Indexed OCR Text

Pages 301-320

باب : الوضوء من التور
وفيه : (( فمسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر .. )) وذكر الحديث .
وفيه : أنس أن النبي - عليه السلام -: (( دعا بإناء من ماء فأتي بقدح
رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه فجعلت أنظر إلى الماء ينبع
م
من بين أصابعه {لچر)).
قال المؤلف : بهذا الحديث احتج الحسن بن حيّ ومن أجاز أن يبدأ
المتوضئ بمسح الرأس من مؤخره ، وليس كما ظن ؛ لأن الواو لا توجب
رتبة ؛ لأن قوله: ((فأدبر بيديه وأقبل )» يحتمل التقديم والتأخير ، ولو
بدأ عليه السلام في مسح رأسه بمؤخره -على ما جاء في هذا الحديث-
لم يدل ذلك على أَنَّ سنةَ مسح الرأس أن يبدأ بمؤخره؛ لأن هذه الفعلة
إنما كانت نادرة منه وَّ﴿ وَفَعَلَهَا لِيُرِي أمته السعة في ذلك، وقد كان
يفعل طوال دهره ما روى مالك في حديث عبد الله ابن زيد: ((أن
رسول الله مسح رأسه فبدأ بمقدمه ثم ذهب [ بهما ] (١) إلى قفاه)).
وهذا يرفع الإشكال في ذلك على ما بيناه .
وقوله: (( قدح رحراح )) هو القصير الجدار القريب القعر .
وقال ابن قتيبة : يقال إناء رحراح ورحرح إذا كان واسعًا .
قال الحربي : ومنه الرحرح في حافر الفرس ، وهو أن يتسع حافره
ويقل عمقه . قال الأصمعي : ويكره في الخيل .
وقال أبو عبيد : المخضب مثل الإجانة التي تغسل فيها الثياب ، وقد
يقال لها : المركز أيضًا .
(١) من (( هـ)).
- ٣٠١ -

[١/ق٤٧-١]
باب : الوضوء بالمد
/ فيه: أنس: (( كان عليه السلام يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ثم
یتوضأ بالمد)» .
قال أبو عبيد : اختلف أهل العراق وأهل الحجاز في مبلغ المد
والصاع كم هو ؟
فذهب أهل العراق إلى أن الصاع: ثمانية أرطال ، والُدّ : رطلان
واحتجوا بما رواه سهل بن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن حميد ،
عن أنس بن مالك قال: ((كان رسول الله (ص84* يتوضأ برطلين ويغتسل
بالصاع)). قالوا: فإذا ثبت أن المدّ رطلان ثبت أن الصاع ثمانية
أرطال .
وذهب أهل المدينة إلى أن الُمدّ ربع الصاع وهو رطل وثلث ،
والصاع خمسة أرطال وثلث . وهو قول أبي يوسف وإليه رجع حين
ناظره مالك في زنة المُدّ وأتاه بِمُدِّ أبناء المهاجرين والأنصار وراثة عن
النبي - عليه السلام - بالمدينة . وهو قول إسحاق بن راهويه ..
وحديث أنس لا حجة لأهل العراق فيه ؛ لأنه قد روي بخلاف ما
ذكروه ، رواه شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبير أنه سمع أنس بن
مالك يقول: (( كان رسول الله يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمسة
مكاكي)). وهذا بخلاف ما رواه عن أنس ، والمكوك عندهم : نصف
رطل إلى ثماني أواقي .
واختلفوا هل يجزئ الوضوء بأقل من المد والغسل بأقل من الصاع؟
فقال قوم : لا يجزئ أقل من ذلك لورود الخبر به . هذا قول
الثوري والكوفيين .
- ٣٠٢ -

