Indexed OCR Text
Pages 221-240
باب : فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء 4 فيه: نعيم المجمر قال: (( رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ ثم قال : إني سمعت النبي - عليه السلام - يقول : إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل )) . قال أبو محمد الأصيلي : هذا الحديث يدل أن هذه / الأمة [١/ ٣٤-١] مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم . قال غيره : وإذا تقرر هذا بطل ما روي عن النبي - عليه السلام -: «أنه توضأ ثلاثًا [ ثلاثًا] (١). فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)). وهو حديث لا يصح سنده، ومداره على زيد العمي عن معاوية [ ابن قرة ] (٢) عن ابن عمر ، وزيد ضعيف. وقوله : (( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل )» تأوله أبو هريرة على الزيادة على حد الوضوء ؛ فكان يتوضأ إلى نصف ساقيه ، وإلى منكبيه ، ويقول : إني أحب أن أطيل غرتي ، وربما قال : هذا (موضع) (٣) الحلية )). وهذا شيء لم يتابع عليه أبو هريرة ، والمسلمون مجمعون على أنه لا يتعدى بالوضوء ما حد الله ورسوله، وقد كان رسول الله مَ لا وهو أبدر الناس إلى الفضائل ، وأرغبهم فيها ، لم يجاوز قط موضع الوضوء فيما بلغنا . (١) من (( هـ )). (٢) في (( الأصل)): يرووه. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)). (٣) في (( هـ )»: مبلغ . - ٢٢١ - ويحتج على أبي هريرة بقوله تعالى : ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ (١) . ! وروى سفيان عن موسى بن أبي عائشة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده (( أن رجلا سأل النبي - عليه السلام - عن الوضوء، فدعا بماء فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال : هكذا الطهور ، فمن زاد على: هذا فقد تعدَّى وظلمٍ)) . . ويحمل قوله : (( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته)) يعني يديمها ، فالطول والدوام بمعنى متقارب ، أي من استطاع أن يواظب على الوضوء لكل صلاة فإنه يطيل غرته ، أي يقوِّي نوره ، ويتضاعف. بهاؤه ، فَكِنَّى بالغرة عن نور الوجه يوم القيامة . وقال أبو الزناد: قوله: (( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته )) فإنه كنى بالغرة عن الحجلة ؛ لأن أبا هريرة كان يتوضأ إلى نصف ساقيه ، والوجه فلا سبيل إلى الزيادة في غسله ، فكأنه - والله أعلم - أراد الحجلة فكنى بالغرة عنها . وفيه : جواز الوضوء على ظهر المسجد ، وهو من باب الوضوء في المسجد ، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثر، وإنما ذلك تنزيه للمسجد، كما ينزه عن البصاق والنخامة ، وحرمة أعلى المسجد ، كحرمة داخله. وممن أجاز الوضوء في المسجد : ابن عباس ، وابن عمر ، وعطاء ، والنخعي ، وطاوس ، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك، وأكثر العلماء . وكرهه ابن سيرين ، وهو قول مالك ، وسحنون . (١) الطلاق : ١ . - ٢٢٢ - وقال ابن المنذر : إذا توضأ في مكان من المسجد يبلّه ويتأذى به الناس فإني أكرهه ، وإن فحص عن الحصى وردّه عليه ، فإني لا أكرهه، وكذلك كان يفعل عطاء وطاوس . باب : لا يتوضأ من الشك حتی یستیقن فيه: عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد ((أنه شكا إلى رسول الله وَله الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته ، فقال : لا تنفتل - أو لا تنصرف - حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحاً )) . على هذا جماعة من العلماء : أن الشك لا يزيل اليقين ، ولا حكم له، وأنه ملغي مع اليقين ، وقد اختلفوا في ذلك ، فروى ابن القاسم عن مالك : أن من شك في الحدث بعد تيقن الطهارة فعليه الوضوء . وروى عنه ابن وهب أنه قال : أحب إليَّ أن يتوضأ . وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه . وقال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والأوزاعي ، والشافعي : يبني على يقينه ، هو على وضوء بيقين . قالوا : وكذلك يبني على الأصل حدثًا كان أو طهارة ، وحجتهم قوله عليه السلام : (( لا تنصرف حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحًا )) ولم يفرق بين أول مرة أو بين ما يعتاده من ذلك . قالوا : والأصول مبنية على اليقين، كقوله عليه السلام: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا فليبن على يقينه)). وكذلك لو شك هل طلق أم لا ؟ لم يلزمه الطلاق ؛ لأنه على يقين - ٢٢٣ - نكاحه ، وهكذا لو شك هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أم لا ؟ فإنه ییني علی یقین طهارته . والحجة لرواية ابن القاسم عن مالك أنه قال : قد تعبدنا بأداء الصلاة بيقين الطهارة ، فإذا طرأ الشك عليها فقد أبطلها ، كالمتطهر إذا نام مضطجعًا ؛ فإن الطهارة واجبة عليه بإجماع ، وليس النوم في نفسه حدثًا، وإنما هو من أسباب الحدث الذي ربما كان وربما لم يكن ، وكذلك إذا شك [ في ] (1) الحدث فقد زال عنه يقين الطهارة . وقال المهلب : لا حجة الكوفيين في حديث عبد الله بن زيد [هذا] (٢)؛ لأن الحديث إنما ورد في (المستنكح) (٣) الذي يشك في [٣٤٥/١- ب] الحدث / كثيراً، ومن ( استنكحه ) (٣) ذلك فلا وضوء عليه عند مالك وغيره ، والدليل على ذلك قوله فيه: (( شكا إلى رسول الله ﴿ ﴿)) والشكوى لا تكون إلا من علة، ويؤيد هذا قوله: (( إنه يخيل إليَّ))؛ لأن التخييل لا يكون حقيقة ، وقد بين ذلك حماد بن سلمة في حديثه عن [ سهيل ] (٤) بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره فأشكل عليه ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا )) . قال أحمد بن خالد : هذا حديث جيد ذكر القصة كيف هي ، إنما هي في الشك ؛ لأن غيره اختصره فقال : لا وضوء إلا أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ، وإنما هذا إذا شك وهو في الصلاة كما قال هاهنا ؛ لأنه (١) في ((الأصل)): كيف. والمثبت من (( هـ)). (٣) كذا في (( الأصل، هـ)). (٢) من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): سهل. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ))، وسهيل بن أبي صالح من رجال التهذيب . - ٢٢٤ - من الشيطان ، ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيأخذ شعرة من دبره فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا )) . وقد قال بعض أهل العلم : إن قوله عليه السلام: (( فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا )) معارض لقوله - عليه السلام -: (( من شك في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليأت بركعة)) ؛ لأنه حين أمره أن لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا فقد أمره بالحكم لليقين وإلغاء الشك ، وفي حديث الشك في الصلاة أمره [ بالحكم ] (١) للشك وإلغاء اليقين حين أمره بالإتيان بركعة . وليس كما ظنه بل الحديثان متفقان في إلغاء الشك والحكم لليقين ، وذلك أنه أمر الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة أن لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ؛ لأنه كان على يقين من الوضوء فأمره عليه السلام بإطراح الشك ، وأن لا يترك يقينه إلا بيقين آخر ، وهو سماع الصوت أو وجود الريح ، والذي يشك في صلاته فلا يدري أثلاثًا صلى أو أربعًا لم يكن على يقين من الركعة الرابعة ، كما كان في الحديث الآخر على يقين من الوضوء ، بل كان على يقين من ثلاث ركعات شاكا في الرابعة ، فوجب أن يترك شكه في الرابعة ، ويرجع إلى يقين من الإتيان بها ، فصار حديث الشك في الصلاة مطابقًا لحديث الشك في الحدث ، مشبهًا له في أن اليقين يقدح في الشك ، ولا يقدح الشك في اليقين ، والحمد لله . (١) من (( هـ). - ٢٢٥ - باب : التخفيف في الوضوء فيه : ابن عباس: (( بت عند خالتي ميمونة ليلة ، فقام النبي - عليه السلام - من الليل ، فلما كان في بعض الليل قام رسول الله وَلقر فتوضأ من شن معلقة وضوءًا خفيفًا - يخففه عمرو ويقلله - وقام يصلي ، فتوضأت نحوًا مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال سفيان: عن شماله - فحولني فجعلني عن يمينه ، ثم صلى ما شاء الله ثم اضطجع فنام حتى نفخ ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة ، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ . قلنا لعمرو : إن ناسًا يقولون : إن رسول الله تنام عينه ، ولا ينام قلبه ، قال عمرو : سمعت عبيد بن عمير يقول : رؤيا الأنبياء وحي ثم قرأ: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ (١). قال المهلب: قوله : ((.