Indexed OCR Text

Pages 121-140

وقال الطبري: في قوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات » فيه من
الفقه تصحيح قول من قال : كل عامل عملاً فإنه فيما بين العامل وبين
ربه على ما صرفه إليه بنيته ونواه بقلبه ، لا على ما يبدو لعين من
يراه، وبيان فساد قول من قال : إذا غسل الغاسل أعضاء الوضوء وهو
ينوي تعليم جاهل ، أو تبرُّدًا من حَمِّ أصابه ، أو تطهيرها من نجاسةِ،
لا يقصد بغسلها أداء فرض الصلاة عليه ؛ أنه مؤد بذلك فرض الله
الذي لزمه .
وأن من صام رمضان بنيَّة قضاء نذرٍ عليه ، أو نيَّة تطوع ، أنه يجزيه
عن فرض شهر رمضان .
وكذلك من حج عمن لم يحج قبل عن نفسه فنوى الحج عن غيره
أن يجزئه عن فرض الحج عن نفسه ، إذْ كان عليه السلام جعل عمل
كل عامل مصروفًا إلى ما صرفه إليه بنيته ، وأراده بقلبه فيما بينه وبين
ربِّه .
فإن كانت هجرته هجرة رغبة في الإسلام وبراءة من الكفر ،
/ فهجرته هنالك لله ورسوله ، وإن كانت هجرته طلب دنيا ، فليست [١/ ق١٧ -ب]
بالهجرة التي أمر الله عباده .
فكذلك الصائم شهر رمضان بنيَّة التطوع ، أو قضاء النذر ، وغاسل
أعضاء الوضوء ، والمحرم بالحج عن غيره ؛ كل واحدٍ منهم غير فاعل
ما عليه من فرض الله ؛ لأن عمله لِمَا نواه دون ما لم ينوه .
وقال غير الطبري : وقد زعم بعض الفقهاء أن النية غير مفتقر إليها
في بعض الأعمال ، كقول زُفَر : إن صيام شهر رمضان لا يحتاج إلى
نية ، وغيره من الصيام يفتقر إلى نية إلا أن يكون الذي يدركه رمضان
مسافرًا أو مريضًا ، فإنه لا يصحُ إلا بالنية .
- ١٢١ -

فأمَّا الصحيح المقيم فلا يفتقر إلى نية ، وهو قول عطاء ومجاهد ،
واحتجوا أن النية إنما احتيج إليها ؛ لتمييز الفرض عن النفل ، وزمن
رمضان لا يصح فيه النفل ، فلا معنى لاعتبار النية فيه .
وكقول الأوزاعي: إن الطهارة والغسل والتيمم لا يحتاج (شيء)(١)
منها إلى نية ، ذكره ابن القصار ، وهو كقول الحسن بن حي .
وكقول الثوري وأبي حنيفة : إن الطهارة لا تفتقر إلى نية . ونَاقَضًا
في التيمم فجعلاه يفتقر إلى نية، وسائر الفقهاء على خلافهم فتركوا قوله
عليه السلام: ((الأعمال بالنيات )) وسائر الأحاديث المشروط فيها النية .
وزعم الثوري وأبو حنيفة : أن التيمم مفارق للطهارة ؛ لأن الله -
تعالى - قال في الماء : ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ (٢) ولم يذكر
فيه نية. وقال في التيمم: ﴿فتيمموا﴾ (٣)، والتيمم : القصد فلا
(يجوز ) (٤) إلا بنية .
قال ابن القصار : فيقال لهم : لو سلمنا لكم أن الله نصّ على النية
في التيمم ، وأمسك عنها في الوضوء ؛ لجاز لنا القياس فنقيس
المسكوت عنه على المنصوص عليه ، ولما دخلت النية في التيمم :- وهو
أقل من الوضوء - كان الوضوء أولى بدخول النية فيه .
واحتج الكوفيون أيضًا أن النجاسات يجوز غسلها بغير نيَّة، فكذلك
الوضوء ، فيقال لهم : الفرق بين غسل النجاسات وبين الطهارة : أن
النجاسة قد انخفض أمرها ؛ لأنه عُفي عن اليسير منها [ يكون ] (٥)
(١) في (( هـ)): في شيء.
(٢) المائدة : ٦ .
(٣) النساء : ٤٣، المائدة : ٦.
(٤) في (هـ)): يجزئ التيمم .
(٥) في (( الأصل)): فتكون. والمثبت من (( هـ).
- ١٢٢ -

