Indexed OCR Text

Pages 101-120

وقال ابن فورك : معناه : إن من شأنكم الملل ، وليس هو من
صفات الله تعالى ؛ لأن الملل صفة تقتضي تغيرًا وحلول الحوادث في
من حَلّت فيه ، وهذا غير جائز في صفة الله تعالى .
وذكر الخطابي فيه وجهًا آخر ، وهو أن يكون معناه أن الله لا يسأم
الثواب ما لم تسأموا العمل - أي : لا يترك الثواب ما لم تتركوا
العمل .
وقوله : ((مَهْ )) زجرٌ وكَفْ .
باب : زيادة الإيمان ونقصانه
وقوله تعالى : ﴿ الیوم أكملت لكم دينكم ﴾فإذا ترك شيئًا من
الکمال فھو ناقص
فيه: أنس، قال عليه السلام: (( يَخْرُج من النار من قال: لا إله إلا الله
وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله
وفي قلبه وزن بُرّة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي
قلبه وزن ذرّة من خیر )) .
وفيه: ابن عمر: (( أن رجلا من اليهود قال : يا أمير المؤمنين ، آيةٌ من
كتابكم لو علينا نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : أيّ آية ؟ قال:
﴿الیوم أكملت لكم دینکم ، وأتممت علیکم نعمتی ، ورضيت لكم
الإسلام دينًا ﴾ (١) ... )) وذكر الحديث .
قال المؤلف : قوله : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ (١) حجة في
(١) المائدة : ٣ .
- ١٠١ -

زيادة الإيمان ونقصانه ؛ لأن هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع
يوم كملت الفرائض والسُّنن واستَقَرَّ الدِّين ، وأراد الله قبض نبيه ،
فدلت هذه الآية - أن كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة ، فمن
حافظ على التزامها فإيمانه أكمل من إيمان من قَصِّر في ذلك وضيع .
ولذلك قال البخاري : فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص ، وقد
تقدم في أول كتاب الإيمان - أن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو
مذهب أهل السُّنَّة وجمهور الأُمة .
وقال المهلب : الذَّرَةَ أقل الموزونات ، وهي في هذا الحديث
التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص . وما في البُرّة والشعيرة من
الزيادة على الذَّرة ؛ فإنما هي زيادة ( على ) (١) الأعمال يكمل
التصديق بها ، وليست زيادة في التصديق لما قدمنا أنه لا ينقص
التصديق .
فإن قيل : فإنه لما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبُرّة الزائدة
على الذرة إلى القلب دَلَّ أنها من زائدة التصديق ، لا من الأعمال .
فالجواب : أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل . والعمل.
لا يكون إلا بنية وإخلاص من القلب ، جاز أن يُنسب العمل إلى
القلب ، إذ تمامه بتصديق القلب ، وقد عبَّر عن هذه الأجزاء من
الأعمال مرةً بالخير ومرةً بالإِيمان ، وكل سائغٌ واسعٌ .
وقوله : ((يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله)) يدل أن ما ذكر
بعد هذا من الذَّرة والبُرَّة والشعيرة ، هي من الأعمال والطاعات ؛ إذ
(١) في ( هـ))، وهامش ((الأصل)): من.
- ١٠٢ -

الأمة مجمعة على أن قول لا إله إلا الله هو صريح الإيمان والتصديق
الذي شبّه بالذرة عمل القلب أيضًا .
وقال غير المهلب : ويحتمل أن تكون الذرة والشعيرة والبّرة التي في
القلب كلها من التصديق؛ لأن قول: ((لا إلَهَ إلا الله)) باللسان لا يتم
إلا بتصديق القلب .
والناس يتفاضلون في التصديق على قدر علمهم وجهلهم ، فمن قَلَّ
علمه كان تصديقه مقدار ذرة ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار
بُرّة وشعيرة .
إلا أن التصديق الحاصل في قلب كل واحد من هؤلاء في أول مرة
لا يجوز عليه النقصان ، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة .
فأما زيادة التصديق بزيادة العلم ، فقوله تعالى عند نزول السورة :
﴿أيكم زادته هذه إيمانًا﴾ (١) فهذه زيادة العلم .
وأما زيادة التصديق بالمعاينة : فقول إبراهيم إذ طلب المعاينة ، قال
له ربه: ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (٢)، فطلب
الطمأنينة بالمعاينة ، / وهي زيادة في اليقين . وقد قال تعالى: ﴿ ثم [١/ ق١٤ -ب]
لترونها عين اليقين﴾ (٣)، فجعل له مزية على علم اليقين . وبالله
التوفيق .
باب : الزكاة من الإسلام
قوله تعالى : ﴿ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ (٤).
(١) التوبة : ١٢٤ .
(٣) التكاثر : ٧ .
(٢) البقرة : ٢٦٠ .
(٤) البينة : ٥ .
- ١٠٣ -

