Indexed OCR Text

Pages 61-80

عمر ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، والنخعي ، وهو
قول أبي حنيفة وأصحابه ، والأوزاعي ، إلا أن أبا حنيفة قال : إن كان
ذلك أول ما عرض له فليستأنف صلاته ولا يتحّر ، وإن وقع له كثيرًا
تحرّی .
وذهبت طائفة إلى / أن معنى قوله: (( فليتحّرِ الصواب)) البناء على (٨٩٥/١-١]
اليقين كقوله وسلم في حديث أبي سعيد الخدري: ((إذا شك أحدكم
فلم يدر أصلّى ثلاثًا أم أربعًا فليصل ركعة ثم يسجد سجدتين وهو
جالس ، فإن كانت تلك الركعة خامسةً شفعها بالسجدتين ، وإن
كانت رابعةً كانتا ترغيمًا للشيطان)) . رواه سليمان بن بلال ، عن
عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، رُوي هذا القول عن علي
ابن أبي طالب ، وابن عمر ، وعن سالم ، والقاسم ، والحسن ،
ومكحول، وهو قول مالك ، والشافعي .
قال ابن القصار : والحجة لهذا القول أن التحري عندنا هو القصد
إلى الصواب وطلبه حتى يكون البناء على اليقين ، ألا تراه عليه السلام
قال: (( لا يتحر أحدكم بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها)) أي :
لا يقصد ذلك ، والتحري رجوع إلي اليقين ؛ ألا ترى أنه لو شك هل
صلى أم لا رجع إلى يقينه وصلى ، ولو شك في صلاة من يوم وليلة
لا يدري أيما صلاة هي لم يجزئه التحري ورجع إلى يقينه فصلى
خمس صلوات ، فكان النظر على هذا أن يكون كذلك في كل شيء
من صلاته وعليه أن يأتي به ليؤدي صلاته بيقين فكان حديث أبي سعيد
تفسيراً لحديث ابن مسعود .
وقال الكوفيون: قوله (( فليتحر الصواب)) يوجب العمل بالتحري
وإلا انتفى الحديث ، والواجب العمل بالأحاديث واستعمالها . ووجه
- ٦١ -

استعمال التحري إذا كان له رأيان أحدهما أغلب في قلبه من الآخر
عمل به ويجزئ ذلك ، وإذا لم يكن له رأيان أحدهما أغلب عنده من
الآخر وجب البناء على الأقل على ما في حديث أبي سعيد ، فصار ..
كل واحد من الحديثين له معنى غير معنى صاحبه ، وهكذا تستعمل
الأحاديث ولا تتضادّ .
وقال محمد بن جرير : إن حديث ابن مسعود في التحري وحديث
البناء على اليقين لا يخالف واحد منهما صاحبه ، وذلك أن أمره عليه
السلام بالبناء على اليقين والأخذ بالاحتياط ليس فيه إعلام أنه من بنى
على الأغلب عنده أنه قد صلى أنها لا تجزئه صلاته ، فإن احتاط
للشك فبنى على اليقين فهو أفضل وأسلم لدينه ، وإن بنى على أكثر
رأيه متحريًا في ذلك الأغلب عنده لم يكن مخطئًا في فعله ؛ لأن كَلَّ
مصلٍ إنما كلف أن يعمل بما عنده من علمه ، لا على إحاطة العلم
بيقينه ذلك ، فلو كلف اليقين من العلم دون الظاهر لم يكن لأحد
صلاة إذ لا سبيل لأحد إلى يقين العلم بذلك .
وذلك أن الله أمر عباده بالصلاة في الثياب الطاهرة والتطهر بالمياه
الطاهرة ، ولا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أنهم لم يكلفوا في شيء
من ذلك إحاطة العلم بيقينه ، فكذلك عدد الصلاة إنما كلف في ذلك
العلم الذي هو عنده ، فإن بنى على العلم الظاهر الذي هو عنده
أجزأه ، وإن أخذ بالاحتياط فبنى على اليقين فهو أفضل له إذا كان له
سبيل إلى الوصول إلى يقين ذلك ، وإن لم يكن له سبيل إليه عمل
على الأغلب من ظاهر علمه ، وكذلك القول في جميع أحكام
الدين، ومن أبى شيئًا من ذلك سُئل عن المصلي في موضع لا يعلمه
طاهرًاً ولا نجسًا إلا علمًا ظاهرًا ، وعن من توضأ بماء لا يعلمه إلا
۔ ۔۔
- ٦٢ -

