Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
الموضوع
وكما وقع لغِيَاث بن إبراهيم حيث دخل على المَهْدِيّ، فوجده يلعب
بالحَمَام، فساق في الحال إسناداً إلى النبي وَله أنه قال: ((لا سَبَق إلا
فِي نَصْل، أو خُفّ، أو حَافِرٍ، أو جَنَاح)).
أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة، أكان صلحاً أو عَنْوَةً، فسألوا رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم فقال: «كان عَنْوة)) ..
هذا، مع أنه اعترف أنه صنعه في الحال ليندفع به الخصم(١).
(وكما وقع لغِيَاث بن إبراهيم) أي النَخَعي، (حيث دخل على المَهْدَيّ) بفتح
ميم، وسكون هاء، وتشديد ياء، وهو محمد بن المنصور عبد الله العباسي، والد
هارون الرشيد، وهو الباني للمسجد الحرام سابقاً بناءً مسقفاً، خلاف ما بناه بنو
عثمان مقبَّباً لاحقاً.
(فوجده) أي فصادفغیاتٌ المهديَّ حال كونه (یلعب بالحمام) جنسٌ واحدته
حمامة، (فساق في الحال) أي لِطَمَعِ المال، (إسناداً إلى النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم أنه قال: ((لا سَبْق) بفتح فسكون، مصدر سَبقْتُ أسبق(٢)، وبفتح الباء ما
يجعل من المال رهناً على المسابقة. والمعنى: لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في
هذه الثلاثة. وقال الخطابي (٣): الرواية الصحيحة بفتح الباء، كذا في ((النهاية)) (٤).
(إلا في نَصْلٍ) وهو حديدة السهم، (أو خُفٍّ) وهو للإِبل، (أو حافٍ) وهو
للخيل، (أو جَناحٍ))) بفتح الجيم أي ريش وهو للطائر، أي إلا في ذوات هذه
الأشياء/ ٧٣ - أ/من السهام، والإِبل، والخيل.
(١) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣١٤/١، وتاريخ بغداد ٤٦١/١٠، وميزان الاعتدال ٢ /٦٢٥.
(٢) في (ج) السبق.
(٣) هامش سنن أبي داود ٦٣/٣.
(٤) ٣٣٨/٢.
..

٤٤٢
الموضوع
فزاد في الحديث ((أو جناح))، فعَرَف المهديّ أنه كذَب لأجله، فأمر
بذبح الحَمَامِ .
(فزاد في الحديث) أي الثابت، على ما(١) في ((الجامع الصغير))(٢) بلفظ: ((لا
سَبَقَ إلا في خُف، أو حافر، أو نَصْل)) رواه أحمد، وأصحاب السنن الأربعة (٣) عن
أبي هريرة رضي الله عنه. ((أو جَناح))) أي هذا اللفظ.
(فعرف المهديّ) أي من كمال عقله (أنه كَذَب) أي في الزيادة، (لأجله،
فأمر بذبح الحَمَام). قال السخاوي (٤): فأمر له بِبَدْرَة(٥): يعني عشرة آلاف
درهم، فلما قَفَى قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذّاب، ثم ترك الحمام، بل أمر
بذبحها، وقال: أنا حملته على ذلك. انتهى.
والأظهر ما روي أن المهديّ استحسنه أولاً، وأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما
أدبر أُلقيَ في قلب المهدي أنه كَذَب لأجله، فأمر بذبح الحمام، لكونه سبباً لوضع
الحديث (٦) وكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن لم يتعرض
له، ولم يأخذ ما أعطاه، فهذا الحديث مأخوذ باعتبار جزئه الأخير، بخلاف السابق،
فإنه موضوع بتمامه .
(١) عبارة (د) ما وقع في الجامع.
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤٢٧/٦.