فيه : طلحة بن عبيد الله: (( جاء رجل إلى الرسول من أهل نجد ثائراً
الرأس يُسمع دَويًّ صوته ولا يُفْقَهُ ما يقول ، حتى دنا، فإذا هو يسأل
عن الإسلام ، فقال له رسول الله : خمس صلوات في اليوم والليلة .
قال: هل عَليَّ غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع. قال رسول الله: وصيام
رمضان . قال : هل عليّ غيره ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع. وذكر له رسول
الله الزكاة . قال : هل عليّ غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع . فأدبر الرجل
وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله: أفلح إنْ
صدق )) .
قال المؤلف : هذا الحديث حجة أن الفرائض تُسمى إسلامًا، وَدَلَّ
قوله: ((أفلح إن صدق )) على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس
بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة .
فإن قيل : إن هذا الحديث ليس فيه فرض النهي عن المحارم ، وعن
ركوب الكبائر، وليس فيه الأمر باتباع النبي وَل﴿ل فيما سَنَّه لأمته،
فكيف يفلح من لم ينته عما نهاه الله، ولم يتبع ما سَنَّه - عليه السلام-
وقد توعّد الله على مخالفة نبيه وَّله، بقوله : ﴿ فليحذر الذين
يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (١) ؟.
فالجواب : أنه يحتمل أن يكون هذا الحديث في أول الإسلام قبل.
ورود فرائض النهي .
ويحتمل أن يكون قوله: ((أفلح إن صدق)) [ راجعًا ] (٢) إلى
قوله أنه لا ينقص منها شيئًا ولم يزد . أفلح إن صدق في أن لا يزيد
(١) النور : ٦٣ .
(٢) في ((الأصل)): راجع، والمثبت من ((هـ ).
- ١٠٤ -

عليها شيئًا من الفرائض والسنن ؛ لأن فرض الحج لم يأت في هذا
الحديث من طريق صحيح ، ولا يجوز أن يسقط فرض الحج عمن
استطاع إليه سبيلاً ، كما لا يجوز أن تسقط عنه فرائض النهي كلها ،
وهي غير مذكورة في هذا الحديث، ولا يجوز ترك اتباع النبي وَذِه
والاقتداء به في سنته ؛ لقوله تعالى : ﴿ وَما آتاكم الرسول فخذوه وما
نهاكم عنه فانتهوا ﴾ (١)، فبان بهذا أن قوله: (( أفلح إن صدق )) ليس
على العموم .
وفيه تأويل آخر: يحتمل أن يكون قوله: (( والله لا أزيد على هذا
ولا أنقص)) على معنى التأكيد في المحافظة على الوفاء بالفرائض
المذكورة ، من غير نقصان شيءٍ من حدودها ، كما يقول العبد لمولاه
إذا أمره بأمر مهم عنده : والله لا أزيد على ما أمرتني به ولا أنقص ،
أي : أفعله على حسب ما حددته لي ، لا أخل بشيء منه ، ولا أزيد
فيه من عند نفسي غير ما أمرتني به ، ويكون الكلام إخباراً عن صدق
الطاعة وصحيح الائتمار .
ومن كان في المحافظة على ما أُمرَ به بهذه المنزلة ؛ فإنه متى ورد
عليه أمرٌ لله تعالى أو لرسوله فإنه يبادر إليه ، ولا يتوقف عنه ، فرضًا
کان أو سُنَّةً.
فلا تعلق في هذا الحديث لمن احتج أن تارك السَّنن غير حَرِجٍ ولا
آثمٍ ؛ لتوعد الله - تعالى - على مخالفة أمر نبيه .
وبهذا التأويل تتفق معاني الآثار والكتاب ، ولا يتضاد شيء من
ذلك .
(١) الحشر : ٧ .
- ١٠٥ -