في الثوب والبدن مثل الدم ، وسمح بموضع الاستنجاء ، وليس كذلك
الطهارة؛ لأنه لم يسمح بترك شيءٍ من الأعضاء في الوضوء والغسل
والتيمم .
وفرق آخر : وهو أن الطهارة تجب عن أي حدث كان في الأربعة
(الأعضاء ) (١) ، سواء كان الحدث غائطًا أو بولا أو غيره ، وليست
كذلك النجاسة ؛ لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب عليه غسل يده
ورجله ، ولو أصابت رجله لم يجب عليه غسل يده ، فسقط
اعتراضهم أنه لَمَّا جاز (غسل ) (٢) النجاسة بغير نية أنه يجب مثله في
الوضوء .
وقد سُئل عليّ بن أبي طالب عن رجلٍ اغتسل للجنابة ولم ينو .
قال : يُعيد الغسل ، ولا يعرف له مخالف ؛ فصار كالإجماع .
وأمَّا قول من قال : إن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية ، فليس
بشيء؛ لأن قضاءه لا يصح إلا بنية ، فوجب أن يفتقر أداؤه إلى النية
كالصلاة .
وقال بعض العلماء : قوله عليه السلام : (( الأعمال بالنيات » ليس
على العموم ، وقد توجد أشياء تصح ( من غير ) (٣) نية ، وإن كانت
يسيرة فمنها أن مالكًا والكوفيين والشافعي اتفقوا في المرأة يغيب عنها
زوجها مدةً طويلةً يموت ولا تعلم بموته فيبلغها ذلك بعد عام ، أن
عدتها من يوم الوفاة ، لا من يوم بلغها موته . وهذه عدة بغير فيَّة .
ومنها قول ابن القاسم : أنه إذا أعتق الرجل عبده عن غيره في
(١) كذا في ((الأصل، هـ )).
(٣) في (( هـ ) : بغير .
(٢) في (( هـ )) : إزالة.
- ١٢٣ -

كفارة الظهار بغير علمه أن يجزئه من كفارته ، والكفارة فرض عليه ،
وإن كان قد أبى ذلك أبو حنيفة والشافعي وأشهب ، فقالوا : لا يعتق
عنه بغير علمه؛ لأنه فرض وجب عليه .
ومما يجزئ بغير نيَّة ما قاله مالك : أن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من
الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أُخذت منه .
ومنها : أن أبا بكر الصديق وجماعة الصحابة أخذوا الزكاة من أهل
الرِّدة بالغلبة والقهر ولو لم تجز عنهم ما أخذت منهم .
واحتج من خالفهم في ذلك وجعل قوله عليه السلام: ((الأعمال
بالنية)) على العموم فقال : العدة إنما جعلت للاستبراء ، وبراءة الرحم
خوف الداخلة في النسب ، وهذه رحم قد حصل لها ما ابتغي من
الاستبراء بمضي المدة ، وإن كانت المرأة لم تعلم ذلك ،
وقد أجمعوا على أنها لو كانت حاملا لا تعلم بوفاة زوجها أو
طلاقه ، فوضعت حملها أن عدتها منقضية . .
وأمَّا أخذ الخوارج الزكاة من الناس فلا حجة فيه لمن قال : إنه عمل
بغير نية ؛ لأن النية لا تنفك عنها من غلبة الخوارج ؛ لأن معنى النية
ذكره [وقت] (١) أخذها منه أنه عن الزكاة ، أَخَذَها المتغلب عليه إذا لم
يأخذها على غير وجه الزكاة ، فلا ينفك علمه من ذلك ، وهو
[١٨٥/١ - ] كالذاكر / للصلاة في وقت أدائها .
وقد قال الله - تعالى - لنبيه: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) وقام
الخلفاء بعده في أخذها مقامه . وقام من بعدهم من فاسق وصالح
مقامهم فكذلك الخوارج .
(١) في ((الأصل)): وقد. وهو تحريف ..
(٢) التوبة : ١٠٣
- ١٢٤ -