وقال آخرون : ليس المد والصاع في ذلك بحتم ، وإنما ذلك إخبار
عن القدر الذي كان يكفيه عليه السلام لا أنه حد لا يجزئ دونه ،
وإنما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصاد وترك السرف .
والمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل ولا يزيد على
ذلك ؛ لأن السرف ممنوع في الشريعة .
وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: (( سيكون في هذه الأمة قوم
يعتدون في الطهور والدعاء )) .
وإلى هذا ذهب مالك وطائفة من السلف ، وهو قول الشافعي
وإسحاق .
وقال سعيد بن المسيب : إن لي ركوة - أو قدحًا - يسع نصف المد
أو نحوه وأنا أتوضأ منه وربما فضل فضل .
وعن سليمان بن يسار مثله .
وتوضأ القاسم بن محمد بقدر نصف المد وزيادة قليل .
وقيل لأحمد بن حنبل : إن الناس في الأسفار ربما ضاق عليهم الماء
أفيجزئ الرجل أن يتوضأ بأقل من المد ؟ فقال : إذا أحسن أن يتوضأ به
وغسل فلم يمسح يجزئه .
وقال ابن أبي زيد : القليل من الماء مع إحكام الوضوء سنة ،
والإسراف فيه غلو وبدعة .
وهذا كله رد على الإباضية ، ومن رأى أن قليل الماء لا يجزئ ،
والسنة حجة على من خالفها .
- ٣٠٣ -

باب : المسح على الخفين
فيه : سعد بن أبي وقاص: (( أن النبي - عليه السلام - مسح على
الخفین)) .
وأن عبد الله بن عمر سأل أباه عن ذلك فقال: (( إذا حدثك سعد عن
النبي - عليه السلام - فلا تسأل عنه غيره )) .
وفيه : المغيرة بن شعبة: (( أن النبي - عليه السلام - خرج لحاجته ،
فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء ، فصب عليه حين فرغ من حاجته ، فتوضأ
ومسح على الخفين )»
وفيه: عمرو بن أمية الضمري أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله وَاليهود
يمسح على الخفين .
رواه شيبان وأبان وجرب عن يحيى [ بن ](١) أبي كثير .
[ ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير] (٢)، عن أبي سلمة، عن
جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه قال: (( رأيت النبي - عليه السلام -
مسح علی عمامته و خفیه )) .
وتابعه معمر عن يحيى [ عن](٣) أبي سلمة عن عمرو ((رأيت النبي
عليه السلام ... )) .
اتفق العلماء على جواز المسح على الخفين ، ورويت فيه عن مالك
روايات ، والذي استقر عليه مذهبه جوازه .
وقالت الخوارج : لا يجوز أصلا ؛ لأن القرآن لم يَرِدْ به .
(٢) من (( هـ)).
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت من ((هـ)).
(٣) من ((هـ))، وفى ((الأصل): بن.
- ٣٠٤ -

وقالت الشيعة : لا يجوز ؛ لأن عليّا امتنع منه .
وحجة الجماعة ما رُوي فيه عن الرسول من الطرق التي اشتهرت ،
وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحضر ولا في السفر .
فممن نقل ذلك عنه عليه السلام : عمر بن الخطاب ، وعلي ،
وسعد ، وابن مسعود ، والمغيرة ، وخزيمة بن ثابت ، وابن عباس ،
وجرير بن عبد الله ، وأنس ، وعمرو بن العاص ، وأبو أيوب ، وأبو
أمامة الباهلي ، وسهل بن سعد ، وقيس بن سعد ، وأبو موسى
الأشعري، وجابر ، وأبو سعيد ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو مسعود
الأنصاري ، وجابر بن سمرة ، والبراء بن عازب ، وأبو بكرة ،
/ وبلال ، وصفوان بن عسال ، وغيرهم حتى قال الحسن البصري: [١/ ق٤٧ -ب]
حدثني سبعون من أصحاب محمد أنه مسح على الخفين ، فجرى
مجرى التواتر .
وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة ؛ فسقط
بهذا قول من يقول : آية الوضوء مدنية والمسح منسوخ بها ؛ لأنه متقدم
وغزوة تبوك آخر [ غزوة ] (١) كانت بالمدينة ، والمائدة نزلت بالمدينة
قبل هذا .
و[قد ] (٢) تأول جماعة من الفقهاء قوله عز وجل : ﴿وامسحوا
برءوسكم وأرجلكم﴾(٣) في قراءة من خفض، أراد إذا كانا في الخفين.
ومما يدل أيضًا أن المسح غير منسوخ : حديث جرير أنه : (( رأى
النبي - عليه السلام - مسح على الخفين )) ، وكان يعجبهم ؛ لأن
جريرًا أسلم بعد المائدة فأعجبهم حين رأوا المسح عن النبي - عليه
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : غزوات .
(٣) النساء : ٤٣، والمائدة : ٦.
(٢) من (( هـ)).
- ٣٠٥ -

