Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ البدعة ورواية المبتدعة ونحوه قول ابن الصلاح فيمن جُرِح بجَرْحٍ غير مُفَسَّر . (ثم البِدْعَة): وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي، وهي (إمّا) أن تكون (بمُكَفِّر) (ونحوه) مبتدأ أي نحو القول بالوقف، (قول ابن الصلاح(١) فيمن جُرِح بجَرح غيرِ مفسَّر) أي غير معيَّن ومبيَّن، بأن لم يذكر سببه، بل اقتصر فيه على مجرد فلان ضعيف، أو نحوه، وأنت خبير بأن هذا إنما يكون فيما يبنى على اليقين لا على الظن الغالب، وهذا مما يبنى على الظن كما مر. [البدعة ورواية المُبْتَدِعَةِ] (ثم البدعة، وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي وهي) أي البدعة، (إما (٢) أن تكون بمكفّر) ضبط بالتشديد أي بما ينسب صاحبه إلى الكفر، وفي / ((تحقيق(٣) الحسامي)): قولهم: يُكْفَر جاحده، بإسكان الكاف أي ينسب إلى الكفر، مِن أكفره إذا دعاه كفراً، ومنه ((لا تُكْفِرُوا أهل قِبلتكم)) (٤)، وأما بالتشديد، فغير ثابت رواية، وإن كان جائزاً لغة، قال الكُمَيْت(٥) يخاطب رسول الله صلى الله تعالی علیه وسلم، وأهل بيته: ١٥٥ وطائفةٌ قالوا: مسیءٌ ومذنبٌ وطائفةٌ قد أكفروني بحبكم ومالي إلَّ مَشْعَبَ الحق مَشْعَبُ ومالي إلا آلَ أحمدَ(٦) شيعةٌ (١) علوم الحديث ص ١٠٨ - ١٠٩. (٢) سقط من (ج). (٣) في (د) تحقق. (٤) أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ٤٠٣/٣، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سمعت رسول الله 8# يقول: لا تكفروا أحداً من أهل قبلتكم ... )). (٥) هو الكميت بن معروف بن الكميت بن ثعلبة بن نوفل الأسدي، من بني جحوان بن فقعس: شاعر مخضرم عاش أكثر حياته في الإسلام، يكنى أبا أيوب، توفي سنة ٦٠ هـ. الاعلام ٢٣٣/٥. (٦) في (د) محمد. ١ ٥٢٢ البدعة ورواية المبتدعة كأن يعتقد ما يستلزم الكفر (أو بمُفَسِّق، فالأول لا يَقْبَلُ صاحبَهَا الجمهور). كذا في ((المُغْرِب))(١). (كأن يعتقد ما يستلزم الكفر) وهو بظاهره أعم مما اتُّفِق على التكفير بها، كالقول بحلول الإلهية في علي ونحوه، أو اختلف في التكفير بها [١٢٧ - أ] كالقول بخلق القرآن، قال التلميذ: في التكفير باللازم كلام لأهل العلم، وقد قال الشيخ محي الدين في ((التقريب والتيسير))(٢): مَن كُفِّر ببدعة، لم يُحْتَجَّ به بالاتفاق، ومَن لم يكفَر قيل: لا يحتج به مطلقاً، وقيل يحتج به إن لم يكن ممّن يستحلّ الكذب في نصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه، وحُكي هذا [عن](٣) الشافعي، وقيل: يُحتج به إن لم يكن داعية [إلى بدعته](٤)، ولا يُحتج به إن كان داعية، وهذا هو الأظهر الأعدل(٥)، وقول الكثير أو الأكثر. وضُعِّف الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين(٦)، وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة. (أو بمفسق) أراد بالفسق غير الكفر بقرينة المقابلة، وإلا فالفسق أعم، والمعنى أن بدعته تنسبه إلى الفسق، وهو الخروج عن الطاعة بالاعتقاد الفاسد. (فالأول،) وهو مَن تقتضي بدعته التكفير، (لا يَقْبَلُ صاحبَها الجمهورُ) قَدَّمَ المفعول اهتماماً بشأنه، إذ المقصود عدم مقبوليته مِن أيِّ شخص كان. (١) المُغرِب في ترتيب المُعرِب ٢٢٥/٢. ذكر فيه البيت الأول فقط، وانظر البيت الثاني في لسان العرب ٥٠٢/١، مادة (شعب). ومَشْعَبُ الحقّ: طريقه المفرِّقُ بينه وبين الباطل. (٢) التقريب ص ١٣، والتدريب ٣٢٤/١. (٣) سقط من (ج). (٤) سقط من المطبوعة. وفي (د) إلى بدعة. (٥) في (ج) و(د) العدل. (٦) في (ج) و(د) والمطبوعة: الصحيح، وما أثبتناه من التقريب ص ١٣، والتدريب ٣٢٤/١. ٥٢٣ البدعة ورواية المبتدعة وقيل: يُقْبل مطلقاً. وقيل: إن كان لا يعتقد حِلَّ الكذب لنُصْرَة مقالته قُبِل. والتحقيق أنه لا يُرَدّ كُلِ مُكَفَّر ببدعة؛ لأنَّ كل طائفة تدَّعي أنَّ مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أَخِذَ ذلك على الإِطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، (وقيل: يقبل) بصيغة المفعول، (مطلقاً) أي سواء اعتقد حِلّ الكذب لنصرته [أوْلا، وكان](١) الأولى تأخير هذا القول عن قوله: (وقيل: إن كان لا يعتقد حلّ الكذب لنصرة مقالته)/ ٩٠ - أ/ أي الاعتقادية في مذهبه، (قُبِل) يعني وإن استحلّه كالخطّابية لم يقبل، وهم