Indexed OCR Text

Pages 161-180

﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ (١)
أنها القرآن .
/ وتأولوا في قوله: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (٢) أنها السُّنة [٢٤٥/١-١]
التي سنها الرسول بوحي من الله . وكلا التأويلين صحيح ، وذلك أن
القرآن حكمة أحكم الله فيه لعباده حلاله وحرامه ، وبَيْن لهم فيه أمره
ونهيه ، فهو كما وصفه تعالى في قوله : ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما
فيه مزدجر حكمة بالغة﴾ (٣) وكذلك سنن رسول الله صل حكمة،
فصل بها بين الحق والباطل ، وبَيَّن لهم مجمل القرآن ، ومعاني
التنزيل ، والفقه في الدين ، فهو كتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام -
فالمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ .
باب : متى يصح سماع الصغير ؟
فيه: ابن عباس قال: (( أقبلت راكبًا على حمار أتان - وأنا يومئذ قد
ناهزت الاحتلام - ورسول الله يُصلي بمنى إلى غيّرٌ جدّارِ، فمررتٌ بين
يدي بعض ( الصفوف ) (٤) وأرسلتُ الأتان ترتع ، ودخلت في
الصف، فلم ينكر ذلك عليّ )» .
وفيه: محمود بن الربيع قال: ((عقلت من النبي وَه مَجَةٌ مَجّها في
وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ )) .
قال صاحب العين : مَجَّ الشَراب من فيه : رمى به .
(١) البقرة : ٢٦٩ .
(٣) القمر : ٤، ٥ .
(٢) آل عمران: ١٦٤، الجمعة : ٢ .
(٤) فى (( هـ، ن)): الصفّ.
- ١٦١ -

وقال المهلب : فيه جواز سماع الصغير وضبطه للسُّنن.
وفيه : جواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا ، فيما علموه في حال
الصغر ..
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : أخرج البخاري في هذا الباب
حديث ابن عباس ، ومحمود بن الربيع ، وأصغر سنّا منهما عبد الله
ابن الزبير ، ولم يخرجه يوم رأى أباه يختلف إلى بني قريظة في غزوة
الخندق . فقال لأبيه: يا أبتاه ، رأيتك تختلف إلى بني قريظة ، فقال:
يا بني إن النبي - عليه السلام - أمرني أن آتيه بخبرهم . والخندق على
أربع سنين من الهجرة ، وعبد الله أول مولود ولد في الهجرة .
قال المهلب : فيه أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة - إذا لم يضر
أحدًا، والخطيب يخطب - جائز بخلاف إذا تخطى رقابهم .
وفيه : أن الصاحب إذا فعل بين يدي الرسول شيئًا ولم ينكره ،
فهو حجة یحکم به
وفيه : جواز الركوب إلى صلاة الجماعة والعيدين .
وفيه : أن الإمام يجوز أن يصلي إلى غير سُتْرة ، وذلك يدل أن
الصلاة لا يقطعها شيء .
وسيأتي اختلاف العلماء في المرور بين يدي المصلي [ في كتاب
الصلاة] (١) إن شاء الله .
(١) من (( هـ ).
- ١٦٢ -

باب : فضل من عَلِمَ وعَلَّم
فيه : أبو موسى ، قال عليه السلام: (( مثل ما بعثني الله به من الهدى
والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا ، فكان منها نقية قبلت الماء
فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع
الله بها الناس فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما
هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله
ونفعه ما بعثني الله به ، فَعَلِم وعَلَّم ، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم
يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به )) .
وقال إسحاق: ((فَيَّلَتِ)) [الماء] (١) مكان ((قَبَلَت)).
قال المهلب : فيه ضرب الأمثال في الدين ، والعلم ، والتعليم .
وفيه : أنه لا يقبل ما أنزل الله من الهدى والدين إلا من كان قلبه
نقيا من الإشراك والشك .
[ فالتي] (٢) قَبِلَت العلم والهُدى كالأرض المتعطشة إليه، فهي
تنتفع به فتحيا فتنبت .
فكذلك هذه القلوب البريئة من الشك والشرك ، المتعطشة إلى
معالم الهدى والدين ، إذا وَعَت العلم حَيَتْ به ، فعملت وأنبتت بما
تحيا به أرماق الناس المحتاجين إلى مثل ما كانت القلوب الواعية تحتاج
إليه .
ومن الناس من قلوبهم متهيئة لقبول العلم لكنها / ليس لها (٢٤٥/١ -ب]
رسوخ، فهي تقبل وتمسك حتى يأتي متعطش فيروَى منها ويَرِدُ على
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فالذي. والمثبت من (( هـ)).
- ١٦٣ -