السلام - بعد نزول المائدة ، ولم يقل لهم النبي عند نزول المائدة أن
هذه الآية قد نسخت المسح على الخفين .
وأيضًا فإن حديث المغيرة في المسح كان في السفر ؛ فأعجبهم
استعمال جرير له في الحضر وأنه لم ينسخه شيء ذكره البخاري في
كتاب الصلاة .
ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن
عباس ، وقد رُوي عن علي وعائشة وأبي هريرة وأبي أيوب .
فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد رُوي عنهما خلاف ذلك في موافقة
سائر الصحابة .
وقيل لأحمد بن حنبل : ما تقول فيما رُوي عن ابن عباس وعائشة
وأبي أيوب في إنكار المسح ؟ فقال : إنما رُوي عن أبي أيوب أنه قال :
حبب إليّ الغسل . فإن ذهب ذاهب إلى مثل هذا القول ولم ينكر
المسح : لم نعبه وصلينا خلفه .
وقد كان مالك يذهب إلى ذلك ولم ينكر المسح ، وإن ترك المسح
ولم يره كما صنع أهل البدع فلا نصلي خلفه .
وقال أبو محمد الأصيلي : ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ.
الأوزاعي ، لأن شيبان روى الحديث عن يحيى بن أبي كثير ولم يذكر
العمامة، وتابعه [ حرب ] (١) بن شداد وأبان العطار ، فهؤلاء ثلاثة
من رواة يحيى بن أبي كثير خالفوا الأوزاعي ، فوجب تغليب الجماعة.
على الواحد ، وأما متابعة معمر [ الأوزاعي ] (٢) فهي مرسلة وليس.
فيها ذكر العمامة .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): حديث.
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): والأوزاعي.
- ٣٠٦ -
٠٠

روى عبد الرزاق عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي
سلمة، عن عمرو بن أمية قال: ((رأيت رسول الله وَلله يمسح على
خفيه )) .
هكذا وقع في مصنف عبد الرزاق ، ولم يذكر العمامة ، وأبو سلمة
لم يسمع من عمرو وإنما سمع من ابنه جعفر فلا حجة فيهما .
وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أن حديث عمرو بن أمية في
المسح على العمامة مرسل .
واختلف العلماء في المسح على العمامة ، فممن كان يمسح عليها :
أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وأنس بن مالك ، وأبو أمامة،
وسعد بن أبي وقاص ، وأبو الدرداء ، وبه قال الثوري ، والأوزاعي،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .
وممن كان لا يرى المسح عليها : عَليّ ، وابن عمر ، وجابر .
ومن التابعين: [ عروة ] (١) والنخعي ، والشعبي، والقاسم ، وبه
قال مالك ، وأبو حنيفة ، [ والشافعي ] (٢)، واحتجوا بقوله تعالى:
﴿وامسحوا برءوسكم﴾ (٣)، ومن مسح على العمامة لم يمسح برأسه.
وأجمعوا أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه
فكذلك الرأس .
وقال ابن وهب عن ابن جريج ، عن عطاء بلغنا (( أن رسول الله
كان يتوضأ وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه ولا يحلها ثم يمسح برأسه
ثم يعيد عمامته )).
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): حمزة.
(٢) من (( هـ )).
(٢) النساء : ٤٣، والمائدة : ٦ .
- ٣٠٧ -

