Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
تعریف الصحابي
لكنْ هل يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَه مؤمناً بأنه سيبعث، ولم يدرك البعثة؟
فيه نظر. وقولي: ((ومات على الإِسلام)) فَضْلٌ ثالث يُخْرِج مَنْ ارتدَّ بعد
أنْ لَقِيَه مؤمناً، ومات على الردة كعُبَيْد الله بن جَحْش، وابن خَطْل.
(لكن هل يخرج) أي الفصل الثاني، (مَن لَقِيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يدرك
البعثة؟) بكسر الموحدة كبَحِيْرَى الراهب؟
(فيه نظر) أي تردد كما صرح به النووي(١)، فمن أراد اللقاء حال نبوّته حتى
لا يكون مثله صحابياً عنده يخرج عنه، ومن أراد أعم من ذلك يدخل ولا وجه
لإخراجه كما ذهب إليه البعض، واعترض عليه بأن هذا الشخص غير داخل في
الجنس فكيف يخرجه؟ وأجيب بأن هذا إنما يصح إذا أريد بالنبي [النبي](٢) من
حيث إنه [نبي](٢)، وأما إذا أريد ذاته، فلا يصح بالنسبة إلى من رأى ذاته قبل
البعثة [ولم يره بعد البعثة](٢)، نعم يصح بالنسبة إلى المُصَدِّق به ولم ير
ذاته/ أصلاً.
١٧٨
قال التلميذ: قوله: فيه نظر، أي محل تأمل. قال المصنف: قلت مرجحاً
أحد جانبي هذا التردد: أن الصحبة وعدمها من الأحكام الظاهرة، فلا تحصل إلا
عند حصول مقتضيها في الظاهر، وحصوله في [١٤٧ - أ] الظاهر يتوقف على
البعثة. انتهى. وهو معنى ما قيل في وجه النظر لأن المؤمن في العرف لا يطلق
على مَن يصدق بأنه سيبعث ولم يؤمن به حال البعثة، لكن فيه بحث لأن كلامنا
بالنسبة إلى المصدق بأنه سيبعث ومات قبل البعثة.
(وقولي: ((ومات على الإِسلام)) فصل ثالث يُخرج من ارتد بعد أن لَقِيه مؤمناً،
ومات على الردة كعُبيد الله) بالتصغير (ابن جَحْش) بفتح جيم، وسكون مهملة،
(وابن خَطْل) بفتح معجمة، فمهملة، قتل وهو متعلق بأستار الكعبة. قال
(١) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٨٢/٤.
(٢) سقط من المطبوعة .

٥٨٢
تعريف الصحابي
وقولي: ((ولو تخللت رِدَّة)) أي بين لُقِيِّهِ له مؤمناً به وبين موته
على الإِسلام، فإن اسم الصحبة باقٍ له سواء رجع إلى الإِسلام في
حياته أم بعد موته، وسواء لَقِيَه ثانياً أم لا.
السخاوي(١): ومِقْيَس بن صُبَابَة، بفتح المهملة، وفي حاشية التلميذ: قال
المصنف: وكذا مَن روي عنه ثم مات مرتداً بعد وفاته كربيعة بن أُمَّيَّة بن خَلَف،
فإنه لقيه مؤمناً وروى عنه واستمر إلى خلافة عمر وارتد ومات على الردة. انتهى.
قال السخاوي(١): وما وقع لأحمد في مسنده(٢) من ذكره حديث ربيعة بن
أُمَيَّة بن خلف الجُمَجِي (٣)، وهو ممن أسلم في الفتح وشهد مع النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم حجة الوداع، وحدّث عنه بعد موته ثم لحقه الخذلان، فلحق في خلافة
عمر بالروم وتنصّر بسبب شيء أغضبه، يمكن توجيهه بعدم الوقوف على قصة
ارتداده. وقد قال شيخنا ما نصه: وإخراج حديثٍ مثل هذا يعني مطلقاً في المسانيد
وغيرها مشكل، ولعلّ من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده.
(وقولي: ((ولو تخللت رِدَّة))) مبتدأ وخبره قوله: (أي بين لُقِيِّه) أي قوله: لو
تخللت ردة مفسر بقولنا: لو تخللت [ردة] (٤) بين لقيه [١٤٧ - ب] (له مؤمناً به، وبين
موته على الإِسلام) وتصحف قوله: على الإِسلام على /١٠٣ - أ/ شارح بقوله: عليه
السلام، فقال: بل بعده أيضاً كما يشعر به قوله: أم بعده.
(فإن اسم الصحبة باق له) أي غير باطل عند الشافعية خلافاً للحنفية، (سواء
رجع إلى الإِسلام في حياته) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، (أم بعد
موته(٥)، وسواء لَقِيه ثانياً) حيث يعود له اسم الصحبة بالتجدد اتفاقاً (أم لا) خلافاً
(١) فتح المغيث ((للسخاوي) ٨٣/٤.
(٢) وبالرجوع لمسند الإِمام أحمد لم نجد حديث ربيعة فيه. ولقد خرَّج له الطبراني في الكبير ٦٧/٥
(٤٦٠٣).
(٣) انظر ترجمته في الإصابة ٢٢٣/٢.
(٤) سقط من المطبوعة .
(٥) في بعض النسخ: ((أم بعده)). دون لفظة ((موته)).

