Indexed OCR Text

Pages 61-80

قال المؤلف : فقه هذا الباب كالذي قبله - أن كمال الإيمان بإقامة
الفرائض والسنن والرغائب، وأن الإيمان قول وعمل بخلاف قول المرجئة.
ومعنى قوله تعالى : ﴿ليس البر﴾ (١) أي: ليس غاية البرِّ أن
تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ، ولكن غاية البِرِّ وكماله بِرٌّ من
آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، إلى سائر ما ذكره
تعالى في الآية ، فحذف الصفة وأقام الموصوف مقامه ، ومثله قوله
تعالى: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفسٍ واحدة﴾ (٢).
قال سيبويه : أراد كخلق نفس واحدة وبعثها .
( وبالمبالغة ) (٣) في أفعال البِرّ مدح الله المؤمنين في قوله: ﴿قد
أفلح المؤمنون الذين هم ﴾ إلى قوله : ﴿الذين يرثون الفردوس هم
فيها خالدون﴾ (٤) .
وهذا المعنى مُطابق لقوله عليه السلام: ((الإيمان بضعٌ وسبعون
شعبة)) فجعله أشياء كثيرة، ثم قال: ((الحياء شعبةٌ من الإيمان))،
فدل الكتاب والسُّنَّة على خلاف قول المرجئة .
قال أبو الزناد : وقوله: (( الحياء شعبة من الإيمان)) يريد - والله
أعلم - أن الحياء يبعث على طاعة الله ويمنع من ارتكاب المعاصي ،
كما يمنع الإيمان وإن كان الحياء غريزة فالإيمان فعل المؤمن ، فاشتبها من
هذه الجهة .
فإن قال قائل من المرجئة : كيف يجوز أن تسمى أفعال البرّ كلها
إيمانًا ، وقد تقدم من قولكم أن الإيمان هو التصديق ؟ .
(١) البقرة : ١٧٧ .
(٣) في (( هـ)»: والمبالغة.
(٢) لقمان : ٢٨ .
(٤) المؤمنون : ١ - ١١ .
- ٦١ -

قيل : قد تقدم قول المهلب أن أعمال البر إذا انضافت إلى التصديق
كمل تصديق صاحبها بها على تصديق من عري من أعمال البر ، وقد .
تقدم قول الطبري أن التصديق يكون بالفعل كما يكون بالقول .
[١/ ق ٧-١]
/ وقد أجاب أبو بكر بن الطيب أيضًا في ذلك قال : إن الرسول
إنما سمَّى أفعال البِرِّ كلها إيمانًا على معنى أنها من دلائل الإيمان وسجايا
المؤمنين وأفعالهم ؛ لأنه عليه السلام إنما مدح هذه الأفعال إذا وقعت
من عارف بالله ، ومصدق به ، ولو وقعت من غير عارف به لم تكن
قربةً ولا مدح فاعلها ، فلما لم تكن قربة دون حصول المعرفة والإقرار
بالقلب ؛ سميت إيمانًا باسم الأصل الذي لا يتم الحكم لها بأنها طاعة
وقربة دون حصوله .
باب : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
فيه: عبد الله بن عمر أن النبي وسلم قال: ((المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
قال المهلب : يريد المسلم المستكمل الأُمور الإسلام خلاف قول
المرجئة.
والمراد بهذا الحديث الحض على ترك أذى المسلمين باللسان واليد
والأذى كله ؛ ولهذا قال الحسن البصري: الأبرار هم الذين لا يؤذون
الذّر والنمل .
وقوله : (( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
قال أبو الزناد : لما انقطعت الهجرة ، وفضلها حزن على فواتها من
- ٦٢ -

لم يدركها من أصحاب الرسول - عليه السلام - فأعلمهم أن المهاجر
على الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه ، وقال غيره : أعلم المهاجرين
أنه واجب عليهم أن يلتزموا هجر ما نهى الله عنه ، ولا يتكلوا على
الهجرة فقط .
باب : أَيُّ الإسلامِ أفضل
ءِ
سلم المسلمون من لسانه ويده )) .
فيه : أبو موسى قال : « يا رسول الله ، أيّ الإسلام أفضل ؟ قال : من
قال : هذا الجواب خرج على سؤال سائل ؛ لأنه قد سُئل - عليه
السلام - مثل هذا السؤال فأجاب بغير هذا الجواب ؛ وذلك (( أنه
سئل: أيّ الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام وتقرأ السلام)) . فدل
اتفاق السؤال واختلاف الجواب أن ذلك كان منه - عليه السلام - في
أوقات مختلفة ، لقومٍ شتى ، فجاوب كل إنسان بما به الحاجة إلى
علمه ، وجعل إسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده من أفضل
الإسلام ، وهو خلاف قول المرجئة.
باب : إطعام الطعام من الإيمان
فيه : عبد الله بن عمرو: (( أن رجلا سأل النبي - عليه السلام - أي
الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن
لم تعرف » .
قال أبو الزناد : في هذا الحديث الحض على المواساة ، واستجلاب
- ٦٣ -

قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام ؛ لأنه ليس شيء أجلب
للمحبة وأثبت للمودة منهما ، وقد مدح الله المطعم للطعام فقال:
﴿ويطعمون الطعام على حبه ... ﴾ (١) الآية ، ثم ذكر الله جزيل ما
أثابهم عليه فقال : ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسرورًاً
وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً ... ﴾ (٢) الآيات.
قال المؤلف : وصف تعالى من لم يطعمه بقوله تعالى في صفة
أهل النار : ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك
نطعم المسكين ﴾ (٣)، وعاب تعالى من أراد أن يحرم طعامه أهل
الحاجة إليه فذكر أهل الجنة: ﴿إذا أقسموا ليصر منها مصبحين ﴾ إلى
﴿كالصريم﴾ (٤) - يعني المقطوع - فأذهب تعالى ثمارهم، وحرمهم
إياها حين أمُّلُوا الاستئثار بها دون المساكين .
وفي قوله عليه السلام: (( وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
تعرف)» ندب إلى التواضع وترك الكبر . قال المهلب : وهذا كما يظن
العالم أن السائل محتاج إلى علمه ، وهو من كمال الإيمان .
ومعنى قوله: ((تقرأ السلام)) أي : تسلم عليه ، قال أبو زيد :
أقرأني خبراً ، أخبرني به . وقال أبو حاتم : يقال : اقرأ عليه السلام
وأقرئه الکتاب، ولا يقال : أقرئه السلام إلا أن یکون مكتوبًا في کتاب،
ويقال : أقرئه إياه ، ولا يقال : أقرئ السلام إلا في لغة شنوءة .
(١) الإنسان : ٨.
(٢) الإنسان : ١١ - ١٢ وما بعدها .
(٣) المدثر : ٤٣ - ٤٥٪
(٤) القلم: ١٧ - ٢٠، وفي ((الأصل)): الصريم.
- ٦٤ -

باب : من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
/ فيه: أنس قال: [ قال عليه السلام] (١): (( لا يؤمن أحدكم حتى [٧٥/١ - ب]
يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) .
قال المؤلف : معناه : لا يؤمن أحدكم الإيمان التام حتى يحب
لأخيه ما يحب لنفسه . وقال أبو الزناد : ظاهره التساوي وحقيقته
التفضيل ؛ لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس ، فإذا أحب لأخيه
مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ، ألا ترى أن الإنسان يحب أن
ينتصف من حقه ومظلمته ، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة
أو حق ؛ بادر إلى إنصافه من نفسه ، وآثر الحق ، وإن كان عليه فيه
بعض المشقة ، وقد روي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض أنه قال
لسفيان بن عيينة : إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك فما أديت
الله النصيحة ، كيف وأنت تود أنهم دونك .
وقال بعض الناس : المراد بهذا الحديث كف الأذى والمكروه عن
الناس، ويشبه معناه قول الأحنف بن قيس قال : كنت إذا كرهت شيئًا
من غيري لم أفعل بأحد مثله .
*
باب : حب الرسول من الإيمان
فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : (( والذي نفسي بيده لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) ، وقال أنس في حديثه :
((والناس أجمعين)).
(١) في ((الأصل)): عليه السلام قال .
- ٦٥ -