منهل يحيا به ، وتسقى به أرض نقيَّة فتنبت وتثمر ، وهذه حال من
ينقل العلم ولا يعرفه ولا يفهمه .
(( ومنها قيعان )) يعني قلوبا تسمع الكلام ، فلا تحفظه، ولا
تفهمه، فهي لا تنتفع به ، ولا تنبت شيئا ، كالسُّباخ المالحة التي لا
تمسك الماء ولا تنبت كلاً .
وكان يصلح أن يُخرج تحت هذه الترجمة قوله عليه السلام
((خيركم من تَعَلَّم القرآن وعلمه)).
وقوله : ((أجادب)) جمع جدب على غير لفظه ، وكان القياس أن
يكون جمع (( أجدب )) لو قيل ، وقد جاء مثل هذا كثير ، قالوا :
محاسن جمع حسن ، وكان القياس أن يكون جمع « محسن » لو
قيل. وقالوا: متشابه جمع (( شبه)) على غير لفظه ، وكان القياس أن
یکون « مشتبه )) .
وقول إسحاق: (( قيَّلت الماء مكان قبلت )) فهو تصحيف وليس
بشيءٍ .
باب : رفع العلم وظهور الجهل
--
وقال ربيعة : لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه .
وفيه : أنس ، قال: ((لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي ، سمعت
رسول الله يقول : إن من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل ،
ويظهر الزنا ، وتكثر النساء ، ويقل الرجال ، حتى يكون لخمسين امرأةً
القيمُ الواحدُ)).
- ١٦٤ -

يحتمل قول أنس: ((لايحدثكم أحدٌ بعدي))، أن يكون لأجل
طول عمره ، وأنه لم يبق من أصحاب النبي غيره ، ويمكن أن يكون
قاله لما رأى من التغيير ونقص العلم ، فوعظهم بما سمع من النبي -
عليه السلام - في نقص العلم أنه من أشراط الساعة ؛ ليحضهم على
طلب العلم ، ثم أتى بالحديث على نصّه .
ومعنى قول ربيعة : أن من كان له قبول للعلم وفهم له ، فقد لزمه
من فرض طلب العلم ما لا يلزم غيره ، فينبغي له أن يجتهد فيه ، ولا
يضيع طلبه فيضيِّع نفسه .
*
باب : فضل العلم
فيه : ابن عمر ، قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( بينما
أنا نائم ، أُتیت بقدح لبن ، فشربت ، حتى إني لأرى الرِّيّ بخرج من
أظفاري ، ثم أعطيتُ فضلي عمر بن الخطاب ، قالوا: ما أَوَّلْتَهُ
يا رسول الله؟ قال: العلم » .
وقد تقدم في أول كتاب العلم من فضل العلم ما يرغب في طلبه ،
وسيأتي الكلام في هذا الحديث في كتاب الرؤيا إن شاء الله .
باب : الفتّيًا وهو واقفٌ على الدّابة وغيرها
فيه: عبد الله بن عمرو بن العاص: (( أن رسول الله ﴾ وقف في حَجة
الوداع بمنى للناس يسألونه ، فجاءه رجل فقال : لم أشعر فحلقتُ قبل
أن أذبح. فقال: اذبح ولا حرج. وجاء آخر ... )) الحديث .
- ١٦٥ -