وقال ابن وهب : حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم،
عن أبي معقل ، عن أنس بن مالك قال : (( رأيت النبي يتوضأ وعليه
عمامة قطرية ، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم
ينقض العمامة ))
واختلف العلماء في صفة المسح على الخفين ، فذهب ابن عمر
وسعد بن أبي وقاص إلى أَنَّ الكمال والسنة : مسح أعلاهما
وأسفلهما، وبه قال مالك والشافعي .
وقال ابن القاسم : لو مسح رجل ظاهر الخف ثم صلى فَأَحَبُّ إليّ
أن يعيد في الوقت ؛ لأن عروة كان لا يمسح بطونهما .
فهذا يدل على أنه إن اقتصر على [ الظهور دون البطون ] (١) أنه
يجزئه في مذهب مالك .
وقالت طائفة : إن الممسوح أعلى الخف ؛ فإن أسفله ليس بمحل
للمسح لا مسنونًا ولا جائزًا ، وذكر أنه قول أنس بن مالك ، وهو
مذهب الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة .
واحتجوا بما رووه عن المغيرة: (( أن النبي مسح على ظهور خفیه ))،
والذي ذكر البخاري في هذا الباب عن سعد والمغيرة (( أن النبي مسح
على الخفين)) . دون ذكر أعلاهما أو أسفلهما ، وهذا لفظ محتمل
للتأويل أن يفعل في الخف ما يسمى مسحًا إلا أن الصحابة مجمعة أنه
[٤٨٥/١-١] إن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزئه ، وهو قول / فقهاء الأمصار.
وذكر المزني عن الشافعي أنه يجوز الاقتصار على أسفل الخف دون
أعلاه . وذكره ابن عبد الحكم عن أشهب .
(١) في ((الأصل)): البطون دون الظهور. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٠٨ -

واختلفوا في الخف المخرق يمسح عليه ؟
فقال مالك : يمسح إذا كان خَرْقًا يسيرًا لا يظهر منه القدم . وقال
بعض أصحابه : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من لبسه والانتفاع به .
وهو قول الليث والشافعي .
وقال الثوري : يمسح وإن تفاحش خرقه وما دام يسمى خُفّا ، وقد
كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخرق . وهو قول أبي
ثور وإسحاق .
وقال الأوزاعي : يمسح الحُفَّ وما ظهر من القدم . وهو قول
الطبري في جواز المسح على القدمين .
وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه
الجورب ، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يمسح إذا ظهر من الرِّجْل أقل من ثلاثة
أصابع ولا يمسح إذا ظهر ثلاثة أصابع .
باب : إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان
فيه : المغيرة: (( كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر ، فأهويت
لأنزع خُفيه ، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين. فمسح عليهما )).
قال المؤلف : من هذا الحديث قال مالك وجميع الفقهاء أنه من
لبس خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما؛ لقوله: (( دعهما فإني
أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما)) . وهذا تعليم منه عليه السلام
السبب الذي يبيح المسح على الخفين وهو إدخاله لرجليه وهما طاهرتان
بطهر الوضوء .
- ٣٠٩ -

واختلفوا فيمن قدم غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل له
أن يمسح عليهما إن أحدث ؟
فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يجوز له أن يمسح
عليهما حتى يكون طاهرًاً الطهارة التامة قبل لبسهما أو لبس أحدهما ،
وحجتهم ظاهر الحديث .
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني : يجوز له المسح عليهما ، وكذلك
إذا غسل إحدى رجليه ولبس . وهو قول مطرف من أصحاب مالك .
وحديث المغيرة يرد هذا القول ؛ لقوله: (( دعهما فإني أدخلتهما
طاهرتين)) . فجعل العلة في جواز المسح وجود اللبس والرجلان
طاهرتان بطهر الوضوء .
واحتج الطحاوي للكوفيين فقال : يجوز أن يقال : إن رجليه
طاهرتان إذا غسلهما وإن لم يكمل الطهارة ، كما يقال : صلى ركعة
وإن لم تتم صلاته .
وقال آخرون منهم : وإنما يراعى الحدث ، والحدث لا يرد إلا على
طهارة كاملة فهو كمن لم يقدم رجليه .
وحجة مالك أن من لبس خفيه قبل كمال طهارته فكأنه لبسهما قبل
غسل الرجلين بدليل الحديث .
ومن هذه المسألة تفرع الجواب فيمن لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل
الرجل اليسرى .
فعند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يمسح ؛ لأنه لبس الخف
الأولى قبل تمام طهارته .
- ٣١٠ -