كذلك ، فإن زعم أن عليه الإعادة خرج من قول جميع [الأئمة ] (١)
وإن قال : صلاته ماضية سئل أيفرق بينه وبين الشاك في صلاته
بإتمامها، الباني على الأغلب من علمه ؟ فلن يقول في شيء من ذلك
قولا إلا ألزم في الآخر مثله ، هذا قول الطبري .
وفي أمر الرسول الشّاك في صلاته بإتمامها دليل أن الزيادة في
الصلاة سهواً أو لإصلاحها لا تفسدها ؛ لأن الشاك إذا أمره بالبناء على
يقينه وهو يشك هل صلى واحدة أو اثنتين ، وممكن أن يكون صلى
اثنتين، وقد ( حكمت ) (٢) السنة أن ذلك لا يضره فهذا يبطل قول
من قال : إن من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيًا أن صلاته فاسدة .
وهو قول ابن القاسم ، وابن كنانة ، وابن نافع .
وقد أجمع العلماء أن من شك في مثل ذلك في صلاة الصبح هل
صلى واحدة أو اثنتين أن حكمه في ذلك حكم من شك في مثل ذلك
من الظهر أو العصر ، وقد صلى رسول الله الظهر خمسًا ساهيًا فسجد
لسهوه ، وحُكْمُ الركعة والركعتين في ذلك سواء في القياس والمعقول.
وقال ابن حبيب عن مطرف : أنه من صلى ستًا أو ثمانيًا سجد
لسهوه وهو قول ابن عبد الحكم / وأصبغ ، وحكى أبو زيد عن ابن [٨٩٥/١ -ب]
الماجشون مثله .
وقد روى ابن القاسم عن مالك أن من صلى المغرب خمسًا ساهيًا
أنه يجزئه سجود السهو . قال يحيى بن عمر : هذا يرد قول من قال
فيمن زاد في صلاته مثل نصفها .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الأمة.
(٢) في (( هـ)): أحكمت.
- ٦٣ -

باب : ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها وصلى
إلى غير القبلة وقد سلم نبي الله في ركعتي الظهر وأقبل على
الناس بوجهه ثم أتم ما بقي
فيه : أنس قال: قال عمر بن الخطاب: (( وافقت ربي في ثلاث قلت :
يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ؛ فنزلت : ﴿ واتخذوا
من مقام إبراهيم مصلى﴾ (١) الآية)).
وفيه : ابن عمر: (( بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت
فقال: إن رسول الله ﴿ ﴿ قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل
الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)).
وفيه : ابن مسعود: ((أن نبي الله صلى الظهر خمسًا ، فقالوا: أَزِيدَ في
الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسًا . فثنی رجليه وسجد
سجدتین )) .
اختلف العلماء فيمن اجتهد في القبلة فاستدبرها أو شرق أو غرب ،
فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا يعيد . وهو قول عطاء ،
والشعبي ، وسعيد بن المسيب ، والنخعي ، وقال النخعي : إن كان
قد صلى بعض صلاته لغير القبلة ثم عرف ذلك في الصلاة فاستقبل
القبلة ببقية صلاته فإنه يحتسب بما كان صلى كما فعل أصحاب النبي
بقباء ، وهو قول الثوري . وقال مالك : من اجتهد في القبلة فأخطأ
فإنه يعيد في الوقت استحيابًا . وهو قول الحسن ، والزهري ، وقال
الشافعي : إن فرغ من صلاته ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف
الصلاة ، وإن لم يَبنْ له ذلك إلا باجتهاده فلا إعادة عليه ، والذي
ذهب إليه البخاري في هذا الباب قول من قال لا يعيد .
قال ابن القصار : لأن المجتهد في القبلة إنما أُمِرَ بالطلب ولم يكلف
(١) البقرة : ١٢٥ .
- ٦٤ -

