Indexed OCR Text

Pages 341-360

إلا أن مالكًا لا يجزئ عنده في رطبه ويابسه إلا الغسل ، والفرك
عنده باطل .
وعند أبي حنيفة يغسل رطبه ، ويفرك يابسه .
وقال الثوري : إن لم يفركه أجزاته صلاته .
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : المني طاهر ويفركه من
ثوبه ، وإن لم يفر که فلا بأس .
وممن رأى فرك المني : سعد بن أبي وقاص وابن عباس .
قال ابن عباس : امسحه بإذخر أو خرقة ، ولا تغسله إن شئت .
قال الطحاوي : واحتج الذين قالوا بنجاسته من قول عائشة :
(كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - عليه السلام - فيخرج إلى
الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه )) .
واحتج الذين قالوا بأنه طاهر بآثار عن عائشة مخالفة لهذا
الحديث، وذلك ما رواه شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن همام ،
عن الحارث (( أنه نزل على عائشة - رضي الله عنها - فاحتلم ، فرأته
جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه فأخبرت بذلك عائشة ،
فقالت عائشة : لقد رأيتني مع النبي - عليه السلام - وما أزيد على أن
أفركه في ثوب النبي » .
وروى الأوزاعي عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة
قالت: ((كنت أفرك المني من ثوب رسول الله مَ﴿ ﴿ إذا كان يابسًا
وأغسله إذا كان رطبًا)).
وقال لهم أهل المقالة الأولى : لا حجة لكم في هذه الآثار ؛ لأنها
- ٣٤١ -

:
إنما جاءت في ثياب ينام فيها ولم تأت في ثياب يصلي فيها ، وقد رأينا
الثياب النجسة بالغائط والبول لا بأس بالنوم فيها ، ولا تجوز الصلاة
فيها ، وإنما تكون هذه الآثار حجة علينا لو كنا نقول : لا يصلح النوم
في الثوب النجس ، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويثم عن
النبي - عليه السلام - فيه ونقول من بعد : لا تصلح الصلاة فيها ؛
فلم نخالف شيئا مما روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك، وقد
قالت عائشة: (( كنت أغسل المني من ثوب رسول الله فيخرج إلى
الصلاة ، وإن بقع الماء في ثوبه)) . فكانت تغسل المني من ثوبه الذي
يصلي فيه وتفركه من ثوبه الذي لا يصلي فيه .
واحتج عليهم الآخرون بما رواه حماد بن سلمة ، عن حماد بن
[زيد، عن ] (١) إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: (( كنت
أفركه من ثوب النبي - عليه السلام - ثم يصلي فيه » . قالوا : فدل
ذلك على طهارته .
قال الطحاوي : ولا يدل ذلك على طهارته كما زعموا ، فقد
يجوز أن يفعل ذلك النبي - عليه السلام - فيتطهر بذلك الثوب .
والمني في نفسه نجس كما روي فيما أصاب النعلين من الأذى .
روى محمد بن عجلان عن المغيرة ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله: ((إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه - أو بنعليه - فطهورهما
التراب )) .
فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس ذلك دليل على طهارة
(١) ليست في ((الأصل))، والمثبت من (( هـ)).
- ٣٤٢ -