فيه من الفقه : أن العالم يجوز سؤاله راكبًا وماشيًا ، وواقفًا ،
وعلى كل أحواله ، وقد تقدم أن الجلوس على الدابة للضرورة جائز ،
كما كان جلوسُه عليه السلام عليها في حجته ليشرف على الناس ،
ولا يخفى عليهم كلامه لهم .
وترجم البخاري لهذا الحديث بعد هذا الباب : باب من أجاب
الفتيا بإشارة اليد والرأس .
وذكر عن ابن عباس : « أن نبي الله سئل في حجته ، وزاد فيه ، فأومأ
الرسول - عليه السلام - بيده، وقال : لا حرج )).
وذكر حديث أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( يكثر الهرج
قيل : وما الهرج ؟. فقال بيده فحرّفَهَا)) كأنه يريد القتل .
وذكر حديث أسماء في الكسوف: «وأشارت برأسها، أَنْ نَعَم »
وذكر الحديث .
ففي حديث ابن عباس ، وأبي هريرة الإشارة باليد عند الفتوى .
وفي حديث أسماء الإشارة بالرأس ، كما ترجم .
قال أبو الزناد : فيه من الفقه : أن الرجل إذا أشار بيده ، أو
برأسه، أو بشيءٍ يفهم به إشارته أنه جائز عليه .
. [١/ق٢٥-١]
وفيه : حُجَّة لمالك في إجازة لعان المرأة / الصماء البكماء
ومبايعتها، ونكاحها ؛ إذْ الإشارة تقوم مقام الكلام ، ويفهم بها المعنى
المقصود ، وسيأتي في كتاب : الطلاق في باب : الإشارة في الطلاق
والأمور اختلاف الفقهاء في ذلك ، ويأتي شيء منه - أيضًا - في
باب: اللعان ، إن شاء الله .
- ١٦٦ -

وفي حديث أسماء أن المؤمنين يفتنون في قبورهم ، وفيه أن الجنة
والنار مخلوقتان ؛ لأنه لا يمثل به إلا مخلوق .
باب : تحريض النبي - عليه السلام - وفد عبد القيس على أن
يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم
وقال مالك بن الحويرث : قال لنا النبي - عليه السلام -: (( ارجعوا
إلی أهلیکم فعلموهم » .
فيه: ابن عباس: (( أن وفد عبد القيس أتوا النبي - عليه السلام -
فقالوا: يا رسول الله : إنا لا نستطيع أن نصل إليك إلا في الشهر
الحرام ، فمرنا بأمر نخبرُ به من وراءنا ندخل به الجنة . فأمرهم بأربع ،
ونهاهم عن أربع ... )) وذكر الحديث. وقال: ((احفظوه وأخبروا به من
وراءكم )) .
فيه من الفقه : أن من علم علمًا يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه ، وهو
اليوم من فروض الكفاية ، لظهور الإسلام وانتشاره ، وأما في أول
الإسلام فكان فرضًا معينًا على كل من علم علماً أن يبلِّغه ، حتى
يَكْمُل الإسلام ويظهر على جميع الأديان، [ ويبلغ ] (١) مشارق
الأرض ومغاربها ، كما أنذر به أمته عليه السلام ، فلزم العلماء في
بدء الإسلام من فرض التبليغ فوق ما يلزمهم اليوم .
وفيه : أنه يلزم المؤمن تعليم أهله الإيمان ، والفرائض لعموم قوله
عليه السلام: (( وأخبروا به من وراءكم))، ولقوله تعالى: ﴿قوا
أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ (٢)، ولأن الرجل راع على أهله ومسئول
(١) في ((الأصل)): ويظهر، والمثبت من ( هـ ).
(٢) التحريم : ٦ .
- ١٦٧ -

عنهم ، وقد تقدم الكلام في حديث وفد عبد القيس في باب أداء
الخمس من الإيمان في آخر كتاب الإيمان فأغنى عن إعادته ، وسيأتي
شيء منه في باب خبر الواحد إن شاء الله .
باب : الرحلة في المسألة النازلة [ وتعليم أهله ] (١)
فيه : عقبة بن الحارث: (( أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز فأتته
امرأة فقالت : إني أرضعت عقبة والتي تزوج بها . فقال لها عقبة :
ما أعلم أنك أرضعتني ، ولا أخبرتني . فركب إلى رسول الله بالمدينة ،
فسأله ، فقال رسول الله : كيف وقد قيل ؟! ففارقها عقبة ، ونكحت
زوجاً غيره » .
فيه : الرحلة في المسألة النازلة ، كما ترجم ، وهذا يدل على
حرصهم على العلم، وإيثارهم ما يقربهم ( إلى ) (٢) الله - تعالى -
والازدياد من طاعته عز وجل لأنهم إنما كانوا يرغبون في العلم للعمل
به ، ولذلك شهد الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس .
وقال الشعبي : لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن.
لحفظ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره ، لم أَرَ سفره يضيع .
فيه : فضل المدينة ، وأنها معدن العلم ، وإليها كان يفزع في العلم
من سائر البلاد .
وسيأتي الكلام في حديث عقبة في كتاب الرّضاع ، والبيوع وغيره،
إن شاء الله .
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) في (( هـ)): من .
- ١٦٨ -