وقال الثوري وأبو حنيفة والمزني : يجوز له أن يمسح عليهما . وهو
قول مطرف .
وقال سحنون : لا يمسح إلا أن يخلع اليمنى فقط .
وأجمعوا أنه لو نزع الخف الأولى ثم لبسهما بعد ، جاز له المسح.
واختلفوا فيمن نزع خفيه بعد المسح عليهما :
فقال النخعي ومكحول والأوزاعي في رواية : يعيد الوضوء ، وهو
قول أحمد وإسحاق .
وقال الكوفيون والمزني وأبو ثور : يغسل قدميه ، وعن الأوزاعي
مثله .
واختلف قول الشافعي مثل قول الأوزاعي ، فمرة قال : يتوضأ ومرة
قال : يغسل قدميه .
وقال مالك والليث : يغسل رجليه مكانه فإن تطاول أعاد الوضوء .
وقال الحسن البصري وابن أبي ليلى وقتادة ورواية عن النخعي : إذا
نزع خفيه بعد المسح صلى وليس عليه شيء .
وحجة هذا القول : الإجماع على أنه من مسح برأسه في الوضوء
ثم حلقه أنه لا يستأنف مسحه فكذلك رجليه .
وإن نزع أحد خفيه بعد المسح ، فقال مالك والليث والكوفيون
والأوزاعي والشافعي : يغسل رجليه جميعًا .
ورُوي عن الثوري أنه قال : كان بعضهم يقول : يغسل إحدى
رجليه . وهي رواية المعافري عن الثوري .
- ٣١١ -

[ وروى أشهب عن مالك : أنه يجزئه غسل تلك الرجل فقط
وروی عیسى عن ابن القاسم مثله ] (١) .
قال المهلب : وفيه المسح في السفر بغير توقيت ، واختلف العلماء
في ذلك ، فقال مالك والليث : لا وقت للمسح على الخفين ،
[٤٨٥/١-ب) وللمسافر والمقيم / أن يمسح ما بدا له ، وروي هذا عن عمر بن
الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وعقبة بن عامر ، وابن عمر ، وبه
قال الحسن البصري
وقال الكوفيون والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد : يمسح المقيم
يومًا وليلة ، ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، ورووا في ذلك آثارًاً
كثيرة عن النبي - عليه السلام - وصححها قوم ، ودفعها آخرون .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : حديثان لا أصل لهما : التوقيت في
المسح ، والتسليمتان
قال المهلب : في حديث المغيرة خدمة العالم ، وأن للخادم أن
يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها ؛ لقوله: « أهويت
لأنزع خفیه » .
قال [ غيره] (١): وفيه إمكان الفهم عن الإشارة ، ورد الجواب.
بالعلم على ما يفهم من الإشارة ؛ لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين ؛
ففهم عنه عليه السلام ما أراد فأفتاه بأنه يجزئه المسح .
(١) من (( هـ).
- ٣١٢ -

باب : من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق
وأکل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا ولم يتوضئوا .
فيه: ابن عباس: (( أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ».
ورواه عمرو بن أمية عن النبي - عليه السلام .
واختلف السلف قديمًا في هذه المسألة :
فذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من أكل ما غيرت النار وهم :
عائشة وأم حبيبة زوجا النبي ◌َطلال ، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت ،
وأبو موسى الأشعري ، واختلف في ذلك عن ابن عمر ، وأبو طلحة،
وأنس ، وبه قال خارجة بن زيد ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وابن
المنكدر ، وابن شهاب ، وعمر بن عبد العزيز، وهؤلاء كلهم مدنيون.
وقال به من أهل العراق : أبو قلابة ، والحسن البصري ، وأبو
مجلز ، وذهبوا في ذلك إلى ما روى ابن أبي ذئب ، عن الزهري،
عن عبد الملك بن أبي بكر ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه
قال: قال رسول الله: ((توضئوا مما غيرت النار)).
وبما رواه ابن شهاب ، عن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان أنه
سأل عروة عن ذلك فقال: ((سمعتَ عائشة تقول : قال رسول الله
وَ لثر: توضئوا مما غيرت النار)).
وقال آخرون : لا يتوضأ مما مست النار . وممن قال [ بذلك ] (١)
أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي
ابن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو أمامة ، وأُبيّ بن
كعب ، وأبو الدرداء .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ذلك.
- ٣١٣ -