٥٨٣
تعريف الصحابي
وقولي: ((في الأصح)) إشارة إلى الخلاف في المسألة، ويدل
على رُجْحَان الأول قصة الأَشْعَث بن قَيْس، فإنه كان ممن ارتدَّ، وأَتِيَ
به إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أسيراً، فعاد إلى الإِسلام
فقَبِل منه ذلك وزوَّجَه أخته، ولم يتخلّف أحد عن ذكره في الصحابة،
ولا عن تخريج
لنا، وأغرب محشٍ مع كونه حنفياً فاضلاً حيث قال: قوله: لقيه ثانياً أم لا مما لا
حاجة إليه لفهمه من قوله: أم بعد [موته. انتهى](١). ووجه الغرابة مع قطع النظر عن
معرفة المذهب في الردة(٢) أنه لا يفهم (٣) من قوله: أم بعد مماته [أنه](١) لقيه ثانياً أم
[لا](٤) في حال حياته .
(وقولي: ((في الأصح)) إشارة إلى الخلاف في المسألة،) قال تلميذه: أي في
مسألة الارتداد. انتهى. وسيجيء بيانه(٥). وأغرب شارح وجعل المراد بالمسألة مسألة
تعريف الصحابة، ويدل على بطلان قولِه قولُه :
(ويدل على رجحان الأول) أي المفهوم من الأصح المقابل للصحيح، أو
الضعيف الذي هو الثاني، وهو الأصح عنده، (قصة الأشْعَث(٦) بن قيس، فإنه كان
ممن ارتد وأُتِيَ) أي جيء (به إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أسيراً)
أي / مأسوراً مقيداً، (فعاد إلى الإِسلام فَقَبِل) أي أبو بكر (منه ذلك) أي الإِسلام. ١٧٩
(وَزَوَّجَهُ) أي أبو بكر.
(أخته) أي لِمَا رأى مِن حُسْن إسلامه.
(ولم يتخلف أحد عن ذكره) أي الأشعث (في الصحابة، ولا عن تخريج
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) الرواة.
(٣) في (د) لأنه يفهم.
(٤) سقط من (د) والمطبوعة .
(٥) ص ٥٨٤ وما بعدها.
(٦) حرفت في المطبوعة إلى الأشعب.

٥٨٤
تعريف الصحابي
أحاديثه في المسانيد وغيرها.
أحاديثه في المسانيد [١٤٨ - أ] وغيرها). فيه أنه كان ينبغي أن لا يكون في
المسألة خلاف مع أنه خلاف ذلك، فلعل من ذكره في الصحابة غَفَل عن ارتداده،
أو لكونه في طبقة الصحابة.
ومَن خرّج حديثه فيحتمل أن يكون عن جهل بحاله، أو روى حديثه الذي
نُقِل عن غيره من الصحابة، أو على قول مَن يجوِّز التحمل في الكفر والأداء في
الإِسلام، وإلا فقد صرح في شهادات ((الوَلْوَالِجيّة)) من كتب الحنفية: أنه يبطل ما رواه
المرتد لغيره من الحديث، فلا يجوز للسامع منه أن یرویّه عنه بعد ردته.
وقال الحلبي في ((حاشية شفاء القاضي)): أخرج للأشْعَث(١) هذا الأئمةُ
[الستة](٢) وأحمد في المسند، وقد صرح بأنه صحابي، وهذا إنما يتمشى عند من
يقول: إن الرِّدة إنما تُحبط بشرط أن تتصل بالموت، أما مَن يقول: إن الرِّدة تُبطل وإن
لم تتصل [بالموت](٣) فلا يعدو هذا القول قول أبي حنيفة، وفي عبارة الشافعي ما
يدل على هذا، كذا قاله بعض مشايخي، لكن الذي حكاه الرافعي عن الشافعي:
أنها إنما تُحبط بشرط اتصالها للموت والله سبحانه أعلم.
هذا، وقد بقي قيود أخر لا بد من بيانها، وتصدى السخاوي (٤) للتعرض
بشأنها حيث قال - ولو أطال -: وهل يدخل /١٠٣ - ب/من رآه ميتاً قبل أن
يدفن كما وقع لأبي ذُؤَيب الهُذَلي الشاعر إن صح؟ قال العز بن جَمَاعَة: لا على
المشهور.
وقال شيخنا(٥): إنه محل نظر، والراجح عدم الدخول، وإلا يُعَدّ من اتفق أن
(١) انظر تهذيب الكمال ٢٨٦/٣ - ٢٩٥.
(٢) سقط من (ج).
(٣) زيادة من (ج).
(٤) فتح المغيث (للسخاوي)) ٨٠/٤.
(٥) في فتح الباري ٤/٧ والإصابة ٥/١.

٥٨٥
تعريف الصحابي
يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، كذلك من كُشِف
له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمَن
رآه قبل دفنه أنه مستمر [١٤٨ - ب] الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي
أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك الأحكام المتعلقة
[بهم](١) بعد القتل جارية لهم على سَنَنِ غيرهم من الموتى. انتهى.
وقال العلائي (٢): إنه لا يبعد أن يُعطى حكم الصحبة لشرف ما حصل له من
رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم قبل دفنه وصلاته عليه، قال: وهو أقرب من عدّ
المعاصر الذي لم يره أصلاً فيهم، أو الصغير الذي وُلد في حياته. وقال البدر
الزركشي : ظاهر كلام ابن عبد البريعمّ، لأنه (٣) أثبت الصحبة لمن أسلم في حياته وإن
لم يره، يعني فيكون مَن رآه قبل الدفن أولى. وجزم البُلْقِيني بأنه يعد صحابياً
الحصول شرف الرؤية [له](٤) وإن فاته السماع، قال: وقد ذكره في الصحابة
الذهبي في ((التجريد)»(٥)، وما جنح إليه شيخنا من ترجيح عدم دخوله قد سبقه إليه
الزركشي، فقال: الظاهر أنه غير صحابي. انتهى.
وعلى هذا فيزاد في التعريف: ((قبل انتقاله من الدنيا))، وكذلك لا يدخل من
رآه في / المنام كما جزم به البُلْقِيني، ثم شيخنا، وإن كان قد رآه حقاً، فذلك فيما
يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية حتى لا يجب أن يعمل بما أمره
[به](٦) في تلك الحالة.
بل جزم البُلْقِيني بعدم دخول مَن رآه ليلة الإِسراء، يعني من الأنبياء والملائكة
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) العلاء.
(٣) في (ج) لا أنه، وفي (د) لأن.
(٤) سقط من المطبوعة.
(٥) تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٦٤ .
(٦) زيادة من السخاوي ٨١/٤.