باب : التناوب في العلم
فيه : عمر قال : (( كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -
وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله ، ينزل
يوما، وأنزل يومًا ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ،
فإذا نزل فعل مثل ذلك .... )) وذكر الحديث .
فيه : الحرص على طلب العلم .
وفيه : أن لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به على
طلب العلم .
وفيه : قبول خبر الواحد .
وفيه : أن الصحابة كان يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع من الرسول ،
ويقولون: قال رسول الله وَليه، ويجعلون ذلك / كالمسند، إذ ليس [٢٥٥/١ -ب)
في الصحابة من يكذب ، ولا غير ثقة . هذا قول طائفة من العلماء ،
وهو قول من أجاز العمل بالمراسيل ، وبه قال أهل المدينة وأهل العراق.
وقالت طائفة : لا نقبل مرسل الصاحب ، لأنه مرسل عن صاحب
مثله، وقد يجوز أن يسمع ممن لا يضبط كوافد وأعرابي لا صحبة له ،
ولا تعرف عدالته ، ألا ترى أن عمر لما وَقَّف أبا هريرة على روايته عن
النبي - عليه السلام -: (( أنه من أصبح جنبًا فلا صوم له)) ، قال :
لا علم لي بذلك ، وإنما أخبرنيه مخبر . هذا قول الشافعي ، واختاره
القاضي ابن الطيب .
- ١٦٩ -

باب : الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره
فيه : أبو مسعود الأنصاري: (( قال رجل : يا رسول الله لا أكاد أدرك
الصلاة مما يُطَوِّل بنا فلان . فما رأيت النبي - عليه السلام - غضب في
موعظة أشد غضبًا من يومئذ ، فقال: أيها الناس ، إنكم مَنَفَّرون، فمن
صلى بالناس فليخفف ، فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة)) ..
وفيه : زيد بن خالد: ((أن الرسول وَ ل# سأله رجل عن اللقطة، فقال:
اعرف وكاءها - أو قال: وعاءها - [وعفاصها] (١) ثم عرّفها سَنَةً ، ثم
استمتع بها ، فإن جاء ربها فأدها إليها . قال : فَضَالَّةُ الإبل ؟ فغضب
حتى احمرت وجنتاه - أو قال : وجهه - وقال : مَالَكَ ولها ؟! معها
سقاؤها وحذاؤها ، تردُ الماء ، وترعى الشجر ، فذرها حتى يلقاها ربها
... )) وذكر الحديث .
وفيه : أبو موسى: (( سئل النبي - عليه السلام - عن أشياء كرهها ،
:
فلما أكثر عليه غضب ، ثم قال للناس : سلوني عما شئتم . قال رجل :
مَنْ أبي ؟ فقال : أبوك حذافة . فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال : أبوك
سالم مولی شیبة ، فلما رأی عمر ما في وجهه ، قال : يا رسول الله ، إنا
نتوب إلى الله - تعالى)).
وترجم لهذا الحديث : باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو
المحدث، وذكر باقي الحديث .
قال أبو الزناد: قول الرجل: ((لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا
فلان)) يدل أنه كان رجلاً مريضًا أو ضعيفًا ، فكان إذا طوَّل به الإمام
في القيام لا يكاد يبلغ الركوع والسجود ، إلا وقد زاد ضعفًا عن
(١) من (( هـ)).
- ١٧٠ -
.-

