Indexed OCR Text
Pages 41-60
قال : فهل قال هذا القول أحد منكم قط قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون . قال : فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل / فيه ؟ قلت : [١/ق ٣-ب] لا. قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها ، قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . "قال : كيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منا وننال منه . قال : ماذا يأمر كم ؟ قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة . قال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه فذكرت أنه فیکم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها . وسألتك : هل قال أحد منكم هذا القول ؟ فذكرت : أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت : رجل تأسی بقول قيل قبله . وسألتك : هل كان من آبائه منْ مَلك ؟ فذكرت أن لا . فقلت : لو كان من آبائه من مَلك قلت : رجل يطلب مُلك أبيه . وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت - ٤١ - أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى . وسألتك : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن [ضعفاءهم] (١) اتبعوه وهم أتباع الرسل . وسألتك : أیزیدون أم ینقصون ؟ فذكرت أنهم یزیدون ، و کذلك أمر الإيمان حتى يتم . وسألتك : أيرتد أحد سخطة لدینه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك : هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك بما يأمر كم ؟ فذكرت أنه يأمر كم أن تعبدوا الله ولا تشر كوا به شيئًا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه .. . ثم دعا بكتاب رسول الله ير الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بَصْری فدفعه إلى هرقل فقرأه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد الله رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين ، و﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (١) في ((الأصل)»: ضعفاؤهم . وهو خطأ. - ٤٢ - ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ (١) . قال أبو سفيان : فلما قال ما قال ، وفرغ من قراءة الكتاب ؛ كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأُخرجنا . فقلت لأصحابي حين أُخرجنا : لقد أَمرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة ، إنه يخافه ملك بني الأصفر . فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام . وكان ابن الناطور صاحب إيلياء ، وهرقل أسقفًا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك . قال ابن الناطور : وكان هرقل حَزّاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود ، فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود . فبينا هم على أمرهم أُتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله وَلي، فلما استخبره هرقل ، قال : اذهبوا فانظروا مختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدثوه أنه مختتن وسأله عن العرب، فقال : هم مختتنون، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية ، وكان هرقل نظيره في العلم ، وسار هرقل إلى (١) آل عمران : ٦٤ . - ٤٣ - حمص ، فلم يُرِمْ حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج الرسول وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دَسْكَرَة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، فإن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان، قال : ردوهم عليّ ، وقال: إني قلت مقالتي [١/ ٤-١) آنفًا اخْتبر بها شدتكم علی دینکم ، فقد رأيت ؛ فسجدوا له / ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل )) . قال المهلب : وقوله: (( في المدة التي مادَّ فيها رسول الله أبا سفيان وكفار قريش)) فإن أهل السير ذكروا أن الرسول وَيقل صالح أهل مكة سنة ست - عام الحديبية - عشر سنين ، ثم إن أهل مكة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول بقتالهم خزاعة حلفاء النبي ◌َّ- ، ثم سألوا أبا سفيان أن يجدد لهم العهد ، فامتنع النبي وَ طلو من ذلك، فأنزل الله - تعالى - : ﴿ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة﴾ (١) بعد أن قال تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾ (٢)، فأوجب قتالهم حين نكثوا أيمانهم، وغير جائز أن يترك النبي وَلّه ما أمر به من قتالهم بعد قوله : ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم﴾(٣)، فأمر بقتالهم وأُخبر بما يكون من النصر والتشفي خبرًا لا يجوز أن ينقلب . (١) التوبة : ١٣ . (٢) التوبة : ١٢ . (٣) التوبة: ١٤، ١٥. - ٤٤ - وفي سؤال هرقل: (( أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل ؟ )) دليل أن أقارب الإنسان أولى بالسؤال عنه من غيرهم من أجل أنه لا ينسب إلى قريبه ما يلحقه به عار في نسبه عند العداوة كما يفعل غير القريب . وقوله : ((قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره )» خشي أن يستحي منه أصحابه عند نظرهم إليه إن كذب في قوله . وقال لهم : ((إن كَذَبني فكذبوه )) وإن صَدَقني فصدقوه . وقوله : ((فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عليه )» يدل أن الكذب مهجور في كل أمة ومعيبًا في كل ملة . وفيه : أن العدو لا يؤمن عليه الكذب على عدوه ، وكذلك لا يجوز شهادته على عدوه . وفيه : أن الرسل لا تُرسَل إلا من أكرم الأنساب ؛ لأن من شَرُفَ نسبه كان أبعد له من الانتحال لغير الحقائق . وقوله : ((في نسب قومها )) يعني : أفضله وأشرفه . وكذلك الإمام الذي هو خليفة الرسول ينبغي أن يكون من أشرف قومه. وفيه : أن الإمام الكاشف وجهه في الإمامة وكل من حاول مطلبًا عظيمًا إذا لم يتأس بأحد تقدمه من أهله ولا طلب رئاسة سلفه كان أبعد للمظنة به وأبرأ لساحته . وفيه : أن من أخبر بحديث ، وهو معروف بالصدق أنه يُصدق فيه، وإن كان معروفًا بالكذب أنه لا يقبل حديثه . وقوله: ((أشراف الناس اتبعوه )) فإن أشراف الناس هم الذين يأنفون من الخصال التي شرف صاحبهم عليهم بها ويُحَطَّ شرفهم إلى - ٤٥ - أن يكونوا تابعين في أحوال الدنيا ؛ فلذلك قال : إن كان يعاديه أشراف الناس فهي دلالة على نبوته ، وأما ضعفاؤهم الذين لا تتكبر نفوسهم عن اتباع الحق حيث رأوه ولا يجد الشيطان السبيل إلى نفخ الكبرياء في نفوسهم ، فهم متبعون للحق حيث سمعوه لا يمنعهم من ذلك طلب رئاسة ولا أنفة شرف، وزيادتهم دليل على صحة النبوة ؛ لأنهم يرون الحق کل یوم یتجدد ویتبین لهم، فيدخل فيه کل یوم طائفة. وأما سؤاله عن ارتدادهم ، فإن كل من لم يدخل على بصيرة في شيء وعلى يقين منه فقريب رجوعه واضطرابه ، ومن دخل على : بصيرة وصحة يقين فيمتنع رجوعه . وأما سؤاله عن الغدر ؛ فإن من طلب الرئاسة والدنيا خاصة لم يسأل عن أي طريق وصل إليها ، ومن طلب شرف الآخرة والدنيا لم يدخل فيما يعاب عليه ولا فيما يأثم فيه . وقوله : (( ونحن منه في مدة لا ندري ما يكون منه )»، قال : ((ولم تمكني كلمة أنتقصه فيها غير ما ... )) فيه من الفقه : أن من شك في كمال أحوال النبي - عليه السلام - فهو مرتاب غير مؤمن به . وسؤاله عن حربهم وقوله: (( وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة)) فتبتلى ليعظم لها الأجر ولمن اتبعها ، ولئلا يخرج الأمر عن العادة ، ولو أراد الله إخراج الأمر عن العادات لجعل الناس كلهم له متبعين ، ولقذف في قلوبهم الإيمان به ، ولكن أجرى الأمور على العادة بحكمة بالغة ؛ ليكون فريق في الجنة ، وفريق في السعير . وأما قوله لترجمانه: ((قل له: إني سألتك عن نسبه ... )) إلى آخر سؤاله ، فقال في كل فصل منها : وكذلك الرسل تبعث في مثل هذا ، فإنما أخبر بذلك عن الكتب القديمة . - ٤٦ - وأن ذلك كله نعت للنبي وَّر مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وكذلك قوله: ((قد كنت أعلم أنه خارج)) إنما علم ذلك من التوراة والإنجيل . وقول / هرقل: ((لو كنت أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه )) (١/ق ٤-ب] دون خلع من ملكه ، ولا اعتراض عليه في شيء ، وهذا التجشم هي الهجرة، وكانت فرضًا على كل مسلم قبل فتح مكة . فإن قيل : فإن النجاشي لم يهاجر قبل فتح مكة وهو مؤمن فكيف سقط عنه فرض الهجرة ؟ قيل له : هو في أهل مملكته ( أعْنَى ) (١) عن الله وعن رسوله وعن جماعة المسلمين منه ، لو هاجر بنفسه فردًا ؛ لأن أول عنائه حبسه الحبشة كلهم عن مقاتلة النبي - عليه السلام - والمسلمين مع طوائف الكفار، مع أنه كان ملجأ لمن أوذي من أصحاب النبي وَالل وردءًا لجماعة المسلمين ، وحكم الردء في جميع أحكام الإسلام حكم المقاتل، وكذلك في رد اللصوص والمحاربين عند مالك وأكثر الكوفيين يقتل بقتلهم ، ويجب عليه ما يجب عليهم ، وإن كانوا لم يحضروا الفعل . ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد ابن زيد عن بدر ، فضرب لهم رسول الله وَّ بسهامهم من غنيمة بدر ، وقالوا : وأجرنا يا رسول الله ؟ قال : وأجركم . وقوله: ((أسلم تسلم)) هذا التجنيس في غاية البلاغة ، وهو من بديع الكلام ، ومثله في كتاب الله : ﴿وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ (٢) . (١) من التعنية: وهي الحبس والأسر ، أي : أنه منع وحبس قومه عن دين الله وعن رسوله وعن المسلمين . انظر: النهاية (٣١٥/٣). (٢) النمل : ٤٤ . - ٤٧ - وقوله: (( يؤتك الله أجرك مرتين)) أي: بإيمانك بعيسى - عليه السلام- وإيمانك بي بعده . ودعاية الإسلام هي توحيد الله - عَزّ وجَلَّ - والإيمان برسول الله عليه السلام . ولم يصح عندنا أن هرقل جهر بالإيمان وأعلن بالإسلام ، وإنما عندنا أنه آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق ، ولسنا نقنع بالاعتقاد للإسلام دون الجهر به [لقوله] (١): ((أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأني رسول الله))، وقد أرخص الله لمن خاف، وأكره على الكفر أن يضمر الإيمان بقوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٢) ، ولم يبلغنا أن هرقل أكره على شيء من ذلك فيقوم له [ عذرٌ ] (٣) وأمره إلى الله - تعالى . وأما بعثه عليه السلام إلى هرقل بكتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم، وآية من القرآن، وقد قال عليه السلام: ((لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ))، وقال العلماء : لا يُمكَّن المشركون من الدراهم التي فيها اسم الله تعالى . وإنما فعل ذلك - والله أعلم - لأنه في أول الإسلام ، ولم يكن بد من أن يَدْعُ الناس إلى دين الله كافة وتبليغهم توحيده كما أمره الله تعالى . وقوله: (( فإن عليك إثم الأريسيين)) يريد