قوم ينسبون إلى أبي الخطّاب، وهو رجل كان بالكوفة يعتقد أنّ علياً الإِلهُ الأكبر، وجعفر الصادق الإِلهُ الأصغر، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً، وأخذه الله نكال الآخرة والأولى، كذا في ((مشكلات القُدُورِي)). هذا، ولم يحكِ ابن الصلاح(٢) فيه خلافاً، وصرّح بعدم الخلاف النووي (٣) وغيره، والخطيب يحكي الخلاف عن جماعة من أهل العقل، والمتكلمين. قال الجزري: لا تقبل رواية المبتدع ببدعة مكفرة بالاتفاق، وأما المبتدع [١٢٧ - ب] بغيرها، ففيه ثلاثة، أقوال. انتهى. وهو الصحيح . (والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مُكَفَّر ببدعة، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك) أي الرد، (على الإطلاق) بأن يراد (٤) كل ما يكفر، (لاستلزم(٥) تكفير جميع الطوائف) وفيه أنه لا يلزم ذلك إلا (١) سقط من المطبوعة . (٢) علوم الحدث ص ١١٤ - ١١٥، ولكن ابن الصلاح قال: اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا یکفر ببدعته. (٣) التقريب للنووي ص ١٣ وتدريب الراوي ٣٢٤/١. والنووي لم يصرح بعدم الخلاف إلا في صاحب البدعة المكفرة! (٤) في (د) يرد. (٥) في (د) و(ج) لا يستلزم. ٥٢٤ البدعة ورواية المبتدعة فالمعتمد أنَّ الذي تُرَدّ روايته مَنْ أنكر أمراً متواتراً مِن الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، في وقت المبالغة، فهذا أيضاً ليس على الإِطلاق. وقال شارح: وأنت خبير بأن المعتبر ما هو في نفس الأمر من البدعة المكفرة، لا عند المخالف(١)، فلا يلزم تكفير أهل الحق، ولا ردّ روايتهم. ١٥٦ انتهى. والأصوب أنْ/ يقول: لا يستلزم(٢) ردّ جميع الطوائف، إذ هو المترتب على أخذ الرد على الإطلاق لا ما ذكره، وأيضاً هو المقصود من سَوق الكلام وحينئذ، لا يترتب محذور، ولا يتأتى محظور، فلا يقبل قول جميع المبتدعة، كما لا يقبل خبر الفسقة، بل هم أولى بعدم القَبول، لأن فسقهم أقبح، وتعصبهم(٣) أوضح . (فالمعتمد) أي فالقول المعتمد، (أن الذي تُرَدّ روايته، مَن أنكر) أي الرد القطعي الذي موجبه البدعة، ليس إلا لمن أنكر (أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة) أي مما يعلم بطريق اليقين، لاشتهاره بكونه من الدين، كالصلوات الخمس، والحج، لأنه يعلم ببديهة العقل، كما تقرر في علم الكلام. وإنما قيدنا الرد بالقيود المتقدمة، لأن الرد ليس بمنحصر(٤) فيما ذكر، وقولنا: القطعي(٥)، إشارة إلى أنَّ مَن لم ينكر ما تواتر من الشرع - إذا لم يكن ضابطاً ورعاً - يردّ أيضاً، كما يدل عليه قوله الآتي: فأما من لم يكن ... إلخ. (وكذا من اعتقد عكسه) أي مَن لم يكتف بمجرد الإِنكار بل اعتقد عكسه، (١) في (د) المخالفة. (٢) في (د) لا يلزم، وفي المطبوعة: لاستلزم. (٣) في (د) ومعصيتهم. (٤) في (ج) و(د) منحصراً. (٥) في (ج) القطع. ٥٢٥ البدعة ورواية المبتدعة فأما مَنْ لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قَبُوله. (والثاني) وهو مَنْ لا تقتضي بدعتُهُ التكفير أصلاً، وقد اخْتُلِف أيضاً في قبوله ورده. فإنه أولى بالرد(١) كما لا يخفى، وأما قول محشٍ: فإن الإِنكار المذكور، والاعتقاد المذكور، متلازمان لأن إنكار أمر [١٢٨ - أ] يستلزم اعتقاد نقيضه، وبالعكس، فممنوع، إذ يحتمل التوقف والتفصيل، والاعتقادُ الثالث خارج عنهما. (فأما من لم يكن بهذه الصفة) أي المذكورة من البدعة التي تَرُدُّ روايته لإِنكاره المعلوم من الدين بالضرورة. (وانضم إلى ذلك)/ ٩٠ - ب/ أي ما ذكر من عدم الرد، (ضبطُه لما يرويه مع ورعه)(٢) الأولى ترك ذكر ورعه، فإنه لا يشترط في القَبول، فيحمل عبارته على العطف التفسيري . (وتقواه، فلا مانع من قبوله) أي مع مجرد كونه من أهل البدع، وفيه أنه فسر التقوى في بيان تعريف الصحيح (٣)، بالاجتناب من الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة، فلا يجتمع التقوى مع الكفر والبدعة. ويمكن أن يكون المراد(٤) بالتقوى المعنى العرفي منه، أي الاجتناب عن الأفعال السيئة الظاهرة، ولا منافاة بينه وبين البدعة في الاعتقاد، أو يقال: المراد بالتقوى ما عدا البدعة، بقرينة السياق، فإن الكلام في البدعة (٥) . (والثاني وهو) أي صاحبه، (من لا تقتضي بدعته التكفير أصلاً) أي لا اتفاقاً ولا اختلافاً، (وقد اختُلِف أيضاً في قَبوله ورده) أي