الإصابة ، وإنما أمر الله بإصابة عين القبلة من نظر إليها ، وأما من
غاب عنها فلا سبيل إلى علم حقيقتها ؛ لأنه إنما يعلم القبلة بغلبة الظن
من مهب الرياح ومسير النجوم ، وإذا كان كذلك فإنما يرجع من
اجتهاد إلى اجتهاد ولا يرتفع حكم الاجتهاد الأول ؛ كالحاكم يحكم
باجتهاده ثم تبيّن له اجتهاد آخر فلا يجوز له فسخ الأول .
وليس للشافعي أن يقول إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاده إلى
يقين ؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة في هذه الجهة ، وإنما يغلب
ذلك على ظنه ويُبَيِّنُ ذلك الإجماع على جواز صلاة أهل الآفاق
ومعلوم أن كل واحدٍ منهم غير محاذ للكعبة وإنما يحصل ذلك للأقل
منهم ، وقد جازت صلاتهم لوقوع ذلك بالاجتهاد ، والدليل على
ذلك من حديث أهل قُباء أنهم صلوا إلى غير القبلة بعض الصلاة ثم
لم يؤمروا بالإعادة؛ لأنهم لم يمكنهم الوصول إلى العلم بالجهة التي
كانوا مأمورين بالصلاة إليها ، وإنما صلوا إلى قبلة مفترضة عليهم كما
المجتهد مُصلِّ عند نفسه إلى القبلة .
وقال المهلب : وجه احتجاج البخاري بحديث ابن عمر في هذا
الباب هو انحرافهم إلى القبلة التي ( افترضت ) (١) وهم في
انحرافهم مصلون إلى غير القبلة، ولم يؤمروا بالإعادة بل بنوا على ما كانوا
صلوا في حال الانحراف وقبله، وكذلك المجتهد في القبلة لا يلزمه الإعادة.
وقد أشار البخاري في ترجمته إلى هذا الاستدلال من حديث ابن
مسعود فقال : وقد سلم النبي - عليه السلام - في ركعتي الظهر وأقبل
على الناس بوجهه . وذلك أن انصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد
سلامه - كان وهو عند نفسه في غير صلاة - فلما بنى على صلاته بأنه
كان في وقت استدبار القبلة في حكم المصلي ؛ لأنه لو خرج من
(١) في ((هـ)): ((فرضت عليهم)).
- ٦٥ -

الصلاة لم يَجُزْ له أن يبني على ما مضى منها عند أهل الحجاز فوجب
بهذا أن من أخطأ القبلة [ أنه ] (١) لا يعيد .
وقال الطحاوي : في انحراف أهل قباء إلى ( الكعبة ) (٢) وهم في
إحرام الصلاة التي دخلوا فيها بالتوجه إلى بيت المقدس دليل أنه من
لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة إليه ، ولم يمكنه استعلام ذلك
[٩٠٥/١-١] من غيره فالفرض في ذلك غير / لازم له ، وأن الحجة فيه غير قائمة
عليه، وإنما يجب عليه الفرض حين يعلمه وتقوم عليه الحجة حين يمكنه
استعماله ؛ ولهذا دعا رسول الله المشركين قبل أن يقاتلهم إلى
الإسلام، وبَيَّنَ لهم ذلك ، ثم ترك ذلك في آخرين سواهم من بني
المصطلق وغيرهم ، فقاتلهم وهم غادون على الماء ؛ لأن الدعوة قد
كانت بلغتهم .
فإن قال قائل : قد كان فرض استقبال الكعبة في الصلاة وجب على
أهل قباء قبل دخولهم في الصلاة ؛ لأن الآية التي أمر بذلك فيها نزلت
ليلا ، وإنما انحرفوا إلى الكعبة في الصلاة التي علموا بنزول الآية فيها
وقد لحقهم الفرض قبل دخولهم في الصلاة ، وإنما عُذِروا في صلاتهم
إلى غير القبلة بالجهل منهم بها .
قيل له : وكيف يكون لله فرض على من لم يعلم بفرضه عليه ؟!
لو كان كذلك للحقث فرائضه المجانين الذين لا علم معهم ، فلما كان
المجانين بارتفاع [ العلم ] (٣) عنهم غير داخلين في الفرض ؛ كذلك
كان كل من لم يعلم بالفرض غير واجب عليه الفرض .
فإن قال : ما تقولون في الرجل يسلم في دار الحرب أو دار
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): مكة .
(٣) من ((هـ))، وهو الأنسب هنا، وفي ((الأصل)): القلم.
- ٦٦ -

الإسلام ويمر عليه شهر رمضان لم يصمه، وتمر عليه صلوات ولم يصلها،
ولم يعلم أن الله فرض شيئًا من ذلك على المسلمين ، ثم علم بعد
ذلك بأن هذا قد كان فرضًا من الله على المسلمين ؟
قيل له : للعلماء في هذا قولان : أحدهما : أنه إن كان في دار
الحرب حيث لا يجد من يستعلم ذلك منه أنه لا يجب عليه قضاء
[شيء] (١) مما مر عليه من الفرائض ، وإن كان في دار الإسلام أو في
دار الحرب بحضرة من يمكنه استعلام ذلك منه من المسلمين أنه يجب
عليه قضاء ما مر عليه من فرض الصلاة والصوم ؛ لأنه قد كان يلزمه
استعلام ذلك [ممن] (٢) بحضرته من المسلمين ، وهذا قول أبي حنيفة.
والقول الآخر : أنه يقضي ما مر عليه من الصلوات والصيام
ويستوي في ذلك مروره عليه في دار الحرب أو دار الإسلام هذا قول
أبي يوسف .
قال المؤلف : وهو قول مالك والشافعي .
قال الطحاوي : القول الأول أولى وليس على أهل قباء من هذا
شيء ؛ لأنهم كانوا على حقائق فرض قد كان الله عليهم ، ولم يكن
عليهم السؤال والاستعلام عن زواله عنهم ولا عن حدوث فرض غيره
عليهم ، فلما لم يكن ذلك عليهم سقط عنهم الفرض الحادث الذي
لم يعلموا به ، وليس كذلك من سواهم ممن عليه السؤال والاستعلام
عن فرائض الله .
وفي حديث ابن عمر أن أفعال الرسول لازمة كأقواله حتى يأتي
دليل الخصوص .
وفيه : أنه يجوز أن يفتح من ليس في الصلاة على من في الصلاة
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): شيئًا، وهو خطأ.
-
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): من .
- ٦٧ -