الأذى في نفسه ، فكذلك المني يطهر الثوب بالفرك والمني في نفسه
نجس .
قال ابن القصار : وأما دلائل القياس : فقد اتفقنا على نجاسة
المذي؛ فكذلك المني بعلة أنه خارج من مخرج البول .
فإن قالوا : هو طاهر ؛ لأنه خلق منه حيوان طاهر .
/ قيل : قد يكون الشيء طاهرًاً ويكون متولدًا عن نجس كاللبن فإنه [١/ ٥٣٥-ب]
يتولد عن الدم .
فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجسًا .
قيل : وكذلك خلق منه الفراعنة والطغاة فوجب أن يكون نجسًا ،
يتولد عن الشهوة يجب فيه الغسل .
فإن قالوا : يعارض قياسكم بقياس آخر . فتقول : اتفقنا على محة
البيضة أنها طاهرة ، فكذلك المني بعلة أنه مائع خلق منه حيوان طاهر.
قيل : ذلك لا يلزم ؛ لأنا قد اتفقنا أنه يكون الشيء طاهرًاً ويكون
متولّدًا عن نجس كاللبن ؛ فإنه متولد عن الدم ، وقيل : إنه دم كما
يكون طاهرًا ويستحيل إلى النجس كالغذاء والماء في جوف ابن آدم ،
وقد قيل : إن العلقة المتولدة عن المني من دم نجس .
فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجساً .
قيل : لو جاز أن يكون طاهرًا ؛ لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب أن
يكون نجسًا ؛ لأن الفراعنة والطغاة خلقوا منه .
فإن قيل : فإن الله خلق آدم من ماء وطين وهما طاهران فوجب أن
یکون طاهرًا .
- ٣٤٣ -

قيل : هذا لا يلزم لأنه لما لم يشاركه أحد في ابتداء خلقه لم تجب
مساواته له فيما ذكرتم ؛ لأن آدم لم يتنقل في رحم فيكون نطفة ثم
علقة ، والعلقة دم حكم لها بالنجاسة إذا انفصلت ، ووجدنا
الخارجات من البدن على ضربين : فضرب مائع طاهر ليس خروجه
بحدث ولا ينقض الوضوء كاللبن ، والعرق ، والدموع ، والبصاق ،
والمخاط .
. وضرب آخر نجس وخروجه حدث ينقض الطهارة ويجب غسله ،
كالبول ، والغائط ، ودم الحيض ، والمذي .
وثبت بالإجماع : أن المذي ينقض الطهر ويوجبه ؛ فكذلك المني .
باب : إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره
فيه : عائشة: « كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ◌َ ﴾ ثم يخرج إلى
الصلاة وأثر الغسل فيه بقع الماء .
وقال مرة: (( إن عائشة كانت تغسل المني من ثوب النبي - عليه
السلام- ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا)).
قوله: (( وأثر الغسل)) يحتمل معنيين :
أحدهما : أن يكون معناه : بلل الماء الذي غُسل به الثوب ،
والضمير راجع فيه إلى أثر الماء ، فكأنه قال : وأثر الغسل بالماء بقع
الماء فيه ، يعني : لا بقع الجنابة .
ويحتمل أن يكون معناه : وأثر الغسل [ يعني ] (١) أثر الجنابة التي
(١) في ((الأصل)): على. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٤٤ -

غسلت بالماء فيه بقع الماء التي غسلت به الجنابة ، والضمير فيه راجع
إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء .
وكلا الوجهين جائز، لكن قوله في الحديث الآخر: ((أنها كانت
تغسل المني من ثوب رسول الله ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا)) . يدل أن
تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة ؛ لأن العرب أبدًا ترد
الضمير إلى أقرب مذكور ، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من
ضمير الغسل .
قال المهلب: وفيه من الفقه : أن أثر النجاسات بعد الغسل لا يضر،
وأن تلك الآثار والطباع هي طبع النجاسة ، وذلك باق في الثوب ،
وإذا ثبت هذا ؛ ثبت أن غسل النجاسات ليس بفرض ، لعدم
استئصال أثرها ، وسائر النجاسات في ذلك حكمها حكم الجنابة ،
وأنها إذا غسلت أعيانها وبقيت آثارها لم يضر ذلك ، ولذلك قال
البخاري : باب : إذا غسل الجنابة .
أو غيرها فلم يذهب أثرها . قياسًا لسائر النجاسات على الجنابة ولا
أعلم خلافًا لهذا إلا ما يروى عن ابن عمر (( أنه كان إذا وجد دمًا في
ثوبه فغسله فبقي أثره دعا بحلمين فقطعه )) ، وقد رُوي عن عائشة («أنها
صلت في ثوب كان فيه دم فبقي أثره )) . وروي مثله عن علقمة وهو
مذهب مالك والشافعي وجماعة.
وفيه : خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبه ذلك .
- ٣٤٥ -