قال أبو الزناد : هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه السلام ؛
لأنه قد جمع في هذه الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة ؛ لأن أقسام المحبة
ثلاثة : محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ، ومحبة شفقة ورحمة
كمحبة الولد ، ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر الناس ؛ فحصر
صنوف المحبة .
ومعنى الحديث - والله أعلم - : أن من استكمل الإيمان علم أن
حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين ؛ لأن
بالرسول استنقذ الله أُمته من النار وهداهم من الضلال ، فالمراد بهذا
الحديث بذل النفس دونه عليه السلام . وقال الكسائي في قوله تعالى:
﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ (١) أي: حسبك
الله ناصراً وكافيًا ، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك.
باب : حلاوة الإيمان
فيه : أنس ، قال عليه السلام: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان :
أن یکون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا
الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )).
معنى وجود حلاوة الإيمان هو استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما
يرضي الله - تعالى - ورسوله - عليه السلام - وإيثار ذلك على
عرض الدنيا ؛ رغبة في نعيم الآخرة ، الذي لا يبيد ولا يفنى .
وروي عن عتبة الغلام أنه قال : كابدت الصلاة عشرين سنة ثم
تلذذت بها باقي عمري .
:
(١) الأنفال : ٦٤ .
- ٦٦ -

ومحبة العبد لخالقه هي التزام طاعته والانتهاء عن معاصيه لقوله
تعالى : ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (١)، وكذلك
محبة رسول الله هي التزام شريعته واتباع طاعته ، ولما لم نصل إلى
الإيمان إلا بالرسول؛ كانت محبته من الإيمان ، وقد سئل بعض
الصالحين عن المحبة ما هي ؟ فقال : مواطأة القلب لمراد الرب ، أن
توافق الله - عَزَّ وجَلَّ - فتحب ما أحب وتكره ما كره .
ونظم محمود الوراق هذا المعنى فقال :
هذا لعمري في القياس بديع
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
إن المحب لمن يحب مطيع
لو كان حبا صادقًا لأطــ
وقوله عليه السلام: ((أن يحب المرء لا يحبه إلا الله))، فمن أَجْل
أن الله قد جعل المؤمنين إخوة ، وأكد النبي - عليه السلام - كلامه
بقوله : ((لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر ، ولكن خلة الإسلام
أفضل)) وقال عليه السلام: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
ظله ... )) فعد منهم: ((رجلين تحابا في الله))، والمراد بالحديث :
الحث على التحاب في الله والتعاون على البر والتقوى ، وما يؤدي
إلى النعيم الدائم ، قال الطبري : فإن قيل: فهل / حب المرء اكتساب [١/ ق ٨-١]
للعبد أم غريزة وجبلَّة ؟ فإن قلت : إن ذلك اكتساب للعبد ، إذا شاء
أحب وإذا شاء أبغض، قيل: فما وجه الخبر الوارد: ((أن القلوب
مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)) ؟ وإن
قلت: إن ذلك جبلة وغريزة ، فما وجه قوله عليه السلام : (( لا يجد
حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا الله)) ؟ فالجواب : أن الله
(١) آل عمران: ٣١.
- ٦٧ -

-تعالى- وإن كان هيأ القلوب هيئة لا يمتنع معها حب من أحسن إليها
وبغض من أساء إليها ، فإن العبد إنما يلحقه الحمد والذم على ما كلف
ما له السبيل إليه من تذكيرها إحسان المحسن وإساءة المسيء إليها ،
وتنبيهًا على ما أغفلته من سالف أيادي المحسن إليها والمسيء، فإلى
العبد التنبيه والتذكر الذي هو بفعله مأمور إن كان لله - تعالى -
طاعة، وعن التقدم عليه منهي إن كان له معصية ، وذلك أن الرجل إذا:
تذكر سالف أيادي الله وأيادي رسوله - عليه السلام - وما منَّ عليه أن
هداه للإسلام وأنقذه من الضلالة ، وعرفه الأسباب التي توخيه إلى
النجاة من عذاب الأبد والخلود في جهنم ، وغير ذلك من النعم التي
وصلت إليه به مما لا كفاء لها ، ولا استحقها من الله لسابقة تقدمت
منه إلا بفضله تعالى، وجب أن يخلص المحبة لله ولرسوله فوق كل
شيء من جميع المحاب ، وكذلك إذا علم ما في حب المرء في الله -
عَزَّ وجَلَّ - من المنزلة عند الله آثرها على أسباب الدنيا ؛ لينال ثوابها .
يوم القيامة ولم يحبه لأعراض الدنيا الفانية .
قال غيره: وقوله: ((وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن:
يقذف في النار)) معناه : أن من وجد حلاوة الإيمان وخالط قلبه علم
أن الكافر في النار ؛ فكره الكفر لكراهيته لدخول النار ، وقد ترجم
له باب : من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار .
باب : علامة الإيمان حب الأنصار
فيه : أنس، قال عليه السلام: (( آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق
بغض الأنصار )) .
- ٦٨ -