اتباعه، فلا يكاد يركع معه ولا يسجد ، وإنما غضب عليه ؛ لأنه كره
التطويل في الصلاة من أجل أن فيهم المريض ، والضعيف ، وذا
الحاجة ، فأراد الرفق والتيسير بأمته ، ولم يكن نهيه عليه السلام عن
الطول في الصلاة من أجل أنه لا يجوز ذلك ؛ لأنه كان عليه السلام
يصلي في مسجده ، ويقرأ بالسور الطوال، مثل سورة يوسف وغيرها.
وإنما كان يفعل هذا ؛ لأنه كان يصلي معه جلةُ أصحابه ، ومن أكثر
هَمه طلب العلم والصلاة . وكذلك غضبه حين سُئل عن ضالة الإبل؛
لأنه لا يخشى عليها ضياع ، ففارق المعنى الذي أُبيح من أجله أخذ
اللقطة ، وهو خوف تلفها .
وقول الرجل للرسول: ((مَنْ أَبِي؟)) فإنما سأله عن ذلك - والله
أعلم - لأنه كان ( نُسب ) (١) إلى غير أبيه إذا لاحى أحدًا فنسبهُ
النبي- عليه السلام - إلى أبيه .
وفيه : فهم عمرو فضل علمه ؛ لأنه خشي أن يكون كثرة سؤالهم
له كالتعنيت له ، والشَّك في أمره عليه السلام ألا ترى قول عمر:
رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد نبيا . فخاف أن تحل بهم
العقوبة ، لتعنيتهم له عليه السلام ولقول الله - تعالى - : ﴿ لا تسألوا عن
أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ (٢) .
وقد جاء معنى هذا الحديث بَيِّنًا عن ابن عباس قال: (( كان قوم
يسألون رسول الله استهزاءً ، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل
يَضل ناقته : أين ناقتي ؟ فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا
تسألوا ... ﴾ (٢) الآية كلها . ذكره البخاري في تفسير القرآن .
(١) في (( هـ )): ينسب.
(٢) المائدة : ١٠١ .
- ١٧١ -

وفيه : أنه لا يجب أن يُسأل العالم إلا فيما يحتاج إليه .
وفي بروك عمر عند النبي - عليه السلام - الاستجداء للعالم ،
والتواضع له ، وسيأتي حديث ابن حذافة في باب : التعوذ من الفتنة
في كتاب الفتن، [ و] (١) في باب : ما يكره من كثرة السؤال،
[١/ق٢٦-) وتكلف ما لا يعني في / كتاب الاعتصام.
فيه شيء من الكلام في معناه .
باب : مَن أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم فقال : ألا وقول الزور
فما يزال یکررها
وقال ابن عمر: قال عليه السلام: ((هل بَلَّغْتُ - ثلاثًا)).
فيه: أنس: ((كان عليه السلام إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ،
حتى يُفهم عنه ، فإذا أتى على [ قومٍ ] (٢) فسلّم عليهم سلم عليهم
:
ثلاثًا))
وفيه: عبد الله بن عمرو قال: ((تخلف رسول الله وسط#ٍ في [سفر](٢)
سافرناه ، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة - صلاة العصر - ونحن نتوضأ ،
فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار
مرتين أو ثلاثًا)).
قال أبو [الزناد] (٣): إنما كان يكرر الكلام ثلاثًا، والسلام ثلاثًّا
(١) من (١ هـ).
(٢) طمس في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) طمس في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ).
- ١٧٢ -

إذا خشي أن لا يفهم عنه ، أو لا يسمع سلامه ، أو إذا أراد الإبلاغ في
[التعليم ] (١)، أو الزجر في الموعظة.
وفيه : أن الثلاث غاية ما يقع به البيان والإعذار به .
باب : تعليم الرجل أَمَّتَه وأهله
فيه : أبو موسى، قال رسول الله: (( ثلاثة لهم أجران : رَجُلٌ من أهل
الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد زَليه، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق
مواليه ، ورجلٌ كانت عنده أَمَة يطأها فأدَّبها فأحسن تأديبها ، وعلمها
فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها فتزوجها ، فله أجران )) .
ثم قال الشعبي : أُعطيناکها بغير شيء ، وقد کان یر کب فيما دونها إلى
المدينة .
قال المؤلف : قوله عليه السلام: (( مؤمن أهل الكتاب يؤتى أجره
مرتين )) هو كقوله: (( إذا أسلم المرء فحسن إسلامه كتبت له كل حسنة
كان ذلفها))، وكقوله لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما سلف من
خيرِ)) . والعبد المملوك له أجر عبادته لله - تعالى - وأجر طاعته
لسيده، وتحمله مضض العبودية ، والإذعان لحقوق الرق .
والذي يعتق أمته فيتزوجها فله أجر العتق ، والتزويج ، وأجر
التأديب ، والتعليم .
ومن فعل هذا فهو مفارق للكبر ، آخذٌ بحظ وافرٍ من التواضع ،
وتارك للمباهاة بنكاح ذات شرفٍ ومنصب .
(١) طمس في ((الأصل)). والمثبت من ((هـ)).
- ١٧٣ -

