألا أخبركم عن الثلاثة ؛ أما
أحدهم فأوى إلى الله ، فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله
منه، وأما الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه )) .
أجمع العلماء على جواز التحلق والجلوس في المسجد لذكر الله
تعالى وللعلم .
قال المهلب : وشبه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد
حول الرسول وَّ وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم
وفيه : أن الخطيب إذا سئل عن أمر الدين أن له أن يجاوب من سأله
ولا يضر ذلك خطبته : .
(١) ليست في ((هـ))، ولا النسخة السلطانية.
٠ - ١٢٠ -