وهذا الرجل النجدي ، هو ضمام بن ثعلبة ، من بني سعد بن بكر.
وليس في رواية مالك وإسماعيل بن جعفر في هذا الحديث ذكر
الحج . وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن الوليد بن نويفع ، عن
كريب ، عن ابن عباس ، ذكر فيه الحج . وحديث من لم يذكره
أصح .
وقد احتج برواية ابن إسحاق من قال : إن فرض الحج على الفور.
وقالوا : إنه وَفَدَ على الرسول سنة تسع - هذا قول ابن هشام في
السير عن أبي عبيدة ، وهو قول الطبري .
وقالت طائفة : إن فرض الحج على التراخي .
853* كان في
وقالوا : إن قدوم ضمامٍ في هذا الحديث على النبي
سنة خمس - هذا قول الواقدي ، وسيأتي اختلاف أهل العلم في
ذلك ، في كتاب الحج إن شاء الله ..
ومن حُجّة الذين قالوا بالتراخي ، قالوا : لو صح أن فرض الحج
نزل سنة تسع لم يكنُّ فيه حجة لمن قال بالفور ؛ إلا أن يدّعي أن نزوله
كان في آخر العام وقت الحج؛ حيث لا يمكن النبي ◌َّ أداءه تلك
السنة ، ولا سبيل (١) إلى إثبات ذلك .
[١/ ٥ ١٥-) فإن قيل: فلعل قوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾ (٢)
أُنزلت بعد حديث ضمام .
قيل له : سواء نزلت قبله أو بعده لا يسوغ لأحد مخالفة أمر
الرسول ؛ فلا تعلق لأحد في قوله: ((أفلح إن صدق)).
٠٠
(١) في (( هـ)) : ولا سبيل له.
(٢) النور : ٦٣ .
- ١٠٦ -

وقد قال مالك في هذه الآية : نزلت يوم الخندق ، ﴿وإذا كانوا معه
على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ (١) . وقال : إن الخندق كان
سنة أربع .
قال المؤلف : قوله تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾(٢)
نزلت قبل حديث ضمام على كلا القولين ممن قال : إن فرض الحج
نزل سنة تسعٍ أَوْ سَنة خمس .
وقوله عليه السلام: (( إلا أن يطوع » ندبٌ إلى التطوع .
وقوله: ((أفلح إن صدق)) أي : فاز بالبقاء الدائم في الخير والنعيم
الذي لا يبيد .
والفلاح في اللغة : البقاء ، وهو معنى قول المؤذن : حي على
الفلاح، أي : هلموا إلى العمل المؤدي إلى البقاء .
باب : اتباع الجنائز من الإيمان
فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام: (( مَن تَبَعَ جنازة مسلم إيمانًا
واحتسابًا ، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها ؛ فإنه يرجع
بقيراطين من الأجر ، كل قيراط مثل أُحد ، ومن صلّى عليها ثم رجع قبل
أن تدفن فإنه يرجع بقيراط )» .
وهذا الباب أيضًا حجة لأهل السُّنَّة أن الأعمال إيمان ؛ لأنه عليه
السلام جعل اتباع الجنازة إيمانًا بقوله: (( من تبع جنازة مسلم إيمانًا
واحتسابًا )) .
(١) النور : ٦٢.
(٢) النور : ٦٣ .
- ١٠٧ -

وقال أبو الزناد : حض عليه السلام على التواصل في الحياة وبعد
الممات؛ والذي حض عليه في الحياة قوله عليه السلام : (( صلْ من
قطعك وأعط من حرمك))، وقال: (( لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا
عباد الله إخوانا )) .
والذي حض عليه من الصلة بعد الممات فهو تشييعه إلى قبره
والدعاء له، فهذا حق المؤمن على المؤمن .
باب : خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر
وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن
أکون مكذبًا .
وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله كلهم
يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل
ومیکائیل .
وذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن ، وما أمنه إلا منافق ، وما يُحْذّر
من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ؛ لقوله تعالى: ﴿ولم
يُصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ (١) .
فيه : زبَيْد، قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله
أن النبي - عليه السلام - قال: ((سبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفر )) .
وعن عبادة: (( أن رسول الله خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان
(١) آل عمران : ١٣٥
- ١٠٨ -