إذا عدم المصلي اليقين ؛ لأن الذي أخبرهم وهم في الصلاة بصلاة
النبي إلى الكعبة كان حاضراً و(اقتدى) (١) بقوله .
وفيه : قبول خبر الواحد والعمل به ؛ لأن الصحابة قد استعملوه
وقضوا به وتركوا قبلتهم بخبر الواحد، ولم ينكر ذلك رسول الله وَاله
باب : حك البزاق باليد من المسجد
فيه : أنس: (( أن نبي الله رأی نخامة في القبلة فشق ذلك علیه حتى
رئي في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنه يناجي ربه وإن ربه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ،
ولکن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه ( فبزق ) (٢) فيه ثم
رد بعضه على بعض فقال : أو يفعل هكذا)).
قال المهلب : فيه إكرام القبلة وتنزيهها ؛ لأن المصلي يناجي ربه
فواجب عليه أن يكرم القبلة مما يكرم منه المخلوقين إذا ناجاهم
واستقبلهم بوجهه ؛ بل قبلة الله تعالى أَوْلَى بالإكرام .
وقال طاوس - رحمه الله - : أكرموا قبلة الله لا تبزقوا فيها .
وأبان صلى الله عليه في هذا الحديث أن معنى نهيه عن البزاق في
القبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القبلة في صلاته ،
ومن أَعْظِم الجفاء وسُوءِ الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك
الملوك وتتنخم في توجهك ؛ وقد أعلمنا الله - تعالى - بإقباله على
من توجه إليه ومراعاته لحركاته .
(١) في (( هـ)) : ابتدا .
(٢) فى (( هـ)): فبصق.
- ٦٨ -

وفيه : طهارة البزاق ؛ لأنه لو كان غير طاهر ما بزق عليه السلام
في ثوبه ولا أمر ( بذلك) (١).
وفيه / فضل الميمنة على الميسرة .
[١/ ق ٩٠ -ب]
باب : حك المخاط بالحصى من المسجد
فيه: أبو هريرة وأبو سعيد: (( أن نبي الله وَ لقر رأى نخامة في جدار
المسجد. فتناول حصاة فحكها فقال : إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل
وجهه ولا عن يمينه ، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى )) .
والذي يرى البزاق في المسجد مخير فيه إن شاء حته بحصاة أو بيده
أو [ بما ] (٢) يزيله، وفائدة هذه الأحاديث تنزيه المسجد وإكرام القبلة،
وقد ترجم لحديث أبي هريرة (( باب دفن النخامة في المسجد )) ، وزاد
فيه : (( ولا ( يبزق) (٣) عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا)). فذكر علة
نهيه عن يمينه أنه من أجل كون الملك عن يمينه إكرامًا له وتنزيهًا .
وقال صاحب العين : حَتَتُّ الشيء عن الثوب : فركته ، والحتات:
ما تحات منه أي : تساقط .
باب : كفارة البزاق في المسجد
فيه: أنس قال نبي الله: ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)).
إنما كان البزاق في المسجد خطيئة لنهيه عنها ، ومن فعل ما نهي
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): ما .
(١) في (( هـ)): بدلكه .
(٣) في ( هـ)): يبصق.
- ٦٩ -