الرؤساء المتبوعين على الكفر، وسيأتي اشتقاق هذه اللفظة في آخر هذا الباب إن شاء الله . قال أبو الزناد : فحذره عليه السلام ، إِذْ كان رئيسًا متبوعًا مسموعًا منه أن يكون عليه إثم الكفر ، وإثم من عمل به واتبعه عليه ، وقد قال (١) في ((الأصل)): بقوله. والمثبت من (( هـ)). (٢) النحل : ١٠٦ . (٣) في ((الأصل)): عذرًا. والمثبت من ((هـ)). - ٤٨ - -- عليه السلام : ((من سنَّ سُنَّة سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة)). قال المهلب : وأصله في كتاب الله : ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ﴾ (١) . وليس على البخاري في إدخاله أحاديث عن أهل الكتاب - هرقل وغيره - ولا في قوله: ((وكان حزَّاءً ينظر في النجوم )) حرج ؛ لأنه إنما أخبر أنه كان في الإنجيل ذكر محمد - عليه السلام - وكان من يتعلق قبل الإسلام بالنجامة ينذر بنبوته ؛ لأن علم النجامة كان مباحًا ذلك الوقت ، فلما جاء الإسلام منع منه ، فلا يجوز لأحد اليوم أن يقضي بشيء منه ، وكان علم النجوم قبل الإسلام على التظنين والتبحيث يصيب مرة ويخطئ كثيرًا ، فاشتغالهم بما فيه الخطأ الغالب ضلال ، فبعث الله نبيه محمدًاً وَظله بالوحي الصحيح، ونسخ ذلك العناء الذي كانوا فيه من أمر النجوم ، وقال لهم : نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب . وقال أبو المعتز في كتاب الأدب : لا يصلح لذي عقل ودين تعاطي علم النجوم ؛ لأنه لا سبيل إلى إيصال الصواب منها ، والذي يشبه الصواب منها إنما يتهيأ بالاتفاق ، وكيف يرضى العاقل من نفسه أن يكذب مرة ويصدق أُخرى ، وإنما عمر الإنسان كالساعة التي لا ينبغي أن ينفقها إلا في علم يزداد بالإيغال فيه بعدًا من الباطل وقربًا من الحق، ولو أمكن ألا يخطئ الناظر في علم النجوم لكان في ذلك تنغيص العيش ، وتكدير لصفوه ، وتضييق ( لمتفسح ) (٢) الآمال التي بها قوت الأنفس وعمارة الدنيا ، ولم يف ما يرجى من الخير بما يتوقع (١) العنكبوت : ١٣ . (٢) في (( هـ)): لتفسيح. - ٤٩ - [١/ ق ٥-٢] من الشر ؛ لأن بعض الناس لو علم أنه يموت إلى سنة لم ينتفع بشيء من دنياه ، وهذا لا يشبه بفضل الله وإحسانه ورأفته بخلقه ، ولو علم الناظر فيها أنه يعيش مائة سنة في صحة وغنى لبطر وما انتهى عن فاحشة ولا تورع عن محرم ، ولا أتى حنفًا هاجمًا ولزالت نعمه ، / ولفسدت الدنيا [بإهمال](١) الناس لو تركوا أمره ونهيه ولأكل الناس بعضهم بعضًا ، ولعلّ بعضهم كان يؤخر التوبة إلى يوم أو ساعة أو سنة قبل موته متحاذق على ربه ، ويدخل الجنة بتوبته ، [ و ](٢) ليس هذا في حكمة الله وصواب تدبيره ، ولا شك أن الخير فيما اختاره الله لنا من طي ذلك عنا ، فلله الحمد على جميل صنعه ولطيف إحسانه . وقال أبو الحسن الجرجاني النسابة في معنى نسبة قريشٍ رسولَ الله إلى أبي كبشة قال : إنما كانت تدعوه بذلك وتغير اسمه ؛ عداوة له إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه المهذب - صلوات الله عليه - وكان وهب ابن عبد مناف بن زهرة أبو آمنة أم رسول الله ا له يدعى أبا كبشة، وكان عمرو بن زيد [ بن ] (٢) أسد بن البخاري أبو سلمى أم عبد المطلب : يدعى : أبا كبشة ، وكان في أجداده من قِبَل أمه أبو كبشة ، وجد ابن غالب بن الحارث وهو أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف أبي آمنة أم الرسول - عليه السلام - وكان أبوه من الرضاعة يدعى أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي . وقال ابن قتيبة : إنما نسبه - عليه السلام - إلى أبي كبشة وهو الحارث بعض أجداد أمه ؛ لأنه رجل