معناهم معنى الظالم من الأمراء .
ولم يختلف العلماء أن أخذ الظالم لها يجزئه ، فالخارجي في معنى
الظالم .
وأهل السُّنَّة مجمعون على أن المتغلب يقوم مقام الإمام العدل في
إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامة الجمعات والأعياد وإنكاح من لا
ولي لها (١) ، فكذلك الخوارج ؛ لأنهم من أهل القِبْلة وشهادة
التوحيد .
وأما قوله : إن الصديق أخذ الزكاة من أهل الردة بالغلبة فأجزأتهم
فليس بشيء ؛ لأن الصديق لم يقصد أخذ الزكاة بعينها منهم ، وإنما
قصد إلى حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم ، ولو قصد إلى
أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها من أموالهم . ونحن نقول :
إنها لا تجب عليهم بعد كفرهم ، ولو أسلموا بعد ذلك .
وأمَّا قول ابن القاسم في الذي يعتق عبده عن غيره في الظهار ،
فقد قال الأبهري : القياس أنه لا يجزئه ؛ لأن المعتق عنه بغير أمره لم
ينو عتقه، فالعتق في الكفارات لا يجزئ بغير نيَّة ، وليس ذلك بمنزلة
العتق عن الميت في كفارة عليه ؛ لأن الميت معدوم النية وليس بواجب
أن يُعتق عنه إذا لم يوص بذلك ، والحي غير معدوم النية ، ولا يجوز
أن تنوب نيَّةُ غيره عنه، وإلى هذه المسألة رد ابن القاسم مسألة
الظهار، ولم يُصب وجه القياس على قول مالك . وقد قال أشهب
وابن المواز : لا تجوز الكفارة بغير نية .
وليس قول مالك والكوفيين فيمن وقف بعرفة ( بغير نية ) (٢) مغمي
(١) في (( هـ)): له . وهو خطأ .
(٢) ليست في ١ هـ )).
- ١٢٥ -

عليه أنه يجزئه مما يعترض به في هذا الباب ؛ لأن من وقف بعرفة
مغمي عليه فهو كمن أغمي عليه بعد الفجر في يوم الصيام .
والإغماء: مرض ، والمرض لا يُبطل الصوم إلا أن يفطر فيه ، وليس
في الإغماء أكثر من عدم العلم بالصوم ، وعدم العلم به بعد الدخول
فيه لا يبطله دليله النوم والنسيان فهو باق على حكم صيامه ، وكذلك
من أحرم وهو صحيح فحدث له الإغماء فهو باق على حكم إحرامه .
وقال أبو محمد الأصيلي: النية والقصد عند الإحرام تجزئ كالإحرام
للصلاة ؛ فإذا أحرم بنية وقصد فإن غيرت النية تعد مع سائر الامتثال
أجزأت الصلاة ، وكذلك الوقوف بعرفة ، ولا يعترض بالصغيرة تجب
عليها العدة ، وهي غير مخاطبة بالعبادة؛ لأنها قد تصبح منها النية
والقصد إلى القربة ، وإن لم تكن مكلفة فوليها مكلف في حملها
عليها . ألا ترى أن المرأة التي حجّت بالصبي الصغير ، قالت :
((ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال: نعم ، وَلَكِ أجر )) يعني في إحجاج
الصَّي .
وكذلك من أوجب الزكاة في مال الصغير ، جعل الزكاة طهرةً
للمال وحقا فيه ، وجعل ولي الصغير مخاطبًا فيه بدليل قوله : ((ولك
أجر )).
قال الطبري في قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات)): (في)(١)
هذا بيان من الرسول عن أعمال العباد التي يستوجبون عليها من ربهم
الثواب والعقاب . وما منها لله تعالى وما منها لغير الله ، وإنما يقترف
ذلك عند ابتدائه ، وفي أول دخوله فيه ، فإذا كان ابتداؤها لله لم يضره
ما عرض بعد ذلك في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس
(١) ليست في (( هـ )
- ١٢٦ -

الشيطان ، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء باطلاع العباد عليه بعد
مضيه فيه ولا سروره بذلك .
وهذا قول عامة السلف .
قال الحسن البصري : ما عمل آدمي قط [ عملا ] (١) إلا سار في
القلب منه سورتان . فإذا كانت الأولى منهما الله لم تهده الأخرى ،
وإنما المكروه أن يبتدأه بالنية المكروه ابتداؤه [ بها ] (٢) أو يعمله غير
خالص لله ، فذلك الذي يستحق عامله عليه العقاب من ربه ، وبنحو
ذلك قال السلف .
وروى الأعمش عن خيثمة [ عن ] (٣) الحارث بن قيس ، قال :
إذا كنت تصلي فأتاك الشيطان ، فقال : إنك ترائي ؛ فزدها طولا .
وروي عن الحسن : أن رجلاً كان حسن الصوت بالقرآن فقال له :
يا أبا سعيد ، إنني أقوم الليل فيأتيني الشيطان إذا رفعت صوتي فيقول
إنما تريد الناس .
فقال الحسن : لك نيتك إذا قمت من فراشك .
وروى أبو داود الطيالسي قال : حدثني سعيد بن سنان ، عن حبيب
بن أبي ثابت ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة: (( أن رجلا قال :
يا رسول الله، الرجل يعمل العمل [ يسِّره] (٤)، فإذا الطُّلِع عليه
أعجبه ؟ فقال عليه السلام: لك أجران ، أجر السر.، وأجر العلانية)).
وقد قسم الطبري هذه المسألة في موضع آخر على قسمين : فقال :
(١) في ((الأصل)): عمل. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بهما. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): بن. وهو تحريف، والمثبت من ( هـ).
(٤) في ((الأصل)): يستره. والمثبت من (( هـ)).
- ١٢٧ -