وهو قول مالك ، والثوري في أهل الكوفة ، والأوزاعي في أهل
الشام ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ؛ وأبي ثور .
واحتجوا بحديث هذا الباب (( أن النبي - عليه السلام - أكل كتف
شاة ثم صلى ولم يتوضأ)) ، وقالوا : هذا كان آخر الأمرين من
رسول الله .
قال الطحاوي : والدليل على ذلك ما حدثنا أبو زرعة الدمشقي ،
حدثنا علي بن عياش ، حدثنا سعيد بن أبي [ حمزة ] (١) عن محمد
ابن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال: ((كان آخر الأمرين من
رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)) .
وحدثنا ابن خزيمة ، حدثنا حجاج ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ،
عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : (( أن النبي -
عليه السلام - أكل ( ثور أقط) (٢) يومًا [فتوضأً ] (٣) ثم أكل كتفًا
فصلى ولم يتوضأ )) .
فثبت أن آخر الأمرين منه عليه السلام ترك الوضوء مما غيرت النار
وأنه ناسخ لما قبله .
وقال حماد بن زيد سمعت خالدًا الحذاء يقول : كانوا يرون أن
الناسخ من حديث رسول الله ما كان عليه أبو بكر وعمر .
وقال حماد : سمعت أيوب ، قلت لعثمان البتي : إذا سمعت أبدًا
اختلافًا عن النبي - عليه السلام - فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر
فشد عليه يدك .
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): بياض.
(٢) أي قطعة من الأقط، وهو لبن جامد مستحجر، انظر النهاية (٢٢٨/١).
(٣) من (( هـ))، وشرح معاني الآثار (٦٧/١).
· ،
- ٣١٤ -

وروى محمد بن الحسن عن مالك قال : إذا جاء عن النبي - عليه
السلام - حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين
وتركا الآخر ؛ كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به .
وقال الأوزاعي : كان مكحول يتوضأ مما مست النار ، فلقي عطاء
ابن أبي رباح فأخبره أن أبا بكر الصديق أكل كتفا ، ثم صلى ولم
يتوضأ . فترك مكحول الوضوء فقيل له : تركت الوضوء ؟! فقال :
لأن يقع أبو بكر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف
رسول الله .
وقد ذهب قوم ممن تكلم في غريب الحديث إلى أن قوله عليه
السلام: ((توضئوا مما غيرت النار)) . أنه عنى به غسل اليد ، وهذا
لا معنى له ، ولو كان كما ظن لكان دسم ما لم تغيره النار وغيره
لا تغسل منه اليد ، وهذا يدل على قلة علمه بما جاء عن السلف / في ٤٩.٥/١٦-]
ذلك من التنازع في إيجاب الوضوء واختلاف الآثار في ذلك عن
النبي- عليه السلام.
قال الطحاوي : والحجة في ذلك من جهة النظر : أنَّا رأينا أن كل
ما مسته النار أن أكلها قبل مماسة النار إياها لا ينقض الوضوء ، فأردنا
أن ننظر هل للنار حكم يجب في الأشياء إذا مستها النار فينقل حكمها
إليها ؟ فرأينا [ الماء ] (١) طاهرًا يؤدى به الفرض ، ثم رأيناه إذا سخن
أن حكمه في الطهارة على ما كان عليه قبل مماسة النار له ، فكان في
النظر أن الطعام الطاهر الذي لا يكون أكله قبل مماسة النار حدثا ؛ إذا
(١) في (( الأصل)): النار والماء. وكلمة النار مقحمة، وهي غير موجودة في
((ه).
- ٣١٥ -