عنه فقد أتى بخطيئة ، ثم إن النبي علم أنه لا يكاد يسلم من ذلك ؛
فعرف أمته كفارة تلك الخطيئة ، وأمر المصلي أن يبزق في ثوبه أو تحت
قدمه ليعركه ويغيره ولا تقع عليه عين أحد ، غير أن ارتكاب الخطيئة
لا يكون إلا بالقصد والعلم بالنهي عنها ، وأما من غلبته النخامة فقد
ندب إلى دفنها وحثُّها وإزالتها ، ومن فعل ما ندب إليه فمأجور .
وروى الطبري قال : حدثنا عمرو بن علي ، ثنا ابن أبي عدي ، عن
محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن محمد بن أبي عتيق ، عن عامر:
ابن سعد ، عن أبيه قال: سمعت النبي يقول: ((إذا تنخم أحدكم
في المسجد فليغيب نخامته لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه ».
قال الطبري : وفي هذا من الفقه ترخيص الرسول في التفل في
المسجد والتنخم فيه إذا دفنه ، وأبان عن معنى كراهته لذلك إذا لم
تدفن ، وذلك أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه . وإذا كان ذلك
كذلك فبيِّن أن متنخمًا لو تنخم في المسجد في غير قبلته بحيث يأمن أن
تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فلا حرج عليه فيه واستحب له أن يدفنه ،
وإن كان بموضع يأمن أن يصيب به أحدًا لقوله: (( ( البزاق ) (١) في
المسجد خطيئة وكفارتها دفنها )» يعم بذلك المسجد كله ولم يخصص منه
موضعًا دون موضع . فخبرُ سعد مُفُسِّرِّ لما أُجْمل في حديث أنس وأبي
هريرة ، وأَمْرُه بدفنها إنما هو في الحال التي يخشى فيها أن تصيب جلد
مؤمن أو ثوبه .
(١) في (( هـ ) : البصاق.
- ٧٠ -

باب : عظة الإمام في إتمام الصلاة
فيه : أبو هريرة : قال نبي الله : (( هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى
عليّ ركوعكم ولا خشوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري)).
فيه : أنه ينبغي للإمام إذا رأى أحدًا مقصراً في شيء من أمر دينه أو
ناقصًا للكمال منه أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما له فيه جزيل
الحظ؛ ألا ترى أن الرسول وبخ من نقص كمال الركوع والسجود
ووعظهم في ذلك بأنه يراهم ، وقد أخذ الله على المؤمنين ذلك إذا
مكنهم في الأرض بقوله تعالى : ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ﴾ (١).
قال المهلب: وقوله: ((إني أراكم من وراء ظهري)). يحتمل أن
يراهم بما يوحى إليه من أفعالهم وهيئاتهم في الصلاة ؛ لأن الرؤية قد
يعبر بها عن العلم والاعتقاد ، ويحتمل أن يكون يراهم بما خص به أَنْ
زيدَ في قوة بصره حتى يرى من ورائه ، وقال أحمد بن حنبل في هذا
الحديث : إنه كان يرى من وراءه كما يرى بعينه . فالله أعلم بما أراد
من ذلك .
[١/ق٩١-٢]
/ باب : هل يقال مسجد بني فلان
فيه : ابن عمر : « أن نبي الله سابق بين الخيل التي أُضمرت من الحفياء
وأمدهَا ثنيةُ الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى
مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان فیمن سابق بها )) .
قال المؤلف : المساجد بيوت الله ، وأهلها أهل الله ، وفي هذا
(١) الحج : ٤١ .
- ٧١ -

الحديث جواز إضافتها إلى البانين لها والمصلي [ فيها ] (١) ، وفي
ذلك جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم ، وليس في
ذلك تزكية لهم ، وليست إضافة المسجد إلى بني زريق إضافة ملك
وإنما هي إضافة تمييز .
وروي عن النخعي أنه كان يكره أن يقال مسجد بني فلان ولا يرى
بأسًا أن يقال مصلى بني فلان ، وهذا الحديث يرد قوله ، ولا فرق بين
قوله : مصلى ، ومسجد . والله الموفق .
باب : القسمة وتعليق القنو في المسجد
قال أبو عبد الله : القنو : العذق ، والاثنان قنوان والجماعة قنوان مثل
صنو وصنوان .
وقال إبراهيم - يعني ابن طهمان - عن عبد العزيز ابن صهيب عن أنس:
((أتي النبي ◌ّله بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد. وكان أكثر
مال أُتي به رسول الله ، فخرج رسول الله إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما.
قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه إذ جاءه
العباس فقال : يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا .
فقال له رسول الله : خذ. فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال:
يا رسول الله، اؤمر بعضهم يرفعه إلي. قال : لا. قال: فارفعه أنت
علي. قال : لا . فنثر منه ثم ذهب يقله فقال : يا رسول الله اؤْمُرْ بعضهم
يرفعه علي . قال: لا. قال : فارفعه أنت علي . قال : لا . فنثر منه ثم
احتمله فألقاه علی کاهله ثم انطلق ، فما زال رسول الله يتبعه بصره حتى
خفي علينا عجبًا من حرصه ، فما قام رسول الله وَثَمَّ منها درهم)) .
.. ..
(١) من ( هـ)).
- ٧٢ -