[١٨٥/١-ب) ما كان من الأعمال / التي يبتدأ بها لوجه الله - تعالى - لها اتصال
كصلاة التطوع التي أقلها ركعة ، وكالحج الذي إذا أحرم به في وقته لم
يُحِل منه إلا (وقتٍ ) (١) طلوع الفجر من يوم النحر برمي الجمرة ،
والعمرة التي لا يحل منها إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا
والمروة ، وشبه ذلك من الأعمال التي لها اتصال بابتداء وانقضاء ، فلا
تفسد بالعارض فيها من الوسواس من الرياء ، وكان عمله على ما ابتدأ
من النية ، كما أنه لو حدَّث نفسه بالخروج منها ، ولم يفعل فعلا
يخرج به منه ؛ لم يكن خارجًا منه ، وما كان من الأعمال لا اتصال
لها بأول متطاول كالصدقة على المساكين، وتلاوة القرآن، وذكر الله،
والتسبيح ، وشبهه مما لا تطاول له باتصال ؛ فإن عليه مع كل فعل
يفعله من ذلك إحداث نية ( مجددة ) (٢) ، وإرادة منه بها وجه الله غير
النية التي سبقت منه للتي قبلها ؛ لأن كل فعلة من ذلك غير التي قبلها
والتي بعدها ، ولن تفسد الثانية إذا كانت صحيحةً بفساد التي قبلها ؛
ولم تصح فهي فاسدة بصحة ما قبلها ، والصلاة تفسد الركعة منها
بفساد الركعة الأخرى ، وتصح بصحتها ، ويصح السجود فيها بصحة
الركوع ، ويفسد بفساده في بعض الأحوال . وكذلك سائر الأعمال
التي لها ابتداء وانقضاء ولها تطاول باتصال .
باب : قول الرسول : (( الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم)) وقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾(٣)
فيه: جرير، قال: ((بايعت رسول الله على إقام الصلاة ، وإيتاء.
الزكاة، والنصح لكل مسلم )) .
(١) في (( هـ)): بعد.
(٢) في (( هـ ): مجردة .
(٣) التوبة : ٩١.
- ١٢٨ -

وفيه: (( أن جريرًا قام يوم مات المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه
وقال : عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له والوقار والسكينة ، حتى
يأتيكم أمير ، فإنما يأتيكم الآن . ثم قال : استعفوا لأميركم ؛ فإنه كان
يحب العفو . ثم قال : أما بعد فإني أتيت الرسول فقلت : أبايعك على
الإسلام . فشرط عَليَّ: والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا، ورَبُ
هذا المسجد إني لناصحٌ لكم. ثم استغفر ونزل)).
معنى هذا الباب : أن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا ، وأن الدين يقع
على العمل ، كما يقع على القول ، ألا ترى أن رسول الله بايع
جريرًا على النصح ، كما بايعه على الصلاة والزكاة ، سوّى بينهما في
البيعة ؟
وقد جاء عن الرسول أنه سمى النصيحة دينًا على لفظ الترجمة .
رواه ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد
الليثي، عن تميم الداريِّ قال: قال رسول الله: ((الدين النصيحة))
قالها ثلاثًا . قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال: لله - عَزَّ وجَلَّ -
ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) .
رواه ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام .
والنصيحة فرضٌ يجزئ فيه من قام به ، ويسقط عن الباقين .
والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ،
ويُطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه .
وأمّا إن خشي الأذى فهو في سعة منها .
- ١٢٩ -