٥٨٦
تعريف الصحابي
عليهم السلام ممن لم يبرز إلى عالم الدنيا، وبهذا القيد دخل فيهم عيسى بن مريم
عليه السلام ولذا ذكر الذهبي في تجريده، وتبعه شيخنا(١) وَوَجَّهَهُ باختصاصه عن غيره
من الأنبياء بكونه رُفع على أحد القولين [١٤٩ - أ] حياً، وبكونه ينزل إلى الأرض
فيقتل الدجال ويحكم بشريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فبهذه الثلاثة
يدخل في تعريف الصحابة.
قلت: ولذا قيل: في الصحابة رجل شاب أفضل من الشيخين وغيرهما. قال:
وجعل بعضهم دخول الملائكة فيهم، وهو مبني على أنه [هل](٢) كان مبعوثاً إليهم
أم لا؟ وعلى الثاني مشى الحَلِيمي، وأقرّه البيهقي في الشَّعَب، بل نقل الفخر
الرازي في «أسرار التنزيل)) الإِجماع عليه(٣). قال شيخنا: وفي صحة بناء دخولهم في
الصحابة على هذا الأصل نظر لا يخفى. وما قاله ظاهر، لكن خالفه في الفتح (٤)
حیث مشی على البناء المشار إليه. / ١٠٤ - أ/
وهل يدخل من رآه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة الشريفة كزيد بن
عمرو بن نُفَيْل (٥) الذي قال فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إنه يُبعَث أمّةً
وحده))(٦)؟ الظاهر: لا، وبه جزم شيخنا في مقدمة الإِصابة(٧)، وزاد في التعريف
الماضي ((به)) ليخرجه، فإنه ممن لقيه مؤمناً بغيره، على أنّ لقائلِ ادعاء الاستغناء
عن التقييد ((به)) بإطلاق وصف النبوة، إذ المُطْلَق يحمل على الكامل.
(١) الإصابة ٥٢/٥ .
(٢) سقط من (ج).
(٣) انظر فتح المغيث (للسخاوي)) ٨١/٤، والمنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢٣٧/١، وشعب
الإِيمان ٣٧١/١، والتجريد ٤٦٢/١.
(٤) ٤/٧ فتح الباري.
(٥) حُرِّف اسمه في (د) إلى عمر، وفي (ج) إلى عمرو بن فضيل.
(٦) رواه أبو يعلى في مسنده ١٧٢٠/١٣، رقم (٧٢١٢)، والبزّار والطبراني في المعجم الكبير
١٥١/١ -١٥٢، رقم (٣٥٠). انظر مجمع الزوائد ٤١٨/٩.
(٧) ٤/١ .

٥٨٧
تعريف الصحابي
تنبيهان :
أحدهما: لا خَفَاء
هذا، مع أنّ شيخنا قد ترجم له في إصابته(١) تبعاً للبَغَويّ وابن مَندَه
وغيرهما. وترجم ابن الأثير للقاسم ابن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؛ بل (٢)
وللطاهر وعبد الله أخويه في القسم الثاني من الإِصابة(٣)، ومقتضاه أن يكون لهم
رؤية، لكنه ذكر أخاهم الطَّيِّب في الثالث منها (٤)، وفيه نظر خصوصاً وقد جزم
هشام بن الكلبي بأن عبد الله والطاهر والطيب واحد اسمه عبد الله، والطاهر
والطيب لقبان(٥)، ثم هل [١٤٩ - ب] يشترط في كونه مؤمناً به أن تقع رؤية له بعد
البعثة، فيؤمن به حين يراه؟ أو يكفي كونه مؤمناً به أنه سيبعث كما في بَحِيرَىُ
الراهب وغيره ممن مات قبل أن يدعو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم [إلى
الإِسلام](٦).
قال شيخنا: إنه محل احتمال، وذَكَر بَحِيرى في القسم الرابع من الإِصابة(٧)
لكونه كان قبل البعثة، وأما وَرَقَة فذكره في القسم الأول(٨) لكونه كان بعدها قبل
الدعوة، مع أنه لم يجزم بصحبته بل قال: وفي إثباتها نظر، على أن ((شرح النخبة))
ظاهرها اختصاص التوقف بمَن لم يُدرك البعثة، فإنه قال: وقولي: ((به)) هل يخرج
مَن لَقِيَه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يُدرِك البعثة؟ فيه نظر(٩).
(تنبيهان) أي هذان قولان مُنَّبِّهان لمن غَفَل عنهما (أحدهما: لاخفاء) أي
(١) ٣١/٣.
(٢) أي: بل ترجم ابن حجر الطاهر وعبد الله أخويه في القسم الثاني من الإصابة.
(٣) ٢٧٠/٥.
(٤) ٣٠٠/٣.
(٥) وهذا ما رجحه المزي في مقدمة تهذيب الكمال ١٩١/١.
(٦) زيادة من ((السخاوي)) ٨٢/٤.
(٧) ١٨٣/١.
(٨) ٣١٧/٦.
(٩) انتهى النقل عن فتح المغيث ((للسخاوي)) ٨٢/٤.

٥٨٨
مرسل الصحابي
في رُجْحَان رُتْبَةٍ مَنْ لازمه ◌ِِّ، وقاتل معه، أو قُتِل تحت رايته، على
مَنْ لم يلازِمْه، أو لم يَحْضُر معه مشهداً، وعلى مَنْ كلمه يسيراً، أو
ماشاه قليلاً، أو رآه على بُعْدٍ، أو في حال الطُّفُوليّة، وإن كان شرف
الصحبة حاصلاً للجميع. ومَنْ ليس له منهم سماع منه، فحديثه مُرْسَل
مِنْ حیثُ الرواية،
لكمال ظهوره، لا شك (في رجحان رتبةٍ مَن لازمه صلی الله تعالى عليه وسلم،
١٨١ وقاتل) الأظهر أن يقول: أو قاتل (معه) / أي حقيقةً أو حكماً.
(أو قُتِل) أي معه، أو في عصره، وأو للتنويع، أو بمعنی بل، (تحت رايته) أي
عَلَمِ نصرته ولواء مِلَّته (على مَن لم يلازمه،) أي أصلاً.
ب
(أو لم يَحْضُر معه مشهداً) أي من مشاهد الغزو، (وعلى مَن كلِّمه يسيراً،)
أي زمناً يسيراً، أو كلاماً قليلاً، (أو ماشاه قليلاً،) أي من المماشاة، (أو رآه على
بُعد) أي على مسافة بعيدة، (أو في حال الطفولية،) أي الخارجة عن حد التمييز
والمعرفة، (وإن كان شرف الصحبة حاصلًا للجميع) أي في الجملة، وإن وصلية.
[مُرْسَلُ الصَّحَابِي]
(ومَن ليس له منهم) أي من الصحابة بيان لمَن، (سماع منه) أي من النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم، (فحديثه مرسل من حيث الرواية،) قال [١٥٠ - أ]
المصنف: هو مقبول بلا خلاف، والفرق بينه وبين التابعي - حيث اختلف فيه مع
اشتراكهما في احتمال الرواية عن التابعين - أن احتمال رواية / ١٠٤ - ب / الصحابي
عن التابعي [بعيدة بخلاف احتمال رواية التابعي عن التابعي(١)](٢) فإنها ليست
بعيدة. قال التلميذ: قال المصنف: ويُلْغَز به فيقال: حديث مرسل يحتج به
بالاتفاق.
(١) سقط من (د) عن التابعي.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوعة.