قال المهلب : فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة أو غيرها
في المسجد ؛ لأن المسجد لا يُحجب أحد من ذوي الحاجة من دخوله
والناس فيه سواء ، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل في
المسجد ، وليس في هذا الباب تعليق قنو في المسجد وأغفله البخاري.
وتعليق القنو في المسجد أمر مشهور ، ثم ذكر ابن قتيبة في غريب
الحديث أن نبي الله خرج فرأى ( أقناء ) (١) معلقة في المسجد وذكر
ثابت (٢) في ((غريب الحديث)) أن نبي الله أمر من كل حائط بقنو.
يعني للمسجد . معنى ذلك أن ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله
لا شيء لهم فقالت الأنصار: (( يا رسول الله، لو عجلنا قنواً من
كل حائط لهؤلاء . قال : أجل فافعلوا)) . فجرى ذلك إلى اليوم
فهي الأقناء التي تعلق في المسجد فيعطاها المساكين ، وكان عليها على
عهد رسول الله : معاذ بن جبل .
قال ابن القاسم : قد سئل مالك عن أقناء تكون في المسجد وشبه
ذلك ، فقال : لا بأس بها ، وسئل عن الماء الذي يسقى في المسجد
أترى أن يشرب منه قال : نعم إنما يجعل ( للعطشى ) (٣) ، ولم يرد
به أهل المسكنة ؛ فلا أرى أن يترك شربه ، ولم يزل هذا من أمر الناس
قال : وقد سقى سعد بن عبادة ، فقيل له : في المسجد ؟ قال :
لا ولكن في منزله الذي كان فيه . وليس ما ذكره ثابت أن الأقناء
كانت تجعل في المسجد [ للمساكين] (٤) بخلاف لقول مالك ؛ لأن
مالكًا إِذْ سئل عن الأقناء لم تكن تجعل حينئذ للمساكين خاصة ؛ لأن
(١) في (( هـ)): قنّا.
(٢) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف أبو القاسم السرقسطي الأندلسي اللغوي
له ((الدلائل في غريب الحديث)) راجع: سير أعلام النبلاء (١٤ /٥٦٢) وغيره .
(٤) من (( هـ )).
(٣) في (( هـ)): للعطيش.
- ٧٣ -

زمان مالك كان الناس فيه أوسع حالا منهم في أول الإسلام فكان
يجعل في وقت مالك على طريق التوسعة للناس لا يراد بها المساكين
وإنما يراد بها كل من دخل المسجد من غني أو مسكين ، ألا ترى أن
مالكًا شبه ذلك بالماء الذي يجعل للعطشان ولا يراد [به] (١) المساكين.
قال المهلب: وفيه من الفقه أن القسمة إلى الإمام على قدر اجتهاده.
[١/ ق٩١ -ب]
وفيه : العطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه دون
غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكا إليه من الغرم الذي فدحه ، ولم
يسوّه في القسمة / مع الثمانية الأصناف، ولو قسم ذلك على
التساوي لما أعطى العباس بغير مكيال ولا ميزان ، وإنما أعطاه بقدر
استقلاله عن الأرض ، ولم يعط لأحد غيره مثل ذلك .
وفيه : أن السلطان إذا علم من الناس حاجة إلى المال أنه لا يحل له
أن يدخر منه شيئًا كما فعل رسول الله وَلقوله.
وفيه : كرم رسول الله وزهده في الدنيا وأنه لم يمنع شيئًا سُئِله إذا
كان عنده .
وفيه : أن السلطان أن يرتفع عما يدعى إليه من المهنة والعمل بيده ،
وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن للسلطان في ذلك.
حاجة، وإن کان فيه نفع خاصة من الناس إذا کان فيه ضرر لعامتهم
قال المؤلف : وإنما لم يأمر برفع المال على عنق العباس - والله
أعلم - ليزجره ذلك عن الاستكثار في المال الذي ظهر منه ، وألا
يأخذ من الدنيا فوق حاجته ويقتصر على ما [ يبلغ ] (٢) منها المحل،
كما كان يفعله عليه السلام ، ولهذا لم يرفعه على عنقه لئلا يعينه على
ما لا يرضاه وما نهى عنه .
(١) من ((هـ)) وهو الأنسب، وفي ((الأصل)): ((بها)).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بلغ.
- ٧٤ -