باب : أبوال الإبل ( والغنم والدواب ) (١) ومرابضها
وصلى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين، والبريّة إلى جنبه، فقال:
ها هنا وثَمَّ سواء .
فيه : أنس: « أن ناسًا من عُكل وعُزينة قدموا المدينة فاجتووها ،
فأمرهم النبي - عليه السلام - بلقاح وأن يشربوا من أبوالها
وألبانها .... )). الحديث.
وفيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي في مرابض الغنم
[١/ ٥ ٥٤-١] قبل أن / يبني المسجد )).
اختلف العلماء في طهارة أبوال ما يؤكل لحمه :
فذهب عطاء ، والنخعي ، والزهري ، وابن سيرين ، والحكم ،
والشعبي إلى أنها طاهرة ، وهو قول مالك ، والثوري ، والليث ،
ومحمد بن الحسن، وزفر ، والحسن بن صالح ، وأحمد ، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة [وأبو يوسف ] (٢) والشافعي ، وأبو ثور: الأبوال
كلها نجسة . وروي مثله عن ميمون بن مهران ، والحسن ، وحماد .
وقال ابن القصار : وحجة أهل المقالة الأولى : حديث أنس أن
النبي - عليه السلام - أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها ،
فجعل ذلك بمنزلة اللبن ، فلو كانت نجسة ما أباح لهم ذلك .
وقال أهل المقالة الثانية : لا حجة لكم في هذا الحديث ؛ لأنه عليه
السلام إنما أباح لهم شرب البول للمرض ؛ لأنهم استوخموا المدينة
فأباحهم ذلك .
(١) فى (( هـ، ن)): والدواب والغنم .
(٢) من ( هـ).
- ٣٤٦ -

فعارضهم الأولون فقالوا : محال أن يأمرهم عليه السلام بشرب
أبوالها وهي نجسة ؛ لأن الأنجاس محرمة علينا ، وقد سئل عليه السلام
عن الاستشفاء بالخمر، فقال: ((ذلك داء وليس بشفاء)).
وقال ابن مسعود : ما كان [ الله ] (١) ليجعل فيما حرم شفاء .
فثبت أن بول الإبل الذي جعله دواء ، أنه طاهر غير محرم . قاله
الطحاوي .
وقال ابن القصار : ومن جهة النظر أنا قد اتفقنا أن ريق ما يؤكل
لحمه وعرقه طاهر ، والمعنى فيه أنه مائع مستحيل من حيوان مأكول
اللحم ليس بدم ولا قيح ، فكذلك بوله .
وذهب ابن علية وأهل الظاهر إلى أن بول كل حيوان وإن كان لا يؤكل
لحمه طاهر غير ابن آدم. وروي مثله عن الشعبي، ورواية عن الحسن،
وخالفهم سائر العلماء .
وقول البخاري في الترجمة: (( باب: أبوال الإبل والدواب)).
وافق فيه أهل الظاهر وقاس أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال الإبل
ولذلك قال: (( وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين)» . ليدل
على طهارة أروات الدواب وأبوالها ، ولا حجة له فيه بيّنَة ؛ لأنه يمكن
أن يصلي في دار البريد على ثوب بَسطه فيه ، أو في مكان يابس لا
تَعْلق به نجاسة منه .
وقد قال عامة الفقهاء : إن من بَسَط على موضع نجس بُساطًا وصلى
عليه أن صلاته جائزة .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عليه السلام.
- ٣٤٧ -

۔۔
ولو صلى على السرقين بغير بساط لكان مذهبًا له ، ولم تجز
مخالفة الجماعة به
وذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، إلى أن
الأرواث كلها نجسة !
وقال مالك ، والثوري ، وزفر ، والحسن بن حي : ما أكل لحمه
فروثه ظاهر کبوله .
وقال الثوري في خرو الدجاج : ليس فيه إعادة وغسله أحسن .
((اجتووا المدينة)) واجتويت البلاد، إذا كرهتها وإن كانت موافقة
لك في بدنك .
واستوبلتها ، إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها .
:
و (( سمل)) و((سمر )) بمعنى واحد .
وقال صاحب الأفعال : سمر العين : فقأها .
والسُّرْقِين والسرجين : زبل الدواب .
*
باب : ما يقع من النجاسات في السمن والماء
وقال الزهري : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون .
وقال حماد : لا بأس بريش الميتة .
وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره : أدركت ناسًا من
سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها ، لا يرون فيها بأساً .
وقال ابن سيرين وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج .
فيه: ميمونة: « أن رسول الله والفر سُئل عن فأرة سقطت في سمن،
فقال: ألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم)) .
- ٣٤٨ -

وفيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: «كل كَلَّم يُكْلَمه المسلم في
سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إِذْ طعنت ، تَفَجر دمًا ، اللون لون دم
والعَرْفُ عَرْفُ مسك)) .
قال المؤلف: قول الزهري: (( لا بأس بالماء ما لم يغيره لون أو
طعم أو ريح)) . هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي ومذهب أهل
المدينة ، وهي رواية أبي مصعب عن مالك .
وقد روى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن
لم تظهر فيه . وهو قول الشافعي .
قال المهلب : وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان .
والكراهية لعين النجاسة وإن قلّت ، وهذا القول يستنبط من حديث
الفأرة / تموت في السمن ؛ لأنه عليه السلام منع من أكل السمن لما [٥٤٥/١-ب]
خشي أن يكون ( يسري شيء ) (١) من الميتة المحرمة ، وإن لم يتغير
لون السمن أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه .
قال المؤلف : وأما رواية أبي مصعب عن مالك الذي هو مذهب
أهل المدينة ، فإنه يستنبط من حديث الدم ، ووجه الدلالة منه أنه لما
انتقل حكم الدم بطيب الرائحة من النجاسة إلى الطهارة حين حكم له
في الآخرة بحكم المسك الطاهر ، وجب أن ينتقل الماء الطاهر بخبيث
الرائحة إذا حلت فيه نجاسة من حكم الطهارة إلى النجاسة .
وإنما ذكر البخاري حديث الدم في باب نجاسة الماء ؛ لأنه لم يجد
حديثًا صحيح السند في الماء فاستدل على حكم الماء المائع بحكم الدم
المائع ؛ إِذْ ذلك المعنى الجامع بينهما .
(١) في (( هـ )) : سرى فيه .
- ٣٤٩ -

فإن قال قائل : لما حكم للدم من النجاسة إلى حكم الطهارة بطيب
رائحته ، وحكم له في الآخرة بحكم المسك الطاهر ، إذ لا يوصف
فيها بطيب الرائحة شيء نجس ؛ وجب أن يحكم للماء إذا تغير ريحه
أو لونه أو طعمه بنجس حل فيه بحكم النجاسة لانتقاله من الطهارة
إلى النجاسة ، وخروجه عن حكم الماء الذي أباح الله به الطهارة ،
وهو الماء الذي لا يخالطه شيء يغيره عن صفته .
فإن قال قائل : إنه لما حكم للدم بالطهارة بتغير ريحه إلى الطيب
وبقي فيه اللون والطعم ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب ؛ وجب أن
يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد طاهر
وجب أن يكون طاهزاً يجوز الوضوء به .
۔۔
قيل : ليس كما توهمت ؛ لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة ،
فكان اللون والطعم تبعًا للطاهر ، وهو الريح الذي انقلب ريح
مسك، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه ، كان
الوصفان الباقيان تبعًا للنجاسة ، وكان الماء بذلك خارجًا عن حد
الطهارة لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهوراً ، وهو الماء
الذي لا يخالطه شيء ..
وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو طاهر عند أبي حنيفة ،
نجس عند مالك والشافعي ، لا يدهن فيها ولا يمتشط ، إلا أن مالكًا
قال : إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر ، والشافعي يقول : إن الذكاة لا تعمل
في السباع .
وقال الليث وابن وهب : إن غلي العظم في ماء سخن فطبخ جاز
الادهان به والامتشاط .
- ٣٥٠ -

