Indexed OCR Text
Pages 81-100
واستخرجوا منه الغصن ، وإذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها لبناء مسجد أو غيره أولى . فإن قيل : فهل يجوز أن يبنى المسجد على قبور المسلمين ؟ وهل يدخل ذلك في معنى لعنة اليهود لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد ؟ قيل : لا يدخل في ذلك الافتراق المعنى ؛ وذلك أنه عليه السلام أخبر أن اليهود يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بعبادتهم ، وقد نسخ الله جميع المعبودات بالإسلام والتوحيد ، وأمر بعبادته وحده لا شريك له . قال غيره : والقبور التي أمر النبي بنبشها لبناء المسجد كانت قبوراً لا حرمة لأهلها ؛ لأن العرب هنالك لم يكونوا أهل كتاب فلم يكن لعظامهم حرمة ، ولو كانوا أهل كتاب لم تنبش ؛ لأنهم ماتوا قبل الإسلام فهم على أديان أنبيائهم لهم حرمة الإيمان بأنبيائهم ، وهم والمسلمون سواء ، وكذلك أهل الذمة اليوم من اليهود والنصارى ، لا يجوز نبش قبورهم لاتخاذ مسجد ولا غيره . فإن لم يكونوا أهل ذمة وكانوا أهل حرب واحتيج إلى موضع قبورهم فلا بأس بنبشها إن كانت قبرت بعد الإسلام ، وإن كانت قديمة قبل الإسلام فلا يجوز ذلك لما قلنا إن لهم حرمة الإسلام بأنبيائهم ، إلا أن يعلم أنهم لم يكونوا أهل كتاب . وأجاز أكثر الفقهاء نبش قبور المشركين طلبًا للمال ، وهذا قول أشهب وقال : ليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء ، وهو مأجور في فعل ذلك بالأحياء منهم . وقال مالك في المدونة : أكرهه وليس بحرام . وقال ابن القاسم : لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عَفَتْ ، فبنى قوم - ٨١ - عليها مسجدًا لم أر بذلك بأسّاً ، وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه على بعض وينقل بعضه إلى بعض، فمعناه أن المقابر هي وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد تملكها ، فإذا عفت ودثرت واستغني عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد ؛ لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد كما لا يجوز تملك المقبرة فنقلها إذا دثرت إلى المسجد معناهما واحد في الحكم . وقوله: ((فأولئك شرار الخلق عند الله)) . فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد ، وعن فعل التصاوير . قال المهلب : وإنما نهي عن ذلك - والله أعلم - قطعًا للذريعة ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة ؛ ولذلك نهى عُمر أنسًا عن الصلاة إلى القبر ، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه منة أو يسرة ، ولما لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة . باب : الصلاة في مرابض الغنم فيه: أنس قال: ((كان نبي الله وَليل يصلي في مرابض الغنم. ثم سمعته بعد يقول : كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد )) . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال : لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها وأبعارها . وممن روينا عنه إجازة الصلاة في مرابض الغنم : عبد الله بن عمر ، [١/ ٩٣٥-١] وجابر بن سمرة، ودخل أبو ذر زرب غنم فصلى فيه، وعن / الزبير - ٨٢ - أنه صلى في مراح الغنم وهو يجد مكانًا غيره ، وصلى ابن عمر ( في رتق - في أخرى - : ) (١) في دِمَن الغنم ، وروي ذلك عن [الحسن] (٢) وابن سيرين وعطاء، وصلى النخعي في دمنة الغنم ، وهذا الحديث مع ما ذكرنا من أقوال السلف حجة على الشافعي ومن قال بقوله ؛ لأن قول أنس كان نبي الله وَلا يصلي في مرابض الغنم ولم يخص مكانًا من مكان، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من أبعارها وأبوالها يدل أن الصلاة مباحة على ذلك ويدل أن أبوالها وأبعارها طاهرة . قال ابن المنذر : والصلاة أيضًا جائزة في مراح البقر استدلالا بقوله صلى الله عليه: (( أينما أدركتك الصلاة فصلّ)). وهو قول عطاء ومالك وجماعة . باب : الصلاة في مواضع الإبل فيه: ابن عمر: (( أنه كان يصلي إلى بعيره فقال: رأيت الرسول وليه يفعله )) . اختلف العلماء في هذا الباب فكره مالك والشافعي الصلاة في أعطان الإبل . وقال ابن القاسم : لا بأس بالصلاة فيها إن سلمت من مذاهب الناس . وقال أصبغ : من صلى فيها أعاد في الوقت . وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن الصلاة في أعطان الإبل مكروهة حتى غلا بعضهم في ذلك فأفسد الصلاة ، واحتجوا بما رواه يونس عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل أن نبي الله قال : (( صلوا (١) ليس في (( هـ )). (٢) من (( هـ ). - ٨٣ - في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل )) . وبما روى أبو معاوية، عن الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله - مولى بني هاشم، وكان ثقةً، وكان الحكم يأخذ عنه - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء بن عازب ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ((لا تصلوا في مبارك الإبل وصلوا في مرابض الغنم)) . وخالفهم آخرون فأجازوا الصلاة في أعطان الإبل، واحتجوا بأن الآثار التي جاءت بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها والسبب الذي من أجله كان النهي ، فقال قوم : إنما ذلك ؛ لأن من عادة أصحاب الإبل التغوط بقربها ( فتنجس ) (١) أعطانها ، ومن عادة أصحاب الغنم ترك التغوط بينها . وروي عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسر الحديث بهذا . وقال يحيى بن آدم : ليس العلة عندي هذه ، وإنما هي لما يخاف من وثوبها ، وعطب من تلاقي حينئذٍ، ألا تراه يقول: (( فإنها جن خلقت من جنّ)) وقال في حديث رافع بن خديج : (( إن لهذه الإبل أَوَابِدَ كأوابد الوحش)) . وهذا غير مخوف من الغنم ، فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك لا لنجاسة ، وقد ثبت حديث ابن عمر أن نبي الله وَّر ((كان يصلي إلى بعيره)). فعلم بذلك أنه لم يَنْهَ عن الصلاة في أعطان الإبل ؛ لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها ، واحتمل أن تكون الكراهية لعلة ما يكون في معاطنها من أروائها وأبوالها ، فنظرنا في ذلك فرأينا مرابض الغنم كل قد أجمع على جواز الصلاة فيها وكان حكم أبوال الإبل وأروائها كحكم أبوال الغنم وأروائها لا فرق بين ذلك في نجاسة وطهارة ؛ لأن من جعل (١) في (( هـ )): فينجسون . - ٨٤ - أبوال الإبل طاهرة جعل أبوال الغنم كذلك ، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك ، فلما [ أبيحت ] (١) الصلاة في مرابض الغنم في الحديث الذي نهي فيه عن الصلاة في أعطان الإبل ثبت أن النهي عن ذلك ليس لعلة نجاسة ما يكون منها ، فإن كان لما قاله شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول عطنًا كان أو غيره ، وإن كان لما قاله يحيى فإن الصلاة مكروهة بحيث يخاف على النفوس ، عطنًا كان أو غيره ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما من طريق النظر فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة ، وإنما اختلفوا في الإبل فرأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها ، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها ، فكان يجيء في حكم النظر أن يكون [حكم] (٢) الصلاة في مواضع الإبل كهو في مواضع الغنم قياسًا ونظرًا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . باب: من صَلَّى وقُدََّمَهُ تتّور أو نار أو شيء مما یعبد فأراد به وجه الله وقال أنس: قال الرسول ◌َلجر: ((عرضت عليّ النار وأنا أصلي)). / فيه: ابن عباس: ((انكسفت الشمس فصلى نبي الله وَلو ثم قال: (٩٣٥/١ -ب] أُرِيتُ النارَ فلم أر منظراً كاليوم قَطُّ أَنْظَعِ )). الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله - تعالى - والسجود لوجهه خالصًا ، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها كما لم يضر الرسول ما رآه في قبلته من النار . (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أبيح. (٢) من ( هـ)). - ٨٥ - وقال أشهب في المجموعة : وإن صلى إلى قبلة فيها تماثيل لم يُعِدْ، وهو مكروه . باب: [ كراهية] (١) الصلاة في المقابر فيه: ابن عمر: قال نبي الله ◌َالحجر: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً » . اختلف العلماء في الصلاة في المقبرة ، فروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ، وروي عن عطاء ، والنخعي ، وبه قال أبو حنيفة، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، واختلف فيه قول مالك فروى عنه أبو المصعب أنه قال : لا أحب ذلك . وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا بأس بالصلاة فيها . وكل من كره الصلاة من هؤلاء لا يرى على من صلى فيها إعادة . وقال أهل الظاهر : لا تجوز الصلاة في المقبرة . قال ابن المنذر : وحجة الذين كرهوا ذلك قول الرسول : (( اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا)). وفي قوله هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة ، وسيأتي ما قيل في هذا المعنى في آخر كتاب الصلاة في باب : التطوع في البيت - إن شاء الله . وحجة من أجاز الصلاة فيها قوله عليه السلام: (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً ؛ فأينما أدركتني الصلاة صليت )) فلم يخص موضعًا من موضع ، فهو عام في المقبرة وغيرها . (١) من (( هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): كراهة . - ٨٦ - قال مالك : وقد بلغني أن بعض أصحاب رسول الله كان يصلي في المقابر. وحكى ابن المنذر أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة غير أنه كان لا يستتر بقبر ، وصلى الحسن البصري في المقابر . باب : الصلاة في مواضع الخسف والعذاب ويُذكر أن عليّا كره الصلاة بخسف بابل . فيه: ابن عمر: أن نبي الله وسلم قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باکین فإن لم تکونوا با کین فلا تدخلوا علیھم ، لا يصيبكم ما أصابهم )) . قال المهلب : إنما هذا من جهة التشاؤم بالبقعة التي نزل بها سخط الله يدل على ذلك قوله : ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾ (١) . فوبخهم تعالى على ذلك ، وكذلك تشاءم عليه السلام بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى ، فكراهية الصلاة في موضع الخسف أَوْلَى ، إلا أن إباحة الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد صلاته ؛ لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع وخشوع واعتبار ، فإن صلى هناك غير باك لم تبطل صلاته ، ( وذكر ) (٢) بعض ( أهل ) (٣) الظاهر أن من صلى في الحجر - بلاد ثمود - وهو غير باك ، فعليه سجود السهو إن كان ساهيًا ؛ وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وكذلك من صلى في موضع مسجد الضرار ، وهذا [خُلْف](٤) (١) إبراهيم : ٤٥ . (٣) في (( هـ )) : أصحاب . (٢) في (( هـ)): زعم . (٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): خلفا. - ٨٧ - من القول [ لا خفاءَ ] (١) بسقوطه ، إن كان لا يجوز عنده فيه صلاة من تعمد ترك البكاء ، فكيف أجاز صلاة الساهي بعد سجود السهو ، وإسقاط الواجبات لا تجبر بسجود السهو عند العلماء ، وهو تخليط منه ، فقد بين الرسول وي38 في الحديث معنى نهيه عن دخول مواضع الخسف لغير الباكي وهو قوله : (( لا يصيبكم مثل ما أصابهم )» وليس في هذا ما يدل على فساد صلاة من لم يبك ، وإنما فيه خوف نزول العذاب به ، وتسويته بين الصلاة في موضع مسجد الضرار بالصلاة في موضع الخسف ليس في هذا الحديث ، وهو قياس فاسد منه ، وهو لا يقول بالقياس ، فقد تناقض . باب : الصلاة في البيعة وقال عمر : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل . [١/ق٩٤-١] / فيه: عائشة: (( أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﴾ ﴾ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها : مارية . فذكرت له ما رأت فيها من الصور . فقال رسول الله : أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح - أو الرجل الصالح - بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله )) . وفيه: عائشة وابن عباس: (( أن نبي الله وَ الفر قال عند موته : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . يحذر ما صنعوا )). وفيه : أبو هريرة بمثل معناه . (١) في ((الأصل)): ((لا حَفِي)) وفي ((هـ)): ((الاخفاء)) والأصوب ما أثبت . - ٨٨ - اختلف العلماء في الصلاة في البيع والكنائس فكره عمر ، وابن عباس الصلاة فيها من أجل الصور ، وروي عن عمر بن الخطاب قال: انضحوها بماء وسدر وصلوا . وهو قول مالك . ذكر إسماعيل بن إسحاق عن مالك قال : أكره الصلاة في الكنائس لما يصيب فيها أهلها من لحم الخنازير والخمور وقلة احتياطهم من النجس ، إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر ، إلا أن يتيقن أنه لم يصبها نجس ، وكره الصلاة فيها الحسن ، وأجاز الصلاة فيها النخعي ، والشعبي ، وعطاء ، وابن سيرين ، ورواية عن الحسن وهو قول الأوزاعي ، وصلى أبو موسى الأشعري في كنيسة يوحنا بالشام . وقال المهلب : هذا الباب غير معارض للباب الذي قبله باب (( من صلى وُقُدََّمَهُ نار أو تنور)). وقول [عمر] (١)، وابن عباس: (( إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور)» ، فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعوه إليه ، والاختيار أن لا يبتدئ فيها الصلاة ولا إلى شيء من معبودات الكفار ؛ ألا ترى أن الرسول عينت له النار في صلاة الخسوف ولم يبتدئ الصلاة إليها وتمت صلاته . * باب : قول النبي : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فيه: جابر قال نبي الله وَله: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل )) . الحديث يدل أن هذه الأبواب المتقدمة المكروه الصلاة فيها ليس ذلك على التحريم والمنع ؛ لأن الأرض كلها مباحة الصلاة فيها بكونها له (١) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): ابن عمر، وهو خطأ، إنما قائل هذا هو عمر كما ذكره البخاري في صدر الباب . - ٨٩ - مسجدًا ، فدخل في عمومها الكنائس والمقابر ومرابض الإبل وغيرها إذا كانت طاهرة ، وهذا مما خص به نبينا - عليه السلام - أن أباح الله له جملة الأرض للصلاة ، والاختيار ألا يبدأ بهذه المواضع المكروهة إلا عن ضرورة ، فهو أخلص للصلاة وأنزه لها من الخواطر . باب : نوم المرأة في المسجد فيه: عائشة: (( أن وليدة كانت سوداءَ لحَيٌّ من العرب ، فأعتقوها فکانت معهم قالت : فخرجت صبيّة لھم علیها وشاح أحمر من سیور ، قالت : فَوَضَعَتْهُ - أو وقع منها - فمرت حُدِيّاة وهو مُلْقَىَ ، فحسبته لحمًا فخطفته . قالت : فالتَمسوهُ فلم يجدوه . قالت : فاتهموني به . قالت : فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قُبلَها . قالت : والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحُديّاة فألقته، قالت : فوقع بينهم. قالت : قلت : هذا الذي اتهمتموني به ، زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو ، قالت : فجاءت إلى رسول الله ﴿ فأسلمت ، قالت عائشة : فكان لها خباء في المسجد - أوحفْش - فکانت تأتيني فتحدّثُ عندي ، قالت : فلا تجلس عندي مجلسًا إلا قالت : ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكُفْرِ أنجاني)» . قال المهلب : فيه [ أنه ] (١) من لم يكن له مسكن ولا مكان مبيت أنه يباح له المبيت في المسجد واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن ، امرأةً كانت أو رجلا . وفيه : أن السنة الخروج من بلدة جرت فيها فتنة على الإنسان تشاؤمًا (١) من (( هـ)). - ٩٠ - بمكان المحن ، ودليل هذا قوله تعالى : ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ (١) ، فالواجب على كل من أدركته ذلة أو جرت عليه محنة أن يخرج إلى ما وسع الله عليه من