من المسلمين ، فقال : إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحی
فلان وفلان فَرُفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ... )) وذكر الحديث .
معنى قول إبراهيم : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن
أكون مكذبًا ، فإنما قال ذلك - والله أعلم - لأن الله - تعالى - ذَمَّ
مَن أَمَرَ بالمعروف ونهى عن المنكر وقَصَّر في عمله ، فقال : ﴿ يا أيها
الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا
تفعلون﴾ (١) فخشي أن يكون مكذبًا، إذْ لم ( تمنيه ) (٢) الغاية من
العمل ، وأشفق من تقصيره .
وهكذا ينبغي أن تغلب الخشية على المؤمن - ألا ترى قول الحسن :
ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق .
وقول ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول وله
كلهم يخاف النفاق على نفسه ، وإنما هذا - والله أعلم - لأنها طالت
أعمارهم حتى رأوا من التغيير ما [ لم ] (٣) يعهدوه ، ولم يقدروا على
إنكاره، فخشوا على أنفسهم أن يكونوا في حيِّر من داهن ونافق .
وقوله : ما منهم أحدٌ يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . هذا
مذهب أهل السُّنة .
ذكر الطبري بإسناده عن أيوب السختياني ، عن ابن أبي مليكة ،
عن عائشة، قالت: (( ما كان رسول الله يبوح بهذا الكلام ، يقول :
إيماني كإيمان جبريل وميكائيل )).
قال سعيد بن عبد العزيز : هو إذا أقدم على هذه المقالة أقرب أن
يكون إيمانه كإيمان إبليس ؛ لأنه أقَرَّ بالربوبية وكفر بالعمل .
(١) الصف : ٢ - ٣ .
(٢) في (( هـ)): تنته .
(٣) في ((الأصل)): لا. والمثبت من (( هـ ).
- ١٠٩ -

[١/ق ١٥ -ب] / وقال الفضيل بن عياض: يا سفيه ما أجهلك ! لا ترضى أن
تقول : أنا مؤمن حتى تقول : أنا مستكمل الإيمان . لا والله لا
يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدي ما افترض الله عليه ، ويجتنب ما
حَرَّم الله عليه ، ويرضى بما قَسَم الله له ، ثم يخاف مع ذلك ألا يتقبل
منه .
وذكر إسماعيل بن إسحاق بإسناده عن عائشة أنها قالت : سألت
رسول الله وَله عن قوله: ﴿والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم
وَجَلةٍ﴾(١) قال : هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ومفرقون أن
لا يتقبل منهم .
قال بعض السلف في قوله تعالى : ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا
يحتسبون﴾ (٢) قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم
سيئات ، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص ، أو لتعديهم
السَّنَّة وركوبهم بالتأويل. وجوه الفتنة .
وغرض البخاري في هذا الباب رد قول المرجئة : أن الله لا يعذب
على شيءٍ من المعاصي مَن قال : لا إله إلا الله ، ولا يحبط عمله
بشيءٍ من الذنوب ، فأدخل في صدر هذا الباب أقوال أئمة التابعين ،
وما نقلوه عن الصحابة أنهم مع اجتهادهم وفضلهم يستقلون أعمالهم ،
ويخافون ألا ينجون من عذاب ربهم .
وبمثل هذا المعنى نزع أبو وائل - حين سُئل عن المرجئة فقال :
حدثني عبد الله بن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال: ((سبَاب
[المسلم] (٣) فسوق، وقتاله كفر)) إنكارًا لقول المرجئة، فإنهم لا
(١) المؤمنون : ٦٠ .
(٢) الزمر : ٤٧ .
(٣) من (( هـ)). وفي (الأصل)): المؤمن.
- ١١٠ -