وفيه : عبادة - وكان قد شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن
رسول الله وَل﴾ قال - وحوله عصابة من أصحابه -: (( بايعوني على
ألا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم،
ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا الله في
معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا
فعوقب في الدنيا فهو کفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو
إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه ، فبايعناه على ذلك)).
قال المهلب: أما قوله: ((علامة الإيمان حب الأنصار)) فهو بيِّن
في حديث أنس . وأما حديث عبادة فإنما ذكره في الباب ؛ لأن
الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بمبايعة الرسول وسيقا ما استحقوا به
هذه الفضيلة ، وهذه أول بيعة عقدت على الإسلام ، وهي بيعة
العقبة الأولى بمكة ، ولم يشهدها غير اثني عشر رجلا من الأنصار ،
ذكر ذلك ابن إسحاق، وكذلك قال عبادة : ((وحوله عصابة من
أصحابه )) ، مع أن المهاجرين بمكة قد كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثل
هذه البيعة ، فصح أن الأنصار المبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله
وشريعته حتى يموتوا على ذلك ؛ فحبهم علامة الإيمان ، ومجازاة لهم
على حبهم من هاجر إليهم ، ومواساتهم لهم في أموالهم كما وصفهم
الله - تعالى - واتباعًا بحب الله لهم بقوله : ﴿قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم الله ﴾ (١) ، فكان الأنصار ممن اتبعه أولا ، فوجبت
لهم محبة الله ، ومن أحب الله وجب على العباد حبه ، وقد مدح
الله - تعالى - الذين يقولون : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
(١) آل عمران : ٣١ .
- ٦٩ -

بالإيمان ؛ لأنهم سنَّوا لنا سُنة حسنة لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى
يوم القيامة .
ذكر ابن إسحاق قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير
مرثد ابن عبد الله اليزني ، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ،
عن عبادة بن الصامت قال: « كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا
[١/ ٨٥-ب) [اثني ] (١) عشر رجلاً / فبايعنا رسول الله بيعة النساء - وذلك قبل أن
تفرض الحرب - على ألا نشرك بالله شيئًا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، !
ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان ... )) وساق الحديث على ما ذكره
البخاري .
وقوله: ((فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة )).
لفظه لفظ العموم ، والمراد به الخصوص ؛ لأنا قد علمنا أن من أشرك
فعوقب بشركه في الدنيا فليس ذلك بكفارة له ، فدل أنه أراد بقوله :
((فمن أصاب من ذلك شيئًا)) ما سوى الشرك ، ومثله في القرآن كثير
كقوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء ﴾ (٢)، ﴿ وأوتيت من كل
شيء﴾(٣)، ومعلوم أنها لم تدمر السموات والأرض ولا جميع الأشياء،
ولا دمرت مساكنهم ، ألا ترى إلى قوله : ﴿ فأصبحوا لا يرى إلا
مساكنهم﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وأوتيت من كل شيءٍ﴾ (٣) ، ومعلوم أن
بلقيس لم تؤت ملك سليمان.
وقوله : (( ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله ، إن
شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه)) يرد قول من أنفذ الوعيد على القاتل،
وعلى سائر المذنبين من الموحدين ، والحُجَّة في السنة لا في قول من
(١) في ((الأصل)): اثنا، وما أثبتناه هو الصواب.
(٢) الأحقاف : ٢٥ .
(٣) النمل : ٢٣ .
- ٧٠ -