الأرض فإن له في ذلك خيرَهُ، وربما كان الذي جرى عليه من المحنة سببًا أراد الله به إخراجه من تلك البلدة لخير قدره له في غيرها كما قدر لهذه السوداء، ألا ترى تمثلها بهذا المعنى في بيت الشعر الذي أنشدته فجعلت المحنة والذلة / في يوم الوشاح هما ( الذي ) (٢) أنجياها من الكفر؛ إذ كانا سببًا [٩٤٥/١-ب] لذلك . والوشاح عند العرب خيطان من لؤلؤ مخالف بينهما تتوشح به المرأة، والرجل يتوشح بثوبه تشبيهًا بالوشاح ، وشاة موشحة إذا كانت ذات خطتين ، والسير : الشراك ، والجمع : سيور . من العين . والحفْشُ : البيت الصغير . من العين أيضًا . باب : نوم الرجال في المسجد وقال أنس: قدم رهط من عكل على النبي # فكانوا في الصفة . وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : كان أصحاب الصفة فقراء . فيه : ابن عمر : (( أنه كان ينام وهو شاب أعزب - لا أهل له - في مسجد النبي - عليه السلام)) . وفيه : سهل بن سعد: (( أن عليًا غاضب فاطمة فخرج ولم يَقلْ عندها، فجاء المسجد فرقد فيه، فطلبه رسول الله وَل﴾ [فجاءه ] (٣) وهو (١) النساء : ٩٧ . (٢) كذا في (( الأصل))، و(هـ)). (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فجاء. - ٩١ - مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب ، فجعل رسول الله مسحه عنه ويقول : قُم أبا تراب )) . قال المهلب : في هذا الباب من الفقه : جواز سكنى الفقراء في المسجد وجواز النوم فيه لغير الفقراء . وقد اختلف العلماء في ذلك ، فممن رخص النوم في المسجد ابن عمر، وقال: كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله وَخلاله. وعن سعيد بن المسيب، [ والحسن البصري ] (١) ، وعطاء ، وابن سيرين مثله ، وهو قول الشافعي ، واختلف عن ابن عباس ، فروي عنه أنه قال: لا تتخذوا المسجد مرقدًا . وروي عنه أنه قال : إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس . وقال مالك : لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد ، وسَهَّل فيه للضعيف ولمن لا منزل له ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقال مالك : وقد كان أضياف الرسول يبيتون في المسجد ، وكره النوم في المسجد : ابنُ مسعود ، وطاوسُ ، ومجاهدُ ، وهو قول الأوزاعي . وقول من أجاز النوم فيه للغرباء وغيرهم أَوْلى لأحاديث هذا الباب، وقد سُئل سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار عن النوم في المسجد ، فقالا : كيف تسألون عنها وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد . وذكر الطبري عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان نائمًا في · المسجد ليس حوله أحد ، وهو أمير المؤمنين . قال : وقد نام في المسجد جماعة من السلف. قال الطبري : فغير محذور الانتفاع بالمساجد في ما يحل: كالأكل والشرب والجلوس وشبه النوم من الأعمال. (١) من (( هـ)). - ٩٢ - وقال الحربي : الصفة في مسجد الرسول موضع مظلل يأوي إليه المساكين . وفي حديث سهل من الفقه : الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه ولا يكرهه ؛ بل يؤنسه من حرجه . وفيه : مداراة الصهر و( تسلية ) (١) أمره من عتابه . وفيه : جواز التكنية بغير الولد . وفيه : أن الملابس كلها يحاول بها ستر العورة وأنه لا ملبس لمن بدت عورته . * باب : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين فيه: أبو قتادة أن نبي الله وَغير قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس )) . اتفق جماعة ( أهل ) (٢) الفتوى على أن تأويل هذا الحديث محمول على الندب والإرشاد مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد ، وهو طاهر ، في وقت تجوز فيه النافلة . قال مالك : ذلك حسن وليس بواجب . وأوجب ذلك أهل الظاهر فرضًا على كل داخل في وقت تجوز فيه الصلاة ، وقال بعضهم : ذلك واجب في كل وقت ؛ لأن فعل الخير لا يُمنع منه إلا بدليل لا معارض له . قال الطحاوي: وحجة الجماعة أن رسول