(٣) مسند الإمام أحمد ٢٥٦/٢، ٣٥٨، ٣٨٥، ٤٢٥، ٤٧٤، سنن أبي داود ٦٣/٣ - ٦٤، كتاب الجهاد
(١٥)، باب في السبق (٦٠)، رقم (٢٥٧٤)، والترمذي ١٧٨/٤، كتاب الجهاد (٢١)، باب ما جاء في
الرهان والسبق (٢٢)، رقم (١٧٠٠). والنسائي ٢٢٧/٦، كتاب الخيل (٢٨)، باب السبق (١٤). رقم
(٣٥٨٩)، وابن ماجه ٩٦٠/٢، كتاب الجهاد (٢٤)، باب السبق والرهان (٤٤)، رقم (٢٨٧٨).
(٤) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠١/١.
(٥) انظر القاموس المحيط مادة (بدر) ص ٤٤٤.
(٦) في (د) حديث.

٤٤٣
الموضوع
ومنها ما يُؤْخَذ مِن حال المروي، كأنْ يكونَ مناقضاً لنص
القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي أو صريح العقل،
حيث لا يَقْبَلُ شيءٌ من ذلك التأويل.
(ومنها) أي من القرائن، (ما يؤخذ من حال المروي، كأن يكون مناقضاً
لنص القرآن) كالتجسيم، (والسنة المتواترة) بخلاف المشهورات وغيرها من
الآحاد، (أو / الإِجماع القطعي) كالإِجماع الغير السكوتي، المنقول بطريق التواتر، ١٢٥
بخلاف الإجماع السكوتي والمنقول بطريق الآحاد. قيل: تقييد الإِجماع بالقطعي
يدل على أن الإجماع الظني - مثل الذي [يثبت] (١) بخبر الواحد - لا يجعل الخبر
المناقض له موضوعاً.
(أو صريح العقل) لم يذكر القياس صريحاً، فأما أن يدرج في صريح
العقل، أو(٢) يجعل ما لا يدل مناقضة [الحديث](١) إياه على كونه موضوعاً،
كالإِجماع الظني، وما عدا المتواتر من السنن.
(حيث لا يقبل شيءٌ من ذلك) أي مما ذكر من النصين(٣)، والإِجماع،
والعقل (٤)، (التأويلَ) وكذا إن لم يحتمل سقوط شيء منه على بعض رواته يزول به
ذلك.
وإليه أشار ابن السبكي في ((جمع الجوامع))(٥) فقال: وكل خبر أوْهَمَ باطلاً
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) أي.
(٣) في المطبوعة: النعتين.
(٤) حرفت في (ج) إلى ((والقصر))، وفي (د) العقلي.
(٥) حاشية البناني على شرح المَحَلّ على جمع الجوامع ١١٦/٢، وحاشية العطار على شرح المَحَلِّي
على جمع الجوامع ١٤٤/٢. وكلاهما بلفظ: ((فمكذوب)) بدل ((فباطل)) المثبت في المطبوعة و(ج)
و (د).

٤٤٤
الموضوع
ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذه مِن كلام غيره،
كبعض السلف الصالح،
ولم يَقْبَلِ التأويلَ، فمكذوب، [١٠٢ - أ] أو نقص منه ما يزيل به الوهم. قال
شارحه: وقد يُمَثَّلُ له برواية: ((لا يبقى على ظهر الأرض بعد مئة سنة نَّفْسٌ
مَنْفُوسَةٌ)) (١) لعدم مطابقتها(٢) الواقع حيث سقط على راويها: ((منكم))(٣). وكَرِكَّةِ(٤)
اللفظ، إن وقع التصريح بأنه لفظ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يُروَ
بالمعنى، وربما تجتمع ركّة اللفظ والمعنى، وذلك أبلغ، بل ركاكة المعنى كافية في
الدلالة على الوضع وفساد معناه، وكالمجازفة في الوعد والوعيد، ومخالفته الشرع.
(ثم المروي تارة يخترعه الواضع) أَيّ، يكون المروي كلاماً لنفس الواضع،
وهو أكثر، كما يذكره أهل التعاويذ في / ٧٣ - ب / إسناد الدعاء(٥).
(وتارة يأخذه من(٦) كلام غيره، كبعض السلف الصالح) منها كلمات علي
رضي الله تعالى عنه، ومنها موقوفات الحسن، حيث قيل في حقه: كلامه يشبه كلام
الأنبياء، ونحو كلام مالك بن دينار(٧)، وفُضَيْل بن عياض، ومعارف الجُنَّيْد،
وغيرهم.