ورخص عروة في بيع العاج .
وقال ابن المواز : ونهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل
والادهان فيه ، ولم يطلق تحريمها ؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة
أجازوا الامتشاط فيها .
قال ابن حبيب : وأجاز الليث وابن الماجشون ومطرف وابن وهب
وأصبغ الامتشاط بها والادهان ، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن
وهب ، قال : إذا غليت جاز بيعها ، وجعلت كالدباغ الجلد الميتة يدبغ
أنه يباع .
وقال مالك وأبو حنيفة : إن ذكي الفيل فعظمه طاهر . والشافعي
يقول : إن الذكاة لا تعمل في السباع ، ومن أجاز تجارة العاج فهو
عنده طاهر .
وأما ريش الميتة فطاهر عند أبي حنيفة كقوله في عظام الفيل ، بناءً
على أصله ، أن لا روح فيها ، وعند مالك والشافعي نجسة .
وقال ابن حبيب : لا خير في ريش الميتة ؛ لأنه له ( سنخ ) (١) إلا
ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه ، فلا بأس به إذا غُسل .
*
باب : لا يبول في الماء الدائم
فيه: أبو هريرة: قال رسول الله ﴾: ((نحن الآخرون السابقون)).
وبإسناده قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم
يغتسل فيه )) .
(١) السنخ : الرائحة المتغيرة ، انظر لسان العرب (مادة : سنخ ).
- ٣٥١ -

قال المهلب وغيره : النهي عن ( البول ) (١) في الماء الدائم مردود
إلى الأصول ، فإن کان الماء کثیرًا فالنهي عن ذلك على وجه التنزه ؛
لأن الماء على الطهارة حتى يتغير أحد أوصافه ، فإن كان الماء قليلا
فالنهي عن ذلك على الوجوب ؛ لفساد الماء بالنجاسة المغيرة له .
ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر [ هذا ] (٢) الحديث إلا رجل
جاهل نسب إلى العلم وليس من أهله ، اسمه داود بن علي ، فقال :
من بال في الماء الدائم فقد حرم عليه الوضوء به ، قليلا كان الماء أو
كثيراً ، فإن بال في إناء وصبه في / الماء الدائم جاز له الوضوء به ؛
لأنه إنما نهي عن البول فقط بزعمه ، وصبه للبول من الإناء ليس ببول
فلم ينه عنه ، قال: ولو بال خارجًا من الماء الدائم فسال فيه جاز له
أن يتوضأ به .
[١/ ق٥٥-٢]
قال : ويجوز لغير البائل أن يتوضأ فيما بال فيه غيره ؛ لأن النبي
إنما نهى البائل ، ولم ينه غيره .
وقال ما هو : أشنع من هذا : أنه إذا تغوط في الماء الدائم كان له
ولغيره أن يتوضأ منه ؛ لأن النهي إنما ورد في البول فقط ، ولم ينه عن
الغائط .
وهذا غاية في السقوط وإبطال المعقول ، ومن حمله طرد أصله في
إنكار القياس إلى التزام مثل هذا النظر ، فلا يشك في عناده وقلة
ورعه، نعوذ بالله من الخذلان ، وقد فطر الله العقول السليمة
[على](٣) منافرة قوله هذا ومضادته .
(١) في ((هـ)): التبول .
(٣) في (( الأصل)): عن. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من ( هـ)).
- ٣٥٢ -