قال أبو بكر الآجري : ولا يكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه ، واجتهد في طلب العلم
والفقه ؛ ليعرف به ما يجب عليه ، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف
الحذر منه ، ويعلم قبيح ما تميل إليه النفس حتى يخالفها بعلم .
وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة - وكان
يقرأ الكتب - قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم : من الناصح لله
تعالى ؟ قال : الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس ، فإذا عُرض له
أمران : أمر دنيا وآخرة ، بدأ بعمل الآخرة ، فإذا فرغ من أمر الآخرة
تفرغ لأمر الدنيا .
وقال الحسن البصري : ما زال الله [ ناس ] (١) ينصحون لله في
عباده ، وينصحون لعباد الله في حق الله عليهم ، ويعملون له في
الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض .
وقال الآجري : والنصيحة لرسول الله على وجهين : فنصيحة مَن
صَاحَبَهُ وشَاهَده ، ونصيحةُ من لم يره .
فأمّا صحابته ، فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه،
ويعادوا فيه القريب والبعيد ، وأن يسمعوا له ويطيعوا ، وينصحوا كل
مسلم ، فَوَقُّوا بذلك وأثنى الله عليهم به .
وأمَّا نصيحة من لم يره : فأن يحفظوا سُنَّته على أمته وينقلوها
[٥/١ ١٩-١] / ويُعَلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر،
فإذا فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء .
(١) في ((هـ)): نصحًا. وفي ((الأصل)): ناسًا.
- ١٣٠ -

وأمّا النصيحة لأئمة المسلمين : فهي على قدر الجاه والمنزلة عندهم،
فإذا أمن من ضرهم فعليه أن ينصحهم ، فإذا خشي على نفسه فحسبه
أن يُغير بقلبه ، وإن عَلِمَ أنه لا يقدر على نصحهم فلا يدخل عليهم ،
فإنه يغشهم ويزيدهم فتنةً ويذهب دينه معهم .
وقد قال الفضيل بن عياض : ربما دخل العَالِم على المَلِك ومعه
شيء من دينه فيخرج وليس معه شيء . قيل له : وكيف ذلك ؟ قال :
يصدقه في كذبه ، ويمدحه في وجهه .
وقد روى الثوري عن أبي حصين ، عن الشعبي ، عن عاصم
العدوي، عن كعب بن عُجرة قال: ((خرج علينا رسول الله وَليه
قال: إنه سيكون بعدي أمراء فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على
ظلمهم فليس مني ، ولست منه ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنهم
على ظلمهم فهو مني ، وأنا مِنه، وسيردُ عليَّ الحوض)).
وأمّا نصيحة العامة بعضهم لبعض ، فواجب على البائع أن ينصح
للمشتري فيما يبيعه ، وعلى الوكيل والشريك والخازن أن ينصح
لأخيه، ولا يُحب له إلا ما يُحب لنفسه .
وروى ابن عجلان عن عون بن عبد الله ، قال : كان جرير إذا أقام
السلعة بَصَّرَهُ عيوبها، ثم خَيَّرَهُ، فقال : إن شئت فاشتر ، وإن شئتَ
فاترك . فقيل له : إذا فعلت هذا لم ينفذ لك بيع ! فقال : إنَّا بايعنا
رسول الله على النصح لكل مسلم .
وقال المهلب : في قول جرير : (( عليكم بالسكينة والوقار )) دليل
أنه يجب على العَالِم إذا رأى أمرًا يخشى منه الفتنة على الناس ؛ أن
يعظهم في ذلك ويرغبهم في الأُلفة وترك الفرقة .
- ١٣١ -

وقوله : (( حتى يأتيكم أمير )) يعني ليقوم بأمركم وينظر في
"مصالحكم .
وقوله: (( استعفوا لأميركم ؛ فإنه كان يحب العفو )) جعل الوسيلة
له إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه ، وما كان يجبه في
حياته من العفو عن من أذنب إليه ، وكذلك يُجزى كل أحدٍ يوم
القيامة بأحسن خلقه وعمله في الدنيا .
.---
*
- ١٣٢ -

كتاب العلم
قوله تعالى : ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات﴾ (١)، وقوله: ﴿رب زدني علماً﴾ (٢).
قال المؤلف : جاء في كثير من الآثار أن درجات العلماء تتلو
درجات الأنبياء ، ودرجات أصحابهم ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وإنما
وَرَّئُوا العلم ، وبيَّنوه للأمة، وذبُّوا عنه ، وحَمَوه من تحريف الجاهلين
وانتحال المبطلين .
وروى ابن وهب عن مالك ، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول في
قوله تعالى : ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ (٣) . قال: بالعلم.
وذُكر عن الأوزاعي قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : يا أبا
عبد الرحمن ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : العلم . ثم سأله ، أي
الأعمال أفضل ؟ قال : العلم . قال : أنا أسألك عن أفضل
الأعمال، وأنت تقول: العلم ؟! قال : ويحك ، إن مع العلم بالله
ينفعك قليل [ العمل ] (٤) وكثيره ، ومع الجهل بالله لا ينفعك قليل
[العمل ] (٤) ولا كثيره .
وقال ابن عيينة في قوله تعالى : ﴿وجعلني مباركًا أينما كنت﴾(٥)
قال : معلمًا للخير .
وفي فضل العلم آثار كثيرة، ومن أحسنها ما حدثني يونس بن عبد الله،
قال : حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله ، قال : حدثنا سعيد بن
(١) المجادلة : ١١ .
(٣) يوسف : ٧٦ .
(٢) طه : ١١٤ .
(٤) في ((الأصل)): العلم، والمثبت من ((هـ)).
(٥) مريم : ٣١.
- ١٣٣ -