على ثلاثة أقاويل. (١) عبارة (ج) بالرد أولى. (٢) في المطبوعة والمحمودية: ورعه وتقواه. (٤) عبارة (د) یمکن أن يراد. (٣) انظر تعريف ابن حجر للتقوى ص ٢٤٨ . (٥) في (د) والمطبوعة: المبتدعة. ٥٢٦ البدعة ورواية المبتدعة فقيل: يُرَدُّ مطلقاً، وهو بعيد، وأكثر ما عُلِّل به أنّ في الرواية عنه ترويجاً لأمره، وتنويهاً بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يُرْوَى عن مبتدع شيءٌ يشاركه فیه غيرُ مبتدع . (فقيل: يُرَدُّ مطلقاً) أي سواء كان داعياً إلى بدعته أوْ لا، وسواء كان معتقداً حل الكذب لنصرة مقالته أم لا. وهذا القول محكي عن مالك وغيره، لأنه فاسق ببدعته. واتفقوا على رد الفاسق بغير تأويل، فيلحق به المتأوّل إذ لا ينفعه التأويل. (وهو بعيد) قال ابن الصلاح(١): وهو بعيد مباعد(٢) للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحةٌ بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة. وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول. انتهى. ولا يبعد عدم اطلاع المحدثين على بدعتهم وهم معذورون في ذلك لخفاء ما في [١٢٨ - ب] الباطن من اعتقاد ١٥٧ السوء، والحكم بالظاهر من ملازمة التقوى. / (وأكثر ما عُلِّلَ به) أي أكثر ما يقال في تعليله والاستدلالِ عليه، (أن في الرواية عنه) أي عن المبتدع، (ترويجاً لأمره وتنويهاً) أي تفخيماً (بذكره) أي وهو واجب الإِهانة، واعتُرض عليه بأن هذا دليلٌ واحد، فما معنى كثرته فضلاً عن أكثريته؟! وأجيب بأن أكثريته باعتبار كثرة المستدلين، وكثرة استدلالاتهم(٣) وتلفظهم فيما بينهم، فلو قال : - بدل قوله: أكثر - أقوى، لكان أولى (وعلى هذا) إشارة إلى الاعتراض على ما علل. «فينبغي أن لا يُروى عن مبتدع شيء يشاركه فیه غیر مبتدع) وفيه أن هذا قد يجوز لأجل التقوية كما في التوابع والشواهد، ولعل ما وقع في الصحيحين وغيرهما من هذا القبيل، بخلاف غيره. (١) علوم الحديث ص ١١٥ . (٢) في (د) متباعد. (٣) في (د) استدلالهم. ٥٢٧ البدعة ورواية المبتدعة وقيل: تُقْبَل مطلقاً، إلا إنْ اعتقد حِلَّ الكذب، كما تقدم. وحاصله: أن المراد بالترويج والتنويه فيما إذا لم يشاركه غير مبتدع أكثر وأشد مما إذا شاركه، وهذه المرتبة من الترويج والتنويه قبيح ينبغي أن لا يفعل، لا(١) مطلق الترويج والتنويه قبيح، وهي المراد في الدليل. / ٩١ - أ/ (وقيل تقبل مطلقاً) أي سواء كان داعياً أم لا، لكن بشرط أن يكون متقياً، لأن تدينه وصدق لهجته الذي عليه مدار الرواية يمنعه عن الكذب. (إلا إن) وفي نسخة: إذا (اعتقد حِلّ الكذب كما تقدم)(٢) أي فحينئذ لا يقبل، وهو ظاهر، لأن حِلّ الكذب ينافي قبول الرواية، وعزاه بعضهم إلى الإِمام الشافعي (٣) لقوله: أقبل شهادة [أهل](٤) الأهواء إلا الخَطَّابِيَّة، لأنهم يَرَوْن الشهادة بالزور لموافقيهم(٥)، وفيه أنه إذا اعتقد حل الكذب صار كافراً، والمفروض [أن](٦) بدعته ليس مما يقتضي الكفر. هذا، وقال الحافظ السيوطي في ((الدراية شرح النقاية): إن المبتدع إنْ كُفِر [١٢٩ - أ] فواضح أن لا يقبل، وإن لم يُكْفَر قُبِل، وإلا لأدّى إلى رد كثير من أحاديث الأحكام مما رواه الشيعة والقَدَرِيَّة وغيرهم، وفي الصحيحين من روايتهم ما لا يحصى، ولأن بدعتهم مقرونةً بالتأويل مع ما هم عليه من الديانة والصيانة، والتحرز عن الخيانة، نعم، سابّ الشيخين والرافضةُ لا يُقبَلون كما جزم به الذهبي (١) في (د) لأن. (٢) ص ٥٢٣. (٣) انظر علوم الحديث ص ١١٤ . (٤) سقط من (ج) والمطبوعة . (٥) في (ج) لموافقهم. (٦) سقط من (ج). ٥٢٨ البدعة ورواية المبتدعة وقيل: (يُقْبَلُ مَنْ لم يَكُنْ داعيةً) إلى بدعته؛ في أول الميزان(١)، قال: مع أنه لا يعرف منهم صادق بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دِئَارُهُم. (وقيل: يقبل مَن لم يكن داعية) أي داعياً (إلى بدعته) والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، لأنه جُعِل (٢) فيما بينهم اسماً لمن يدعو إلى بدعته، وتعديته بـ: ((إلى))، باعتبار معناه الأصلي، وقيل: يمكن أن تكون التاء للمبالغة، والمراد المعنى الوصفي وحينئذ لا إشكال في تعلق إلى، لكن يرد عليه أن ذلك مخصوص بصيغة المبالغة مثل عَلَّامة. ويمكن أن يقال: إن الداعية مصدر كالطاغية، وإنّ المبالغة مستفادة من - (١) قال الإِمام الذهبي في ميزان الاعتدال ٥/١ - ٦ في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته، وقد وثّقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي وقال: كان غاليا في التشيع، وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحَدُّ الثقة العدالةُ والإِتقان؟ فكيف يكون عدلاً مَن هو صاحب بدعة؟ وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والوَرَع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوِّ فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك؛ فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضاً فما أَسْتَحْضِرُ الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً، ولا مأموناً؛ بل الكذب شعارهم، والتقية دثارهم، فكيف يُقبل نقلُ من هذا حاله! حاشا وكلاً. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم هو مَن تكلُّم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً رضي الله عنه، وتعرض لسبّهم. والغالي في زماننا [أي زمان الذهبي] وعرفنا هو الذي يكفِّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضاً فهذا ضالٌّ مُعَثَّر. انتهى كلام الذهبي. وقد نقلنا الكلام بطوله لارتباطه بالبحث وزيادة في الفائدة. (٢) في المطبوعة: لأن جعله. ٥٢٩ البدعة ورواية المبتدعة لأنّ تزيينَ بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، الحمل كرجل عدل، مع زيادة [تاء](١) الداعية(٢) إلى ذلك، وإنما قيد بالمبالغة لأن كل صاحب بدعة يدعو بلسان الحال إلى بدعته. والمراد هنا مَنْ يُظهِره بلسان القال(٣) فهو مبالغ بالنسبة إلى غيره. (لأن) هذا تعليل لما يتضمنه الكلام المذكور من أنه لا يقبل من كان داعية؛ / لأن (تزيين بدعته) ورغبته في اتباع الناس لأهويته، (قد يحمله) أي ١٥٨ يبعثه (على تحريف الروايات) أي في اللفظ، (وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه) أي في المعنى، وقد ورد: ((حُبُّكَ الشيء يُعمِي ويُصِمّ)» (٤) وفيه: أنه إنما يفيد التعليل المذكور عدم قبول من كان داعية إذا روى ما يقوي مذهَبه، والمقصود أنه مردود مطلقاً، وإلا، فغير الداعية من المبتدعة إذا [١٢٩ - ب] روی ما يقوِّي مذهبه يرد، كما سيذكره بعيد ذلك، ولو أريد بما يقتضي مذهبه/٩١ - ب/ما لا ينافيه لا يدفع(٥) الشبهة . (١) سقط من المطبوعة . (٢) في (ج) داعية. (٣) في (د) المقال. (٤) أخرجه أبو داود في سننه ٣٤٦/٥ - ٣٤٧، كتاب الأدب (٤٠)، باب في الهوى (١١٥ - ١١٦)، رقم (٥١٣٠). وأحمد في مسنده ٦/ ٤٥٠ بلفظ: ((يصم ويعمي)) [وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم، ضعيف انظر تقريب التهذيب ص ٦٢٣]. قال مُلّ علي في الأسرار ص ١٨٨: فالحديث إما صحيح لذاته أو لغيره، فيرتقي عن درجة الحسن لذاته لكثرة رواته، وقوة صفاته. وقال العراقي: في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١٥٥٥/٤، إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب إنما سُرق له حلي فأنكر عقله، وقال الحافظ ابن حجر تبعاً للعراقي: ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، ولا شديد الضعف فهو حسن. انتهى. كشف الخفاء ص ٣٤٣/١. وقال المناوي: لا نسلُّم ضعفه بل هو حسن. فيض القدير ٣٧٣/٣ . (٥) في (٥) والمطبوعة: لا ندفع. ٥٣٠ البدعة ورواية المبتدعة وهذا (في الأصح). وأَغْرَبَ ابن حِبَّان فادَّعَى الاتفاق على قَبُول غيرِ الداعية مِنْ غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية (إلا إِنْ رَوَى ما يقوِّي بدعتَه، فيُرَدُّ على المذهب المختار، (وهذا) أي القول الأخير في الشرح، وهو المذكور في المتن لا غير(١) (في الأصح). قال ابن الصلاح(٢): وهذا المذهب أعدل المذاهب وأولاها، وهو قول الأكثر من العلماء. وقال الجزري: قيل إن كان داعية لمذهبه لم يقبل [وإلا قبل](٣)، وهذا الذي عليه الأكثر وهو المختار، ونقل ابن حِبَّان(٤) اتفاقَهم عليه. (وأغرب ابن حِبَّان) أي أتى بقول غريب، (فادّعى الاتفاق على قبول غير الداعية). قال محشٍ: وهذا الكلام متعلق بما قبله وما بعده، فإنّ معنى قوله: (من غير تفصيل) بين أن يكون داعياً أم لا، وبين أن يكون راويا لما يقوي(٥) مذهبه أوْلا . انتهى. وهو غير صحيح لما تقدم عنه من نقل الجزري، فالصواب أن معنى قوله: من غير تفصيل : بين ما يقوي بدعته، وما لا يقوي. (نعم، الأكثر على قبول غير الداعي) أي مطلقاً فيحمل اتفاقُهم في قوله، على اتفاق الأكثر. (إلا إن رَوَى) أي من لم يكن داعية، نظراً إلى المتن، أو غير الداعي، نظراً إلى الشرح ومآلهما واحد، (ما يقوِّي) بالتشديد أي يؤيد (بدعته، فَيُرَدُّ) أي حينئذ (على المذهب المختار). قال ابن حبان(٤) في ترجمة جعفر بن سليمان الضَّبَعي من ثقاته: ليس بين (١) عبارة (ج) والمطبوعة: لا غير في المتن. (٢) علوم الحديث ص ١١٤ - ١١٥ . (٣) سقط من المطبوعة . (٤) في ثقاته ١٤٠/٦ -١٤١. (٥) في (ج): يقول. ٥٣١ البدعة ورواية المبتدعة وبه صرح) الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب (الجُوزَ جَانِيُّ شيخ) أبي داود، و (النَّسَائِيّ) في كتابه ((معرفة الرجال))، فقال في وصف الرواة: فمنهم زائغ عن الحق - أي عن السُّنَّة - أهل الحديث مِن أئمتنا خلافٌ أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دَعَى إليها سقط الاحتجاج بأخباره. وليس صريحاً في الاتفاق لا مطلقاً، ولا بخصوص(١) الشافعية، ولكنّ الذي اقتصر عليه ابن الصلاح(٢) في العزو له الشق الثاني، فقال: قال ابن حبان: الداعية إلى البدع، لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه اختلافاً، على أنه محتمل أيضاً لإِرادة الشافعية على [١٣٠ - أ] ما ذكره السخاوي(٣). (وبه) أي بهذا المذهب المختار، (صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَاني) بضم جيم، وسكون واو، وفتح زاي، (شيخ أبي داود والنَّسَائِي) والأولى إلحاق أبي داود في الشرح بعد تمام المتن، ولعله قُدِّم لتقدم رتبته (في كتابه) أي الجُوزَجَاني، وفي نسخة في كتاب ((معرفة الرجال))) قال محشٍ اسم كتاب. انتهى. وهو أنه يحتمل الجر على البدلية، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والنصب، بتقدير أعني، أو يعني، وهو يؤيد نسخة في كتابه بالإِضافة إلى / الضمير. ١٥٩ (فقال في وصف الرواة (٤): فمنهم) أي الرواة غير الكفرة والداعية (زائغ) أي مبتدع مائل (عن الحق - أي عن السنة(٥) -) أي عن الحق المفهوم من السنة، وإنما (١) في (ج): الخصوص. (٢) علوم الحديث ص ١١٥ . (٣) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٦٥/٢. (٤) في (ج) الرواية . (٥) قوله: أي عن السنة، ليست من كلام الجُوزَجاني. انظر فتح المغيث ((للسخاوي)). ٦٦/٢. ٥٣٢ البدعة ورواية المبتدعة صادقُ اللهجة، فليس فيه حِيلة إلا أنْ يُؤْخَذَ مِن حديثه ما لا يكون منكَراً إذا لم يُقَوِّ به بدعته. انتهى. وما قاله مُتَّجِه لأن العلَّةَ التي بها يُرَدُّ حديث الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المرويِّ يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية، والله سبحانه أعلم. قيده بها لأن أكثر زيغهم لأجل عدولهم عن السنة المُبَيِّنَةِ لما في الكتاب. (صادق اللّهجة) أي اللسان أو الكلام، والمراد بها/٩٢ - أ/ الرواية. قال السخاوي(١): قد جرى في الناس حديثه لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته. (فليس فيه) أي في حقه وفي شأن روايته إذا كان عدلاً، (حيلة) أو ليس في دفعه علاج، (إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكراً) وقد تقدم تعريفه» (إذا لم يقوِّ) أي لم يؤيد (به) أي بنقله (بدعته) وأما إذا كان يقويها به فلا، لأنا لا نأمن عليه من غلبة الهوى. (انتهى). قال التلميذ: ظاهر هذا قبول رواية المبتدع إذا كان ورعا فيما عدا البدعة، ضابطاً صادقاً(٣) سواء كان داعية أو غير داعية، إلا فيما يتعلق ببدعته . (وما قاله) أي الجُوزَجَاني، (مُتَّجِهٌ) بتشديد الفوقية، أي حسن متوجه مقبول، (لأن العلة التي بها يُرَدّ حديث الداعية) وهي أنّ تزيين بدعته يحملُه على تحريف الروايات، وتسويتها على ما يقتضي مذهبه، (واردةٌ فيما إذا كان ظاهر المروي [١٣٠ - ب] يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله سبحانه أعلم). (١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٦٦/٢ حيث قال نقلاً عن الجُوزَجاني: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء، ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف، وليس بمنكر إذا لم يقوِّ بدعتهم فيتهمون بذلك. (٢) ص ٤٥٤. (٣) في (ج) صادقاً ضابطاً. ٥٣٣ سوء الحفظ (ثم سُوءُ الحِفْظِ) وهو السببُ العاشر من أسباب الطعن، والمراد به مَنْ لم يَرْجُحْ جانب إصابته على جانب خطئه، [سوء الحفظ] (ثم سوء الحفظ، وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به) أي بسوء الحفظ، (مَن) وفي نسخة: ما، فالضمير في ((به)) راجع إلى سوء الحفظ، (لم يَرْجُحْ) بتثليث الجيم [أي لم يغلب](١) (جانب إصابته على جانب خطئه). قال محشٍ : هذا تكرير لما سبق من قوله: وهي عبارة عن أن لا يكون غلطه أقلَ من صوابه. انتهى. يعني بل يكون غلطه أكثر أو مساوياً لصوابه، وإنما أعاده مع تفننه في العبارة لطول الفصل. قال التلميذ: هذا ينافي ما تقدم(٢) من قوله: أو سوء حفظه، وهي عبارة عمن يكون غلطه أقلَّ من إصابته، وقد أصلحته بلفظ: نحواً من إصابته، والله سبحانه أعلم. وقال المصنف: وفهم (٣) مِن ((مَن لم يَرْجُحْ)) إما بأن يرجح جانب خطئه أو استويا. قلت: وهذا يؤيد أن قوله فيما تقدم في حده سوء الحفظ: وهي عبارة عمن يكون(٤) خطؤه(٥) كإصابته، من النسخ الصحيحة، بخلاف أقل من إصابته فإنها مخالفة لما هنا، وليست بصحيحة من جهة المعنى؛ لأن الإِنسان ليس بمعصوم من الخطأ، فلا يقال فيمن وقع له الخطأ مرة أو مرتين: إنه سيىء الحفظ، وإن كان يصدق عليه أن خطأه أقل من إصابته، لأنه لم يصدق عليه أنه لم ترجح إصابته انتهى كلامه. (١) سقط من (د). (٢) ص ٤٣٤. (٣) عبارة (ج) وفيهم من لم يرجح .. (٤) في (ج) يكن. (٥) عبارة المطبوعة: خطئه أكثر كاصابته. ٥٣٤ سوء الحفظ وهذا الخطأ مبني على خطأ النسخة التي اعتمد عليها التلميذ، وإلا فالنسخة الصحيحة المعتمدة فيما تقدم: وهي عبارة عن أن لا يكون غلطه أقلَ من إصابته، بصيغة النفي، وهو المطابق لما هنا من حيث المعنى أنه سواء كان مساوياً، أو ١٦٠ أكثر، ويدل على أنه إذا كان غلطه [أقل](١) من الإصابة / أو قليلاً بالنسبة إليها، فهو مقبول. وقال الشارح وجيه الدين الهندي(٢): اعترض عليه أستاذي مولانا أبو البركات ١ بأنه قال: أولاً في الإِجمال، وهي /٩٢ - ب / عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته، م : كلاميه [١٣١ - أ] تدافع إلا أن يكون لفظ(٣) ((لم)) هنا (٤) وقع تصحيفاً من الناسخ، أو زلّة من القلم، قال: ثم أخبرني بعض إخواني أنه سأل السخاوي عنه فقال: وقع لفظة ((لم)) غلطاً من الناسخ، وأخرج نسخة من عنده، وليس فيه لفظة لم. انتهى. وفيه أبحاث : أما أولاً: فلأنه بهذا لم يندفع التدافع لِمَا عَرَفت من كلام التلميذ فيه، ولكونه ليس نسخة صحيحة كما قررناه، وعلى تقدير صحتها وصحة معناها، فلا تطابق ما سبق، كما حررناه(٥). وأما ثانياً: فلأنه لو كان التعريف هنا (٦) بدون ((لم)) لم يصح كلام المصنف هنا على ما نقله تلميذه عنه: إما بأن يرجح جانب خطئه أو استويا . وأما ثالثاً: فقوله تصحيفاً(٧) من الناسخ، فلا يصح إطلاق التصحيف على زيادة (١) سقط من (ج). (٢) وجيه الدين الكُجَرَاتي. مرَّت ترجمته ص ١٢٩ . (٣) في (د) والمطبوعة: لفظة .. (٤) أي قوله السابق متناً ص ٥٣٣: مَن ((لم)) يَرْجُح جانب ... (٥) في (ج) قررناه. (٦) في (ج) هذا. (٧) في (ج) تصحيحاً. ٥٣٥ الشاذّ والمُخْتَلِط وهو على قسمين: (إنْ كان لازماً) للراوي في جميع حالاته (فهو الشَّاذ على رَأي) بعض أهل الحديث. (أو) إن كان سوء الحفظ (طَارِئاً) على الراوي، (لم)) لا لغةً، ولا اصطلاحاً، وقوله: أو زلة من القلم، أي قلم المصنف خطأ أيضاً، فإن الكلام بوجود ((لم)) صحيح أيضاً كما قدمنا، وكلام المصنف قد أَيَّدَ ما قررنا. وإنما الخطأ من الناسخ لو ثبت في نسخة معتمدة في الإِجمال بترك ((لا)) فلا تَعْجَل وتأمل، فإنه(١) محل الزَّلَل، وموقع الخَطَل، والله الموفق للعلم والعمل. [الشَّاذ](٢) (وهو) أي سوء الحفظ (على قسمين): (إن كان لازماً) أي دائماً غيرَ منفك (الراوي في جميع حالاته) أي من غير عروض سبب لسوء حفظه في بعض أوقاته، (فهو) أي الراوي المذکور بل حديثه، (الشاذ)، وفيه أن المختلط صفةُ الراوي على ما يقتضيه كثرة قولهم: اختلط فلان، وهذا المعنى غير المعاني المذكورة للشاذ، ولذا قال: (على رأي) وهو بالتنوين، نظراً إلى المتن، وبتركه نظراً إلى الشرح، فإنه مضاف إلى (بعض أهل الحديث) وكأنهم أرادوا بالشاذ المنفرد بصفة. [المُخْتَلِطِ] (أو إن كان سوء الحفظ طارئاً) أي حادثاً متجدداً (على