Indexed OCR Text
Pages 121-140
وقال الطبري: في قوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات » فيه من الفقه تصحيح قول من قال : كل عامل عملاً فإنه فيما بين العامل وبين ربه على ما صرفه إليه بنيته ونواه بقلبه ، لا على ما يبدو لعين من يراه، وبيان فساد قول من قال : إذا غسل الغاسل أعضاء الوضوء وهو ينوي تعليم جاهل ، أو تبرُّدًا من حَمِّ أصابه ، أو تطهيرها من نجاسةِ، لا يقصد بغسلها أداء فرض الصلاة عليه ؛ أنه مؤد بذلك فرض الله الذي لزمه . وأن من صام رمضان بنيَّة قضاء نذرٍ عليه ، أو نيَّة تطوع ، أنه يجزيه عن فرض شهر رمضان . وكذلك من حج عمن لم يحج قبل عن نفسه فنوى الحج عن غيره أن يجزئه عن فرض الحج عن نفسه ، إذْ كان عليه السلام جعل عمل كل عامل مصروفًا إلى ما صرفه إليه بنيته ، وأراده بقلبه فيما بينه وبين ربِّه . فإن كانت هجرته هجرة رغبة في الإسلام وبراءة من الكفر ، / فهجرته هنالك لله ورسوله ، وإن كانت هجرته طلب دنيا ، فليست [١/ ق١٧ -ب] بالهجرة التي أمر الله عباده . فكذلك الصائم شهر رمضان بنيَّة التطوع ، أو قضاء النذر ، وغاسل أعضاء الوضوء ، والمحرم بالحج عن غيره ؛ كل واحدٍ منهم غير فاعل ما عليه من فرض الله ؛ لأن عمله لِمَا نواه دون ما لم ينوه . وقال غير الطبري : وقد زعم بعض الفقهاء أن النية غير مفتقر إليها في بعض الأعمال ، كقول زُفَر : إن صيام شهر رمضان لا يحتاج إلى نية ، وغيره من الصيام يفتقر إلى نية إلا أن يكون الذي يدركه رمضان مسافرًا أو مريضًا ، فإنه لا يصحُ إلا بالنية . - ١٢١ - فأمَّا الصحيح المقيم فلا يفتقر إلى نية ، وهو قول عطاء ومجاهد ، واحتجوا أن النية إنما احتيج إليها ؛ لتمييز الفرض عن النفل ، وزمن رمضان لا يصح فيه النفل ، فلا معنى لاعتبار النية فيه . وكقول الأوزاعي: إن الطهارة والغسل والتيمم لا يحتاج (شيء)(١) منها إلى نية ، ذكره ابن القصار ، وهو كقول الحسن بن حي . وكقول الثوري وأبي حنيفة : إن الطهارة لا تفتقر إلى نية . ونَاقَضًا في التيمم فجعلاه يفتقر إلى نية، وسائر الفقهاء على خلافهم فتركوا قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات )) وسائر الأحاديث المشروط فيها النية . وزعم الثوري وأبو حنيفة : أن التيمم مفارق للطهارة ؛ لأن الله - تعالى - قال في الماء : ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ (٢) ولم يذكر فيه نية. وقال في التيمم: ﴿فتيمموا﴾ (٣)، والتيمم : القصد فلا (يجوز ) (٤) إلا بنية . قال ابن القصار : فيقال لهم : لو سلمنا لكم أن الله نصّ على النية في التيمم ، وأمسك عنها في الوضوء ؛ لجاز لنا القياس فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه ، ولما دخلت النية في التيمم :- وهو أقل من الوضوء - كان الوضوء أولى بدخول النية فيه . واحتج الكوفيون أيضًا أن النجاسات يجوز غسلها بغير نيَّة، فكذلك الوضوء ، فيقال لهم : الفرق بين غسل النجاسات وبين الطهارة : أن النجاسة قد انخفض أمرها ؛ لأنه عُفي عن اليسير منها [ يكون ] (٥) (١) في (( هـ)): في شيء. (٢) المائدة : ٦ . (٣) النساء : ٤٣، المائدة : ٦. (٤) في (هـ)): يجزئ التيمم . (٥) في (( الأصل)): فتكون. والمثبت من (( هـ). - ١٢٢ - في الثوب والبدن مثل الدم ، وسمح بموضع الاستنجاء ، وليس كذلك الطهارة؛ لأنه لم يسمح بترك شيءٍ من الأعضاء في الوضوء والغسل والتيمم . وفرق آخر : وهو أن الطهارة تجب عن أي حدث كان في الأربعة (الأعضاء ) (١) ، سواء كان الحدث غائطًا أو بولا أو غيره ، وليست كذلك النجاسة ؛ لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب عليه غسل يده ورجله ، ولو أصابت رجله لم يجب عليه غسل يده ، فسقط اعتراضهم