وضوءًا خفيفًا )) يريد تمام غسل الأعضاء دون التكثر من إمرار اليد عليها ، وهو مرة سابغة ، وهو أدنى ما تجزئ به الصلاة ، وإنما خففه المحدِّث لعلمه بأن رسول الله كان يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا للفضل ، والواحدة بالإضافة إلى الثلاث تخفيف . وقد ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب التفسير وبينه فقال: ((فقام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه )) . وذكره في كتاب الدعاء، وقال: ((فتوضأ وضوءًا بين وضوئين لم يكثر وقد أبلغ» . فهذا كله يفسر قوله: ((وضوءًا خفيفًا)) أنه وضوء تجوز به الصلاة . وقوله: ((فنام حتى نفخ ثم صلى)) هو مما خص به عليه السلام من أنه تنام عينه ، ولا ينام قلبه . (١) الصافات : ١٠٢ - ٢٢٦ - وفيه : دليل على أن من نام من سائر البشر حتى نفخ لا يصلي حتى يتوضأ، والنوم إنما ( يجب منه ) (١) الوضوء إذا خامر القلب وغلب عليه، ورسول الله لا ينام قلبه ؛ فلذلك لم يتوضأ . وفيه : أنه توضأ بعد نوم نامه ثم نام نومًا آخر / ولم يتوضأ، فدل [٣٥/١-١] ذلك على اختلاف أحواله في النوم ، فمرة يستثقل نومًا ، ولا يعلم حاله، ومرةً يعلم حاله من حدث وغيره . وفيه : جواز العمل الخفيف في الصلاة . وفيه : رد على أبي حنيفة في قوله : إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد إنه يقوم خلفه لا عن يمينه، وهذا مخالف لفعل النبي وَله. باب : إسباغ الوضوء وقال [ ابن عمر] (٢): الإسباغ الإنقاء فيه: أسامة قال: (( دفع رسول الله وَل من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ، ولم يسبغ الوضوء ، فقلت : الصلاة يا رسول الله . قال : الصلاة أمامك ، فركب فلما جاء المزدلفة ، نزل فتوضأً فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلى ، ولم يصل بينهما)) . قال المهلب : قوله : (( فتوضأ ولم يسبغ الوضوء )) يريد توضأ مرة (١) في (( هـ)): يوجب. (٢) في (( الأصل)): ابن عباس، وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)). انظر: فتح الباري (٢٣٩/١) . - ٢٢٧ - سابغة، وقد رواه إبراهيم بن عقبة ، عن كريب قال: ((فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ)) ، وإنما فعل ذلك - والله أعلم - لأنه أعجله دفعه الحاج إلى المزدلفة ، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث ؛ لأنه كان عليه السلام لا يبقى بغير طهارة ، ذكره مسلم في هذا الحديث ، وقد جاء في باب : الرجل يوضئ صاحبه هذا الحديث مبينًا . قال أسامة: (( إن رسول الله عدل إلى الشعب يقضى حاجته ، فجعلت أصب عليه ويتوضأ)) ، ولا يجوز أن يصب عليه إلا وضوء الصلاة لا وضوء الاستنجاء كما زعم من فسر قوله: ((ولم يسبغ الوضوء)) أنه استنجى فقط ، وهذا لا يجوز على رسول الله ؛ لأنه كان لا يقرب منه أحدٌ، وهو على حاجته ، والدليل على صحة ما تأولناه قول أسامة لرسول الله وَ ل حين صب عليه الماء: ((الصلاة يا رسول الله )» لأنه مجال أن يقول له: الصلاة ، ولم يتوضأ وضوء الصلاة . وقوله: ((الصلاة أمامك)) أي سنة الصلاة لمن دفع عن عرفة أن يصلي المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وإن تأخر الأمر عن العادة ، ولم يعلم أسامة أن سنة الصلاة بالمزدلفة ، إذ كان ذلك في حجة الوداع ، وهي أول سنة سنها رسول الله في الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة ، فلما أتى المزدلفة أسبغ الوضوء أخذًا بالأفضل والأكمل على عادته في سائر الأيام . وقال أبو الزناد توضأ ولم يسبغ لذكر الله - تعالى - ؛ لأنهم یکثرون ذكر الله عند الدفع من عرفة .. وقال غيره: وقوله: ((الصلاة يا رسول الله)) فيه من الفقه أن. الأدون قد يُذكِّر الأعلى ، وإنما خشي أسامة أن ينسى الصلاة لما كان فيه: - ٢٢٨ - من الشغل، فأجابه عليه السلام : أن للصلاة تلك الليلة موضعًا لا يتعدى إلا من ضرورة ، مع أن ذلك كان في سفر ، ومن سنته عليه السلام أن يجمع بين صلاتي ليله ، وصلاتي نهاره في وقت إحداهما، ولم يختلف العلماء أن الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنة مؤكدة لمن دفع مع الإمام أو بعده . قال المهلب : وفيه اشتراك وقت صلاة المغرب والعشاء ، وأن وقتهما واحد . وقوله: ((صلى المغرب والعشاء ولم يصل بينهما)) . فيه حجة لمن لا يتنفل في السفر ، وكذلك قال ابن عمر : لو تنفلت لأتممت - يعني في السفر . وقال غيره : ليس في ترك التنفل بين الصلاتين في وقت جمعهما ما يدل على ترك النافلة في السفر ؛ لأنه إذا جمع بينهما فلا مدخل للنافلة هناك ؛ لأن الوقت بينهما لا يتسع لذلك ، ألا ترى أن من أهل العلم من يقول : لا يحطون رواحلهم تلك الليل حتى [ يجمعوا ]؟ (١) ، ومنهم من يقول : يصلون الأولى ثم يحطون رواحلهم ، مع ما في ترك الرواحل بأوقارها مما نهي عنه من تعذيبها ؟ وأما ترك التنفل في السفر فإن ابن عمر لم يتابع على قوله في ذلك، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل في السفر ، وقد تنفل رسول الله ◌َّ راجلاً وراكبًا . * (١) في ((الأصل)): يجمعون، والمثبت من (( هـ)). - ٢٢٩ - [١/ق٣٥-ب] باب : التسمية على كل حال / وعند الوقاع فيه: ابن عباس قال النبي - عليه السلام -: (( لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد ، لم يضره)) . هذا الحديث مطابق لقوله تعالى - حاكيًا عن مريم - : ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ (١). وفي هذا الحديث حث وندب على ذكر الله في كل وقت على حال طهارة وغيرها ، ورد قول من أنكر ذلك ، وهو قول يروى عن ابن عمر أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر ، وروي مثله عن أبي العالية والحسن . وروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله على حالتين : على الخلاء، والرجل يواقع أهله . وهو قول عطاء ومجاهد ، قال مجاهد : يجتنب الملك الإنسان عند جماعه ، وعند غائطه ، وهذا الحديث خلاف قولهم . وفيه : أن التسمية عند ابتداء كل عمل مستحبة ، تبركًا بها واستشعارًا [ أن الله - سبحانه - ] (٢) هو الميسر لذلك العمل، والمعين عليه . وكذلك استحب مالك وعامة أئمة الفتوى التسمية عند الوضوء . وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أن التسمية فرض في -- - (١) آل عمران : ٣٦ . (٢) في (( الأصل)): والله تعالى، والمثبت من (( هـ)). - ٢٣٠ - الوضوء ، وحجة الجماعة قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم .... ﴾ (١) الآية ، ولم يذكر تسمية ؛ فلا توجب غير ما أوجبته الآية إلا بدليل . فإن قيل : فقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال : (( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه )) . قيل : قد قال أحمد بن حنبل : لا يصح في ذلك حديث ، ولو صح لكان معناه: لا وضوء كاملا كما قال: (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))، و(( لا إيمان لمن لا أمانة له)). وهذا الذي أوجب التسمية عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض ، وهذا مناقض لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ، ولم يتوضأ وصلى أن صلاته تامة . باب : غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة فيه: ابن عباس : (( أنه توضأ فغسل وجهه ، أخذ غرفة من ماء فتمضمض ( منها ) (٢) واستنشق ، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى ، ثم مسح برأسه ... )) وذكر الحديث . فيه : الوضوء مرة مرة . وفيه : أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر ، وهو قول مالك (١) المائدة : ٦. (٢) في (( هـ)): بها . - ٢٣١ - والثوري ، والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة مرة ، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملاً ، ثم (يمر به ) (١) على كل جزء بعده ، وهو مستعمل فيجزئه ، فلو كان الوضوء بالماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرةً مرةً ، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر الأعضاء كذلك ، وسنذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة في بابها بعد هذا - إن شاء الله . باب : ما يقول عند الخلاء : فيه: أنس: ((كان النبي - عليه السلام - إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )) . ورواه غندر ، عن شعبة وقال: ((إذا أتى الخلاء)). وقال سعيد بن زيد ، عن عبد العزيز: (( إذا أراد أن يدخل الخلاء )). قال المؤلف : فيه جواز ذكر الله على الخلاء ، وهذا مما اختلفت فيه : الآثار فروي عن النبي - عليه السلام - : « أنه أقبل من نحو بثر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه ، فلم يرد عليه السلام حتى تيمم بالجدار)) . واختلف في ذلك أيضًا العلماء ، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، والشعبي ، (١) في ((هـ)) : يمره : - - ٢٣٢ - وعكرمة . وقال عكرمة : لا يذكر الله في الخلاء بلسانه ، ولكن بقلبه . وأجاز ذلك جماعة من العلماء ، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو ابن العاص كان يذكر الله في المرحاض . وقال العرزمي : قلت للشعبي : أعطِسُ وأنا في الخلاء ، احمد الله؟ قال : لا ، حتى تخرج ، فأتيت النخعي فسألته عن ذلك فقال لي: احمد الله . فأخبرته / بقول الشعبي ، فقال النخعي: إن (٣٦٥/١-١) الحمد يصعد ولا يهبط . وهو قول ابن سيرين ومالك بن أنس ، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك . وذكر البخاري في كتاب : خلق أفعال العباد : قال عطاء في الخاتم فيه ذكر الله : لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف ، أو يلم بأهله ، وهو في يده لا بأس به . وهو قول الحسن . وذكر وكيع ، عن سعيد بن المسيب مثله . قال البخاري : وقال طاوس في المنطقة تكون على الرجل تكون فيها الدراهم يقضي حاجته : لا بأس بذلك . وقال إبراهيم : لابد للناس من نفقاتهم . وأحب بعض التابعين ألا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله . قال البخاري : وهذا من غير تحريم يصح . وذكر وكيع ، عن سعيد بن المسيب مثل قول عطاء . وأما اختلاف ألفاظ الرواة في قوله: ((إذا دخل))، و(( إذا أراد أن - ٢٣٣ - يدخل)) فالمعنى فيه متقارب ، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ (١)، والمراد: إذا أردت أن تقرأ ؟ غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة ، لا زمان بينهما ، وكذلك الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد دخول الخلاء متصلة بالدخول ، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء ، مع أن من روى عن النبي - عليه السلام - أنه كان يقول ذلك إذا أتى الخلاء أولى من رواية من روى إذا أراد أن يدخل الخلاء؛ لأنها زيادة، والأخذ بالزيادة أولى. وأما حديث بئر جمل فإنما هو على الاختيار ، والأخذ بالفضل ؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء ، قاله الطحاوي. وقال الطبري : وأما حديث بئر جمل وشبهه ، فإن ذلك كان منه عليه السلام على وجه التأديب للمُسَلِّم عليه ألا يُسَلِّم بعضهم على بعض على حال كونهم على الحدث ، وذلك نظير نهيه وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضًا بقوله: (( لا يتحدث المتغوطان على طوفهما؛ فإن الله يمقتهما)). وروى أبو عبيدة الباجي ، عن الحسن ، عن البراء (( أنه سلم على الرسول وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتى فرغ)). وفسر أبو عبيد الخبث والخبائث ، فقال : الخبث يعم الشر ، والخبائث الشياطين وقال أبو سليمان الخطابي : أصحاب الحديث يروونه: الخُبْث - ساكنة الباء - وإنما هو الخبث - مضموم الباء - جمع خبائث ، والخبائث جمع خبيثة ، استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم ، فأما الخُبث - ساكن الباء - فهو مصدر خَبُثَ الشيء يخبثُ خبثًا ، وقد يجعل اسمًا . (١) النحل : ٩٨ . - ٢٣٤ - قال ابن الأعرابي : وأصل الخبث في كلام العرب المكروه ، فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من المِلَلْ فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار . وقال الحسن: ((إن هذه الحشوش محتضرة ، فإذا دخل أحدكم فليقل : اللهم إني أعوذ بك من الرجس ، النجس ، الخبيث ، المخبث ، الشيطان الرجيم )) . وقال الحسن البصري : قال رسول الله: ((إذا خرج أحدكم من الغائط فليقل : الحمد لله الذي عافاني وأذهب عني الأذى)). وقوله: (( طوفهما )) يعني : حاجتهما . * # باب : وضع الماء عند الخلاء فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - دخل الخلاء فَوَضَعْتُ له وضوءاً فقال: من وضع هذا؟ فأخبر؛ فقال: اللهم فقهه في الدين)). قال المؤلف : معلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث . وفيه : رد قول من أنكر الاستنجاء بالماء ، وقال : إنما ذلك وضوء النساء ، وقال : إنما كانوا يتمسحون بالحجارة . وقال المهلب : فيه : خدمة العالم . قال أبو الزناد : دعا له النبي - عليه السلام - أن يفقهه الله في الدين ؛ سرورًاً منه بانتباهه إلى وضع الماء ، وهو من أمور الدين . - ٢٣٥ - وفيه : المكافأة بالدعاء لمن كان منه إحسان ، أو عون، أو معروف . م باب : لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء ، جداراً أو نحوه فيه : أبو أيوب قال : قال رسول الله: ((إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا)) . أما قوله في الترجمة: ((إلا عند البناء)) فليس مأخوذًا من [٣٦٥/١ -ب] الحديث، / ولكنه لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت ، بوب فيه ؛ لأن حديثه عليه السلام كله كأنه شيء واحد ، وإن اختلفت طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر . قال المهلب : إنما نهى عن استقبال القبلة ، واستدبارها بالغائط والبول في الصحاري - والله أعلم - من أجل مَنْ يصلي فيها من الملائكة ، فيؤذيهم بظهور عورته مستقبلا أو مستدبرًا ، وأما في البيوت والمباني وما يستتر فيه من الصحاري ، وعمن فيها فليس ذلك عليه ، ويحتمل أن يكون النهي عن ذلك - والله أعلم - إكرامًا للقبلة ، وتنزيهًا لها ، كما روى ابن جريج عن عطاء قال : يكره أن ينكشف الإنسان مستقبل القبلة يتخلى ، أو يبول ، أو يأتزر إلا أن يأتزز تحت ردائه أو قميصه . - ٢٣٦ - باب : من تبرز على لبنتين فيه: ابن عمر: ((أن ناسًا يقولون : إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . فقال عبد الله بن عمر : لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا ، فرأيت رسول الله على لبنتين مستقبلا بيت المقدس بحاجته ، وقال : لعلك من الذين يُصَلَّون على أوراكهم ؟ فقلت : لا أدري والله )) . قال المؤلف : أما قول ابن عمر : ((إن ناسًا يقولون : إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس )) فرواه سعيد بن أبي مريم. قال : ثنا داود بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عمرو بن يحيى المازني ، قال: ثنا [ أبو] (١) زيد مولى بني ثعلبة ، عن معقل بن أبي معقل الأسدي (( أن رسول الله نهى أن تستقبل القبلتان بغائط أو بول))، ولم يقل بهذا الحديث أحد من الفقهاء إلا النخعي ، وابن سيرين ، ومجاهد ، فإنهم كرهوا أن يستقبل أحدٌ القبلتين أو يستدبرهما بغائط أو بول - الكعبة وبيت المقدس . وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر ، وهو يدل على أن النهي إنما أريد به الصحاري لا البيوت ، ولم يرو أحد عن النبي ◌َ ◌ّ أنه فعل ذلك في الصحاري، وإنما [ روي أنه ] (٢) فعله في البيوت . وقال أحمد بن حنبل : حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس ، واستدباره بالغائط والبول ، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر (( أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم (١) سقط من ((الأصل))، والمثبت من ((هـ))، وأبو زيد من رجال التهذيب. (٢) من (( هـ)). - ٢٣٧ - جلس يبول إليها ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، أليس قد نهي عن هذا ؟ قال : إنما نهي عن هذا في الفضاء ، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس )) . وروى وكيع ، وعبيد الله بن موسى ، عن عيسى بن أبي عيسى الحناط قال : قلت: للشعبي إن أبا هريرة يقول: ((لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها)). وقال ابن عمر: (( كانت مني التفاتة فرأيت النبي - عليه السلام - في كنيفه مستقبل القبلة)) . فقال الشعبي صدق ابن عمر، وصدق أبو هريرة ، قول أبي هريرة في البَرِّيّة ، وقول ابن عمر في الكنيف ، وأما كنفكم هذه فلا قبلة لها . وذلت هذه الآثار على أن حديث أبي أيوب مخصص بحديث ابن عمر لا منسوخ به ، وسيأتي اختلاف العلماء في هذه الأحاديث في . أبواب القبلة في كتاب الصلاة عند ذكر حديث أبي أيوب- إن شاء الله .. وأما قوله: ((إن ناسًا يقولون كذا )) ففيه دليل على أن الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن ، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه ، فمن هاهنا وقع بينهم الاختلاف . وقال ابن القصار : إن قيل : كيف جاز لابن عمر أن ينظر إلى مقعد النبي ؟ فالجواب : أنه يجوز أن تكون ( كانت ) (١) منه التفاتة فرآه ، ولم يكن قاصدًا لذلك ، فنقل ما رأى، وقصد ذلك لا يجوز؛ كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنا ، ثم [ قد ] (٢) يجوز أن تقع أبصارهم عليه ، ويجوز أن يتحملوا الشهادة بعد ذلك ، وقد يجوز أن یکون ابن عمر قصد لذلك ورأى رأسه دون ما عدا ذلك من بدنه ، ثم تأمل قعوده ، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد . (١) كذا في ((الأصل، هـ))، ولعل الصواب: حانت، بالحاء المهملة . (٢) من (( هـ)) .. - ٢٣٨ - وقوله : ((لعلك من الذين يُصَلَّون على أوراكهم» يعني الذي يسجد ولا يرتفع عن الأرض لاصقًا بها . * باب : خروج النساء إلى البراز فيه: عائشة: (( أن أزواج النبي كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - فكان عمر يقول للنبي ملي : احجب نساءك . فلم يكن رسول الله يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي وَلا ليلة من الليالي / عشاءً - وكانت امرأة طويلة - فناداها عمر: ألا قد [١/ ٣٧٥-١] عرفناك يا سودة . حرصًا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب)) . وفيه: عائشة، أن النبي وَ لي قال: ((قد أُذنَ لكنّ أن تخرجن في حاجتکن )) . قال هشام : يعني : البراز . قال المؤلف : البراز - بفتح الباء - في اللغة ما برز من الأرض واتسع ، كنى به عن الحدث ، كما كنى عن الغائط ، والغائط المطمئن من الأرض . وقال المهلب : فيه مراجعة الأدون للأعلى في الشيء يتبين للأدون : وفيه : فضل المراجعة إذا لم يقصد به التعنيت ، وأنه قد تبين فيها من العلم ما يخفى ؛ لأن نزول الآية كان سببه المراجعة . وفيه : فضل عمر ، وهذه من إحدى الثلاث الذي وافق فيها ربه . وفيه : كلام الرجال مع النساء في الطرق . - ٢٣٩ - وفيه : جواز وعظ الرجل أمه في البِرِّ ؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين . وفائدة هذا الباب أنه يجوز التصرف للنساء فيما بهن الحاجة إليه ؛ لأن الله أذن لهن في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب ، فلما جاز لهن ذلك جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن ، أو صلة. [أرحامهن] (١) التي [ أوجبها ] (٢) الله عليهن ، وقد أمر الرسول النساء بالخروج إلى العيدين . وفي قوله : (( قد عرفناك يا سودة )» دليل أنه قد يجوز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قصده الخير . قال عبد الواحد: في قول عمر: ((احجب نساءك)) التزام النصيحة لله ورسوله باب : الاستنجاء بالماء فيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - إذا خرج لحاجة ، أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء - يعني یستنجي به )) . قال المهلب : قال أبو محمد الأصيلي : الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث ؛ لأن قوله : (( يعني يستنجي به )) ليس من قول أنس، وإنما هو من قول أبي الوليد الطيالسي . وقد رواه سليمان بن حرب ، عن شعبة، وقال شعبة: (( تبعته أنا (١) في (( الأصل)): أهلهن. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): أوجب والمثبت من (( هـ )). - ٢٤٠ -