عبد الشعرى ، ولم تعرف العرب عبادة الشعرى لأحد قبله ، وجعلوا فعله في ذلك شذوذًا في (١) في ((الأصل)): كإهمال. والمثبت من (( هـ)). (٢) سقط من ((الأصل)). والمثبت من ((هـ)). - ٥٠ - الدين ، فلما جاءهم رسول الله وَ لول بما لا يعرفونه من دينهم ودين آبائهم وشذ عنهم في ترك عبادة الأوثان، ودعا إلى دين الله ودين إبراهيم ؛ شبهوه بأبي كبشة في شذوذه في عبادة الشعرى . ذكر ما في كتاب بدء الوحي من غريب اللغة قوله: ((صلصلة الجرس)) الصلصلة والصليل : الصوت. يقال: صَلَت أجواف الإبل من العطش ، إذا يبست ثم شربت فسمعت للماء في أجوافها صوتًا ، والجرس معروف ، وهو شبه الناقوس الصغير يوضع في أعناق الإبل ، وأجرس بالجرس صوَّت به ، والجرس : الصوت . وقوله: (( فيفصم عني)) . قال صاحب الأفعال : فصمت الشيء فصما: صدعته من غير أن أبينه ، وفَصَم الشيء عنك : ذهب ، وفصمت العقدة : حللتها . ومنه قوله تعالى : ﴿لا انفصام لها﴾(١). وفيه لغة أخرى . قال الأصمعي : يفصم : يقلع ، ومنه قولهم : أفصم المطر إذا أقلع ، فيقال : منه فعل وأفعل . وقوله: ((يتفصد عرقًا)) يعني: يسيل عرفًا ، ومنه الفصد : قطع العرق. وقول عائشة: (( فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) يعني : ضوء الصبح ، والفلق : هو الصبح بعينه ، وقد قيل في قوله تعالى : ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ (٢) يعني به الصبح، وقيل: إن الفلق اسم جبَّ في جهنم . (١) البقرة : ٢٥٦ . (٢) الفلق : ١ . - ٥١ - وقوله: ((كان يتحنث)) . قال ابن قتيبةٍ : التحنث تفعل من الحنث، وليس بمعنى كسب الحنث ؛ إنما هو أن يلقيه عن نفسه ، وجاءت ثلاثة أفعال مخالفة لسائر الأفعال يقال : تحنث ، وتجوب ، وتأثم : إذا ألقى الحنث ، والحوب ، والإثم عن نفسه ، وغيرها من الأفعال إنما يكون تفعَّل منها بمعنى تكسَّب . وقوله: (( فغطني)) . قال صاحب العين : غطه في الماء يغطه ويغَطْه : غرَّقه . وقوله: ((يرجف فؤاده)). يقال: رجف الشيء يرجف رجفًا: تحرك. وقول يونس ومعمر : ترجف بوادره . قال أبو عبيدة : البادرة : اللحمة التي بين أصل العنق والمنكب الضاربة . وأنشد غيره : وجاءت الخيل محمّرا بوادرها وقوله : (( الناموس الذي نزَّل الله على موسى )) . قال ابن دريد : ناموس الرجل : صاحب سره ، وكل شيء سترت فيه شيئًا فهو ناموس له. وقال أبو عبيد : الناموس جبريل عليه السلام . وقوله : (( نصرًا مؤزرًا)) أي : قويّا، مأخوذ من الأزر وهو القوة. ومنه قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أخي اشدد به أزري﴾ (١) أي : قوتي، وقيل: أزري : ظهري ، خص الظهر ؛ لأن القوة فيه . وقوله : (( ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي )» أي : لم ينشب في شيء من الأمور ، وكأن هذه اللفظة عند العرب عبارةً عن السرعة والعجلة . (١) طه: ٣٠، ٣١. - ٥٢ - وقوله : ((فحمي الوحي)) . فتتابع هو كقوله عليه السلام يوم حنين حين اشتدت الحرب وهاجت: ((الآن حمي الوطيس )) والوطيس : النفور . وقال صاحب العين : حميت النار والشمس : اشتد حرها ، وحمي الفرس إذا سخن وعرق ، وأحميت الحديد في النار . وقوله: (( في المدة التي ماد فيها كفار قريش))، فهو صلح الحديبية، و((ماد)): فاعل من المدة التي اتفق معهم على الصلح مدة ما من الزمان ، تقول العرب : تمادَّ الغريمان والمتبايعان إذا اتفقا على أجل ومدة ما وهي مفاعلة من اثنين . وقوله: / ((الحرب بيننا وبينه سجال)). قال صاحب العين: [١/ق ٥-ب] الحرب سجال ، أي : مرة فيها سجل على هؤلاء وسجل على هؤلاء، والسجل مثل الدلو ، والمساجلة : المناوأة في العمل أيهما يغلب صاحبه . وأنشد : من يساجلني يساجل ماجدًا يملأ الدلو إلى عقد الکرب وأصله من تساجلهما في الاستقاء . قال المبرد : فضربته العرب مثلاً للمفاخرة والمساماة . وقوله : ((وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب)) . أصل البشاشة : اللطف والإقبال على الرجل ، يقال : بششت بشا وبشاشة، وقد تبشبشت - عن صاحب العين - فبشاشة الإيمان على هذا فرح قلب المؤمن به وسروره . وقال الحربي في تفسير (( الأريسيين)) عن بعض أهل اللغة قال : الأريس الأمير ، والمؤرس الذي يستعمله الأمير وقد أرسه ، والأصل رأسه ، فقلب وغيِّر في النَسَبِ ، والنَسَبُ يغير له الكلام كثيراً . - ٥٣ - قال المؤلف : والصواب على هذا أن يقال : الإريسيين بكسر الهمزة : وتشديد الراء . وذكر المطرز ، عن ثعلب ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أبيه قال: الأريس الأكَّار ، والصخب الصياح ، صخب صخبًا إذا صاح . وقوله: ((أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة)). يقال: أَمِرَ الشيء إذا كثر . وقال ابن الأنباري : وإنما قيل للروم : بنو الأصفر ؛ لأن: حبشيا غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطئ سبيًا فولدن أولادًا فيهم من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرًا (لعسًا ) (١) ، فنسبت الروم إلى الأصفر بذلك وقوله: ((ابن الناطور)). قال دريد : الناطور : حافظ النخل والتمر، وقد تكلمت به العرب وإن كان أعجميا . وقال أبو عبيد : هو · الناظور بالظاء المعجمة ، والنبط يجعلون الظاء طاء وإنما سمي الناظور من النظر . قوله: ((وكان حزّاء)). قال صاحب العين: حَزَاً يحزُّ حزوًا: إذا کھن ، وحزي يحزي حزيًا وتحذى تحذية . وقوله: ((فلم يُرم حمص)) . يعني: لم يبرح - عن صاحب العين - يقال : ما يريم بفعل كذا . أي : ما يبرح . و(( الدسكرة )) بناء کالقصر حوله بيوت . وقوله: (( حاصوا حيصة حمر الوحش)) . قال أبو عبيد: حاص يحيص وجاص يجيض بمعنى واحد : إذا عدل عن الطريق ، وقال أبو زيد: حاص : رجع ، وجاص : عدل . (١) اللعس: سواد اللثة والشفة، وقيل: اللعس واللُّعسة: سواد يعلو شفة المرأة. البيضاء ، وقيل : هو سواد في حمرة ، انظر : لسان العرب ( مادة : لعبس ). - ٥٤ - تفسير كتاب الإيمان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ باب: قول النبي - عليه السلام -: ((بُنِيَ الإسلام على خمس)) وهو قول وفعل ویزید وینقص . قال الله - تعالى -: ﴿ ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ﴾ (١) ، ﴿وزدناهم هدى﴾ (٢)، ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ (٣)، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾(٤)، ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾(٥)، و﴿ أيكم زادته هذه إيمانًا﴾(٦)، ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا﴾(٦)، وقوله: ﴿فزادهم إيمانًا﴾ (٧)، وقوله: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾ (٨). والحب في الله والبغض في الله من الإيمان ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وقال إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ (٩). وقال معاذ بن جبل : اجلس بنا نؤمن ساعة . وقال ابن مسعود : (١) الفتح : ٤ . (٣) مريم : ٧٦. (٢) الكهف : ١٣ . (٤) محمد : ١٧ . (٥) المدثر : ٣١ . (٦) التوبة : ١٢٤ . (٧) آل عمران : ١٧٣ . (٨) الأحزاب : ٢٢ . (٩) البقرة: ٢٦٠. - ٥٥ - اليقين : الإيمان . وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى بدع ما حاك في الصدر . وقال مجاهد: ﴿شرع لكم ﴾ (١) ، أوصيناك يا محمد وإياه دينًا واحدًا . وقال ابن عباس : ﴿شرعة ومنهاجًا ﴾ (٢) سبيلا وسنة ، دعاؤكم إيمانكم . فيه : ابن عمر : قال عليه السلام : (( بني الإسلام على خمس : شهادة أنْ لا إلَهَ إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان )) .. [١/ق ٦-٢] قال المؤلف : مذهب جماعة أهل / السّنّة من سَلَف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص ، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من كتاب الله من ذكر الزيادة في الإيمان وبيان ذلك أنه [ من ] (٣) لم تحصل له بذلك الزيادة ، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له . فإن قيل : إن الإيمان في اللغة التصديق وبذلك نطق القرآن ، قال الله - تعالى -: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ (٤) أي: ما أنت بمصدق يعني : في إخبارهم عن أكل الذئب ليوسف فلا ينقص التصديق . قال المهلب : فالجواب في ذلك أن التصديق وإن كان يسمى إيمانًا في اللغة ، فإن التصديق يكمل بالطاعات كلها ، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان من كمال إيمانه ، وبهذه الجملة يزيد الإيمان وبنقصانها ينقص . (١) الشورى : ١٣ . (٣) سقط من ((الأصل)) (٢) المائدة : ٤٨ . (٤) يوسف : ١٧ . - ٥٦ - ألا ترى قول عمر بن عبد العزيز أن [ للإيمان ] (١) فرائض وشرائع وحدودًا وسُننًا ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ، ومتى زادت زاد الإيمان كمالا ، هذا توسط القول في الإيمان . وأما التصديق بالله وبرسله فلا ينقص ؛ ولذلك توقف مالك في بعض الروايات عنه عن القول بالنقصان فيه ، إذ لا يجوز نقصان التصديق ؛ لأنه إن نقص صار شكا ، وانتقل عن اسم الإيمان . وقال بعض العلماء : إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب . وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السُّنَّة ، ذكر أحمد بن خالد قال : حدثنا عبيد بن محمد بصنعاء قال: حدثنا مسلمة بن شبيب ومحمد بن يزيد قالا : سمعت عبد الرزاق يقول : سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ، ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر ، والأوزاعي ، ومعمر بن راشد ، وابن جريج ، وسفيان بن عيينة يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . ومن غير رواية عبد الرزاق وهو قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي . وحكى الطبري : أنه قول الحسن البصري ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وعبد الله بن المبارك . فإن قيل : قد تقدم من قولكم أن الإيمان في اللغة التصديق ، وأنه لا ينقص ، فكيف يكون الإيمان قولا وعملا ؟ (١) في ((الأصل)): الإيمان. والمثبت من ((هـ)). - ٥٧ - قيل : كذلك نقول : التصديق في نفسه لا ينقص إلا أنه لا يتم بغير عمل ، إلا لرجل أسلم ثم مات في حين إسلامه قبل أن يدرك العمل فهذا معذور ؛ لأنه لم يتوجه إليه فرض الأمر والنهي ولا لزمه . وأما من لزمه فرض الأمر والنهي فلا يتم تصديقه لقوله إلا بفعله . قال الطبري : ألا ترى أن من وعد عدة ثم أنجز وعده وحقق بالفعل قوله ، أنه يقال : صدق فلان قوله بفعله ، فالتصديق يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح ، والمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه المعاني الثلاثة ، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه أنه لا يستحق اسم مؤمن ، ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من