فحلون، قال : حدثنا أبو العلاء عبد الأعلى بن معلى قال : حدثنا
عثمان بن أيوب قال : حدثني يحيى بن يحيى قال : أول ما حدثني
مالك بن أنس حين أتيته طالبا لَما ألهمني الله إليه في أول يوم جلست
إليه قال لي : اسمك ؟ قلت له : أكرمك الله ، يحيى ، وكنتُ
أحْدث أصحابي سنا ، فقال لي : يا يحيى ، الله الله، عليك بالجدِّ
في هذا الأمر ، وسأحدثك في ذلك بحديث يرغبك فيه ، ويزهدك في
غيره ، قال : قدم المدينة غلام من أهل الشام بحداثة سنِّك فكان معنا
يجتهد ويطلب حتى نزل به الموت ، فلقد رأيت على جنازته شيئًا لم أر
مثله على أحد من أهل بلدنا ، لا طالب ولا عالم ، فرأيت جميع
العلماء يزدحمون على نعشه ، فلمَّا رأى ذلك الأمير أمسك عن الصلاة
عليه ، وقال : قدموا منكم من أحببتم ، فقدم أهل العلم ربيعة ، ثم
نهض به إلى قبره . قال مالك : فألحده في قبره ربيعة ، وزيد بن
أسلم، ويحيى بن سعيد ، وابن شهاب ، وأقرب الناس إليهم :
[١٩٥/١-ب] محمد بن المنذر ، وصفوان بن سليم ، وأبو حازم وأشباههم / وبنى
اللَّبن على لحده ربيعةٍ ، وهؤلاء كلهم يناولوه اللّبن. قال مالك :
فلما كان اليوم الثالث من يوم دفنه رآه رجل من خيار أهل بلدنا في
أحسن صورة غلام أمرد ، وعليه بياض ، ( متعمم ) (١) بعمامة
خضراء ، وتحته فرس أشهب نازل من السماء فكأنه كان يأتيه قاصدًاً
ويسلِّم عليه ، ويقول : هذا بَلَّغني إليه العلم . فقال له الرجل : وما
الذي بلغك إليه ؟ فقال : أعطاني الله بكل باب تعلمته من العلم درجة.
في الجنة ، فلم تبلغ بي الدرجات إلى درجة أهل العلم ، فقال الله
تعالى : زيدوا ورثة أنبيائي، فقد ( ضمنت ) (٢) على نفسي أنه من
مات وهو عالم سنتي ، أو سنة أنبيائي ، أو طالب لذلك أن أجمعهم
(١) في (( هـ)»: معتم
-
(٢) في ((هـ)): حتمت .
- ١٣٤ -

في درجة واحدة فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم ،
وليس بيني وبين رسول الله وَ﴿ إلا درجتان: درجةٌ هو فيها جالس
وحوله النبيون كلهم ، ودرجة فيها جميع أصحابه ، وجميع أصحاب
[النبيين] (١) الذين اتبعوهم، ودرجة من بعدهم فيها جميع أهل
العلم وطلبته ، فسيرني حتى استوسطتهم فقالوا لي : مرحبًا ، مرحبًا.
سوى ما لي عند الله من المزيد . فقال له الرجل : ومَالَكَ عند الله من
المزيد ؟ فقال : وعدني أن يحشر النبيين كلهم كما رأيتهم في زمرة
واحدة . فيقول : يا معشر العلماء ، هذه جنتي قد أبحتها لكم ،
وهذا رضواني قد رضيت عنكم ، فلا تدخلوا الجنة حتى تتمنوا
وتشفعوا ، فأعطيكم ما شئتم ، وأشفعكم فيمن استشفعتم له ، ليرى
عبادي كرامتكم عليّ ، ومنزلتكم عندي .
فلمَّا أصبح الرجل حدث أهل العلم ، وانتشر خبره بالمدينة قال
مالك : كان بالمدينة أقوام بدءوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفوا عنه
حتى سمعوا هذا الحديث ، فلقد رجعوا إليه ، وأخذوا بالحزم ، وهم
اليوم من علماء بلدنا . الله الله يا يحيى! [ جد] (٢) في هذا الأمر.
قال المؤلف : غير أن فضل العلم إنما هو لمن عمل به ، ونوى بطلبه
وجه الله تعالى .
ذكر مالك : أن عبد الله بن سلام قال لكعب : مَن أرباب العلم ؟
قال: هم أهله الذين يعملون بعلمهم . قال : صدقت . قال : فما
ينفي العلم من صدور العلماء بعد إذْ علموه ؟ قال : الطمع .
وعن ابن عيينة عمن حدثه عن عبد الله بن المسوّر قال : (( جاء
(١) في ((الأصل)): النبيون. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب.
(٢) في ((هـ )): خذنا. وفي ((الأصل)) تحتمل جِدَّ، أو جُزْ ، والله أعلم.
- ١٣٥ -