خالفها، وسأذكر هذه المسألة في كتاب الديَّات في باب قوله تعالى :
﴿ومن يقتل مؤمناً متعمدًا﴾ (١) ، أو في آخر كتاب الطب في باب :
شرب السم - إن شاء الله تعالى .
باب : من الدين الفرار من الفتن
فيه : أبو سعيد الخدري قال رسول الله له: (( يوشك أن يكون خير مال
المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ، ومواضع القطر يفرّ بدينه من
ءُ
الفتن)».
قال المؤلف : هذا الحديث يدل على إباحة الانفراد والاعتزال عند
ظهور الفتن ؛ طلبًا لإحراز السلامة في الدين ؛ خشية أن تحل عقوبة
فتعم الكل ، وهذا كله من كمال الدين . وقد جاء في الحديث : ((أنه
إذا فشا المنكر ، وكان بالناس قوة على تغييره فلم يغيروه امتحنهم الله
بعقوبة ، وبعث الصالحين على نياتهم ، وكان نقمة للفاسقين ،
وتكفيرًا للمؤمنين )) ، وقد اعتزل سلمة بن الأكوع عند قتل عثمان ،
وقال له الحجاج : أرتددت على عقبيك ، تعربت ؟ قال : لا ، ولكن
رسول الله أذن لي في البدو .
وقال أبو الزناد : خص الغنم من بين سائر الأشياء حضا على
التواضع وتنبيهًا على إيثار الخمول وترك الاستعلاء والظهور ، وقد
رعاها الأنبياء والصالحون، وقال عليه السلام: (( ما بعث الله نبيا إلا
رعى الغنم)) ، وأخبر أن السكينة في أهل الغنم .
(١) النساء : ٩٣ .
- ٧١ -

وشعف الجبال : رءوسها ، وشعفة كل شيء أعلاه - عن صاحب
العين .
باب: قول الرسول - عليه السلام -: (( أنا أعلمكم بالله ))
وأن المعرفة فعل القلب لقوله - تعالى - : ﴿ولكن يؤاخذكم بما
كسبت قلوبكم﴾(١)
فيه: عائشة قالت: ((كان عليه السلام إذا أمرهم من الأعمال بما
يطيقون قالوا : لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم
من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول :
أنا أتقاكم وأعلمكم بالله )) ..
قال المؤلف : قوله : ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ (١)
أي: بما اعتقدته وأضمرته ، فسمى ذلك الاعتقاد فعلا للقلب ، وأخبر
أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم ، فثبت بذلك أن
الإيمان من صفات القلوب ، خلاف قول الكرامية وبعض المرجئة : أن
الإيمان قول باللسان دون عقد بالقلب ، وإنما أمر أمته عليه السلام من
الأعمال بما يطيقون ليأخذوها بالنشاط ولا يتجاوزوا حَدّهم فيها
فيضعفوا عنها ؛ لقوله عليه السلام: (( إن المنبتَّ لا أرضًا قطع ، ولا
ظهراً أبقى )) ضَرَبَه مثلاً في الأعمال .
قال أبو الزناد: وقولهم: (( لسنا كهيئتك يا رسول الله ؛ إن الله قد.
غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر)» ، فإنما قالوا ذلك رغبة في
[١/ ٩٥-١] التزيد من الأعمال؛ لما كانوا يعلمونه من اجتهاده في العبادة / وهو
(١) البقرة : ٢٢٥ .
- ٧٢ -

قد غُفر له ما تقدم من ذنبه ، فعند ذلك غضب إذ كان أولى منهم
بالعمل ؛ لعلمه بما عند الله - تعالى - قال تعالى : ﴿ إنما يخشى الله
من عباده العلماء﴾ (١)، وقد قال عليه السلام: ((أفلا أكون عبداً
شكورًا))، وفي اجتهاده في عمله ، وغضبه من قولهم دليل أنه لا
يجب أن يَتَّكل العامل على عمله ، وأن يكون بين الرجاء والخوف .
قال المهلب : وفيه من الفقه : أن الرجل الصالح يلزمه من التقوى
والخشية ما يلزم المذنب التائب ، لا يُؤَمِّن الصالح صلاحه ، ولا
يوئس المذنب ذنبه ويقنطه ، بل الكل خائف [ راج ] (٢). وكذلك
أراد تعالى أن يكون عباده واقفين تحت الخوف والرجاء اللذين ساس
بهما خلقه سياسة حكمه لا انفكاك منها .
وقوله : ((إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا )) فيه من الفقه أن للإنسان أن
يخبر عن نفسه بما فيه من الفضل لضرورة تدعوه إلى ذلك ؛ لأن كلامه
عليه السلام بذلك وقع في حال عتاب لأصحابه ، ولم يُرِد به الفخر ،
كقوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)).
*
باب : تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
فيه : أبو سعيد الخدري ، قال النبي - عليه السلام -: (( يدخل أهل
الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله - تعالى - : أخرجوا من النار
من كان في قلبه حبّةُ خردَل من إيمان ؛ فيخرجون منها قد اسودّوا
فيلقون في نهر الحيا - أو الحياة ، شَكّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة
في جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية )) .
(١) فاطر : ٢٨ .
(٢) في ((الأصل)): راجي، وسقط هذا الموضع من (( هـ)).
- ٧٣ -