توحيد ربه أنه غير مستحق اسم مؤمن ، وكذلك لو أقر بالله وبرسله ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق ، وإن كان في كلام العرب قد يجوز أن يسمى بالتصديق مؤمنًا فغير مستحق ذلك في حكم الله ؛ لقوله تعالى : ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ﴾ (١) ، فأخبر تعالى أن المؤمن على الحقيقة من كانت هذه صفته ، دون من قال ولم يعمل وضيع ما أمر به وفرط ، والحجة لذلك من السُّنَّة أيضًا ما رواه الطبري قال : حدّثنا محمد بن أحمد بن يزيد المكي قال : حدثنا عبد السلام بن صالح قال : حدّثنا الرضا علي بن موسى ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليٌّ بن حسين ، عن أبيه ، عن عليّ بن أبي طالب أن النبي وَلّ قال: ((الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وتصديق بالعمل )) . (١) الأنفال : ٢ - ٤ . - ٥٨ - وقوله عليه السلام: (( بُنِيَ الإسلام على خمس ... )) إلى آخر الحديث . قال المهلب : فهذه الخمس هي دعائم الإسلام التي بها ثباته وعليها / اعتماده ، وبإدامتها يعصم الدم والمال ، ألا ترى قوله عليه السلام: [١/ ٦-ب] ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلَهَ إلا الله وأَنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله)) - وبهذا احتج الصِّدِّيق حين قاتل أهل الردة حين مَنْعِهِمُ الزكاة وقال : والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال . واتبعه على ذلك جميع الصحابة . وكذلك ينبغي أن يقاس على فعل أبي بكر - رضي الله عنه - فنقتل من جحد فريضة ومن ضيعها ، فيجب عليه قضاؤها ؛ فصح أن الإيمان قول وعمل . وقوله عليه السلام: (( بُنِيَ الإسلام على خمس)) . كان في أول الإسلام قبل فرض الجهاد ، والله أعلم . وأما قول عمر بن عبد العزيز : إن للإيمان فرائض وشرائع ، فإن أعش فسأبينها لكم . إن قال قائل : كيف ظن عمر بأهل العراق أنهم لا يعرفون شرائع الإسلام وعندهم علماء التابعين وكيف أخر تعريفهم بها ؟! فالجواب أن عمر إنما رأى واجبًا على الإمام أن يتفقد ، رعيته ويتخولهم أبدًا بذكر أمور الدين ، وألا يدع ذلك على كل حال فيمن عَلِمَ منهم أو جَهِلَ ، وفيمن قرب منهم أو بعد ؛ فأراد عمر أن يخرج - ٥٩ - نفسه مما لزمه من ذلك ، وأن يعيد ذكره مرارًا متى استطاع وأخر تعريفهم ؛ لأن تأخير البيان جائز إذا لم تدع إليه ضرورة . وأما قول ابن عباس: ((دعاؤكم إيمانكم))، فإن المفسرين اختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ (١) ، فعلى قول ابن عباس يكون معناه : قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم ؛ لأنه قد جاء في الحديث أن الدعاء أفضل العبادة. وقال مجاهد : المعنى ما يفعل بكم ربي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه . قال: وهو مثل قوله تعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ (٢) وقال ابن قتيبة : المعنى ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره ، أي : لولا عبادتكم غيره . وقول ابن عباس يوافق مذهب البخاري ؛ لأنه سمى الدعاء إيمانًا والدعاء عمل . باب : أمور الإيمان وقوله تعالى : ﴿ ليس البرّ أن تولوا وجوهكم ... ﴾ إلى ﴿المتقون﴾ (٣) و﴿قد أفلح المؤمنون ... ﴾ (٤) الآية فيه : أبو هريرة: أن رسول الله قال: (( الإيمان [ بضع ] (٥) وسبعون شعبة ، والحياء شعبةٌ من الإيمان)) . (١) الفرقان : ٧٧ . (٢) النساء : ١٤٧ . (٣) البقرة: ١٧٧ . (٤) المؤمنون : ١ . (٥) في ((الأصل)): بضعة، والمثبت من (( هـ)). - ٦٠ -