٥٨٩
مفهوم الصحبة
وَهُمْ مع ذلك معدودون في الصحابة، لِمَا نالوه مِن شرف الرؤية.
[مفهوم الصحبة]
(وَهُمْ مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه) أي حصل لهم (من شرف
الرؤية) الأولى: من شرف اللَّقِيِّ على ما تقدم. ثم اعلم أن المسألة خلافية، فقال
أحمد بن حنبل، ومثله للبخاري(١) في صحيحه: مَن صَحِبه عليه الصلاة والسلام
سَنَةً أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه، فهو من الصحابة، ولا يدخل فيه الأعمى
الذي جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مسلماً ولم يصحبه ولم يجالسه.
وقال أصحاب الأصول: هو مَن طالت(٢) مجالسته له على طريق التبع(٣)
[له](٤) والأخذ عنه، فلا يدخل مَن وَفَدَ عليه وانصرف بدون مُكْث، وقال الآمِدِي(٥):
الأشبه أن الصحابي من رآه، وحكاه عن أحمد بن حنبل، وأكثر أصحابنا، واختاره
ابن الحاجب(٦) لأن الصحبة تعم القليل والكثير.
قال أبو بكر بن الطيب [الباقلاني](٧): لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحابي
مشتق من الصُّحْبَة، جارٍ على كل مَن صَحِب غيرَه قليلا أو كثيراً، وهذا يوجب في
حكم اللغة إجزاءه على من صحب النبي عليه الصلاة والسلام ولو ساعة، قال: ومع
هذا فقد تقرر للأمة عرفٌ في أنهم لا يستعملونه إلا فيمن كَثُرَت صُحْبته، وكذا قال
الخطيب أيضاً: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصُّحْبَة التي اشْتُقَّ منها الصحابي لا
تحدّ بزمن، بل تشمل صُحْبَة سنة، وصُحْبَة ساعة.
(١) فتح الباري ٣/٧.
(٢) صحفت في (ج) إلى طالب.
(٣) حرفت في المطبوعة إلى الطبع.
(٤) سقط من (د).
(٥) الأحكام للآمدي ١٣٠/٢ .
(٦) حاشية التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي ٦٧/٢.
(٧) ما بين الحاصرتين زيادة من فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٤٥، وانظر أيضاً فتح المغيث ((للسخاوي))
٨٥/٤.
:

٥٩٠
طرق معرفة الصحبة
ثانيهما: يُعْرَفُ كونه صحابياً بالتواتر،
وقال النووي في مقدمة ((شرح مسلم))(١) عقيب كلام القاضي أبي بكر: وبه
يُستدل على ترجيح [١٥٠ - ب] مذهب المحدثين، فإن هذا الإِمام قد نقل عن
أهل اللغة أنّ الاسم يتناول صُحبة ساعة، وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال
في الشرع، والعرف على وفق اللّغة، فوجب المصير إليه.
قال السخاوي(٢): إلا أن الإِسلام لا يُشْتَرط في اللغة، والكفار لا يدخلون
في اسم الصحبة بالاتفاق، ويمكن أن يقال: [إن](٣) مراده بالنقل على وَفق اللغة
بحسب القِلة والكثرة، لا بحسب جميع ما هو المعتبر في اللغة. وحكي عن
١٨٢ سعيد بن المسيَّب/ أنه لا يَعُدّ صحابياً إلا مَن أقام مع رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم سنة، أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين (٤). ووجهه، أن لصحبته
صلى الله تعالى عليه وسلم شرفاً [عظيماً)(٥)، فلا يُنال إلا باجتماع (٦) يظهر فيه
الخُلُق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من
سقر(٧)، والسَنَة المشتملة على الفصول الأربعة التي بها يختلف المزاج، وعورض
بأنه عليه الصلاة والسلام لشرف منزلته أعطي كلُ مَن رآه حكم الصحبة، وأيضاً يلزم
أن لا يُعَدّ جرير بن عبد الله ونحوه صحابياً، ولا خلاف /١٠٥ - أ/ في أنه صحابي.
[طرق معرفة الصحبة]
(ثانيهما: يعرف كونه صحابياً بالتواتر،) كأبي بكر الصديق المَعْنِيِّ بقوله
(١) ٣٥/١ - ٣٦.
(٢) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٧٨/٤.
(٣) سقط من (ج).
(٤) انظر علوم الحديث ص ٢٩٣ .
(٥) سقط من (ج).
(٦) في (ج) بالاجتماع.
(٧) في (د) والمطبوعة: السقر.