أنه لَمَّا جاز (غسل ) (٢) النجاسة بغير نية أنه يجب مثله في الوضوء . وقد سُئل عليّ بن أبي طالب عن رجلٍ اغتسل للجنابة ولم ينو . قال : يُعيد الغسل ، ولا يعرف له مخالف ؛ فصار كالإجماع . وأمَّا قول من قال : إن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية ، فليس بشيء؛ لأن قضاءه لا يصح إلا بنية ، فوجب أن يفتقر أداؤه إلى النية كالصلاة . وقال بعض العلماء : قوله عليه السلام : (( الأعمال بالنيات » ليس على العموم ، وقد توجد أشياء تصح ( من غير ) (٣) نية ، وإن كانت يسيرة فمنها أن مالكًا والكوفيين والشافعي اتفقوا في المرأة يغيب عنها زوجها مدةً طويلةً يموت ولا تعلم بموته فيبلغها ذلك بعد عام ، أن عدتها من يوم الوفاة ، لا من يوم بلغها موته . وهذه عدة بغير فيَّة . ومنها قول ابن القاسم : أنه إذا أعتق الرجل عبده عن غيره في (١) كذا في ((الأصل، هـ )). (٣) في (( هـ ) : بغير . (٢) في (( هـ )) : إزالة. - ١٢٣ - كفارة الظهار بغير علمه أن يجزئه من كفارته ، والكفارة فرض عليه ، وإن كان قد أبى ذلك أبو حنيفة والشافعي وأشهب ، فقالوا : لا يعتق عنه بغير علمه؛ لأنه فرض وجب عليه . ومما يجزئ بغير نيَّة ما قاله مالك : أن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أُخذت منه . ومنها : أن أبا بكر الصديق وجماعة الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الرِّدة بالغلبة والقهر ولو لم تجز عنهم ما أخذت منهم . واحتج من خالفهم في ذلك وجعل قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنية)) على العموم فقال : العدة إنما جعلت للاستبراء ، وبراءة الرحم خوف الداخلة في النسب ، وهذه رحم قد حصل لها ما ابتغي من الاستبراء بمضي المدة ، وإن كانت المرأة لم تعلم ذلك ، وقد أجمعوا على أنها لو كانت حاملا لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه ، فوضعت حملها أن عدتها منقضية . . وأمَّا أخذ الخوارج الزكاة من الناس فلا حجة فيه لمن قال : إنه عمل بغير نية ؛ لأن النية لا تنفك عنها من غلبة الخوارج ؛ لأن معنى النية ذكره [وقت] (١) أخذها منه أنه عن الزكاة ، أَخَذَها المتغلب عليه إذا لم يأخذها على غير وجه الزكاة ، فلا ينفك علمه من ذلك ، وهو [١٨٥/١ - ] كالذاكر / للصلاة في وقت أدائها . وقد قال الله - تعالى - لنبيه: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) وقام الخلفاء بعده في أخذها مقامه . وقام من بعدهم من فاسق وصالح مقامهم فكذلك الخوارج . (١) في ((الأصل)): وقد. وهو تحريف .. (٢) التوبة : ١٠٣ - ١٢٤ - معناهم معنى الظالم من الأمراء . ولم يختلف العلماء أن أخذ الظالم لها يجزئه ، فالخارجي في معنى الظالم . وأهل السُّنَّة مجمعون على أن المتغلب يقوم مقام الإمام العدل في إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامة الجمعات والأعياد وإنكاح من لا ولي لها (١) ، فكذلك الخوارج ؛ لأنهم من أهل القِبْلة وشهادة التوحيد . وأما قوله : إن الصديق أخذ الزكاة من أهل الردة بالغلبة فأجزأتهم فليس بشيء ؛ لأن الصديق لم يقصد أخذ الزكاة بعينها منهم ، وإنما قصد إلى حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم ، ولو قصد إلى أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها من أموالهم . ونحن نقول : إنها لا تجب عليهم بعد كفرهم ، ولو أسلموا بعد ذلك . وأمَّا قول ابن القاسم في الذي يعتق عبده عن غيره في الظهار ، فقد قال الأبهري : القياس أنه لا يجزئه ؛ لأن المعتق عنه بغير أمره لم ينو عتقه، فالعتق في الكفارات لا يجزئ بغير نيَّة ، وليس ذلك بمنزلة العتق عن الميت في كفارة عليه ؛ لأن الميت معدوم النية وليس بواجب أن