رجل إلى النبي - عليه السلام - قال : أتيتك لتعلمني من غرائب
العلم . فقال له النبي - عليه السلام - : ما صنعت في رأس العلم ؟
قال : وما رأس العلم ؟! قال : هل عرفت الرَّب ؟ قال : نعم .
قال: فما صنعت في حقه ؟ قال: ما شاء الله . قال : هل عرفت
الموت ؟ قال : نعم . قال : فما أعددت له ؟ قال : ما شاء الله .
قال : فاذهب فأحكم ما هناك ، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم )) .
وعن الحسن البصري عن النبي - عليه السلام -، قال: (( العلم
علمان : علم على اللسان ، فتلك حجة الله على ابن آدم ، وعلم في
القلب فذلك العلم النافع )) .
وذكر ابن وهب عن أبي الدرداء ، أنه كان يقول : لست أخاف أن
يقال لي : يا عويمر ، ماذا علمت ؟ ولكن أخاف أن يقال لي : يا
عويمر ، ماذا عملت فيما علمت ؟ ولم يؤتِ الله أحدًا علمًا في الدنيا
إلا سأله يوم القيامة .
ومن تعلم الحديث ليصرف به وجوه الرجال إليه ، صرف الله وجهه
يوم القيامة إلى النار .
وقال مسروق : بحسب المرء من العلم أن يخشى الله ، وبحسبه من
الجهل ألا يخشى الله .
وقوله تعالى : ﴿وقل رب زدني علما﴾ (١) قال قتادة: إن الشيطان
لم يدع أحدكم حتى يأتيه من كل وجه ، حتى يأتيه من باب العلم ،
فيقول : ما تصنع بطلب العلم ؟ ليتك تعمل بما قد سمعت ، ولو كان
أحدٌ مكتفيا لاكتفى موسى - عليه السلام - حيث يقول : ﴿هل أتبعك
على أن تعلمني مما علمت رشدًا﴾ (٢) .
(١) طه : ١١٤ .
(٢) الكهف : ٦٦ .
- ١٣٦ -

وذكر الطبراني عن ابن عباس: (( أن موسى سأل ربه فقال: أي رب،
أي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن
يصيب كلمة تقربه إلى هدّى أو ترده عن ردَّى)).
باب : من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم
و
الحديث ، ثم أجاب السائل
فيه: أبو هريرة، قال: (( بينما رسول الله في مجلس يحدث القوم،
جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى / رسول الله وَلا يحدث ، فقال
بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع .
حتى إذا قضى حديثه قال : أين السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا
رسول الله . قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف
إضاعتها ؟ قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).
[١/ ق ٢٠-١]
قال المهلب : فيه أن من أدب المتعلم ألا يسأل العالم ما دام مشتغلا
بحديث أو غيره ؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم ألا يقطعه
عنهم حتى يتمه .
وفيه الرفق بالمتعلم، وإن جفا في سؤاله أو جهل، لأن النبي وَال
لم يوبخه على سؤاله قبل كمال حديثه .
وفيه : وجوب تعليم السائل والمتعلم ، لقول النبي وَطرق: [ أين
السائل؟] (١) ثم أخبره عن الذي سأله عنه .
وفيه : مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل، لقوله : كيف إضاعتها؟
(١) من ((هـ)) ..
- ١٣٧ -