٥٩١
طرق معرفة الصحبة
أو الاستفاضة، أو الشُّهْرَة، أو بإخبار بعض الصحابة،
تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(١) وسائر العَشَرة، ذكره
السخاوي(٢). لكن الفرق بين الصِّدِّيق وغيره أن من أنكر صحبة الصديق كفر
لاستلزام إنكار صحبته إنكار نص القرآن المجمع على أنه هو المراد به، بخلاف
من أنکر صحبة غيره، فإنه لا يكفر.
(أو الاستفاضة) ذَكَره لما سبق من الفرق بين المستفيض والمتواتر(٣)، والمراد
[١٥١ _ أ] بها هنا فوق الشهرة ولذا قال:
(أو الشهرة،) بناء على أن المغايرة بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه
[وانتهائه](٤) سواء، والمشهور أعم من ذلك. قال السخاوي(٢): أي الشهرة القاصرة
عن التواتر، وهي الاستفاضة على رأي، كعُكَّاشة بن مِحْصَن(٥)، وضِمَام بن ثَعْلَبَة،
وغيرهما. انتهى. وكأنه أراد بالشهرة الشهرةَ عند المحدثين.
(أو بإخبار بعض الصحابة) أي بأنه صحابي كشهادة أبي موسى الأشعري
لحَمَمَةٍ(٦) لما مات مبطوناً بأن النبي عليه الصلاة والسلام حكم له بالشهادة (٧)، كذا
قاله شارح. انتهى. وفيه نظر لاحتمال أن يكون الضميرُ له، أو لمن مات مبطوناً
على ما ورد في الخبر من عمومه (٨).
(١) سورة التوبة، الآية: ٤٠.
(٢) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٨٩/٤.
(٣) انظر: المتواتر ص ١٨٦ وما بعدها، والمشهور والمستفيض ص ١٩٢ .
(٤) سقط من (د).
(٥) في المطبوعة: محيص والصواب ما أثبتناه.
(٦) انظر الإصابة ص ٢ /٣٩ وهو: حَمَمَة الدوسي.
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤ /٤٠٨ وأبو داود الطيالسي في مسنده ص ٦٨ - ٦٩، رقم (٥٠٥).
(٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون،
والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)). أخرجه البخاري (فتح الباري) ٤٢/٦، كتاب
الجهاد (٥٦)، باب الشهادة سبع سوى القتل (٣٠)، رقم (٢٨٢٩). ومسلم ١٥٢١/٣، كتاب
الإِمارة (٣٣)، باب بيان الشهداء، (٥١)، رقم (١٦٤ - ١٩١٤).

٥٩٢
طرق معرفة الصحبة
أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي، إذا
كانت دعواه ذلك تدخل تحت الإمكان.
(أو بعض ثقات التابعين،) أي بذكر عدول التَّبَع إيَّاه في الصحابة روايةً أو
كتابةً .
(أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي،) قال التلميذ: قيده ابن الصلاح(١) بأن
يكون معروف العدالة، وكذا ابن الحاجب(٢)، وغيره.
(إذا كان دعواه ذلك،) منصوب على المفعولية أي ادِّعاء ما ذُكِر من كونه من
الصحابة، لا أنه مرفوع على البدلية لأنه حينئذٍ كان يناسب أن يقول: إذا كانت
دعواه تلك، أي تلك الدعوى (تدخل تحت الإِمكان). قال السخاوي(٣): يرد عليه
أن دعواه حينئذ قادحة في عدالته. اللهم إلا أن يقال: يجوز أن يكون مستند دعواه
غلبة ظنه في المرئي، وقد أطلق ابن الصلاح(١) والخطيب(٤)، وقال
العراقي(٥) : لا بد من التقييد بما يدخل تحت الإِمكان، فإنه لو ادعاه بعد مضي
مئة سنة من حين وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه لا يُقبل وإن كان قد ثبتت
عدالته قَبْلَ ذلك، لقوله وَّ في الحديث الصحيح: ((أَرَأيتكم لَيلتكُم هذه؟ فإنه على
رأس مئة سنة لا يبقى أحدٌ ممن على ظهر الأرض))(٦). يريد انخرام ذلك القرن
قال ذلك صلى الله تعالى عليه وسلم في سنة وفاته. قالوا: وهو واضح جلي (٧).
(١) علوم الحديث ص ٢٩٤ .
(٢) حاشية التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي ٦٧/٢ - ٦٨.
(٣) انظر فتح المغيث (للسخاوي)) ٩١/٤. نقله المصنف بالمعنى.
(٤) الكفاية ٦٣ - ٦٤ .
(٥) في فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٤٨ - ٣٤٩ بلفظ: ولا بد من تقييد ما أطلق من ذلك بأن يكون
ادعاؤه لذلك يقتضيه الظاهر، أما ...
(٦) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٢١١/١، كتاب العلم (٣)، باب السَّمَر في العلم (٤١) رقم
(١١٦). ومسلم ١٩٦٥/٤، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب قوله { 18 ((لا تأتي مئة سنة وعلى
الأرض نفس منفوسة اليوم)) (٥٣)، رقم (٢١٧ - ٢٥٣٧).
(٧) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٩٠/٤.

٥٩٣
نهاية زمن الصحابة
[نهاية زمن الصحابة]
قال [١٥١ _ ب] السخاوي: (١)/ ونحوه قول شيخنا: وأما الشرط الثاني: ١٨٣
وهو المعاصرة، فيعتبر بمضي مئة سنة وعشر سنين من هجرة النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم [لقوله ونَ﴾](٢)/١٠٥ - ب/ في آخر عمره لأصحابه: ((أَرَأَيْتُكم ليلتّكم
هذه؟ فإنه على رأس مئة سنة منها، لا يبقى على وجه الأرض - ممن هو اليوم
عليها - أحد)) رواه البخاري ومسلم(٣) [من حديث ابن عمر، وزاد مسلم](٤) من
حديث جابر أن ذلك كان قبل موته صلى الله تعالى عليه وسلم بشهر: ((أُقْسِم بالله ما
على وجه الأرض مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليوم تأتي عليها مئة سنة وهي حيّة يومئذٍ))(٥).
قال: ولهذه النكتة لم يصدِّق الأئمةُ أحداً ادَّعى الصحبة بعد الغاية المذكورة،
وقد ادعاها جماعة، فكُذُّبوا وكان آخرهم رَتَن(٦) الهندي، لأن الظاهر كذبهم في
(٢) سقط من المطبوعة.
(١) فتح المغيث ٤ /٩٠.
(٣) مر تخريجه ص ٥٩٢ تعليق رقم (٦). وما بين المعترضتين ليس من لفظ الشيخين.
(٤) سقط من (ج).
(٥) أخرجه مسلم ١٩٦٦/٤، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب قوله: ((لا تأتي مئة سنة وعلى
الأرض نفس منفوسة الیوم» (٥٣)، رقم (٢١٨ - ٢٥٣٨).
ويُشْكِل هنا أن ظاهر الأحاديث يدخل في عمومها الصحابة وغيرهم ممن هم على ظهر الأرض
آنذاك، واستمرت حياتهم بعد المئة - أي غير الصحابة - وعلى هذا العموم ينسب لإِخبار النبي وَل
الكذب، وحاشاه ◌َ من ذلك.
انظر ما ذكره ملا علي القاري فيما سبق ص ٤٤٤ .
وقد حل هذا الإِشكال الإِمام الزركشي حيث قال :... كتحديث: ((لا يبقى على ظهر الأرض ... )).
فإنه سقط على راويه لفظة (منكم). قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وقد جاءت تلك اللفظة في
((مسند الإمام أحمد)» في موضعين ... الموضع الأول: في ٣٠٥/٣ ((عن جابر قال: قال
رسول الله * قبل موته بقليل أو بشهر: ((ما من نفس منفوسة، أو ما منكم من نفس اليوم
منفوسة ... )). الموضع الثاني: ٣٧٩/٣ ((عن جابر بن عبد الله أن النبي _* قال لأصحابه: ما منكم
من نفسٍ منفوسة ... )). انتهى نقلاً عن: لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، للشيخ
عبد الفتاح أبو غدة، ص ١١٨ - ١١٩ بتصرف.
(٦) في هامش (ج) في الميزان (٢ /٤٥) رَتَن الهندي. وما أدراك ما رَتَن! شيخ دجّال بلا ريب، ظهر بعد =