(١) أخرجه مسلم ١٩٦٧/٤، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب قوله ويلر: ((لا تأتي مئة سنة وعلى
الأرض نفس منفوسة اليوم)) (٥٣) رقم (٢١٩ - ٢٥٣٩) ولفظه: ((لا تأتي مئة سنة، وعلى الأرض
نفس منفوسة اليوم))، والترمذي ٤٥١/٤، كتاب الفتن (٣١)، باب (٦٤)، رقم (٢٢٥٠). ولفظه:
((ما على الأرض منفوسة - يعني اليوم - تأتي عليها مئة سنة)). والإِمام أحمد في المسند ٩٣/١، ولفظه
أيضاً مختلف عن لفظ الكتاب.
(٢) في المطبوعة: مطابقته.
(٣) أي لفظة: ((منكم)) الواردة ضمن حديث في مسند الإمام أحمد ٣٧٩/٣ بلفظ: ((ما منكم من نفسٍ منفوسة
يأتي عليها مئة سنة وهي حيَّةٌ يومئذٍ)). ومعنى منفوسة: مولودة. وانظر ما سيأتي ص ٥٩٣.
(٤) عبارة (د): على راويها منكر ركاكة ...
(٥) في (د) دعاء.
(٦) عبارة (ج) يأخذ كلام غيره.
(٧) حيث قال: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)). انظر شرح الزرقاني على البيقونية ص ٩٣.

٤٤٥
الموضوع
أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات، أو يأخذ حديثاً ضعيف
الإِسناد، فيركِّبَ له إسناداً صحيحاً ليُرَوَّج.
والحامل للواضع على الوضع: إما عَدَمُ الدِّين كالزَّنَادِقَة،
(أو قدماء الحكماء)(١) كالحارث بن كَلَدَة، وبقراط، وأفلاطون.
(أو الإِسرائيليات) أي أقاويل بني إسرائيل مما ذكر في التوراة، أو أخذ(٢)
من علمائهم ومشايخهم. والظاهر أن يقدَّر المضاف في الأولين، أي كلام بعض
السلف، أو كلام قدماء الحكماء.
(أو يأخذ) كان حقه أن يقول: وتارة يأخذ (حديثاً ضعيف الإِسناد، فيُرَكِّب له
إسناداً صحيحاً ليروِّج) بتشديد الواو المكسورة أي الإِسناد، أو المفتوحة أي
الحديث، فهذا الحديث موضوع [الإسناد](٣) لا المتن. وقد يذكر كلاماً ليس له
أصل، كما يذكره أهل التعاويذ في إسناد دعاء القِدْح (٤) ونحوه، فيذكر له إسناداً
جلُّ(٥) رجاله من أعاظم المحدثين، منتهياً إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، أو
إلى أحد من أكابر أمته كالخَضِر، والحسن البصري، والإِمام جعفر الصادق، وقد
يذكر [١٠٢ - ب] في آخره أنّ مَن شكَّ في هذا كفر.
[أسباب الوضع]
(والحامل [للواضع](٦)) أي السبب الباعث (على الوضع إما عدم الدِّين
كالزنادقة)، تمثيل للواضع لا للحامل(٧)، أو المضاف محذوف، وكذا
(١) كحديث: ((المعدة بيت الداء، والحِمْيَة رأس الدواء)). انظر شرح الزرقاني على البيقونية ص ٩٣.
(٢) في (ج) أحد.
(٣) سقط من (ج).
(٤) القِدْح: بالكسر: السهم الذي كانوا يَسْتَقْسِمون به. لسان العرب ٥٥٦/٢، مادة (قدح).
(٥) في (ج) والمطبوعة: أجل.
(٦) سقط من (د) والمطبوعة .
(٧) في (د) لا الحامل.

٤٤٦
الموضوع
١٢٦
البواقي(١) وهم المبطنون للكفر المظهرون للإِسلام، أو الذين لا يتدينون بدين.