وإنما أتي الرجل من جهله بالأسباب التي خرج عليها معنى الخطاب .
والنبي - عليه السلام - قد جمع في هذا الخبر معاني :
أحدها : تحريم الوضوء بالماء النجس ، والآخر : تأديبهم بأن
يتنزهوا عن البول في الماء الذي لا يجري فيحتاجون إلى الوضوء منه،
وهم على يقين من استقرار البول فيه ؛ لأن من سنته عليه السلام
النظافة وحسن الأدب ، فدعا الناس إلى ذلك .
والآخر : أنه زجرهم عن ذلك ؛ إذْ لو أطلق لهم البول في الماء
الدائم لأوشك أن يفسد الماء القليل ويتغير فيضيق وجود ماء طاهر على
كثير من الناس .
فيقال له : خبرنا عن البائل في البحر أو الحوض الكبير أو الغدير
الواسع الذي لا يتحرك بتحرك طرفه ، هل يجوز أن يتوضأ منه ؟ فإن
قال : لا . قال : ما تعرف أن الحق في خلافه ؟ وإن أجاز ذلك قيل
له: فقد تركت ظاهر الحديث ، وفي ضرورتك إلى تركك ظاهره ما
يوجب عليك أن تقول : إن معنى الحديث ما ذكرنا . قاله بعض
أصحاب أبي حنيفة .
وأما إدخال البخاري في أول الحديث (( نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة )) فيمكن - والله أعلم - سمع أبو هريرة ذلك من النبي في نسق
واحدٍ فحدث بهما جميعًا كما سمعهما . وقد ذكر مثل ذلك في كتاب
الجهاد ، وفي كتاب العبارة ، وفي كتاب الأيمان والنذور ، وفي كتاب
قصص الأنبياء ، وفي كتاب الاعتصام . ذكر في أوائل الأحاديث كلها:
(( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) ، ويمكن أن يكون همام سمع
ذلك ؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة ، وفي أوائلها
- ٣٥٣ -

(نحن الآخرون السابقون))، فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي
هريرة ، والله أعلم
وقد روى مالك في موطئه مثل هذا في موضعين :
أحدهما : قول عبد الكريم بن أبي المخارق و((إن مما أدرك الناس
من كلام النبوة [ الأولى ] (١) : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت،
ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . فحدث بهما جميعًا كما
سمعهما )) .
وفي الموضع الثاني : قول أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -:
((بينما رجل يمشي بطريق إذْ وجد غصن شوك (فأخذه ) (٢) فشكر
الله له، فغفر له)). قال : (( الشهداء خمسة : المطعون ، والمبطون،
والغرق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله)) .
ورواه جماعة عن مالك ، فزاد فيه : أن النبي - عليه السلام -
قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن
يستهموا عليه لاستهموا [ عليه ] (١)، ولو يعلمون ما في التهجير
لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا)).
قال عليه السلام: (( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك ... ))
إلى آخر الحديث في ذكر الشهداء ، وهي ثلاثة أحاديث في حديث
واحد .
(١) من (( هـ).
(٢) في ( هـ)) : فأخره
- ٣٥٤ -

باب : إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة
لم تفسد صلاته
قال : وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا وهو يصلي وضعه ومضى
في صلاته .
و[ قال ] (١) ابن المسيب والشعبي: إذا صلى وفي ثوبه دم أو جنابة ،
أو لغير القبلة ، أو تيمم وصلى ثم أدرك الماء في وقته ، لا يعيد .
وفيه : ابن مسعود : « أن النبي پے کان یصلي عند البيت وأبو جهل
وأصحابه جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجيء بسلا جزور بني
فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به ،
فنظر حتى إذا سجد النبي - عليه السلام - وضعه على ظهره بين كتفيه ،
وأنا أنظر لا أغني شيئًا ، لو كانت لي منعة ، فجعلوا يضحكون ويُحيل
بعضهم على بعض، ورسول الله وقالي ساجد لا يرفع رأسه حتى / جاءته [١/;٥٥-ب]
فاطمة فطرحته عن ظهره فرفع رأسه ثم قال : اللهم عليك بقريش -
ثلاث مرات - فشق عليهم إذْ دعا عليهم ... )) فذكر الحديث إلى قوله :
«فلقد رأيت الذین عَدّ رسول الله صرعی في قلیب بدر )) .
قال المهلب : إنما جعل السَّلا جيفة ؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ؛
فتكون ذبائحهم طاهرة ، وإنما كانوا مشركين لا كتاب لهم يذبحون به؛
فكانت ذبائحهم ميتة .
وأيضًا لو كان السَّلا من ذبائح المسلمين لكان نجسًا ؛ لكثرة الدم
فيه، ذكره مبينًا في كتاب الصلاة، فقال: (( أيكم يقوم إلى سلا جزور
-
(١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٥٥ -

آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها ؟ فانبعث أشقى القوم
وذكر الحديث .
ومعلوم أنهم كانوا مجوسًا لا كتاب لهم ، ففيه من الفقه : أن
غسل النجاسات في الصلاة سنة على ما قاله مالك والأوزاعي وجماعة
من التابعين .
وقد ذكر البخاري بعضهم في أول هذا الباب ، ولو كانت فرضًا ما
تمادى النبي - عليه السلام - في صلاته والفرث والدم على ظهره ،
ولقطع الصلاة .
فإن قيل : فإن هذه الصلاة كانت في أول الإسلام ، ويحتمل أن
تكون قبل أن تفرض عليه الصلاة، وتكون نافلة فلم يحتج إلى إعادتها.
قيل : لا نعلم ما كانت ، ولو كانت نافلة لكان سبيلها سبيل
الفرائض ، وأي وقت كانت هذه الصلاة ؛ فلا شك أنها كانت بعد
نزول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (١) لأن هذه الآية أول ما نزل
عليه من القرآن قبل كل صلاة فريضة أو نافلة ، وتأولها جمهور السلف
أنها في غير الثياب، وأن المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن
الدناءة والآثام .
قالوا : وقول ابن سيرين أنه أراد بذلك الثياب شذوذ ولم يقله
غيره.
وفي هذا الحديث من الفقه : أن من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه
في الصلاة أنه يتمادى في صلاته ولا يقطعها ، على ما قاله الكوفيون،
وهي رواية ابن وهب عن مالك . وسأذكر اختلاف قول مالك
(١) المدثر : ٤ .
- ٣٥٦ -

وأصحابه في هذه المسألة [ في كتاب الصلاة ] (١) في باب : المرأة
تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى - إن شاء الله .
وقد روي عن أبي مجلز أنه سئل عن الدم يكون في الثوب ،
فقال: إذا كبرت ودخلت في الصلاة ولم تر شيئًا ثم رأيته بعد فأتم
الصلاة . وعن أبي جعفر مثله .
واختلفوا فيمن صلى بثوب نجس ثم علم به بعد الصلاة .
فقال ابن مسعود ، وابن عمر ، وعطاء ، وابن المسيب ، وسالم ،
والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، وطاوس ، والزهري : لا إعادة
عليه . وهو قول الأوزاعي ، وإسحاق ، وأبي ثور .
وقال ربيعة ومالك : يعيد في الوقت .
وقال الشافعي وأحمد : يعيد أبدًا .
وأما من تعمد الصلاة بالنجاسة فإنه يعيد [ أبدًا ] (٢) عند مالك
وكثير من العلماء ؛ لاستخفافه بالصلاة إلا أشهب فقال : لا يعيد
المتعمد إلا في الوقت فقط .
قال المهلب : وفيه أن من أوذي فله أن يدعو على من آذاه ، كما
دعا النبي - عليه السلام - على كفار قريش .
قال المؤلف : هذا إذا كان الذي آذاه كافرًا ؛ فإن كان مسلمًا
فالأحسن ألا يدعو عليه ؛ لقول النبي لعائشة حين دعت على السارق:
« لا تسبخي عنه بدعائك عليه » .
ومعنى لا تسبخي عنه أي : لا تخففي عنه ، والتسبيخ : التخفيف.
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الصلاة. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٥٧ -