يجعلون سباب [المسلم] (١) فسوقًا ، ولا قتاله كفرًا، ولا يُفَسِّقون
مرتكبي الذنوب . وقولهم مخالف لقول النبي ، وليس يريد بقوله :
(( وقتاله كفرٌ)) الكفر الذي هو الجحد لله ولرسله وإنما يريد : كفر حق
المسلم على المسلم ؛ لأن الله قد جعل المؤمنين إخوةً ، وأمر بالإصلاح
بينهم ونصرتهم ، ونهاهم برسوله - عليه السلام - عن التقاطع ،
وقال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا))، فنهى عن مقاتلة
بعضهم بعضًا ، وأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم .
وقد ترجم لهذا الحديث في كتاب الفتن : باب قول الرسول : (( لا
ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).
وقد يحتمل قوله - عليه السلام -: (( وقتاله كفر )) أن تكون
المقاتلة بمعنى [ المشاركة ] (٢) والتناول له باليد والتطاول عليه، كما
قال في المارّ بين يدي المصلي فليدرأه ، فإن أَبَّى فليقاتله ، ولم يرد -
عليه السلام - قطع الصلاة ، واستباحة دَمِّه ؛ وإنما أراد دفعه بالشدة
والقوة .
على هذا يدل مساق الكلام لذكره معه السِّباب ، والعرب تُسمي
[المشاركة] (٣) مقاتلة.
والدليل على صحة قولنا : إجماع أهل السّنّة أن قتل المسلم
للمسلم لا يخرجه من الإيمان إلى الكفر ؛ وإنما فيه القود .
فينبغي للمؤمن ترك السباب و[المشاركة ] (٣) والملاحاة، ألا ترى
عَظِيم ما حَرَم الله عباده من بركة علم ليلة القدر من أجل تلاحي
(١) من ((هـ)). وفي ((الأصل)): المؤمن.
(٢) من (( هـ)). وغير واضحة في ((الأصل)).
(٣) في ((الأصل)): المشاكرة. والمثبت من (( هـ)).
- ١١١ -

الرجلين بحضرة النبي ، فكان ذلك عقوبة للمثلاحين ولمن يأتي بعدهم:
إلى يوم القيامة ؛ لأنهم جمعوا مع التلاحي ترك أمر الله ، لتوفير
الرسول وتعزيزه ؛ لقوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم
فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط
أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴾ (١) ، ولكن في قوله - عليه السلام -
(( وعسى أن يكون خيراً )) بعض التأنس لهم . .
وقال أبو الزناد: إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر ، إذا عد
الذنب يسيرًا فاحتقره وكان عند الله عظيمًا ، وليس الحبط هاهنا بمخرج
من الإيمان، وإنما هو نقصان منه . ولا قوله : ﴿ أن تحبط أعمالكم
وأنتم لا تشعرون ﴾ (٢) يوجب أن يكفر المؤمن وهو لا يعلم ؛ لأنه كما
لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختيار الإيمان على الكفر، والقصد إليه،
فكذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا
يختاره، رحمة من الله لعباده ، والدليل على صحة هذا قوله : ﴿وما
كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ (٣).
فإن قيل : فما أنت قائل في حديث أبي بكر الصديق ، وأبي موسى
أن النبي - عليه السلام - قال: (( الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل
على الصفا )).
وهذا يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر من حيث لا
یعلم، بخلاف ما قلت .
قيل له : ليس كما ذكرت ، وليس هذا الحديث بمخالف لما
[١/ ١٦-أ] شرحناه/، بل هو مبيِّن له وموضح لمعناه، وذلك أنه قد ثبت عن
(٣) التوبة : :١١٥.
(١) الحجرات : ٢ .
(٢) الحجرات : ٢ .
- ١١٢ -