مسته النار لا تنقله عن حاله ولا تغير حكمه ، ویکون حکمه بعد
مسيس النار إياه كحكمه قبل ذلك ؛ قياسًا ونظرًاً .
وفرق أحمد بن حنبل وإسحاق بين أكل لحوم الإبل وغيرها ،
فقالا: إن أكل لحوم الإبل نيئًا أو مطبوخًا فعليه الوضوء.
واحتج أحمد بما رواه سفيان عن سماك ، عن جعفر بن أبي ثور،
عن جابر بن سمرة قال: (( سُئل النبي - عليه السلام - أنتوضأ من
لحوم الإبل ؟ فقال : نعم . فقيل : أفنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال :
لا » .
وهذا لو صح ؛ لكان منسوخًا بما ذكرنا : أن آخر الأمرين ترك
الوضوء مما مست النار .
وقد يحتمل أن يكون الوضوء محمولا على الاستحباب والنظافة
لشهوكة الإبل لا على الإيجاب ؛ لأن تناول الأشياء النجسة مثل الميتة
والدم ولحم الخنزير لا ينقض الوضوء فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة
أولى .
باب : من مضمض من السويق ولم يتوضأ
فیه : سوید بن النعمان : « أنه خرج مع رسول الله پڼ عام خیبر حتى إذا
کانوا بالصهباء - وهي أدنی خیبر - فصلى العصر ثم دعا بالأزواد ، فلم
يؤت إلا بالسويق ، فأمر به فثري ، فأكل منه رسول الله يقلق وأكلنا ، ثم
قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ)) .
وفيه : ابن عباس: (( أن الرسول أكل عند ميمونة كتفًا ثم صلى ولم
یتوضأ )».
- ٣١٦ -

قال المهلب: في حديث سويد أن النبي وَ الر مضمض من السويق،
وليس في حديث ابن عباس ذكر المضمضة ولا في واحد من الحديثين
أنه عليه السلام غسل يده من ذلك ، فمباح للإنسان أن يفعل من ذلك
ما شاء .
قال : ومعنى المضمضة من السويق - وإن كان لا دسم له - أنه
تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم ؛ فيشتغل - تتبعه بلسانه -
المصلي عن صلاته .
قال غيره : في حديث سويد من الفقه إباحة اتخاذ الزاد في السفر،
وفي ذلك رد على الصوفية الذين يقولون: لا يَدَّخِرْ لِغَدِهِ .
وفيه من الفقه : نظر الإمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد وجمعها؛
ليقوت من لا زاد معه من أصحابه .
وفيه : أن القوم إذا فني أكثر زادهم فوجب أن يَتَوَاسَوا في زاد من
بقي من زاده شيء ، فإن أراد الذي بقي من زاده أن يأخذ فيه الثمن
فذلك له إن كان عند القوم ثمن ، وإن كان ثمنه ( قدرًا ) (١) اجتهد
فيه بلا بدل ، فإن لم يكن عندهم ثمن فواجب عليهم أن يتواسوا إلى
أن يخرجوا من سفرهم إلى موضع يجدون الزاد فيه ؛ لأن على المسلم
أن يواسي أخاه ، وقد جاء في الحديث (( لا يحل لمسلم أن يعلم أن
جاره طاوٍ إلى جنبه وهو شبعان ( لا يرفقه ) (٢) بما يمسك مهجته )) .
وفيه : أن للسلطان أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام إلى الأسواق
عند قلته ؛ فيبيعونه من أهل الحاجة بسعر ذلك اليوم .
وقوله : ((فثُريَ)) يعنى بُلَّ بالماء ؛ لما كان لحقه من اليبس والقدم ،
(١) كذا في ((الأصل))، وفي (( هـ)): بزرًاً.
(٢) في (( هـ)): لا يرمقه .
- ٣١٧ -

ومنه قيل للثرى ثرى ؛ لرطوبته . وقال صاحب الأفعال : يقال ثريت
الأرض وأثرت [ إذا ] (١) وصل ندى المطر إلى [ ثراها ] (٢).
باب : هل يمضمض من اللبن
*
فیه : ابن عباس: ( أن رسول الله پ# شرب لبنا فمضمض وقال : إن له
دسمًا)).
قال المهلب: ((إن له دسمًا)) قد بين العلة التي من أجلها أُمروا
بالوضوء مما مست النار في أول الإسلام ، وذلك - والله أعلم - على
ما كانوا عليه من قلة التنظف في الجاهلية ، فلما تقررت النظافة
[٤٩٥/١-ب] وشاعت في الإسلام ؛ نسخ الوضوء / تيسيراً على المؤمنين .
وفيه : أن مضمضة الفم عند أكل الطعام من أدب الأكل .
باب : الوضوء من النوم ومن لم ير من النعسة
والنعستين والخفقة وضوءاً
فيه: عائشة أن رسول الله # قال: « إذا نعس أحدکم وهو يصلي
فليرقد حتى يذهب عنه النوم ؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو (راقد ) (٣)
لعله یستغفر فیسب نفسه » .
وفيه : أنس أن النبي - عليه السلام - قال: « إذا نعس أحدکم فلینم
حتى يعلم ما يقرأ)).
(١) من (( هـ ).
(٢) في ((الأصل)): ثرائها. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ( هـ ) : ناعس.
- ٣١٨ -