عن صاحب ((العين)) . وقال المهلب : وفيه : بركة دعوة النبي -
عليه السلام - وأنها أُجيبت فيمن دعا عليه .
وقال أبو عبيد : السلا : الجلدة التي يكون فيها الولد .
قال ابن دريد : وهي المشيمة .
وقوله: ((لو كانت لي منعة)) : يريد قوة أمتنع بها .
قال صاحب ((العين)): [ يقال] (١): رجل منيع : في عِزْ
ومنعة، وقد منع مناعةً ومنعًا .
وقوله : (( ويحيل بعضهم على بعض )) يعني : ينسب ذلك بعضهم
إلى بعض من قولك : أحلت الغريم إذا جعلت له أن يتقاضى ماله
عليك من غيرك ، ويحتمل أن يكون من قول العرب : حال الرجل
على ظهر الدابة حولا ، وأحال : وثب .
وفي الحديث : (( أن النبي - عليه السلام - لما صبح أهل خيبر
غدوة فرآه أهلها ، أحالوا إلى الحصن )) أي : وثبوا إليه .
و((القليب)): البئر قبل أن تطوى .
وإنما سميت بدر بدرًا ؛ ببدر بن قريش بن الحارث بن مخلد بن
النضر بن كنانة ، وهو الذي احتفرها ، فنسبت إليه . عن الخشني .
[١/ ق٥٦-١)
باب : البصاق والمخاط / ونحوه في الثوب
وقال عروة [ عن] (٢) المسور ومروان: ((خرج رسول الله وَ طقه زمن
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): يراد .
(٢) في (( الأصل)): بن. وهو خطأ، والمثبت من (( هـ، ن).
- ٣٥٨ -

الحديبية ... )) فذكر الحديث (( وما تنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف
رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده )) .
فيه: أنس قال: (( بصق النبي - عليه السلام - في ثوبه )).
هذا الباب يدل على أن البزاق والمخاط طاهر ، وهو أمر مجمع
عليه لا أعلم فيه اختلافًا ، إلا ما روي عن سلمان الفارسي صاحب
رسول الله أنه جعله غير طاهر ، وأن الحسن بن حي كرهه في الثوب
وذكر الطحاوي عن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه .
وما ثبت عن النبي - عليه السلام - من خلافهم هي السنة المتبعة
والحجة البالغة ، فلا معنى لقولهم [ و] (١) قد أمر النبي المصلي أن
يبزق عن يساره أو تحت قدمه ، وبزق عليه السلام في طرف ردائه ،
ثم رد بعضه على بعض وقال : أو تفعل هكذا .
قال الطحاوي : وهذا حجة في طهارته ؛ لأنه لا يجوز أن يقوم
المصلي على نجاسة ، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة .
باب : لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر
وكرهه الحسن وأبو العالية .
وقال عطاء : التيمم أحب إلي من الوضوء بالنبيذ واللبن .
فيه : عائشة، قال عليه السلام: (( كل شراب أسكر فهو حرام)).
اختلف العلماء في الوضوء بالنبيذ :
-
(١) من ( هـ)).
- ٣٥٩ -

فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد : لا يجوز الوضوء
بالنبيذ، فَيِّهِ ومَطبُوخِه ، مع عدم الماء ووجوده ؛ تمرًا كان أو غيره ،
فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء [به](١).
وأجاز الحسن الوضوء بالنبيذ .
قال الأوزاعي: يجوز الوضوء بسائر الأنبذة . وروي هذا عن علي.
قال أبو حنيفة : لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء ؛ فإذا عدم
فيجوز بمطبوخ التمر خاصة إذا أسكر ، فأما النيئ والنقيع فلا يجوز
الوضوء به .
وقال محمد بن الحسن : يتوضأ به ثم يتيمم .
قال الطحاوي : واحتج الذين أجازوا الوضوء بالنبيذ بما رواه ابن
لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن
عباس: (( أن ابن مسعود خرج ليلة الجن مع رسول الله ، فسأله
رسول الله : أمعك ماء ؟ قال : معي نبيذ في إداوتي . فقال
رسول الله: اصبب عليَّ. فتوضأ به وقال: ( شراب) (٢) وظهور)).
و[ بما ] (٣) رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد [ بن ] (٤)
جدعان ، عن أبي رافع مولى ابن عمر ، عن ابن مسعود : (( أنه كان
مع رسول الله ليلة الجن ، وأنه احتاج عليه السلام إلى ماء يتوضأ به،
ولم يكن معه إلا النبيذ ، فقال : تمرة طيبة وماء طهور، وتوضأ به )) .
(١) من ( هـ).
(٢) في (( هـ)): تمرات.
(٣) في ((الأصل، وهـا)): لما .
(٤) في ((الأصل)): عن. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)).
- ٣٦٠ -