الرسول - عليه السلام - أنه قال: « اتقوا الرياء ؛ فإنه الشرك
الأصغر)».
والرياء ينقسم قسمين : فإن كان الرياء في عقد الإيمان فهو كفر
ونفاق ، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار ، فلا يصح أن يخاطب
بهذا الحديث .
وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك ، ولحقه شيء من
الرياء في بعض أعماله ، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم
فاعله ؛ لأنه أشرك في بعض أعماله حَمْدَ المخلوقين مع حَمْدِ ربه ؛
فَحُرم ثواب عمله ذلك .
يدل على هذا حديث أبي سعيد الخدري، قال: (( خرج علينا
رسول الله ونحن نتحدث عن الدَّجال ، فقال : إن أخوف عندي من
ذلك الشرك الخفي ، أن يعمل الرجل لمكان الرجل ، فإذا دَعَا الله
بالأعمال يوم القيامة قال : هذا لي ، فما كان لي قبلته وما لم يكن
لي تركته » رواه الطبري .
فلا محالة أن هذا الضرب من الرياء ، لا يوجب الكفر ، وهذا
المعنى في الحديث .
قال عليه السلام: (( الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل ، ثم قال:
يا أبا بكر ، ألا أدلك على ما يُذهب صغير ذلك وكبيره ، قل : اللهم
إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم)) . وفي
بعض الطرق يقول ذلك ثلاث مرات .
فبان بهذا الحديث أن من كان هذا القدر من الرياء فيه خفيا كخفاء
دبيب النمل على الصفا ، أن عقد الإيمان ثابت له ، ولا يخرج بذلك
- ١١٣ -

الخاطر الفاسد من الرياء ، الذي زين له الشيطان فيه محمدة المخلوقين
إلى الشرك ، ولذلك عَلَّم النبي - عليه السلام - أمته مداواة ذلك
الخاطر بالاستعاذة ، مما يذهب صغير ذلك وكبيره ، وليست هذه حالة
المنافقين ولا صفات الكافرين، وليس هذا بمخالف لما بيّنا والله أعلم .
باب : سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة
وبيان الرسول ، ثم قال : جاء جبريل يعلمكم دينكم ، فجعل ذلك
كله دينًا ، وما بَيّن لوفد عبد قيس من الإيمان . وقوله : ﴿ومن يبتغ
غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ﴾(١)
!
فيه: أبو هريرة، قال: ((كان عليه السلام بارزًا يومًا للناس ، فأتاه
رجل فقال : ما الإيمان ؟ فقال : الإيمان : أن تؤمن بالله ، وملائكته ،
وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام ؟ قال : الإسلام: أن
تعبد الله ولا تشرك به شيئًا ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ،
وتصوم رمضان . قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن
لم تكن تراه فإنه يراك . قال : متى الساعة ؟ قال : ما المسئول عنها بأعلم
من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَةُ رَبّها ؛ وإذا تطاول
رعاة الإبل البهم في البنيان ، في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا النبي :
:إن الله عنده علم الساعة ... ﴾ (٢) الآية، ثم أَدْبَرَ، فقال: رُدَّوهُ، فلم
يروا شيئًا ، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)) .
قال أبو عبد الله : جعل ذلك كله من الإيمان .
وفيه: قصة هرقل (( قال له : سألتك هل يزيدون أو ينقصون ،
(١) آل عمران : ٢١٥ .
(٢) لقمان: ٣٤.
- ١١٤ -

فزعمت أنهم يزيدون ، فكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل يرتد أحدٌ
سخطةً لدینه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت أنْ لا ، و کذلك الإيمان حین
تخالط بشاشته القلوب لا يسخطُهُ أحد » .
قال المؤلف : فيه من الفقه : سؤال العالم العالم عمَّا لا يجهله
السائل ليعلمه السامعون ، وكل ما سأل عنه من الإسلام والإحسان ،
فاسم الإيمان والدين واقع عليه ، ألا ترى قوله في حديث هرقل : هل
يرتد أحدٌ منهم سخطةً لدينه ؟ فزعمت أنْ لا ، وكذلك الإيمان فسَمّاه
مرةً بالدين ومرةً بالإيمان ، فهي أسماء متعاقبة لمعنىًّ واحدٍ بخلاف قول
المرجئة .
قال الطبري: (( وأشراط الساعة)) علاماتها ، واحدها شرط ،
ولذلك سمي الشُّرَط شُرطًا لإعلامهم أنفسهم علامات يعرفون بها .
قال أوس بن حُجْر :
[١/ق١٦ -ب]
/ وأشرَطَ فيها نفسهُ وهو معصم
يعني : أعلم نفسه للهلاك .
وكان الأصمعي يقول : إن قول الناس أشرط فلان على فلان كذا
في بيعه ، معناه : جعلوا بينهم عَلامات .
وقوله : ((إذا ولدت الأمة رَبَّها )) فهو أن تلد سرية الرجل الشريف
ذي الحسب ، منه ابنًا أو ابنةً - فَيَنْسب إلى الأب ، وله به من الشرف
ما لأبيه، وأمه أَمَة .
وإنما قصد عليه السلام بذلك : الخبر عن أن من أمارة قيام الساعة :
ارتفاع الأَسَافل وغير ذوي الأخطار من الرجال والنساء ، فَأَعْلَمَ أن من
ارتفاع من لا خطر له من النساء ولا قدر ؛ يحوِّل بنات الإماء بولادة
- ١١٥ -