وقال وهيب عن عمرو بن يحيى: (( خردل من خير)) .
وفيه : أبو سعيد ، قال عليه السلام: (( بينا أنا نائم رأيت الناس
يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دون
ذلك ، وعُرِض عَليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه ، قالوا : فما
أولت ذلك يا رسول الله؟ ، قال : الدين)» .
قال المؤلف : تفاضل المؤمنين في أعمالهم لا شك فيه ، وأن الذي
خرج من النار بما في قلبه من مقدار حبة من خردل من إيمان معلوم أنه
كان ممن انتهك المحارم وارتكب الكبائر ، ولم تفِ طاعته لله عند
الموازنة بمعاصيه .
ومَن أطاع الله وقام بما وَجَبَ عليه وبرئ من مظالم العباد : فلا
شك أن عمله أفضل من عمل ( الرجل ) (١) المنتهك .
وقد مثَّل ذلك عليه السلام بالقمص التي كانت تبلغ الثدي ،
وبقميص عمر الذي كان يجرّه . ومعلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل
من [عمل] (٢) من بلغ قميصه ثدييه .
فإيمانه أفضل من إيمانه بما زاد عليه من العمل . وتأويله عليه السلام
ذلك بالدين يدل أن الإيمان الواقع على العمل يُسمّى دينًا ، كالإيمان
الواقع على القول .
وهذا يرد قول أهل البدع الذين يزعمون أن إيمان المذنبين كإيمان
جبريل ، وأنه لا تفاضل في الإيمان ، وقولهم غلط لا يخفى ؛ لأن
الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وسائر الخلق يملُّون ويفترون.
فكيف يبلغ أحدٌ منهم منزلتهم في العمل . وفي كتاب الله حجةٌ
(٢) في ((الأصل، هـ)): إيمان من عمل.
(١) في ((هـ )) : الأول.
- ٧٤ -

٧٠
لتفاضل المؤمنين في الإيمان ؛ وذلك أن إبراهيم سأل ربه - تعالى - أن
يريه كيف يحيي الموتى ، فطلب المعاينة التي هي أعلى منازل العلم
التي تسكن النفوس إليها ، وتقع الطمأنينة بها ، ولا يجوز أن نظن
بإبراهيم خليل الله ونبيه أنه حين سأل المعاينة لم يكن مؤمنًا ، أو أنه
اعترضه شك في إيمانه .
والدليل على صحة هذا قوله لربه حين قال له : ﴿أو لم تؤمن قال
بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ (١) ، فأوجب لنفسه الإيمان قبل أن يعاين ما
طلب معاينته ، وعَذَرَهُ الله - تعالى - في طلب ذلك ؛ لأن المعاينة
أشفى ويهجم على النفوس منها ما لا يهجم من الخبر .
ألا ترى أن موسى حين كلّمه ربه لم يشك أن الله هو المتكلم له ،
ولكن طلب ما هو أرفع من ذلك وهي المعاينة ، فقال : ﴿رب أرني
أنظر إليك﴾ (٢)، فأعلمه ربه أنه لا يجوز أن تقع عليه حاسّة
[البصر](٣)، وأنه لا تدركه الأبصار بما أراه الله من الآيات في الجبل
الذي صار دكا بتجليه له تعالى .
ومما يشبه هذا المعنى أن الله - تعالى - أخبر موسى عن بني إسرائيل
/ بعبادة العجل ، فلم يشك في صدق خبره ، فلما رجع إلى قومه [٩٥/١-ب]
وعاين حالهم حدث في نفسه من الإنكار والتغيير ما لم يحدث بالخبر،
فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه .
وقد نبّه عليه السلام على ذلك فقال: (( ليس الخبر كالمعاينة ))
والحبّة بذور البقل ، ويقال : هو نبت ينبت في الحشيش ، عن صاحب
العين .
(١) البقرة : ٢٦٠ .
(٣) من ( هـ)).
(٢) الأعراف : ١٤٣ .
- ٧٥ -