الله وَ ال أمر سُلَيْكًا حين (١) من ((الأصل))، و((هـ))، وكتب على هامش الأصل بخط مغاير: ((تسهيل)) وأمامه (( ح )). (٢) في (( هـ)): أئمة . - ٩٣ - جاء يوم الجمعة وهو يخطب أن يركع ركعتين ، وأمر مرةً أخرى رجلا رآه يتخطى رقاب الناس بالجلوس ولم يأمره بالركوع. حدثنا [بَحْر] (١) بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن بسر قال: (( جاء رجل يتخطى رقاب الناس في يوم الجمعة فقال له رسول الله: اجلس فقد آذيت وآنيت)). فهذا يخالف حديث سليك ، واستعمال الأحاديث هو على ما تأولها عليه جماعة الفقهاء . قال الطحاوي : وأما قول من قال من أهل الظاهر أن عليه أن يركع في كل وقت دخل المسجد فهو خطأ ؛ لنهيه عليه السلام عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وغير ذلك من الأوقات المنهي عنها [٩٥٥/١-١] / فمن دخل المسجد في هذه الأوقات فليس بداخل في أمره بالركوع · عند دخوله في المسجد ، وإنما يدخل في أمره بذلك كل من لو كان في المسجد قبل ذلك [ فأراد الصلاة ، كان له ذلك ، فأما من لو كان في المسجد قبل ذلك ].(٢) لم يكن له أن يصلي ، فليس بداخل في ذلك. وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون في المسجد ولا يركعون ، فروى ابن أبي شيبة عن عبد العزيز (الدراوردي ) (٣) عن زيد بن أسلم قال: كان [ كبار ] (٤) أصحاب رسول الله وَ * يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون . قال زيد : وقد رأيت ابن عمر يفعله ، وذكر ذلك مالك عن زيد بن ثابت وسالم بن عبد الله ، وكان القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي وفعله الشعبي ، وقال جابر بن زيد : إذا دخلت مسجدًا فصل فيه فإن لم تصل فيه فاذكر الله فكأنك قد صليت . (١) بالباء الموحدة المفتوحة، والحاء المهملة الساكنة، والراء ، وهو ابن نصر بن سابق الخولاني ، أبو عبد الله المصري ، يروي عن ابن وهب ، وعنه الطحاوي، له ترجمة في ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٦/٤)، وأكثر عنه الطحاوي في ((شرح معانى الآثار)) وغيره، وجاء في ((الأصل)) و( هـ)): ( يحيى)) وهو تحريف. (٢) من ((هـ)) وهو في (شرح المعاني)) (٣٧١/١) .. (٣) في (( الأصل)) : بن الدراوردي . (٤) من (( هـ ). - ٩٤ - باب : الحدث في المسجد فيه: أبو هريرة أن نبي الله وَل﴾ قال: (( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ». قال المهلب : معنى هذا الباب أن الحدث في المسجد خطيئة يُحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاؤهم المرجو بركته ، ويدل على ذلك قول الرسول: (( النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) . فلما كان للنخامة كفارة قيل للمتنخم : تمادى في ( المسجد ) (١) في صلاتك وابق فيه مَدعُوًا لك ، ولما لم يكن للحدث في المسجد كفارة ترفع أذاه كما رفع الدفن أذى النخامة لم ( يتمادى ) (٢) الاستغفار له ولا الدعاء ، وجب زوال الملائكة عنه لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة - والله أعلم . قال المؤلف : فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها الله عنه بغير تعب فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له ، فهو مرجو إجابته لقوله : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (٣). وقد أخبر عليه السلام أنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ، وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد في مصلاه دائمًا أبدًا ما دام قاعدًا فيه فهو أحرى بالإجابة ، وقد شبه صلى الله عليه انتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط وأكد ذلك بتكراره مرتين بقوله: « فذلكم الرباط)» . فعلى كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة أن يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحًا . (١) في (( هـ)): المجلس . (٢) كذا في ((الأصل))، و(( هـ). (٣) الأنبياء : ٢٨ . - ٩٥ - وقد