أمهاتهن لهن من ساداتهن رباتٌ أمثال آبائهن ، ومن ارتفاع وضعاء
الرجال ومن لا خطر له منهم يحوّل الذين كانوا حفاةً عراةً عالةً من
الغنم رعاة أهل الشرف في البنيان [ من ] (١) الغنى وكثرة المال من
بعد العَيْلة والفاقة .
وهذا نظير قوله - عليه السلام -: (( لا تقوم الساعة حتى يكون
أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع )) يعني العبيد والسَّفَلة من الناس.
وقوله: (( الإبل البهم)) يعني السَّود ، وهن أدون الإبل وشرها ؛
لأن الكرام منها الصفر والبيض .
ومَن رَوَى (( البَهْم)) بفتح الباء فهو خطأ ؛ لأن البهمة ليست من
صغار الإبل ، وإنما البهمة من ولد الضأن والمعز بعد ما تولد بعشرين
يومًا ، وجمعها بهم.
باب : فضل من استبرأ لدينه
فيه: النعمان بن بشير يقول: ((سمعت رسول الله يقول: ((الحلال
بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ،
فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع في الشبهات
كراعٍ يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمّی ،
ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضعةً إذا
صلحت صلح الجسد [ كله ] (٢) ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ،
ألا وهي القلب )) .
(١) من ((هـ)): وهامش ((الأصل))، وفي ((الأصل)): هو .
(٢) من (( هـ، ن)).
- ١١٦ -

قال المهلب - رحمه الله - : الوسائط التي بين الحلال والحرام
يحتذ بها أصلان من كل الطرفين ، فأيهما قام الدليل عليه أضيفت
الوسيطة إليه ، وقد يقوم دليلان من الطرفين فيقع الاشتباه ، ويعسر
الترجيح ، فهذه الذي من اتَّقَاها استبرأ لعرضه ودينه كما قال عليه
السلام ، وهي حمى الله الذي حماه ليبعد عن محارمه ، ولئلا يُتَذرع
إليها فَتُواقع .
وهذا الحديث أصلٌ في القول بحماية الذرائع، وفيه دليل أن من لم
يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل إلى عرضه
ودينه ، وأنه يمكن أن يُنال من عرضه بذلك في حديث رواه ، أو
شهادة يشهد بها ؛ لقوله عليه السلام: (( فمن اتقى الشبهات فقد
استبرأ لعرضه ودينه )» .
وفيه : أن الراسخين في العلم يمكن أن يعلموا بعض هذه الشبهات،
لقوله: ((لا يعلمها كثير من الناس)) فدل أنه يعلمها قليل منهم - كما
قال تعالى: ﴿لَعَلَمَهُ الذين يستنبطونه منهم﴾ (١) ، وسأتقصى في
الكلام على هذا الحديث في أول كتاب البيوع - إن شاء الله .
وفيه أن العقل والفهم إنما هو في القلب وموطنه ، وما في الرأس
منه إنما هو عن القلب ومنه سببه .
باب : أداء الخَمْس من الإيمان
وفيه: ابن عباس (( أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي وَلاه قال: مَن
(١) النساء : ٨٣ .
- ١١٧ -