يفعلون ذلك [أي كوضع الزنادقة](٢) استخفافاً بالدِّين ليضلوا به الناس، فقد قال
حمّاد بن زيد/ فيما أخرجه العُقَيلي: إنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث. وقال
المهدي (٣): أقرَّ عندي رجل من الزنادقة بوضع مئة (٤) حديث، وهي تجول في أيدي
الناس. ذكره السخاوي(٥). وقال ابن عَدِيّ: لَمَّا أُخِذَ عبد الكريم بن أبي
العوجاء(٦)، - الذي أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن عليّ - لِيُضْرَبَ عنقه قال:
لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أُحَرِّم فيها وأُحَلُّل. ومنهم: الحارث الكذَّاب
الذي ادعى النبوة(٧)، وأمثاله وضعوا جُمَلاً بل ألوفاً من الحديث استخفافاً بالدِّين،
وتلبيساً على المسلمين.
فبَيِّن نقاد (٨) الحديث أمرها في ذلك كله، ولم يَخْفَ عنهم من شأنها ما خفي
على غيرهم بحيث لما قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة! قال: يعيش لها
الجهابذة أي نقاد الحديث، وحذاقهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنا الذِكْرَ وإنَّا
لَه لَحَافِظُون﴾(٩) انتهى. وكأنه [أراد أنه](١٠) من جملة حفظ لفظ الذكر حفظُ معناه،
(١) في (ج) الباقي.
(٢) زيادة من المطبوعة.
(٣) في (ج) وقال النووي وقال المهدي.
(٤) وذكر المعلق - أي على فتح المغيث للسخاوي - على قول المهدي بعد نقله عن الموضوعات لابن
الجوزي ٣٨/١، والكامل، والكفاية: إن لفظة ((مئة)) وردت في هذه المواضع ((أربع مئة)) فلعله سقطت
كلمة ((أربع)).
(٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠٠/١، والموضوعات ٣٨/١.
(٦) حرف الاسم في (د) إلى عبد الكريم بن العرجا، وفي (ج) عبد الكريم بن الفوحاء. والصواب ما
أثبتناه انظر ميزان الاعتدال ٦٤٤/٢، وفتح المغيث ٣٠٠/١.
(٧) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠٠/١.
(٨) في (ج) نقادهم، وفي (د) نقاده.
(٩) سورة الحجر: (٩).
(١٠) سقط من (ج).

٤٤٧
الموضوع
أو غلبةُ الجهل کبعض المتعبِّدین،
ومن جملة معانيه(١): الأحاديث النبوية الدالة على توضيح مبانيه، كما قال تعالى:
﴿لْتُبِّن للنَّاسِ ما نُزَّل إليهم﴾(٢)/٧٤ - أ/ ففي الحقيقة تكفّل الله تعالى بحفظ الكتاب
والسنة، بأن يقيم من عباده مَنْ يُجَدِّدُ أمر دينهم في كل قرن، بل في كل زمان (٣).
والمظانّ للموضوعات كثيرة: منها الكتب المؤلفة في الضعفاء، ((كالكامل))
لابن عَدِيّ، بل [١٠٣ - أ] أُفرِدَت بالتأليف كتصنيف(٤) ابن الجوزي في
((الموضوعات))، ولكن تعقّبه العلماء في كثير من الأحاديث التي ذكرها في كتابه.
وقد جمع شيخ مشايخنا السيوطيّ، والسخاويّ، بعد الزَّرْكَشِي وغيره الأحاديث
المشتهرة(٥) على الألسنة، وبيَّنوها بياناً شافياً، وأظهروا مخرجيها(٦)، وحكموا
ببطلان بعضها نقلاً وافياً. وقد اقتصرت في كُرَّاسة على أحاديث اتفقوا على وضعها
وبطلان أصلها وسميته: ((المصنوع في معرفة الموضوع)) لا يستغني الطالب عنه.