اختلف السلف في جلوس المُحْدِثِ في المسجد فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً ، وعن علي بن أبي طالب مثله وروي ذلك عن عطاء ، والنخعي ، وسعيد بن جبير . وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوءٍ سعيدٌ بن المسيب، والحسن البصري وقالا : يمر مارًا ولا يجلس فيه . باب : بنيان المسجد وقال أبو سعيد الخدري : كان سقف المسجد من جريد النخل [وأَمَرَ] (١) عمر ببناء المسجد وقال: أَكن الناسَ من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وقال أنس : يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً . وقال ابن عباس : لتزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى . فيه: ابن عمر: ((أن المسجد كان على عهد رسول الله ﴾ ﴾ مبنيًا باللبن ، وسقفه الجرید ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا ، وزاد فيه عمر زيادةً وبناه على بنيانه في عهد رسول الله باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشباً ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادةً كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج » . قال المؤلف : جاءت الآثار عن الرسول وعن السلف الصالح بكراهية تشييد المساجد وتزيينها ، وروى حبيب بن الشهيد عن الحسن قال: (( لما بني المسجد قالوا : يا رسول الله، كيف نبنيه ؟ قال : ليس (١) من الصحيح المطبوع (٦٤٢/١ - فتح) وقول أبي سعيد طرف من حديثه في ذكر ليلة القدر ، وأَمْر عمر طرف من قصة في ذكر تجديد المسجد النبوي، وجاء في ((الأصل)) و (( هـ)): ((فأمر)، وهو يوهم باتحاد القصتين، وليس بصواب. - ٩٦ - رغبة عن أخي موسى ، عريش كعريش موسى)) . وروى سفيان [عن](١) أبي فزارة عن يزيد بن الأصم أن رسول الله وَلٍ قال: ((ما أمرت بتشييد المساجد )). وقال أبيّ : إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم ؛ فالدمار عليكم. وقال ابن عباس: / أمرنا أن نبني المساجد [ حما ] (٢) والمدائن [٩٥٥/١-ب] شرفًا . وقال مجاهد : نهينا أن نصلي في مسجد مشرف . وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب تدل أن السنة في بنيان المساجد : [ القصد ] (٣)، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها؛ ألا ترى أن عمر قال للذي أمره ببناء المسجد: ((أَكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)) . ويمكن أن يفهم هذا عمر من رد الرسول الخميصة إلى أبي جهم حين نظر إلى أعلامها في الصلاة، وقال: (( أخاف أن تفتنني )). وكان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه ومكنه من المال فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ثم جاء الأمر إلى عثمان ، والمال في زمانه أكثر فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقَصَّةٌ ، وسقفه بالساج مكان الجريد ؛ فلم يُقَصِّرْ هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول بكراهة (١) سفيان هو الثوري، وأبو فزارة هو راشد بن كيسان ، يروي عن يزيد بن الأصم، له ترجمة في ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٣/٩) وجاء في ((الأصل)) و (( هـ)) : (( بن)) وهو تصحيف . (٢) من (هـ))، وفي ((الأصل)): حنا وأثبت الأقرب، ولم أجد هذا الأثر. (٣) من ((هـ)) وهو بمعنى الاعتدال، وهو ضد الغلو، وفي ((الأصل)): القصر وهو تحريف . - ٩٧ - ذلك ، وليقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية ، والزهد في معالي أمورها وإيثار البلغة منها . روى برد أبو العلاء (١) عن القاسم بن عبد الرحمن قال: ((جمعت الأنصار مالا فقالوا يا رسول الله : ابن بهذا المسجد فقال: إذًا يعجب ذلك المنافقين)) . فدل هذا الحديث أن المؤمنين لا ينبغي أن يعجبهم ذلك. باب : التعاون في بناء المسجد وقول الله : ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ (٢) الآية. فيه : عكرمة: (( أن ابن عباس قال له ولابنه : انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه فاحتبى به ، ثم أنشأ ( فحدثنا ) (٣) حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنةً لبنةً وعمار لبنتين لبنتين فرآه نبي الله ما فنفض التراب عنه ، وقال : ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن )) . التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال ؛ لأن ذلك مما يجري للإنسان أجره بعد مماته ، ومثل ذلك حفر الآبار وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها . قال المهلب : وفي هذا الحديث بيان ما اختلف فيه من قصة عمار وقوله: (( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) . إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارًا ليدعوهم إلى الجماعة ، وليس (١) هو بُرْد بن سنان الدمشقي أبو العلاء، نزيل البصرة. (٣) في ((هـ )) : يحدثنا . (٢) التوبة : ١٧ . - ٩٨ - يصح في أحد من الصحابة ؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل، لأنهم أصحاب رسول الله وَ ل الذين أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل فقال تعالى : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ (١). قال المفسرون : هم أصحاب رسول الله . وقد صح أن عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة الرسول (( لا تجتمع أمتي على ضلال)). وفيه : أن عمارًا فهم عن الرسول أن هذه الفتنة في الدين يستعاذ بالله منها ، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور هو أم مأزور إلا بغلبة الظن ، ولو كان مأجوراً ما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث الذي روي (( لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها حصاد المنافقين )) .. وقول عكرمة عن أبي سعيد (( فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ فحدثنا)) فيه أن العالم له أن يتهيأ للحديث ويجلس له جلسته . وفيه : أن الرجل العالم يبعث ابنه إلى عالم آخر ليتعلم منه لأن العلم لا يحوي جميعه أحد ولا يحيط به مخلوق . وفيه : أن أفعال البر للإنسان أن يأخذ منها ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين ، فاستحق بذلك كرامةً من الرسول في نفضه عنه الغبار وذكر فضيلته التي تأتي في الزمن الذي بعده . وفيه : علامة النبوة لأنه عليه السلام أخبر بما يكون فكان كما قال. (١) آل عمران : ١١٠ . - ٩٩ - باب : الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر و[المسجد ] (١) و فيه: سهل بن سعد قال: (( بعث رسول الله وَل﴿ إلى امرأة قال: مَري غلامك النجار ليعمل لي أعوادًا أجلس عليهن )) . وقال جابر: قالت امرأة: (( يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد [١/ ٩٦٥-١] عليه / فإن لي غلامًا نجارًا؟ قال: إن شئت، [فعملت] (٢) المنبر)). فيه : الاستعانة بأهل الصناعات والمقدرة في كل شيء يشمل المسلمين نفعه ، وأن المبادر إلى ذلك مشكور له فعله . فإن قيل : فإن حديث سهل يخالف معنى حديث جابر ، وذلك أن في حديث سهل أن الرسول سأل المرأة أن تأمر عبدها بعمل المنبر ، وفي حديث جابر أن المرأة سألت النبي ◌َّ ذلك . قيل : يحتمل أن تكون المرأة بدأت النبي بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر ، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها ، أمكن أن يبطئ الغلام بعمله، فتعلقت نفس الرسول به فاستنجزها إتمامه و[ إكمال ] (٣) عدتها، إذ علم عليه السلام طيب نفس المرأة بما بذلته من صنعة غلامها ، وقد يمكن أن يكون إرساله عليه السلام إلى المرأة ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام في الأعواد وأن يكون ذلك منبراً . وفيه : أنه من وعد غيره بعَدة أنه يجوز استنجازه فيها وتحريكه في: إتمامها . ٤٠ (١) من (( هـ)). (٢) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): عملت. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أكمل. - ١٠٠ -