القوم ؟ - أَو مَن الوَفد ؟ - قالوا : ربيعة . قال : مرحبًا بالقوم - أو
الوفد- غير خزايا ولا نَدَامى. فقالوا : يا رسول الله؛ إنا لا نستطيع أن
نأتيك إلا في الشهر الحرام ، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر ،
فمرنا بأمر فَصْل تُخبرُ به من وراءنا ، وندخل به الجنة ، وسألوه عن
الأشربة ، فأمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربع :
أمرهم بالإيمان بالله وحده ، قال : أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا :
الله ورسوله أعلم . قال : شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ،
وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المَغْنم
الخُمْس .
ونهاهم عن أربع: الحَنْتَم ، والدبَّاء، والنقير، والمزنَّت ، - وربما قال:
[١/ ١٧٥ -١] المُقير - وقال: / احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم)).
معنى هذا الحديث كالأبواب المتقدمة قبله : أن الإيمان واقع على
الأعمال، ألا ترى أنه أوقع اسم الإيمان على الإقرار بشهادة التوحيد ،
وعلى إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأداء الخمس ،
على خلاف قول المرجئة ، وإنما نهاهم عن الدباء والحنتم والنقير
والمزفت ؛ لأنهم سألوه عن الأشربة ، وكانت كثيرة عندهم ،
فأعلمهم بما يحتاجون إلى علمه .
۔۔ ۔
وكذلك أعلمهم أن أداء الخمس من الإيمان ؛ لأنهم كانوا مجاورين
لكفار مضر ، وكانوا أهل جهاد ونكاية لهم .
فإن قيل : فإنه جاء في الحديث ، أنه أمرهم بأربع ، وإنما أمرهم
بخمس.
- ١١٨ -

فالجواب : أنه - عليه السلام - أمرهم بالأربع التي وعدهم بها ثم
زادههم خامسةً ، وهذا غير منكور ؛ لأنه وَفَّى لهم بوعده في الأربع
التي سألوه عنها ، ولم يجعل التوحيد ، ولا الإيمان بالرسول من
الأربع ؛ لعلمهم بذلك ، وإنما أمرهم بأربع لم تكن في علمهم أنها
دعائم التوحيد وأصله .
وفيه : تحريض العَالِم للناس أن يحفظوا العلم ، ويُعَلِّموه .
وفيه : أن للرجل أن يعلِّم أهلَ بيته ؛ لقوله عليه السلام : (( أخبروا
بهن من وراءكم » .
وقول ابن عباس لأبي حمزة : أقم عندي حتى أجعل لك سهمًا من
مالي، فإنما قال ذلك ؛ لأن أبا حمزة كان يتكلم بالفارسية ، فأراد أن
يجعله ترجمانًا بينه وبين من لا يعرف بالعربية .
وفيه : جواز أخذ الأجرة على [ التعليم ] (١).
باب : ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
ولکل امْرِئ ما نوى
فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج
والأحكام ، قال تعالى: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته﴾ (٢) على نيته،
وقد قال عليه السلام: (( ولكن جهاد ونيَّة )) .
فيه : عمر ، قال عليه السلام: (( الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى،
(١) في ((الأصل)): التعلم. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب.
(٢) الإسراء : ٨٤ .
- ١١٩ -

فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت
هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة یتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )» .
وفيه : ابن مسعود ، قال عليه السلام : ((إذا أنفق الرجل على أهله
وهو يحتسبها ، فهو له صدقة )) .
وفيه : سعد بن أبي وقاص ، قال عليه السلام: (( إنك لن تنفق نفقة
تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْت بها، حتى ما تَجْعَل في فيِّ امرأتك)) .
قال المؤلف : غرضه في هذا الباب أيضًا الردُ على من زعم من
المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون عقد بالقلب ؛ ألا ترى أنه عليه
السلام لم يقتصر على قوله: (( الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما
نوى)» ، وإن كان ذلك كافيًا في البيان عن أن كل ما لم تصحبه نية من
الأعمال فهو ساقط غير معتد به ، حتى أكَّد ذلك ببيان آخر فقال ::
((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن
كانت هجرته لدنیا يُضیبها أو امرأة یتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
ومثله حديث ابن مسعود : (( إذا أنفق الرجل على أهله وهو
يحتسبها فهو له صدقة))، وحديث سعد: ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي
بها وجه الله إلا أُجرت عليها))، ألا ترى أنه جعل الأجر في هذين
الحديثين المنفق على أهله بشرط احتساب النفقة عليهن ، وإرادة وجه
الله بذلك .
وبهذا المعنى نطق التنزيل، قال تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله
(١) الآية
مخلصین له الدین
(١) البينة : ٥ .
- ١٢٠ -