٥٩٤
التابعي
وقد اسْتَشْكَلَ هذا الأخيرَ جماعةٌ مِن حیث إن دعواه ذلك نظیر
دعوى مَنْ قال: أنا عدل. ويحتاج إلى تأمل.
(أو) ينتهي غاية الإسناد
دعواهم. قال السخاوي: قيل فيه دلالة على موت خَضِر عليه السلام، وأجيب
عنه بأن الخَضِر كان حينئذٍ من ساكني البحر، فلم يدخل في العموم. وقيل معنى
الحديث: لا يبقى ممن ترونه أو تعرفونه، فهو عام أريد به الخصوص(١). وقالوا خرج
عنه عيسى عليه السلام مع كونه حياً لأنه في السماء لا في الأرض.
(وقد استَشْكَل هذا الأخير) وهو إخباره عن نفسه بأنه صحابي، (جماعة) أي
من المحدثين، (من حيث إن دعواه ذلك) أي كونه صحابياً، (نظير دعوى من قال:
أنا عدل، ويحتاج) أي جواز مثل هذا الذي يقتضي الدور، (إلى تأمل) أو يحتاج
جواب (٢) هذا الاستشكال (٣) إلى تأمل أي نظر دقيق، وفكر عميق لأنه لا يظهر في
بادىء الرأي .
وأغرب شارح حيث قال: وهذا الاستشكال (٤) غير ظاهر بل يحتاج إلى تأمل.
انتهى. لكن أقول: محل هذا الاستشكال إذا كان المدعي مجهول [١٥٢ - أ]
الحال، وأما إذا كان ظاهر العدالة قَبْل الدعوى فلا إشكال، فكما يُقبل خبر العدل
في روايته، يقبل قوله في ادعاء رؤيته، والله أعلم بحقيقته.
[التابعي]
(أو ينتهي) بالنصب، (غاية الإِسناد) فيه المسامحة السابقة. قال التلميذ: لفظ
= الست مئة فادعى الصحبة، وقد أَلَّفْتُ فيه جزءً. انتهى. وترجم له ابن حجر في الإصابة في القسم
الرابع ٢٢٥/٢.
(١) لمزيد من التفصيل انظر شرح مشكل الآثار ((للطحاوي)) ٣٤٧/١ - ٣٥١.
(٢) في (د) جواز.
(٣) في (د) الاشكال.
(٤) في (ج) الاشكال.

٥٩٥
التابعي
(إلى التابعي، وهو: مَنْ لَقِيَ الصحابي، كذلك) وهذا متعلق باللُّقِيّ
وما ذُكِرَ معه، إلا قيدَ الإِيمان به، وذلك خاص بالنبي ◌َّ،
غاية زائدة كما تقدم (١)، (إلى التابعي(٢)، وهو: مَن لَقِي الصحابيّ كذلك) أي ◌َقي
الصحابي لُقِيّاً مثل اللّقِيّ المذكور، والمعنى أن التابعي هو من لقي الصحابي مؤمناً
بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو تخللت رِدّة في الأصح، ولما كان قوله:
كذلك متعلقاً بقوله : مؤمناً أيضاً، قال:
(وهذا) أي المشار إليه بذلك، (متعلق باللَّقِيّ وما ذكر معه) أي من القيود
المذكورة في تعريف الصحابي، (إلا قيد الإِيمان به) أي بالنبي صلى الله تعالى
عليه وسلم حال لقيه، فلو رأى التابعي - وهو كافر - صحابياً ثم أسلم ومات على
الإِسلام يكون تابعياً، كذا قيل، ويأباه ظاهر قوله:
(وذلك) أي الإِيمان، (خاص بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم،) وحاصل
كلامه: أن لفظ كذلك، لا يراد به التشبيه في اللُّقِيّ فقط، بل في اللُّقِيّ وما ذكر معه
سوى قيد الإِيمان، لأن الإيمان مما يختص به دون غيره لأنه /١٠٦ - أ/ أحد ركني
الإِيمان، فلو أراد المعنى الأول(٣) لقال: / وذلك(٤) أي قيد الإِيمان خاص بالنسبة إلى
الصحابي فتأمل.
١٨٤
وتوضيحه أنه إن أراد أن الإِيمان بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليس
بشرط في التابعي حين ملاقاته للصحابي(٥)، فذلك غير ظاهر، [وإن أراد أن
(١) ص ٥٤٣ وما بعدها.
(٢) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٣٠٢، وارشاد طلاب الحقائق ص ١٩٩، والباعث
الحثيث ص ١٨٦، وقفو الأثر ص ٩١، والخلاصة في أصول الحديث ص ١٢٥، والمنهل الروي
ص ١١٤، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٦٥، وفتح المغيث (للسخاوي)) ١٤٥/٤، وألفية
السيوطي في علم الحديث ص ٢٣٣، وتدريب الراوي ٢٢٤/٢ .
(٣) في (ج) الأولى، وفي (د) بالأول.
(٤) في (ج) كذلك.
(٥) في (د) ملاقاة الصحابي .