باب : الحياء من الإيمان
فيه: ابن عمر: ((أن النبي ◌َّلِ مَرّ على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال:
دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان)).
قال ابن قتيبة : معنى هذا الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب
المعاصي كما يمنعُ الإيمان ، فجاز أن يُسمّى إيمانًا ؛ لأن العرب تُسمي
الشيء باسم ما قام مقامه أو كان شبيهًا به ، ألا ترى أنهم يُسمون
93
الركوع والسجود : صلاةً، وأصل ( ذلك) (١) الدعاء ، فلما كان
الدعاء يكون في الصلاة سميت صلاة ، وكذلك الزكاة هي ( تثمير)(٢)
المال ونماؤه، فلما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سمِّ زكاةً.
قال غيره : وهذا الحديث يقتضي الحضّ على الامتناع من مقابح
الأمور ورذائلها، وكل ما يحتاج إلى الاستحياء من فعله والاعتذار منه.
باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾(٣)
فيه : ابن عمر ، قال عليه السلام: ((أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى
يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا
الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ،
وحسابهم على الله )» .
قال المؤلف : قال أنس بن مالك : هذه الآية من آخر ما نزل من
القرآن، وتوبتهم خلع الأوثان ، وعبادتهم لربهم ، وإقام الصلاة ،
(١) في ((هـ)»: تلك الصلاة.
(٣) التوبة : ٥ .
(٢) في (( هـ)): تنمية .
- ٧٦ -

وإيتاء الزكاة ، ثم قال في آية أخرى : ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة فإخوانكم في الدين ﴾ (١) ، فقام الدليل الواضح من هاتين
الآيتين أن من ترك الفرائض ، أو واحدة منها فلا يُخلَّى سبيله ، وليس
بأخٍ في الدين، ولا يُعصَم دمه ومَالُه ، ويشهد لذلك قوله عليه
السلام: ((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))،
وبهذا حكم أبو بكر الصِّدِّيق في أهل الرِدّة ، وهذا يَرُد قول المرجئة أن
الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال .
وقولهم مخالف لدليل الكتاب والآثار وإجماع أهل السُّنَّة .
فمن ضيع فريضة من فرائض الله جاحدًا لها فهو كافر ، فإن تاب
وإلا قُتْل ، ومن ضيّع منها شيئًا غير [ جاحد ] (٢) لها فأمره إلى الله ،
ولا يُقطع عليه بكفر . وسيأتي حكم تارك الصلاة في كتاب المرتدين
في باب قتل من أبى قبول الفرائض ، وما نسبوها إلى الرِدَّة ، ويأتي
في باب دعاء الرسول وَ﴿ الناس إلى الإسلام والنبوة في كتاب
الجهاد، زيادة في الكلام في معنى هذا الحديث إن شاء الله .
وقوله: ((وحسابهم على الله)) يدل أن محاسبة العباد على
سرائرهم وخفيان اعتقادهم إلى الله دون خلقه ، وأن الذي جعل للنبي
- عليه السلام - وإلى الأئمة بعده ما ظهر من أمورهم دون ما خفي
يدل على ذلك حديث أبي سعيد ((أن الرسول وَّ قَسّم فقال له
رجل: اتق الله ، فقال له : ويلك أَوَ لست أحق أهل الأرض أن يتقي
الله ؟ فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ، ألا أضرب عنقه ؟ قال:
لا ، لعله أن يكون يصلِّي ، قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه
(١) التوبة : ١١ .
(٢) في ((الأصل)): جاحدًا، وهو خطأ، والمثبت من ((هـ ).
- ٧٧ -

ما ليس في قلبه ، فقال عليه السلام : إني لم أؤمر أن أشق عن قلوب
الناس ، ولا عن بطونهم)» ذكره البخاري في المغازي في باب بعثة عليّ
إلى اليمن .
وفي هذا الحديث حجة لمن أجاز قبول توبة الزنديق ، وسيأتي
مذاهب العلماء في ذلك في الديات والحدود إن شاء الله .
[١/ق ١٠-٢]
باب : مَن قال /: إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى : ﴿وتلك
الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾(١)
وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى : ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين
عمّا كانوا يعملون﴾ (٢) عن لا إله إلا الله، وقال: ﴿لمثل هذا فليعمل
العاملون﴾ (٣).
فيه : أبو هريرة ، سئل رسول الله وَليقول: (( أي الأعمال أفضل ؟ قال :
إيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل: ثم
ماذا ؟ قال : حج مبرور )) .
قال المؤلف : قوله تعالى : ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم
تعملون﴾ (١) حجة في أن العمل تنال به درجات الجنة ، وأن الإيمان
قول وعمل ويشهد لذلك قوله عليه السلام حين سئل : أي العمل
أفضل؟ فقال: ((إيمان بالله))، ثم ذكر الأعمال معه في جواب
السائل .
فإن قيل : أليس قد تقدم من قولكم أن الإيمان هو التصديق ؟
(١) الزخرف : ٧٢٠
.(٢) الحجر ٩٢ ، ٩٣ .
(٣) الصافات : ٦١.
- ٧٨ -