يُعتق عنه إذا لم يوص بذلك ، والحي غير معدوم النية ، ولا يجوز أن تنوب نيَّةُ غيره عنه، وإلى هذه المسألة رد ابن القاسم مسألة الظهار، ولم يُصب وجه القياس على قول مالك . وقد قال أشهب وابن المواز : لا تجوز الكفارة بغير نية . وليس قول مالك والكوفيين فيمن وقف بعرفة ( بغير نية ) (٢) مغمي (١) في (( هـ)): له . وهو خطأ . (٢) ليست في ١ هـ )). - ١٢٥ - عليه أنه يجزئه مما يعترض به في هذا الباب ؛ لأن من وقف بعرفة مغمي عليه فهو كمن أغمي عليه بعد الفجر في يوم الصيام . والإغماء: مرض ، والمرض لا يُبطل الصوم إلا أن يفطر فيه ، وليس في الإغماء أكثر من عدم العلم بالصوم ، وعدم العلم به بعد الدخول فيه لا يبطله دليله النوم والنسيان فهو باق على حكم صيامه ، وكذلك من أحرم وهو صحيح فحدث له الإغماء فهو باق على حكم إحرامه . وقال أبو محمد الأصيلي: النية والقصد عند الإحرام تجزئ كالإحرام للصلاة ؛ فإذا أحرم بنية وقصد فإن غيرت النية تعد مع سائر الامتثال أجزأت الصلاة ، وكذلك الوقوف بعرفة ، ولا يعترض بالصغيرة تجب عليها العدة ، وهي غير مخاطبة بالعبادة؛ لأنها قد تصبح منها النية والقصد إلى القربة ، وإن لم تكن مكلفة فوليها مكلف في حملها عليها . ألا ترى أن المرأة التي حجّت بالصبي الصغير ، قالت : ((ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال: نعم ، وَلَكِ أجر )) يعني في إحجاج الصَّي . وكذلك من أوجب الزكاة في مال الصغير ، جعل الزكاة طهرةً للمال وحقا فيه ، وجعل ولي الصغير مخاطبًا فيه بدليل قوله : ((ولك أجر )). قال الطبري في قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات)): (في)(١) هذا بيان من الرسول عن أعمال العباد التي يستوجبون عليها من ربهم الثواب والعقاب . وما منها لله تعالى وما منها لغير الله ، وإنما يقترف ذلك عند ابتدائه ، وفي أول دخوله فيه ، فإذا كان ابتداؤها لله لم يضره ما عرض بعد ذلك في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس (١) ليست في (( هـ ) - ١٢٦ - الشيطان ، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء باطلاع العباد عليه بعد مضيه فيه ولا سروره بذلك . وهذا قول عامة السلف . قال الحسن البصري : ما عمل آدمي قط [ عملا ] (١) إلا سار في القلب منه سورتان . فإذا كانت الأولى منهما الله لم تهده الأخرى ، وإنما المكروه أن يبتدأه بالنية المكروه ابتداؤه [ بها ] (٢) أو يعمله غير خالص لله ، فذلك الذي يستحق عامله عليه العقاب من ربه ، وبنحو ذلك قال السلف . وروى الأعمش عن خيثمة [ عن ] (٣) الحارث بن قيس ، قال : إذا كنت تصلي فأتاك الشيطان ، فقال : إنك ترائي ؛ فزدها طولا . وروي عن الحسن : أن رجلاً كان حسن الصوت بالقرآن فقال له : يا أبا سعيد ، إنني أقوم الليل فيأتيني الشيطان إذا رفعت صوتي فيقول إنما تريد الناس . فقال الحسن : لك نيتك إذا قمت من فراشك . وروى أبو داود الطيالسي قال : حدثني سعيد بن سنان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة: (( أن رجلا قال : يا رسول الله، الرجل يعمل العمل [ يسِّره] (٤)، فإذا الطُّلِع عليه أعجبه ؟ فقال عليه السلام: لك أجران ، أجر السر.، وأجر العلانية)). وقد قسم الطبري هذه المسألة في موضع آخر على قسمين : فقال : (١) في ((الأصل)): عمل. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): بهما. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): بن. وهو تحريف، والمثبت من ( هـ). (٤) في ((الأصل)): يستره. والمثبت من (( هـ)). - ١٢٧ - [١٨٥/١-ب) ما كان من الأعمال / التي يبتدأ بها لوجه الله - تعالى - لها اتصال كصلاة التطوع التي أقلها ركعة ، وكالحج الذي إذا أحرم به في وقته لم يُحِل منه إلا (وقتٍ ) (١) طلوع الفجر من يوم النحر برمي الجمرة ، والعمرة التي لا يحل منها إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ، وشبه ذلك من الأعمال التي لها اتصال بابتداء وانقضاء ، فلا تفسد بالعارض فيها من الوسواس من الرياء ، وكان عمله على ما ابتدأ من النية ، كما أنه لو حدَّث نفسه بالخروج منها ، ولم يفعل فعلا يخرج به منه ؛ لم يكن خارجًا منه ، وما كان من الأعمال لا اتصال لها بأول متطاول كالصدقة على المساكين، وتلاوة القرآن، وذكر الله، والتسبيح ، وشبهه مما لا تطاول له باتصال ؛ فإن عليه مع كل فعل يفعله من ذلك إحداث نية ( مجددة ) (٢) ، وإرادة منه بها وجه الله غير النية التي سبقت منه للتي قبلها ؛ لأن كل فعلة من ذلك غير التي قبلها والتي بعدها ، ولن تفسد الثانية إذا كانت صحيحةً بفساد التي قبلها ؛ ولم تصح فهي فاسدة بصحة ما قبلها ، والصلاة تفسد الركعة منها بفساد الركعة الأخرى ، وتصح بصحتها ، ويصح السجود فيها بصحة الركوع ، ويفسد بفساده في بعض الأحوال . وكذلك سائر الأعمال التي لها ابتداء وانقضاء ولها تطاول باتصال . باب : قول الرسول : (( الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) وقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾(٣) فيه: جرير، قال: ((بايعت رسول الله على إقام الصلاة ، وإيتاء. الزكاة، والنصح لكل مسلم )) . (١) في (( هـ)): بعد. (٢) في (( هـ ): مجردة . (٣) التوبة : ٩١. - ١٢٨ - وفيه: (( أن جريرًا قام يوم مات المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال : عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له والوقار والسكينة ، حتى يأتيكم أمير ، فإنما يأتيكم الآن . ثم قال : استعفوا لأميركم ؛ فإنه كان يحب العفو . ثم قال : أما بعد فإني أتيت الرسول فقلت : أبايعك على الإسلام . فشرط عَليَّ: والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا، ورَبُ هذا المسجد إني لناصحٌ لكم. ثم استغفر ونزل)). معنى هذا الباب : أن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا ، وأن الدين يقع على العمل ، كما يقع على القول ، ألا ترى أن رسول الله بايع جريرًا على النصح ، كما بايعه على الصلاة والزكاة ، سوّى بينهما في البيعة ؟ وقد جاء عن الرسول أنه سمى النصيحة دينًا على لفظ الترجمة . رواه ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداريِّ قال: قال رسول الله: ((الدين النصيحة)) قالها ثلاثًا . قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال: لله - عَزَّ وجَلَّ - ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . رواه ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام . والنصيحة فرضٌ يجزئ فيه من قام به ، ويسقط عن الباقين . والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ، ويُطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه . وأمّا إن خشي الأذى فهو في سعة منها . - ١٢٩ - قال أبو بكر الآجري : ولا يكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه ، واجتهد في طلب العلم والفقه ؛ ليعرف به ما يجب عليه ، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف الحذر منه ، ويعلم قبيح ما تميل إليه النفس حتى يخالفها بعلم . وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة - وكان يقرأ الكتب - قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم : من الناصح لله تعالى ؟ قال : الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس ، فإذا عُرض له أمران : أمر دنيا وآخرة ، بدأ بعمل الآخرة ، فإذا فرغ من أمر الآخرة تفرغ لأمر الدنيا . وقال الحسن البصري : ما زال الله [ ناس ] (١) ينصحون لله في عباده ، وينصحون لعباد الله في حق الله عليهم ، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض . وقال الآجري : والنصيحة لرسول الله على وجهين : فنصيحة مَن صَاحَبَهُ وشَاهَده ، ونصيحةُ من لم يره . فأمّا صحابته ، فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه، ويعادوا فيه القريب والبعيد ، وأن يسمعوا له ويطيعوا ، وينصحوا كل مسلم ، فَوَقُّوا بذلك وأثنى الله عليهم به . وأمَّا نصيحة من لم يره : فأن يحفظوا سُنَّته على أمته وينقلوها [٥/١ ١٩-١] / ويُعَلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فإذا فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء . (١) في ((هـ)): نصحًا. وفي ((الأصل)): ناسًا. - ١٣٠ - وأمّا النصيحة لأئمة المسلمين : فهي على قدر الجاه والمنزلة عندهم، فإذا أمن من ضرهم فعليه أن ينصحهم ، فإذا خشي على نفسه فحسبه أن يُغير بقلبه ، وإن عَلِمَ أنه لا يقدر على نصحهم فلا يدخل عليهم ، فإنه يغشهم ويزيدهم فتنةً ويذهب دينه معهم . وقد قال الفضيل بن عياض : ربما دخل العَالِم على المَلِك ومعه شيء من دينه فيخرج وليس معه شيء . قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : يصدقه في كذبه ، ويمدحه في وجهه . وقد روى الثوري عن أبي حصين ، عن الشعبي ، عن عاصم العدوي، عن كعب بن عُجرة قال: ((خرج علينا رسول الله وَليه قال: إنه سيكون بعدي أمراء فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ، ولست منه ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنهم على ظلمهم فهو مني ، وأنا مِنه، وسيردُ عليَّ الحوض)). وأمّا نصيحة العامة بعضهم لبعض ، فواجب على البائع أن ينصح للمشتري فيما يبيعه ، وعلى الوكيل والشريك والخازن أن ينصح لأخيه، ولا يُحب له إلا ما يُحب لنفسه . وروى ابن عجلان عن عون بن عبد الله ، قال : كان جرير إذا أقام السلعة بَصَّرَهُ عيوبها، ثم خَيَّرَهُ، فقال : إن شئت فاشتر ، وإن شئتَ فاترك . فقيل له : إذا فعلت هذا لم ينفذ لك بيع ! فقال : إنَّا بايعنا رسول الله على النصح لكل مسلم . وقال المهلب : في قول جرير : (( عليكم بالسكينة والوقار )) دليل أنه يجب على العَالِم إذا رأى أمرًا يخشى منه الفتنة على الناس ؛ أن يعظهم في ذلك ويرغبهم في الأُلفة وترك الفرقة . - ١٣١ - وقوله : (( حتى يأتيكم أمير )) يعني ليقوم بأمركم وينظر في "مصالحكم . وقوله: (( استعفوا لأميركم ؛ فإنه كان يحب العفو )) جعل الوسيلة له إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه ، وما كان يجبه في حياته من العفو عن من أذنب إليه ، وكذلك يُجزى كل أحدٍ يوم القيامة بأحسن خلقه وعمله في الدنيا . .--- * - ١٣٢ - كتاب العلم قوله تعالى : ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (١)، وقوله: ﴿رب زدني علماً﴾ (٢). قال المؤلف : جاء في كثير من الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء ، ودرجات أصحابهم ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وإنما وَرَّئُوا العلم ، وبيَّنوه للأمة، وذبُّوا عنه ، وحَمَوه من تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين . وروى ابن وهب عن مالك ، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى : ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ (٣) . قال: بالعلم. وذُكر عن الأوزاعي قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : يا أبا عبد الرحمن ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : العلم . ثم سأله ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : العلم . قال : أنا أسألك عن أفضل الأعمال، وأنت تقول: العلم ؟! قال : ويحك ، إن مع العلم بالله ينفعك قليل [ العمل ] (٤) وكثيره ، ومع الجهل بالله لا ينفعك قليل [العمل ] (٤) ولا كثيره . وقال ابن عيينة في قوله تعالى : ﴿وجعلني مباركًا أينما كنت﴾(٥) قال : معلمًا للخير . وفي فضل العلم آثار كثيرة، ومن أحسنها ما حدثني يونس بن عبد الله، قال : حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله ، قال : حدثنا سعيد بن (١) المجادلة : ١١ . (٣) يوسف : ٧٦ . (٢) طه : ١١٤ . (٤) في ((الأصل)): العلم، والمثبت من ((هـ)). (٥) مريم : ٣١. - ١٣٣ - فحلون، قال : حدثنا أبو العلاء عبد الأعلى بن معلى قال : حدثنا عثمان بن أيوب قال : حدثني يحيى بن يحيى قال : أول ما حدثني مالك بن أنس حين أتيته طالبا لَما ألهمني الله إليه في أول يوم جلست إليه قال لي : اسمك ؟ قلت له : أكرمك الله ، يحيى ، وكنتُ أحْدث أصحابي سنا ، فقال لي : يا يحيى ، الله الله، عليك بالجدِّ في هذا الأمر ، وسأحدثك في ذلك بحديث يرغبك فيه ، ويزهدك في غيره ، قال : قدم المدينة غلام من أهل الشام بحداثة سنِّك فكان معنا يجتهد ويطلب حتى نزل به الموت ، فلقد رأيت على جنازته شيئًا لم أر مثله على أحد من أهل بلدنا ، لا طالب ولا عالم ، فرأيت جميع العلماء يزدحمون على نعشه ، فلمَّا رأى ذلك الأمير أمسك عن الصلاة عليه ، وقال : قدموا منكم من أحببتم ، فقدم أهل العلم ربيعة ، ثم نهض به إلى قبره . قال مالك : فألحده في قبره ربيعة ، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد ، وابن شهاب ، وأقرب الناس إليهم : [١٩٥/١-ب] محمد بن المنذر ، وصفوان بن سليم ، وأبو حازم وأشباههم / وبنى اللَّبن على لحده ربيعةٍ ، وهؤلاء كلهم يناولوه اللّبن. قال مالك : فلما كان اليوم الثالث من يوم دفنه رآه رجل من خيار أهل بلدنا في أحسن صورة غلام أمرد ، وعليه بياض ، ( متعمم ) (١) بعمامة خضراء ، وتحته فرس أشهب نازل من السماء فكأنه كان يأتيه قاصدًاً ويسلِّم عليه ، ويقول : هذا بَلَّغني إليه العلم . فقال له الرجل : وما الذي بلغك إليه ؟ فقال : أعطاني الله بكل باب تعلمته من العلم درجة. في الجنة ، فلم تبلغ بي الدرجات إلى درجة أهل العلم ، فقال الله تعالى : زيدوا ورثة أنبيائي، فقد ( ضمنت ) (٢) على نفسي أنه من مات وهو عالم سنتي ، أو سنة أنبيائي ، أو طالب لذلك أن أجمعهم (١) في (( هـ)»: معتم - (٢) في ((هـ)): حتمت . - ١٣٤ - في درجة واحدة فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم ، وليس بيني وبين رسول الله وَ﴿ إلا درجتان: درجةٌ هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم ، ودرجة فيها جميع أصحابه ، وجميع أصحاب [النبيين] (١) الذين اتبعوهم، ودرجة من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبته ، فسيرني حتى استوسطتهم فقالوا لي : مرحبًا ، مرحبًا. سوى ما لي عند الله من المزيد . فقال له الرجل : ومَالَكَ عند الله من المزيد ؟ فقال : وعدني أن يحشر النبيين كلهم كما رأيتهم في زمرة واحدة . فيقول : يا معشر العلماء ، هذه جنتي قد أبحتها لكم ، وهذا رضواني قد رضيت عنكم ، فلا تدخلوا الجنة حتى تتمنوا وتشفعوا ، فأعطيكم ما شئتم ، وأشفعكم فيمن استشفعتم له ، ليرى عبادي كرامتكم عليّ ، ومنزلتكم عندي . فلمَّا أصبح الرجل حدث أهل العلم ، وانتشر خبره بالمدينة قال مالك : كان بالمدينة أقوام بدءوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفوا عنه حتى سمعوا هذا الحديث ، فلقد رجعوا إليه ، وأخذوا بالحزم ، وهم اليوم من علماء بلدنا . الله الله يا يحيى! [ جد] (٢) في هذا الأمر. قال المؤلف : غير أن فضل العلم إنما هو لمن عمل به ، ونوى بطلبه وجه الله تعالى . ذكر مالك : أن عبد الله بن سلام قال لكعب : مَن أرباب العلم ؟ قال: هم أهله الذين يعملون بعلمهم . قال : صدقت . قال : فما ينفي العلم من صدور العلماء بعد إذْ علموه ؟ قال : الطمع . وعن ابن عيينة عمن حدثه عن عبد الله بن المسوّر قال : (( جاء (١) في ((الأصل)): النبيون. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب. (٢) في ((هـ )): خذنا. وفي ((الأصل)) تحتمل جِدَّ، أو جُزْ ، والله أعلم. - ١٣٥ - رجل إلى النبي - عليه السلام - قال : أتيتك لتعلمني من غرائب العلم . فقال له النبي - عليه السلام - : ما صنعت في رأس العلم ؟ قال : وما رأس العلم ؟! قال : هل عرفت الرَّب ؟ قال : نعم . قال: فما صنعت في حقه ؟ قال: ما شاء الله . قال : هل عرفت الموت ؟ قال : نعم . قال : فما أعددت له ؟ قال : ما شاء الله . قال : فاذهب فأحكم ما هناك ، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم )) . وعن الحسن البصري عن النبي - عليه السلام -، قال: (( العلم علمان : علم على اللسان ، فتلك حجة الله على ابن آدم ، وعلم في القلب فذلك العلم النافع )) . وذكر ابن وهب عن أبي الدرداء ، أنه كان يقول : لست أخاف أن يقال لي : يا عويمر ، ماذا علمت ؟ ولكن أخاف أن يقال لي : يا عويمر ، ماذا عملت فيما علمت ؟ ولم يؤتِ الله أحدًا علمًا في الدنيا إلا سأله يوم القيامة . ومن تعلم الحديث ليصرف به وجوه الرجال إليه ، صرف الله وجهه يوم القيامة إلى النار . وقال مسروق : بحسب المرء من العلم أن يخشى الله ، وبحسبه من الجهل ألا يخشى الله . وقوله تعالى : ﴿وقل رب زدني علما﴾ (١) قال قتادة: إن الشيطان لم يدع أحدكم حتى يأتيه من كل وجه ، حتى يأتيه من باب العلم ، فيقول : ما تصنع بطلب العلم ؟ ليتك تعمل بما قد سمعت ، ولو كان أحدٌ مكتفيا لاكتفى موسى - عليه السلام - حيث يقول : ﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا﴾ (٢) . (١) طه : ١١٤ . (٢) الكهف : ٦٦ . - ١٣٦ - وذكر الطبراني عن ابن عباس: (( أن موسى سأل ربه فقال: أي رب، أي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تقربه إلى هدّى أو ترده عن ردَّى)). باب : من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم و الحديث ، ثم أجاب السائل فيه: أبو هريرة، قال: (( بينما رسول الله في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى / رسول الله وَلا يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع . حتى إذا قضى حديثه قال : أين السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله . قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها ؟ قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)). [١/ ق ٢٠-١] قال المهلب : فيه أن من أدب المتعلم ألا يسأل العالم ما دام مشتغلا بحديث أو غيره ؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم ألا يقطعه عنهم حتى يتمه . وفيه الرفق بالمتعلم، وإن جفا في سؤاله أو جهل، لأن النبي وَال لم يوبخه على سؤاله قبل كمال حديثه . وفيه : وجوب تعليم السائل والمتعلم ، لقول النبي وَطرق: [ أين السائل؟] (١) ثم أخبره عن الذي سأله عنه . وفيه : مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل، لقوله : كيف إضاعتها؟ (١) من ((هـ)) .. - ١٣٧ - وفيه : جواز ( استماع) (١) العالم في الجواب وأن ينتقي منه إذا كان ذلك لمعنى . وقوله: ((إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله)) معناه: أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده ، وفرض عليهم النصيحة لهم ؛ لقوله - عليه السلام -: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) . فينبغي لهم تولية أهل الدين والأمانة للنظر في أمر الأمة . فإذا قَلَّدوا غير أهل الدين ، واستعملوا من يعينهم على الجور والظلم فقد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم . وقد جاء عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( لا تقوم الساعة حتى يؤتمن الخائن ويستخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهال، وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته )) . باب : من رفع صوته بالعلم فيه: عبد الله بن عمرو قال: ((تخلَّفَ عنّا الرسولَِلّ فِي سَفْرَةٍ سافرناها ، فَأَدْرَكَنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : وَيْل للأعقاب من النار )) مرتين أو ثلاثًا . وهذا حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة ( في العلم ) (٢) وذكر ابن عيينة قال : مررتُ بأبي حنيفة وهو مع أصحابه ، وقد ارتفعت أصواتهم بالعلم . (١) كذا في ((الأصل))، وفي (( هـ)»: اتساع. (٢) في (( هـ )) : بالعلم . - ١٣٨ - وقال ابن السكيت : أرهقتنا الصلاة : استأخرنا عنها حتى دنا وقت الأخرى ، وأرهقنا الليل : دنا مِنَّا ، وأرهقنا القوم : لحقونا . وقال المؤلف: إنما ترك أصحاب الرسول وَيت الصلاة في الوقت الفاضل - والله أعلم - ؛ لأنهم كانوا على طمع من أن يأتي الرسول ( ليصلوا ) (١) معه ؛ لفضل الصلاة معه ، فلما ضاق عليهم الوقت ، وخشوا فواته توضئوا مستعجلين ، ولم يبالغوا في وضوئهم ، فأدركهم 84 وهم على ذلك ، فزجرهم ، وأنكر عليهم نقصهم للوضوء بقوله : (( ويل للأعقاب من النار )). ففيه من الفقه : أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع للفرائض والسُّنن ، وأن يغلظ القول في ذلك ، ويرفع صوته بالإنكار . وفيه : تكرار المسألة توكيدًا لها ومبالغة في وجوبها . باب : قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وقال الحميدي : كان عند ابن عيينة : حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبانا ، وسمعت ، واحداً . قال ابن مسعود : حدثنا رسول الله ◌َله وهو الصادق المصدوق. وقال أيضاً : سمعت من النبي - عليه السلام - كلمةً. وقال حذيفة : حدثنا رسول الله حدیثین . وقال ابن عباس : عن النبي - عليه السلام - فيما يروي عن ربه - عز وجل. (١) فى (( هـ)): فيصلوا . - ١٣٩ - وقال أنس وأبو هريرة مثله . وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، فحدثوني ما هي ؟ ... )) وذكر الحديث . اختلف العلماء في هذا الباب ، فروى ابن وهب عن مالك أن حدثنا وأخبرنا سواء ، وهو قول الكوفيين ، وذهبت طائفة إلى الفرق بينهما . وقالوا : (( حدثنا )) لا يكون إلا مشافهة، و(( أخبرنا )» قد يكون مشافهةً وكتابا وتبليغًا ؛ لأنك تقول : أخبرنا الله بكذا في كتابه، [١/ ق٢٠ - ب] وأخبرنا رسول الله وَل، ولا تقول: حدثنا / إلا أن يشافهك المخبر بذلك . فقال الطحاوي : فنظرنا في ذلك فلم نجد بين الخبر ، والحديث فرقًا في كتاب الله ، ولا سنة رسول الله - عليه السلام . فأمَّا كتاب الله وقوله تعالى : ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾ (١)، وقوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها﴾ (٢) فجعل الحديث والخبر واحدًا . وقال تعالى : ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ (٣) وهي الأشياء التي كانت منهم . وقال تعالى : ﴿ هل أتاك حديث الجنود ﴾ (٤) ، ﴿ ولا یکتمون الله حديثا ﴾ (٥) . قال أبو جعفر الطحاوي : وكأن المراد في هذا كله، أن الخبر (١) الزمر: ٢٣ . (٣) التوبة : ٩٤ . (٢) الزلزلة : ٤ . (٤) البروج : ١٧ . (٥) النساء : ٤٢ . - ١٤٠ -