٥٩٦
التابعي
وهذا هو المختار خلافاً لمن اشترط في التابعي طول الملازمة،
الإِيمان ليس بشرط، فذلك ظاهر](١) بل لا(٢) يجوز أن يقال ذلك لكن لا يلزم من
اعتبار قوله: مؤمناً به المذكور في تعريف الصحابي أنْ لا اعتبار للإِيمان بالنبي
صلى الله تعالى عليه وسلم في التابعي. هذا، وقال التلميذ: قوله: وذلك خاص،
خصوصية بالعقل لا باللفظ، قلت خصوصية [١٥٢ - ب] باللفظ أيضاً عقلاً ونقلاً.
(وهذا) أي التعريف للتابعي، (هو المختار). قال العراقي(٣): وعليه عمل
الأكثرين. وقد أشار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين بقوله:
((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطُوبَى لمن رأى من رآني)) الحديث(٤)، فاكتفى فيهما
بمجرد الرؤية. قلت: وبه يندرج الإِمام الأعظم في سلك التابعين، فإنه قد رأى
أنس بن مالك، وغيرَه من الصحابة على ما ذكره الشيخ الجزري في ((أسماء رجال
القراء))(٥)، والإِمام التّورِبِشتي في ((تحفة المسترشدين))، وصاحب ((كشف الكشاف)) في
سورة المؤمنين، وصاحب ((مرآة الجنان))(٦)، وغيرهم من العلماء المتبحرين، فمن نفى
أنه تابعي، فإما من التتبع القاصر، أو التعصب الفاتر(٧).
(خلافاً لمن اشترط في التابعي طول الملازمة،) أي الغالبة منها السماع
كالخطيب، فإنه قال: التابعي من صحب الصحابي. قال ابن الصلاح(٨): ومطلقه
مخصوص(٩) بالتابعي بإحسان. انتهى. والظاهر منه طول الملازمة، إذ الاتِّباع
بإحسان لا یکون بدونه.
(١) سقط من (ج).
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٦٥.
(٤) مر تخريجه ص ٥٧٩ تعليق رقم (٤).
(٥) غاية النهاية في طبقات القراء ٣٤٢/٢ .
(٦) مرآة الجنان ٣٠٩/١ - ٣١٠.
(٧) وانظر ما سيأتي ص ٦٢٠ تعليق رقم (٢).
(٨) علوم الحديث ص ٣٠٢.
(٩) في (ج) مخصوصة.

٥٩٧
المُخَضْرَمُون
أو صحبة السماع، أو التمييز.
وبقي بين الصحابة والتابعين طبقة
(أو صحبة السماع،) أي صحبة مصحوبة بالسماع، فلو صَحِبَهُ ولم يسمع منه
الحديث لا يكون تابعياً، وتَصحّف الصحبة بالصحة على شارح فقال: كابن حبان
فإنه اشترط أن يكون رآه في سن من يحفظ عنه، فإن كان صغيراً لم يحفظ عنه،
فلا عبرة لرؤيته كخلف بن خليفة، فإنه عدّه(١) في أتباع التابعين، وإن كان رأى
عمرو بن حُرَيث لكونه صغيراً. انتهى. ومحل هذا الكلام كله بعد قوله:
(أو التمييز) أي سِن التمييز [وهو](٢): الأربعة أو الخمسة مما قيل فيه: إنه أقل
سِنِي صحة السماع، وأما قول الشارح: أن يكون من المتميزين الذين تصح نسبة
الرؤية إليهم، فغير ظاهر. [١٥٣ - أ].
هذا، والمفهوم من كلام العراقي (٣) أن المخالف للجمهور اثنان حيث قال في
المتن :
والتَّابِعُ(٤) اللَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبًا وللخَطِيبِ حَدَّهُ: أنْ يَصْحَبَا
وقال في الشرح: التابعي من رأى الصحابي، لكن ابن حِبَّان
يشترط /١٠٦ - ب / أن يكون رآه في سن مَن يحفظ عنه إلى آخر ما ذكرناه سابقاً،
فعلى هذا مآل صحبة(٥) السماع والتمييز واحد، ولم يُفْهَم منه شرط صحبة(٥)
السماع، بل مطلقه ومطلق التمييز أيضاً، فتأمل.
[المُخَضْرَمُون]
(وبقي بين الصحابة والتابعين طبقة) أي جماعة متفقة في عصر واحد من
(١) في المطبوعة: لم يعده. وهو خطأ.
(٢) سقط من (ج).
(٣) فتح المغيث ص ٣٦٥.
(٤) في المطبوعة، و(د): التابعي، وما أثبتناه من (ج) وفتح المغيث (للعراقي)) ص ٣٦٥، وفتح المغيث
«للسخاوي)) ١٤٣/٤.
(٥) في (ج) صحة.

٥٩٨
المُخْضَرَمُون
اختُلِف في إلحاقهم بأيِّ القسمين، وهم المُخَضْرَمُون الذين أدركوا
الجاهلية والإسلام،
المسلمين، (اختُلِف) أي اختلف علماء أسماء الرجال (في إلحاقهم بأي القسمين)
١٨٥ أي قسمي الصحابة والتابعين، يعني بذكرهم مع هؤلاء/، (وهم):
(المخضرمون)(١) بالخاء والضاد المعجمتين، وفتح الراء على أنه اسم
مفعول من خُضْرِم عما أدركه أي قُطِع، وقيل: بكسر الراء من خضرم آذان الإِبل
قطعها، كما حكى الحاكم (٢) عن بعض مشايخه، وذلك أن أهل الجاهلية ممن
أسلم كانوا يُخَضْرِمون آذان الإِبل ليكون علامة الإِسلامهم إن أُغير عليهم، أو
حوربوا. قال السخاوي(٣): وهذا محتمل للكسر من أجل أنهم خضرموا آذان
الإِبل، وللفتح من أجل أنهم خضرموا أي قطعوا عن نظائرهم، أي من المسلمين
حيث عاصروا الصحابة، ولم يحصل لهم رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
واقتصر ابن خَلِّكَان على کسر الراء لكن مع إهمال الحاء، وأغرب في ذلك،
ونصه: قد سُمِع: مُحَضْرِم، بالحاء المهملة وكسر الراء. انتهى.
(الذين أدركوا الجاهلية) صغاراً [كانوا](٤) أو كباراً في حياة رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم. والجاهلية ما قبل البعثة، سُمُّوا بذلك لكثرة جهالتهم،
وقيل: ما قبل فتح مكة لزوال أمر الجاهلية حين خطب رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم يوم الفتح وأبطل أمور الجاهلية، إلا ما كان من [١٥٣ - ب] سقاية
الحاج، وسدانة الكعبة. (والإِسلام) أي في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، أو
بعده. وخصَّهم ابن قُتَيَّة بمن أدرك الإِسلام في الكِبَر ثم أسلم بعد النبي عليه
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر التعليق رقم (٢) ص ٥٩٥.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ٤٥ .
(٣) فتح المغيث (للسخاوي)) ١٥٧/٤.
(٤) سقط من المطبوعة .