(أو غلبة الجهل، كبعض المتعبدين) أي المنتسبين إلى العبادة والزَّهَادة،
وضعوا أحاديث في الفضائل والرغائب، كصلاة ليلة نصف شعبان، وليلة الرغائب
ونحوهما. ويتدينون في ذلك في زعمهم وجهلهم، وهم أعظم الأصناف ضرراً على
أنفسهم وغيرهم، لأنهم يَرونه قُربة، ويرجون عليه المثوبة(٧)، فلا يمكن تركهم
لذلك، والناس يعتمدون عليهم، ويركّنون إليهم، لِمَا نُسبوا إليه من الزهد
والصلاح، ويقتدون بأفعالهم، ويعتنون(٨) بنقل أقوالهم، حتى قد يخفى على
(١) في (د) معاني.
(٢) سورة النحل: (٤٤).
(٣) أخرج أبو داود في سننه: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)).
٤ /٤٨٠، كتاب الملاحم (٣١)، باب ما يذكر في قرن المئة (١)، رقم (٤٢٩١).
(٤) عبارة (ج) كتضعيف ابن الجوزي، وفي (د) لتصنيف الجوزي.
(٥) في المطبوعة: المشهورةً.
(٦) في (ج) مخرجها.
(٧) حرف في (ج) إلى: المشوية.
(٨) في (ج) يعنون.

٤٤٨
الموضوع
أو فرط العصبية كبعض المقلِّدين،
بعض علماء الأمة وأكابرِهم، ثقةً واعتماداً على ما نقلوه، فيقَعون(١) فيما وقعوا
فيه .
ومثال ذلك: ما روي عن أبي عِصْمَة نوح بن أبي مريم المَرْوَزِي، قاضي مَرْو
فيما رواه الحاكم(٢) بسنده إلى أبي عمار المروزي، أنه قيل لأبي عصمة: من أين
لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، ولیس عند أصحاب
عِكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي
حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا حُسبةً(٢).
١٢٧
(أو فَرْط العصبية): أي إفراطها، وشدة التعصب/ لمذهبهم. وقد روى ابن
أبي حاتم عن شيخ (٣) من الخوارج أنه كان يقول بعد [١٠٣ - ب] ما تاب: انظروا
عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيَّرناه حديثاً. زاد غيره في رواية:
ونحتسب الخير في إضلالكم(٤). ذكره السخاوي(٥)، وقال الجزري: وقوم وضعوها
تعصباً وهوى، كمأمون ابن أحمد الهَرَوي في وضعه حديثاً: ((يكون في أمتي رجل
يقال له: محمد بن إدريس، يكون أضرَّ على أمتي من إبليس))(٦)، ولقد رأيت رجلاً
قام يوم جُمعة والناس مجتمعون قبل الصلاة، فابتدأ ليورده، فسقط من قامته مغشياً
عليه(٧).
(كبعض / ٧٤ - ب /المقلدين) كما ذكر الواحدي حديث أَبِيِّ بن كعب
(١) في المطبوعة: فيقولون.
(٢) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠٣/١ - ٣٠٤.
(٣) في (د) شيخه، وهو خطأ.
(٤) الجرح والتعديل ٣٢/١/١.
(٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠١/١.
(٦) انظر ميزان الاعتدال ٤٢٩/٣ - ٤٣٠، والموضوعات ((لابن الجوزي)) ٤٨/٢.
(٧) انظر فتح المغيث ٣١٥/١ - ٣١٦.

٤٤٩
الموضوع
أو أَتْبَاعُ هويًّ لبعضِ الرؤساء، أو الإغرابُ لقصد الاشتهار،
الطويل في فضائل السور، سورة فسورة (١) تبعاً للثعلبي في تفسيره، وقلده غيره في
ذكرها في تفاسيرهم، كالزَّمَخْشَرِي، والبيضاويّ وكلهم أخطؤا(٢)، ولا ينافي ذلك
ما ورد في فضائل كثير من السور، مما هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف. وتكفل
بإيراده العماد بن كثير في «تفسيره))، والجلال السيوطي في كتابه المسمى ((بالدر
المنثور في التفسير المأثور)).
(أو اتباع هوى لبعض الرؤساء) كما ذُكر مثاله في كلام الجزري، وكحديث:
((أبي حنيفة سراج أمتي))(٣)، وكزيادة: ((الجَنَاح)) فيما تقدم (٤).