وقول الشعبي: (أعطيناكها بغير شيءٍ)): فيه أن للعالم أن يُعَرّف
المتعلم منه قدر ما أفاده من العلم ، وما خصَّه به ، ليكون ذلك أدعى
لحفظه ، وأجلب لحرصه .
وقوله : ((وقد كان يُرحل في مثلها إلى المدينة)) فيه إثبات فضل
المدينة ، وأنها معدن العلم وموطنه ، وإليها كان يُرحَل في طلبه ،
ويقصد في التماسه
فإن احتج بقوله عليه السلام: (( ثم أعتقها فتزوجها)) من قال: إن
عتق الأمة صداقها .
فيقال له : إن الأمة لما ( عتقت ) (١) لحقت بالحرائر.
فكما لا يجوز أن تتزوج حُرة غير معتقة دون صداق ، كذلك لا
يجوز أن تتزوج المعتقة بغير صداق ؛ لأن الصداق من فرائض النكاح ،
وإنما لم يُذكر في الحديث للعلم به .
باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن
فيه: ابن عباس قال: ((أشهد على النبي - عليه السلام - أو قال
عطاء: أشهد على ابن عباس أن الرسول خرج ، ومعه بلال فظن أنه لم
يُسمع النساء، فوعظهن وأمرهن بالصدقة ، فجعلت المرأة تلقي القرط
والخاتم ، وبلال يأخذ في طرف ثوبه )) .
(١) في (( هـ): أعتقت.
- ١٧٤ -

فيه : أنه يجب على الإمام افتقاد أمور رعيته ، وتعليمهم ،
ووعظهم، الرجال والنساء في ذلك سواء ، لقوله عليه السلام :
(الإمام راعٍ ومسئول [ ثَمَّ] (١) عن رعيته)) فدخل في ذلك الرجال
والنساء ، وأمر النساء بالصدقة لما رآهن أكثر أهل النار .
ففيه دليل أن الصدقة تنجي من النار .
وقيل : إنما أمرهن بالصدقة ؛ لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة ،
/ وكانت الصدقة يومئذ أفضل وجوه البرّ .
[١/ ق٢٦ -ب]
باب : الحرص على الحديث
فيه: أبو هريرة، قال: (( يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم
القيامة ؟ قال رسول الله : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا
الحديث أَحَدٌ أَوَّل منك؛ [ لمَا ] (٢) رأيت من حرصك على الحديث،
أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصًا من قلبه،
أو نفسه )).
قال المهلب : فيه أن الحريص على الخير والعلم يبلغ بحرصه إلى أن
يسأل عن غامض المسائل ، ودقيق المعاني ، لأن المسائل الظاهرة إلى
الناس كافة يستوي الناس في السؤال عنها ، لاعتراضها في أفكارهم ،
وما غمض من المسائل ، ولطف من المعاني ، لا يسئل عنها إلا راسخ
بَحَّاث ، يبعثُه على ذلك الحرص ، فيكون ذلك سببًا إلى إثارة فائدة
يكون له أجرها ، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بما. والمثبت من (هـ، ن).
- ١٧٥ -