باب : من ( دُعي ) (١) لطعام في المسجد ، ومن أجاب منه
فيه: أنس: ((وجدت النبي وَ﴿ في المسجد معه ناس فقمت قال لي :
آرسلك أبو طلحة؟ قلت : نعم . فقال : لطعام ؟ قلت : نعم . فقال لمن
حوله : قوموا فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم )) .
فيه : الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن طعام وليمة .
وفيه : أن الدعاء إلى ذلك من المسجد وغيره سواء ؛ لأن ذلك من
أعمال البر وليس ثواب الجلوس في المسجد بأقل ثوابًا من إطعام الناس
الطعام ، وقد قال رجل : (( يا رسول الله ، أي الإسلام خير ؟ قال :
تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )) .
وأيضًا فإن النبي كان محتاجاً إلى الأكل ، فقد جاء في هذا الحديث أنه
إنما دعاه إليه ؛ لأنه سمع صوتًا ضعيفًا فعرف فيه الجوع .
وفيه : دعاء السلطان إلى الطعام القليل .
وفيه : أن الرجل الكبير إذا دُعِي إلى طعام وعلم أن صاحبه لا يكره
أن يجلب معه غيره وأن الطعام يكفيهم أنه لا بأس أن يحمل معه من
حضره ، وإنما حملهم الرسول إلى طعام أبي طلحة ، وهو قليل ،
لعلمه أنه يكفي جميعهم ، وأنه لا ينقص منه شيء لبركته وما خصه الله
به من كرامة النبوة وفضيلتها ، وهذا من علامات نبوته عليه السلام ،
وكذلك إذا علم الرئيس المدعو إلى طعام أن صاحبه يُسَرَّ بمن يأكل
طعامه، وأن طعامه لا يعجز عنهم لكثرته وجدة صاحبه أنه لا بأس أن يحمل
غيره ، وسأزيد في معنى هذا الحديث في كتاب الأطعمة - إن شاء الله.
(١) في النسختين بضم الدال المهملة - على البناء للمجهول ، وفي المطبوع من
الصحيح مع الفتح: (( دَعا)) بالفتح .
- ٧٥ -

باب : القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء
فيه: سهل بن سعد: (([ أن رجلا ] (١) قال: يا رسول الله، أرأيت
رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد )) .
قال المؤلف : القضاء جائز في المسجد عند عامة العلماء ، وقال
مالك : جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول
به، وكان شريح ، وابن أبي ليلى يقضيان في المسجد ، وروي عن
و
سعيد ابن المسيب كراهية ذلك قال : لو كان لي من الأمر شيء ما
تركت اثنين يختصمان في المسجد .
وقد ترجم باب: (( من قضى ولاعَن في المسجد )) في كتاب
الأحكام وفيه زيادة على ما في هذا الحديث .
وفيه : أن اللعان يكون في المساجد ويحضره الخلفاء أو من استخلفه
الحاكم ، وأن أيمان اللعان تكون في الجوامع ؛ لأنها مقاطع الحقوق . .
#
باب : إذا دخل بيتًا [ يصلي ] (٢) حيث شاء أو
حیث أُمر ولا يتجسس
فيه : عتبان بن مالك: « أن نبي الله أتاه في منزله فقال : أين تحب أن
أصلي من بيتك ؟ قال: فأشرت له إلى مكان، فكبر النبي و(صفّنًا)(٣)
خلفه فصلی ر کیتین » .
قال المهلب: قوله: (( يصلي حيث شاء أو حيث أُمر ولا يتجسس))
لا يقتضي لفظ الحديث أن يصلي حيث شاء ، وإنما يقتضي أن يصلي
(١) من ( هـ)).
(٢) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): صلى.
(٣) كذا في النسختين ، بماء واحدة مشدّدة، وفي الصحيح المطبوع (١/ ٦١٧، ٦١٨
- فتح ): (( فصفَفْنا)) بفاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة ..
: - ٧٦ -

حيث أُمر لقوله: (( أين تحب أن أصلي لك ؟)) ويؤيد هذا قوله :
(ولا يتجسس)). فكأنه قال / باب إذا دخل بيتًا هل يصلي حيث شاء [١/ فى٩٢-١]
أو حيث أُمر ؛ لأنه صلى الله عليه استأذنه في موضع الصلاة ، ولم
يصل حيث شاء فبطل حكم حيث شاء .
باب : المساجد في البيوت
وصلى البراء بن عازب في مسجد في داره جماعة .
وذکر فیه حدیث عتبان بن مالك بطوله .
قال المهلب : فيه اتخاذ المساجد في البيوت والصلاة بالأهل وغيرهم
عند الضرورات ، ألا ترى أن عتبان قال لنبي الله وَيجلد: (إني قد
أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي ، فإذا سال الوادي الذي بيني وبينهم
لم أستطع أن آتي مسجدهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي
في بيتي فأتخذه مصلى)) . ففعل ذلك نبي الله ، فبان بهذا أنه لولا
العذر لم يتخلف عن مسجد الجماعة .
فيه من الفقه : التخلف عن الصلاة في الجماعة للعذر .
وقال عبد الله بن أبي صفرة : ترك السنن للمشقة رخصة ومن شاء
أن يأخذ بالشدة أخذ، كما خرج نبي الله وَّه يُهادى بين رجلين إلى
الصلاة .
قال المهلب : وفيه التبرك بمصلّى الصالحين ومساجد الفاضلين .
وفيه : أنه من دُعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به [ منه ] (١) فله
أن يجيب إذا أمن الفتنة من العجب .
(١) من (( هـ)).
- ٧٧ -