٥٩٩
المُخَضْرَمُون
ولم يَرَوا النبي عليه الصلاة والسلام.
الصلاة والسلام كجُبير بن نُفَير، فإنه أسلم وهو بالغ في خلافة أبي بكر رضي الله
تعالى عنه، وبعضهم بمَن أسلم في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم كزيد بن
وَهْبٍ، فإنه رَحَل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقُبض النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم وهو في الطريق، وكذا وقع لقيس بن أبي حازم، وأبي مسلم الخَوْلاني،
وأبي عبد الله الصُّنَابِجِي، مات النبي عليه الصلاة والسلام قبل قدومهم بليال،
وأقرب من هؤلاء سُوَيد بن غَفَلَة قَدِم حين نُفِضَت الأيدي من دفنه صلى الله تعالى
عليه وسلم على الأصح في الأخيرين. ذكره السخاوي(١).
(ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام) أو رأوه لكن قبل الإِسلام، وقد عد
المُخَضْرَمين مسلم عشرين نفساً، قال النووي: وهم أكثر. هذا، ولا يخفى أن
المخضرمين من التابعين / ١٠٧ - أ/ وليسوا من الصحابة قطعاً لأنهم لم يروه،
فقوله: ((بينهما طبقة)) باعتبار العصر والزمان لا باختلاف الرتبة(٢) والشان، فالذي
ألحقهم بالصحابة نَظَر إلى أنهم كانوا في عصرهم، ومدار الطبقة عليه، والذي
ألحقهم بالتابعين نظر إلى أنهم في رتبتهم، وإن كانوا متقدمين على طبقتهم.
وأما قول محشٍ : كون المخضرمين بين الصحابي والتابعي(٣) إنما هو عند
القوم نظراً [إلى اختلافهم في تفسير الصحابة والتابعين، وأما بالنظر](٤) إلى تعريف
الشيخ لهما، فهم من التابعين، فمردود لما عرفت [أن](٥) الاختلاف في اشتراط
رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم للصحابي وإنما الاختلاف في اشتراط طول
الملازمة، وحضور المقاتلة، ولذا قيل: إن اشتقاق المخضرمين / من قولهم: لَحْمٌ ١٨٦
مُخَضْرَم [١٥٤ - أ] لا يُدْرَى ذكر أو أنثى، لترددهم بين الطبقتين أي الصحابة
(١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ١٦٠/٤ - ١٦١ .
(٢) في (ج) و(د) المرتبة .
(٣) في المطبوعة: التابعين.
(٤) سقط من (د).
(٥) سقط من المطبوعة.

٦٠٠
المُخَضْرَمُون
فَعَدَّهم ابن عَبْدِ البَرّ في الصحابة، وادّعى عِيَاض وغيرُه أنّ
ابن عبد البَرّ يقول: إنهم صحابة. وفيه نظر، لأنه أفصح في خُطبة
کتابه بأنه إنما أوردهم
المعاصرة، وبين التابعين لعدم الرؤية .
إذا عرفت ذلك (فَعدَّهم) أي ذكرهم (ابن عبد البَرّ في الصحابة) أي في طبقتهم،
وفي أثناء ترجمتهم مع أنهم ليسوا منهم، ولما كانت عبارة المصنف مُوهِمَة قال تلميذه:
الأولى أنْ يقول: فعَدّهم معهم لما سيأتي (١) من أنه لم يَعُدَّهم منهم. انتهى. وفيه أنه
لا فرق في الإِیهام بین عَدِّهم فیھم، وبین عدهم معهم كما لا يخفى.
(وادعى عِيَاضٌ وغيره أنّ ابن عبد البرّ يقول: إنهم صحابة) لأنه لمّا عدهم
[فيما بين الصحابة](٢) توهّموا منه أنه جعلهم صحابة.
(وفيه) أي في ادعائه(٣) (نَظَر) قال تلميذه: لقائل أن يقول: أنت صرّحت بأنه
عدهم فيهم، فما ورد على عياض فهو واردٌ على ظاهر عبارتك، فكان الأولى ما
قلنا. انتهى. وقلنا: إنّ ما قلتَ مثل عبارة المصنف، وإن [كلاً](٤) منهما يُوهِم
خلاف المقصود، ولكنّ الظاهرَ [مِن](٥) عدِّهِم فيهم أو معهم المغايرةُ بينهم، فأين
هذا التوهُّم الناشىء من العبارة مِن ادعاء عياضٍ صراحةً كونَهم من الصحابة حتى يَرِدَ
[على](٢) عبارة المصنف [ما](٥) يرد على ادعاء عياض؟
(لأنه) أي ابن عبد البرّ، (أفصحَ) أي صرّح وأوضح، (في خطبة كتابه)(٦) أي
معتذراً عن ذلك، (بأنه إنما أوردهم) أي المُخَضْرَمين في طبقة الصحابة، وذكرهم
(١) ص ٦٠١ حيث قال: والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين.
(٢) سقط من(ج).
(٣) في (د) آدائه.
(٤) سقط من (د).
(٥) سقط من المطبوعة .
(٦) الاستيعاب ١٠/١ - ١١.