وفيه : أن للعالم أن يتفرس في متعلميه ، فيظن في كل واحد مقدار
تقدَّمِه في فهمه ، وأن ينبهه على تَفَرُّسه فيه ، ويُعرفه بذلك ، ليبعثه
على الاجتهاد في العلم والحرص عليه .
وفيه : أن للعالم أن يسكت إذا لم يُسْأل عن العلم حتى يسأل عنه،
ولا يكون كائماً ، لأن على الطالب أن يَسْأل، قال تعالى: (( فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ (١)، وليس للعالم أن يسكت إذا
رأى تغييرا في الدين إذا علم أن ذلك لا يضره ، ثم على العالم أن
يبين إذا سُئل ، فإن لم يبين بعد أن يُسأل فقد كتم ؛ إلا أن يكون له
عذر فيعذر .
وفيه : أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة ، وهم أهل
التصديق بوحدانية الله، وَرُسله ، لقوله عليه السلام: (( خالصًا من
قلبه ، أو نفسه )).
وقوله : (( أول منك )) يعني : قبلك .
وقال سيبويه : هي بمنزلة أقدم منك .
وقال السيرافي : يُقال : هذا أول منك ، ورأيت أول منك ،
ومررت بأول منك، فإذا حذفوا ((ملك)) [ قالوا ] (٢): هو الأول،
ولا يقولوا : الأول منك ، لأن الألف واللام تعاقب منك .
(١) النحل : ٤٣
(٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ))
- ١٧٦ -

باب : كيف يقبض العلم
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: « انظر ما كان من
حديث رسول الله فاكتبه ، فإني خِفْتُ دروسَ العلمِ ، وذهابَ العلماء ،
ولا تقبل إلا حديث النبي - عليه السلام - ، ولتُفْشوا العلْمَ، ولتجلسُوا
حتى يُعَلَّم من لا يَعْلَم ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا)» .
فيه: عبد الله بن عمرو، قال النبي ◌َّر: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا
ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقٍ
عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهّالا، فُسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا
وأَضَلُّوا)) .
قال المؤلف : في أمر عمر بن عبد العزيز بكتاب حديث النبي -
عليه السلام - خاصّة ، وأن لا يقبل غيره الحض على اتباع السّنن
وضبطها ، إذْ هي الحجةُ عند الاختلاف ، وإليها يلجأ عند التنازع ،
فإذا عدمت السَّن ساغ لأهل العلم النظر ، والاجتهاد على الأصول .
وفيه : أنه ينبغي للعلماء نشر العلم وإذاعته .
وقوله عليه السلام: (( إن الله لا ينزع العلم من العباد )) فمعنى
ذلك: أن الله لا يهب العلم لخلقه ثم ينتزعه بعد أن تفضّل به عليهم،
والله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده من علمه الذي يؤدي إلى
معرفته والإيمان به وبرسله ، وإنما يكون قبض العلم بتضييع التعلّم ،
فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى ، وقد أنذر عليه السلام
بقبض الخير كله، ولا ينطق عن الهوى .
- ١٧٧ -

باب : هل يَجْعَلُ للنساء يومٌ على حدة في العلمِ ؟
..--
فيه : أبو سعيد: (( قال النساء : يا رسول الله غَلَبَنَا عليك الرجال ،
فاجعل لنا يومًا من نفسك ، فوعدهن يومًا لَقيهن فيه فوعظهن وأمرهن ،
[١/٢٧۶-) فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدّم / ثلاثة من ولدها إلا كان لها
حجابٌ من النار. فقالت امرأة : واثنين ؟ قال : واثنين)) .
وقال أبو هريرة: ((لم يبلغ الحنثَ)).
فيه : الترجمة .
وفيه : سؤال النساء عن أمر دينهن ، وجواز كلامهن مع الرجال في
ذلك ، فيما لهن الحاجة إليه . وقد أُخِذَ العلم عن أزواج النبي - عليه.
السلام - ، وعن غيرهن من نساء السلف . وسيأتي الكلام في هذا
الحديث في كتاب : الجنائز في باب: [ فضل ] (١) من مات له ولدٌ
فاحتسبه إن شاء الله
باب : ليبلغ الشاهد الغائب (٢)
فيه : أبو شريح ، أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى
مكة - : « ائذَنْ لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به النبي - عليه السلام -
الفَدَ من يوم الفتح ، سمعته أُذُناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي
حین تكلم به : حمد الله ، وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها الله ،.
(١) من (( هـ)).
(٢) أهمل المصنف الكلام على باب : من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه ، انظر:
فتح الباري (٢٣٧/١) .
- ١٧٨ -

ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامْرئ يؤمن بالله ، واليوم الآخر أن
يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فَإِنْ أَحد ترخَّصَ ( بقتال) (١)
رسول الله فيها قولوا : إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن
لي فيها ساعة من نهار ، ثم عادت حُرْمَتُهَا اليوم كحرمتها بالأمس ،
وليبلغ الشاهد الغائب . فقيل لأبي شُرَيَح ما قال عمرو ؟ قال : أنا أعلمُ
منك يا أبا شريح، لا تعيذ عاصيا ، ولا فاراً بدَم، ولا فاراً بخَرْبة » .
وفيه : أبو بكرة ، قال عليه السلام: ((فإن دماءكم ، وأموالكم ،
وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، [ألا](٢)
ليبلغ الشاهد منكم الغائب )) .
قال المؤلف : لما أخذ الله على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينه ، وتبيينه
لأمتهم ، وجَعَلَ العلماء ورثة الأنبياء ، وجب عليهم تبليغ الدين ؛
ونشره حتى يظهر على جميع الأديان . وقد بينا قبل هذا أن كل من
خاطبه عليه السلام بتبليغ العلم فيمن كان في عصره فقد تَعَيَّن عليه
فرض التبليغ . وأما اليوم فهو من فروض الكفاية ، لانتشار الدين
وعمومه .
وفي قول أبي شريح لعمرو حين رآه يبعث البعوث إلى مكة لقتال
ابن الزبير: (( ائذن لي أحدثك)) . فيه من الفقه : أنه يجب على
العالم الإنكار على الأمير إذا غَيَّر شيئا من الدين، وإن لم يسأل العالم
عن ذلك .
واختلف أبو شريح ، وعمرو بن سعيد في تأويل هذا الحديث ،
(٢) من (( هـ)).
(١) في ((هـ)): لقتال .
- ١٧٩ -

فحمله أبو شريح على العموم ، وحمله عمرو على الخصوص ،
فكلاهما ذهب إلى غير مذهب صاحبه : فذهب أبو شريح إلى أن
حُرْمَة مكة ثابتةٍ ، لا يجوز أن تستباح بفتنة ، ولا تُنْصَبُ [ عليها ](١)
حرب لقتال أحد أبدًا بعد ما حرمها الله - عز وجل - ؛ لأنه أخبر
عليه السلام حين نصب الحرب عليها لقتال المشركين ، وفرغ من أمرهم
أنها لله حَرَمٌ ، ولم تحل لأحدٍ كان قبله ، ولا تحل لأحد بعده ، وإنما
حلت له ساعة من نهار ، وهي الساعة التي فتحها ثم عادت حرمتها
كما كانت قبل ذلك :
فاحتج أبو شريح بالحديث على وجهه .
ونهى عمرو بن سعيد عن بعث الخيل إلى قتال ابن الزبير بمكة
خشية أن تستباح حرمتها ، وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى
بالخلافة من يزيد ، وعبد الملك ؛ لأنه بُويع لابن الزبير قبل هؤلاء ،
وهو من أصحاب رسول الله وَّله وقد قال مالك : إن ابن الزبير أولى
من عبد الملك .
وأما قول عمرو لأبي شريح: (« أنا أعلم منك، إن مكة لا تعیذ عاصيًا،
ولا فارا بدمٍ ، ولا فإرا بخربة فليس هذا بجواب لأبي شريح؛ لأنه لم
يختلف معه في أن من أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل.
يجوز أن يقام عليه في الحرم ، أم لا ؟ وإنما أنكر عليه أبو شريحَ بعثه
الخيل إلى مكة ، واستباحة حُرمتها ، ونصب الحرب عليها، فأحسن
في استدلاله ، وحَادِ عمرو عن الجواب ، وجاوبه عن غير سؤاله ،
وهو الرجل يصيب حدا في غير الحرم ، هل يعيذه الحرم؟ وسيأتي
اختلاف العلماء في هذه المسألة في كتاب : الحج ، إن شاء الله .
-
(١) من ( هـ).
- ١٨٠ -