وفيه : جواز ( استماع) (١) العالم في الجواب وأن ينتقي منه إذا كان
ذلك لمعنى .
وقوله: ((إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله)) معناه: أن الأئمة قد
ائتمنهم الله على عباده ، وفرض عليهم النصيحة لهم ؛ لقوله - عليه
السلام -: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) . فينبغي لهم
تولية أهل الدين والأمانة للنظر في أمر الأمة . فإذا قَلَّدوا غير أهل
الدين ، واستعملوا من يعينهم على الجور والظلم فقد ضيعوا الأمانة
التي فرض الله عليهم .
وقد جاء عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( لا تقوم الساعة
حتى يؤتمن الخائن ويستخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهال،
وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته )) .
باب : من رفع صوته بالعلم
فيه: عبد الله بن عمرو قال: ((تخلَّفَ عنّا الرسولَِلّ فِي سَفْرَةٍ
سافرناها ، فَأَدْرَكَنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح
على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : وَيْل للأعقاب من النار )) مرتين أو
ثلاثًا .
وهذا حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة ( في العلم ) (٢)
وذكر ابن عيينة قال : مررتُ بأبي حنيفة وهو مع أصحابه ، وقد
ارتفعت أصواتهم بالعلم .
(١) كذا في ((الأصل))، وفي (( هـ)»: اتساع.
(٢) في (( هـ )) : بالعلم .
- ١٣٨ -

وقال ابن السكيت : أرهقتنا الصلاة : استأخرنا عنها حتى دنا وقت
الأخرى ، وأرهقنا الليل : دنا مِنَّا ، وأرهقنا القوم : لحقونا .
وقال المؤلف: إنما ترك أصحاب الرسول وَيت الصلاة في الوقت
الفاضل - والله أعلم - ؛ لأنهم كانوا على طمع من أن يأتي الرسول
( ليصلوا ) (١) معه ؛ لفضل الصلاة معه ، فلما ضاق عليهم الوقت ،
وخشوا فواته توضئوا مستعجلين ، ولم يبالغوا في وضوئهم ،
فأدركهم 84 وهم على ذلك ، فزجرهم ، وأنكر عليهم نقصهم
للوضوء بقوله : (( ويل للأعقاب من النار )).
ففيه من الفقه : أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع للفرائض
والسُّنن ، وأن يغلظ القول في ذلك ، ويرفع صوته بالإنكار .
وفيه : تكرار المسألة توكيدًا لها ومبالغة في وجوبها .
باب : قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا
وقال الحميدي : كان عند ابن عيينة : حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبانا ،
وسمعت ، واحداً .
قال ابن مسعود : حدثنا رسول الله ◌َله وهو الصادق المصدوق.
وقال أيضاً : سمعت من النبي - عليه السلام - كلمةً.
وقال حذيفة : حدثنا رسول الله حدیثین .
وقال ابن عباس : عن النبي - عليه السلام - فيما يروي عن ربه - عز
وجل.
(١) فى (( هـ)): فيصلوا .
- ١٣٩ -

وقال أنس وأبو هريرة مثله .
وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( إن من الشجر شجرة لا
يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، فحدثوني ما هي ؟ ... )) وذكر
الحديث .
اختلف العلماء في هذا الباب ، فروى ابن وهب عن مالك أن
حدثنا وأخبرنا سواء ، وهو قول الكوفيين ، وذهبت طائفة إلى الفرق
بينهما . وقالوا : (( حدثنا )) لا يكون إلا مشافهة، و(( أخبرنا )» قد
يكون مشافهةً وكتابا وتبليغًا ؛ لأنك تقول : أخبرنا الله بكذا في كتابه،
[١/ ق٢٠ - ب] وأخبرنا رسول الله وَل، ولا تقول: حدثنا / إلا أن يشافهك المخبر
بذلك .
فقال الطحاوي : فنظرنا في ذلك فلم نجد بين الخبر ، والحديث
فرقًا في كتاب الله ، ولا سنة رسول الله - عليه السلام .
فأمَّا كتاب الله وقوله تعالى : ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابًا
متشابهًا﴾ (١)، وقوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها﴾ (٢) فجعل الحديث
والخبر واحدًا .
وقال تعالى : ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ (٣) وهي الأشياء التي
كانت منهم .
وقال تعالى : ﴿ هل أتاك حديث الجنود ﴾ (٤) ، ﴿ ولا یکتمون الله
حديثا ﴾ (٥) .
قال أبو جعفر الطحاوي : وكأن المراد في هذا كله، أن الخبر
(١) الزمر: ٢٣ .
(٣) التوبة : ٩٤ .
(٢) الزلزلة : ٤ .
(٤) البروج : ١٧ .
(٥) النساء : ٤٢ .
- ١٤٠ -