وفيه : الوفاء بالعهد .
وفيه : صلاة النافلة في جماعة بالنهار .
وفيه : إكرام العالم إذا دعي إلى شيء بالطعام وشبهه .
وفيه : التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان .
وفيه : أن السلطان يجب أن يستثبت في أَمْرٍ من يذكر عنده بفسق
ويوجه له أجمل الوجوه .
وفيه : أن الجماعة إذا اجتمعت للصلاة وغاب أحدهم أن يسألوا عنه
فإن كان له عذر وإلا ظن به الشَّر، وهو مفسر في قوله: ((لقد
هممت أن آمر بحطب » .
وقوله: ((ثاب رجال)) . قال صاحب العين : ثاب الحوض:
امتلأ، والمثابة : مجتمع الناس بعد تفرقهم ، ومنه قوله : ﴿ وإذ جعلنا
البيت مثابة للناس ﴾ (١).
باب : التيمن في دخول المسجد وغيره
وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى .
فيه: عائشة [ قالت] (٢): ((كان النبي يجب التيمن ما استطاع في
شأنه کله في طهوره وترجله وتنعله )) .
وقد تقدم هذا في كتاب الطهارة ونذكر هنا مالم ينص هناك .
قال عطاء : قال عبد الله بن عمرو : خير المسجد المقام ، ثم
ميامين المسجد .
(١) البقرة : ١٢٥ .
(٢) من (( هـ )).
- ٧٨ -

وكان ابن المسيب يصلي في الشق الأيمن من المسجد .
وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام .
وكان أنس بن مالك يصلي في الشق الأيسر من المسجد ، وعن
الحسن وابن سيرين مثله .
باب : هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
ويتخذ مكانها مساجد ؟
[ لقول النبي صل﴾] (١): ((لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد)» وما يكره من الصلاة في القبور ، ورأى عمرُ أنسَ بنَ مالك
يصلي عند قبر فقال : القبر القبر . ولم يأمره بالإعادة .
فيه : عائشة: (( أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رَأَيْنَهَا بالحبشة فيها
تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه فقال: (( إن أولئك إذا كان
فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك
[الصور] (٢) فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)).
وفيه: أنس قال: (( قدم نبي الله المدينة فنزل أعلى المدينة في حَيَّ يقال
لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام الرسول فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل
إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى نبي الله على
راحلته وأبو بكر ردفه وملأ من بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي
أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض
الغنم ، وإنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار ، فقال : يا بني
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لقوله.
(٢) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)) : الصورة.
- ٧٩ -

النجار ، ثامنوني بحائظكم هذا . قالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلا
[إلى](١) الله . قال أنس : فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين ، وكان
فيه خرب ونخل فأمر الرسول بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب
فسويت، وبالنخل فقطع [ فصفوا ] (٢) النخل قبلة المسجد ، وجعلوا.
عضادتيه الحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والرسول
معهم وهو يقول :
اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره
قال المؤلف : أما نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مساجد فلم أجد
فيه نصًا لأحدٍ من العلماء ، غير أني وجدت اختلافهم في نبش
قبورهم طلبًا للمال ، فأجاز ذلك الكوفيون والشافعي ، وقال
الأوزاعي: لا يفعل؛ لأن الرسول لما مر بالحجر قال: ((لا تدخلوا
بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما
أصابهم )) فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم .
قال الطحاوي : وقد أباح دخولها على وجه البكاء ، واحتج من
أجاز ذلك بحديث أنس أن نبي الله أمر بقبور المشركين فنبشت عند بناء
المسجد .
قال الطحاوي: واحتج من أجاز ذلك أن نبي الله وَ قو لما خرج إلى
الطائف قال: ((هذا قبر أبي رغال)) . وهو أبو ثقيف وكان من ثمود
وكان بهذا الحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة بهذا المكان ،
وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدره الناس ونبشوه
(١) من ((هـ))، والنسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): من .
(٢) من (( هـ))، وكذا النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): وصفف.
- ٨٠ -