قيل: التصديق هو أول منازل الإيمان ، ويوجب للمصدق الدخول
فيه، ولا يوجب له استكمال منازله ، ولا يقال له : مؤمنًا مطلقًا ؛
لأن الله - تعالى - فرض على عباده فرائض وشرع شرائع ، لا يقبل
تصديق من جحدها ، ولم يرض من عباده المؤمنين بالتصديق والإقرار
دون العمل لما تقدم بيانه في غير موضع من هذا الكتاب .
هذا مذهب جماعة أهل السُّنَّة ، أن الإيمان قول وعمل .
قال أبو عبيد : وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من
أرباب العلم والسَّنَّة الذين كانوا مصابيح الهدى ؛ وأئمة الدين من
أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم .
وهذا المعنى أراد البخاري - رحمه الله - إثباته في كتاب الإيمان ،
وعليه بَوَّب أبوابه كلها ، فقال : باب : أمور الإيمان ، وباب : المسلم
من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وباب : إطعام الطعام من الإيمان،
وباب : من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه ، وباب : حب
الرسول وَل# من الإيمان ، وباب : الصلاة من الإيمان، وباب : الزكاة
من الإيمان ، وباب : الجهاد من الإيمان ، وسائر أبوابه .
وإنما أراد الرَّد على المرجئة ؛ لقولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ،
وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسّنّة ومذاهب
الأئمة .
وقال المهلب في حديث أبي هريرة : إنما اختلفت هذه الأحاديث في
ذكر الفرائض ؛ لأنه عليه السلام أعلم كل قوم بما لهم الحاجة إليه ،
ألا تراه قد أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام من جوابه للسائل : أيّ
العمل أفضل ، وهي آكد من الجهاد والحج ، وإنما ترك ذلك لعلمه
- ٧٩ -

أنهم كانوا يعرفون ذلك ويعملون به ، فأعلمهم ما لم يكن في علمهم
حتى تمت دعائم الإسلام والحمد لله .
باب : إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو
الخوف من القتل لقوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا
ولكن قولوا أسلمتًا ﴾ (١) وإذا كان على الحقيقة فهو على قوله:
﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (٢)
٠١
فيه: سعد: (( أن رسول الله وَ ل﴾ أعطى رهطًا وسعد جالس، فترك
رسول الله # رجلاً وهو أعجبهم إليَّ فقلت : يا رسول الله ، مالك عن
فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا ، قال: أو مسلمًا ، فسكت قليلاً ، ثم
غلبني ما أعلم منه ، فقلت ذلك ثلاثًا وعاد علیه السلام ، ثم قال : يا
سعد ، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه ؛ خشية أن يكبه الله في
النار)).
قال المهلب : الإسلام على الحقيقة : هو الإيمان الذي هو عقد
القلب المصدق لإقرار اللسان ، الذي لا ينفع عند الله غيره ، ألا ترى
قول الله للأعراب الذين قالوا : آمنا بألسنتهم دون تصديق قلوبهم :
﴿قل لم تؤمنوا﴾ (١)، فنفى عنهم الإيمان لما عري من عقد القلب
بقوله : ﴿وَلَمّا يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ (١)، قال أبو بكر بن
العربي : وهذه الآية حجة على الكرامية ومن وافقهم من المرجئة في
قولهم : إن الإيمان إقرار باللسان دون عقد القلب ، وقد رَدَّ الله قولهم
في موضع آخر من كتابه . فقال: ﴿ أولئك كتب في قلوبهم
الإيمان﴾(٣)، ولم يقل : كتب في ألسنتهم ..
(١) الحجرات : ١٤ .
(٢) آل عمران : ١٩ .
(٣) المجادلة : ٢٢.
- ٨٠ -