الراوي) أي بأن صار (١) في (د) لأنه (٢) هذا اصطلاح غريب في الشاذّ، وانظر ما سبق ص ٢٥٢ و٣٣٠. ٥٣٦ المُخْتَلِط إمّا لكِبَرِهِ، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عدمها، بأنْ كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء (ف) هذا هو (المُخْتَلِط) سبىء الحفظ، (إما لِكِبَرِهِ) أي لطول عمره، (أو الذهاب [١٣١ - ب] بصره) وقد كان متعوداً بعَود(١) النظر في محفوظه إلى أصله، فلا يرد أن ذهاب البصر مما يقوي الحفظ لسلامة الخواطر الحادثة من النواظر. (أو لاحتراق كتبه) أو اغتراقها(٢) أو استراقها. فقوله: (أو عدمها) تعميم بعد تخصيص كقوله تعالى: ﴿فإنّ اللّه هُوَ مَوْلَاهُ وجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾)»(٣) فاندفع ما قال محشٍ : الظاهر أنه مُغْنٍ عن قوله: أو لاحتراق كتبه. انتھی . وفيه أن الأول إذا كان مغنياً عن الثاني قد يُعدُّ عيباً في التعريفات، لا العكس، وأما في غير التعريف فيجوز التخصيص بعد التعميم أيضاً كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيْكَالَ﴾(٤). ويريد بالعدم فقدان الكتب بمعنى أنه كان حاصلاً له، فصار معدوماً، لا بمعنى أنه معدوم مطلقاً، فيصح قوله: (بأن كان/٩٣ - أ/ يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء) أي حفظه وهو علة لكون ١٦١ ذهاب البصر / واحتراق الكتب، وعدمها سبب لطريان سوء الحفظ. (فهذا) أي الراوي الطارئء عليه سوء الحفظ، (هو) ضمير فصل أو مبتدأ ثلا، (المختلط)(٥) بكسر اللام، وحقيقته: فساد العقل، وعدم انتظام الفعل (٦) (١) في (ج) متعدداً يعدو. (٢) في (ج) اختراقها. (٣) سورة التحريم، الآية: ٤. (٤) سورة البقرة، الآية: ٩٨، (٥) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٣٩١، وإرشاد طلاب الحقائق ص ٢٤٤، والخلاصة في أصول الحديث ص ٨٩، والباعث الحثيث ص ٢٣٩، والمنهل الروي ص ١٣٧، وفتح المغيث (للعراقي)) ٤٦٥، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٧٠/٤، وألفية السيوطي في علم الحديث ص ٢٨٣، وتدريب الراوي ٣٧١/٢. (٦) حرفت في المطبوعة إلى: انتظار العقل. ٥٣٧ المُخْتَلِط والحكم فيه أنَّ ما حدَّث به قَبْل الاختلاط إذا تَمَيَّزْ قُبِل، وإذ لم پتميز تُؤُقِّفَ فیه، وكذا مَنِ اشتبه الأمر فيه، والقول. إما بخَرَف(١) أو ضرر أو مرض، أو عَرَضٍ من موت ابن، أو سرقة مالٍ (٢) كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لَهِيعَة، أو احتراقها كابن المُلَّقِّن. قال ابن الصلاح(٣): وهذا فن عظيم مهم، لا أعلم أحداً [أفرده بالتصنيف (٤) واعتنى به](٥) مع كونه حقيقاً بذلك جداً انتهى. قال السخاوي(٦): وأفرد للمختلطين كتاباً الحافظ أبو بكر الحازمي حسبما ذكره في تصنيفه ((تحفة المستفيد))(٧)، ولم يقف عليه ابن الصلاح. قال: وفائدة ضبطهم، تمييز المقبول من غيره. (والحكم فيه) أي في المختلط أو في حديثه، (أن ما حدّث به قبل الاختلاط إذا تميز) أي لنا بأن علمنا أنه قبل الاختلاط، وإلا فهو متميز في نفسه [١٣٢ - أ]، فالمعنى أنه إذا تميز عند المجتهد عما حدّث بعد الاختلاط، (قُبِل، وإذا لم يتميز) أي ما حدث به، (تُوُقّف) بصيغة المجهول، (فيه) أي في حديثه بأن لا يقبل ولا یُرَدّ. (وكذا من اشتبه الأمر فيه) أي اشتبه أنه مختلط أم لا، أو لم يُدْرَ أُحدّث قبل الاختلاط أو بعده. قال التلميذ: هذا اللفظ فيه إيهام، لأن ظاهر السَّوق أنه لحديث (١) حرفت في (ج) والمطبوعة إلى: بحرف. (٢) في (ج) والمطبوعة: قال كالمسعودي. وهو خطأ. (٣) علوم الحديث ص ٣٩١. (٤) سقط من (ج) و(د). (٥) سقط من (د) فقط. (٦) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٧٢/٤. (٧) وللبرهان الحلبي: الاغتباط بمن رمي بالاختلاط، وكذا صنف فيه ابن الكيّال: الكواكب النِّرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات. ٥٣٨ المُخْتَلِط وإنما يُعْرَف ذلك باعتبار الآخذين عنه. (ومتى تُوبِعَ السَّيِّىءُ الحفظ بِمُعْتَبَر) كأنْ يكون فوقَه أو مِثلَه، لا دونه المختلط ولفظة ((من)) لمن يعقل، فلا يصلح للحديث، وإن استعملها فيمن يعقل، فيكون قد انتقل من الحديث إلى الراوي، فليس بظاهر، والله سبحانه أعلم. قلت: هذا أمر سهل ومناقشة غير مرضية خصوصاً من التلميذ بالنسبة إلى الأستاذ، إذ يمكن أن يقال: التقدير وكذا من