قال المهلب : قوله عليه السلام: ((إذا نعس أحدكم فليرقد )). هو
في صلاة الليل ؛ لأن صلوات الفرض ليست من نهاية الطول ولا في
أوقات النوم فيحدث فيها مثل هذا ، وقد ذكر عليه السلام العلة الموجبة
لقطع الصلاة ؛ وذلك أنه خاف عليه إذا غلب عليه النوم أن يخلط
الاستغفار بالسب .
قال المهلب : ومن صار في مثل هذه الحال مِن ثِقَلِ النوم فقد
انتقض وضوءه بإجماع ، فَأَشْبَهَ مَنْ نهاه الله - تعالى - عن مقاربة
الصلاة في حال السكر بقوله تعالى : ﴿ولا تقربوا الصلاة وأنتم
سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ (١) .
وقد قال الضحاك في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنتم سكارى ﴾ (١) أنه
النوم .
والأكثر أنها نزلت في سكر الخمر ، وبَيِّن حديث عائشة وحديث
أنس في هذا أن المعنى واحد ؛ لأن من أراد أن يستغفر ربه فيسب نفسه
فقد حصل من فقد العقل في منزلة من لا يعلم ما يقول من سكر
الخمر التي نهى الله تعالى عن مقاربة الصلاة فيها ، ومَنْ كان كذلك
فلا تجوز صلاته ؛ لأنه فقد عقله الذي خاطب الله أهله بالصلاة
والفرائض ، ورفع الخطاب بذلك والتكليف عمن عدمه .
ودلت الآية على ما دل عليه الحديثان ، أنه لا ينبغي للمصلي أن
يقرب الصلاة مع شاغل له عنها ، أو حائل بينه وبينها ؛ لتكون همه لا
هم له غيرها ، وأن من استثقل نومه فعليه الوضوء ، وهذا يدل أن
النوم اليسير بخلاف ذلك .
(١) النساء : ٤٣ .
- ٣١٩ -

وأجمع الفقهاء على أن النوم القليل الذي لا يزيل العقل لا ينقض
الوضوء ؛ إلا المزني وحده فإنه جعل قليل النوم، وكثيره حدثًا ، وخَرَقَ
الإجماع .
وكذلك أجمعوا أن نوم المضطجع ينقض الوضوء .
واختلفوا في هيئات النائمين ، فقال مالك : من نام [ قائمًا ] (١) أو
راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء .
وفرق الشافعي بين نومه في الصلاة وغيرها ، فقال : إن كان في
الصلاة لا ينقض ، كما لا ينقض نوم القاعد ، وله قول آخر كقول
مالك :
وعند الثوري وأبي حنيفة : لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع
فقط، واحتجوا بما روى أبو خالد الدالاني ، عن قتادة ، عن أبي
العالية ، عن ابن عباس : ((أن النبي - عليه السلام - نام في سجوده
ونفخ ، فقيل له: يا رسول الله نمت في سجودك وصليت ولم
تتوضأ؟! فقال : إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)).
وهذا حديث منكر ؛ قد ضعفه ابن حنبل وأبو داود . وقال أحمد :
ما لأبي خالد يُدْخِل نفسه في أصحاب قتادة ولم يلقه ؟!
وأيضًا لم يروه أحد من أصحاب قتادة عنه ، وقيل : لم يسمع قتادة
من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها .
والقائم والراكع والساجد يمكن خروج الريح منه ؛ لانفراج موضع
الحدث منه ، ولا يشبه القاعد المنضم الأطراف إلا أن [ يطول ] (٢)
(١) في ((الأصل)): قاعدًا. والمثبت من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): يقول. والمثبت من ((هـ).
- ٣٢٠ -