اشتبه الأمر فيه يتوقف في حديثه على أن: مَن اشتبه، مبتدأ، خبره محذوف، أو يقدّر مضاف، أي وكذا حديث من اشتبه الأمر فیه(١) يتوقف فيه. (وإنما يعرف ذلك،) أي ما ذكر من الاختلاط والتمييز والاشتباه، (باعتبار الآخذين) أي تتبع المتحملين (عنه) أي عن المختلط بلا واسطة، ليعلم أنهم متى أخذوا، وأين أخذوا، وكيف أخذوا، فبالإِضافة إلى المفعول، فمنهم من سمع قبل الاختلاط فقط، [ومنهم من سمع بعده](١)، ومنهم من سمع في الحالين مع التمييز، بأن قال: سماعي بعدما اختلط أو قبله كما قاله الخليلي(٢) وغيره، فممن اختلط في آخره عطاء، ومن سمع منه قبل الاختلاط شُعْبَة وسفيان الثوري، وممن سمع منه بعد الاختلاط جرير بن عبد الحميد، وممن سمع منه في الحالتين [معا](١) أبو عَوَانَة، فلم(٣) يحتج بحديثه. (ومتى توبع السيىء الحفظ بمعتَبَرٍ) أي براوٍ معتبر بفتح الموحدة وكسرها على أنه اسم مفعول أو فاعل، (كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه) قال المصنف: إذا تابع / ٩٣ - ب / السىءَ الحفظ شخصٌ فوقه انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشخص، وينتقل ذلك الشخص إلى أعلى من درجة نفسه التي كان فيها، حتى (١) سقط من (ج). (٢) انظر علوم الحديث ص ٣٩٣. (٣) في (د) فلا. ٥٣٩ المُخْتَلِط (وكذا) المُخْتَلِط الذي لا يتميز، وكذا (المَسْتُور. و) الإِسناد (المُرْسِل، و) كذا (المُدَلِّس) يترجح على [١٣٢ - ب] مساويه من غير متابعة من دونه. ؟ ١٦٢ قال تلميذه: المراد بقوله: فوقه أو مثله في الدرجة من السند، لا في الصفة. انتهى. وقد تقدمُ معنى / الاعتبار وما يتعلق به، والظاهر أن المراد بالفوقية والمثلية [هنا](٢) في الصفة لا في السند؛ لأنه على تقدير ما يقوله التلميذ، لا يصح كلام الشيخ، انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشخص، فتدبر(٣) مع أنه لا منع من الجمع. (وكذا المختلط الذي لا يتميز) (٤) أي [ما](٢) حدّث به. (وكذا المستور) كان حقه [في الشرح](٥) أن يقول بعد المستور: وكذا المختلط الذي لا يتميز كما هو ظاهر، ثم في عطفه على السىء الحفظ نظر؛ لأن المختلط قسم منه كما مر قُبيل ذلك(٦)، وإن أريد بالسبىء الحفظ القسم الأول فقط، فهو تكلف غير متبادر، قيل: إن المراد من السىء الحفظ المعنى اللغوي، وفيه أنه أيضاً أعم من المختلط، فلا وجه للعطف مع أنه أيضاً غير متبادر، ويمكن أن يقال: إن المختلط الذي تميز لا يحتاج في قبوله إلى متابعة، فلا يجوز إجراء السبىء الحفظ في المتن على إطلاقه، فعطَفَ الشارحُ عليه المختلط المذكور ليعلم (٥) أن المراد بالسيىء الحفظ القسم الأول. (والإِسناد المرسِل) بكسر السين وقيل بفتحها، (وكذا المدلِّس) بكسر اللام (١) ص ٣٥٦ وما بعدها. (٢) سقط من (ج). (٤) في بعض نسخ المتن: (لم). (٥) سقط من (د). (٦) ص ٥٣٥. (٧) في (ج) فيعلم. (٣) في (ج) فتقدير. ٥٤٠ المُخْتَلِط إذا لم يُعْرف المحذوف منه (صار حديثُهم حَسَناً لا لذاته، بل) وَصْفُهُ بذلك (ب) اعتبار (المجموع) من المُتَابع [أو بفتحها](١) (إذا لم يُعْرَف المحذوف منه). واعلم أنه إن كان المرسَل والمدلَّس على صيغة المفعول، ليكون صفة الإِسناد كما فعل الشارح حيث صرح بقوله: والإِسناد ... يحتاج قوله: (صار حديثهم) إلى تكلف بأن يقال: معناه حديث المختلط والمستور، وحديث راوي المرسل والمدلس، وإن كانا على صيغة اسم الفاعل ليكونا صفتي الراوي، لم يحتج قوله: حديثهم ... إلى تكلف. قال التلميذ: الأولى أن يقول: صار الحديث، لأن الضمير للمختلط والمستور والإِسناد، فعلى ما قال يكون على وجه التغليب أو [١٣٣ - أ] تقدير مضاف، وعلى ما قلت لا يحتاج لذلك، والله سبحانه أعلم. قلت: لا يخفى عن الاحتياج لذلك كذلك، لأن الألف واللام حينئذٍ إما بدل(٢) عن المضاف إليه، وإما للعهد، فيدخل المذكور تحت الملاحظة، فيرجع الإِشكال بعينه مع أن عادة المحشي والشارح إصلاحُ كلام الماتن، لا أنه يأتي بعبارة أخرى، ويقول هذه أحسن منه، لأنه لا يرد [عليها(٣) مايرد](٤) عليه. وحاصل الكلام: أنه قد صار حديثهم بعد حصول المتابعة المعتبرة (حسناً) أي لغيره، (لا لذاته بل وَصَفَهُ(٥) بذلك باعتبار المجموع من المتابع) بكسر الموحدة، (١) سقط من المطبوعة . (٢) في (ج) والمطبوعة: يدل. (٣) في المطبوعة: عليه. (٥) عبارة (ج) بل هو صفة. (٤) سقط من (ج).