(أو الإِغراب) أي الإِتيان بحديث غريب(٥) يرغب الناس فيه، (لقصد
الاشتهار) أي ليشتهر عند العامة أنهم من العلماء الكبار، أو ليشتهر ذلك الحديث
في أهل الديار. وذُكر في ((خلاصةِ الطيبي))(٦): أن مِن الواضعين قوماً من السُّؤَّال
والشَّحّاذين(٦)، يقفون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات
بتلك الأسانید.
٣٠ , قال جعفر بن محمد الطَّيّالسي: صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين في
مسجد الرُّصَافة (٧) فقام بين أيديهما قاصٌّ فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين
(١) عبارة (ج) السورة فسورة.
(٢) انظر فتح المغيث للسخاوي ٣٠٥/١.
(٣) قال القاري في الموضوعات الكبري ص ١٠١: موضوع باتفاق المحدثين. وانظر أيضاً كشف الخفاء
٣٣/١.
(٤) ص ٤٤١ .
(٥) عبارة (ج) غريب أرغب يرغب.
(٦) ص ٧٧، بإثبات لفظة ((المنكدين)) بدل ((الشحاذين)).
(٧) رُصَافَة بغداد: بالجانب الشرقي، وكان فراغ المهدي من بناء الرُّصَافة والجامع بها في سنة ١٥٩ هـ. معجم
البلدان ٤٦/٣ .

٤٥٠
الموضوع
وكل ذلك حرام بإجماع من يُعْتَدُّ به، إلا أنَّ بعضَ الكَرَّامية،
قالا(١): حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا مَعْمَر، عن قَتَّادة، عن أنسٍ رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: مَن قال لا إله إلا الله يَخلق الله من كل كلمةٍ منها
طائر، منقاره من ذهب، وريشه من مَرْجان، وأخذ في قصته من نحو عشرين ورقة،
فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، [ويحيىّ](٢) ينظر إلى أحمد فقال: أنت حدثته
بهذا!؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، [قال](٢) فسكتا جميعاً حتى فرغ
فقال: أي أشار يحيى بيده أنْ تعال، فجاءه متوهماً لنوال الخير فقال له يحيى: مَن
حدثك بهذا؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، فقال: أنا ابن معين، وهذا
أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله وس چور، فإن كان ولا بد من
الكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت ابن معين [قال: نعم] (٣) قال: [لم](٣) أزل
أسمع أن ابن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، قال يحيى: وكيف علمت
أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل غيركما،
١٢٨ كتبت عن سبعةَ عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: / فوضع أحمد بن حنبل كفه(٤)
علی وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام کالمستهزىء بهما.
(وكل ذلك حرام بإجماع مَن يعتد به) أي يعتبر بقوله (إلا أنّ بعض الكرَّامية)
بتشديد الراء على اللغة المشهورة، ذكره السخاوي(٥). قيل: وهم فرقة من المشبِّهة
نسبت إلى عبد الله /٧٥ - أ/بن كرَّام، وهو الذي صرَّح بأن معبوده على العرش،
وأطلق اسم الجوهر عليه تعالى، وهم يدَّعون زيادة الورع، والتقوى(٦)، والمعرفة
(١) في خلاصة الطيبي: قال.
(٢) سقط من المطبوعة .
(٣) سقط من (ج).
(٤) في الخلاصة: كمه.
(٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٠٥/١.
(٦) عبارة (د) التقوى والورع.

٤٥١
الموضوع
وبعضَ المُتَصوِّفَة نُقِل عنهم إباحةُ الوضع في الترغيب والترهيب،
وهو خطأ مِن فاعله، نشأ عن جهل؛ لأن الترغيب والترهيب من
جملة الأحكام الشرعية .
التامة. (وبعض المتصوفة) أي منهم أو من غيرهم(١)، (نُقِل عنهم إباحة الوضع في
الترغيب) أي في الطاعة والعبادة، (والترهيب) أي التخويف عن المعصية والبَطَالة.
وحاصله: [١٠٤ - ب] أن بعضهم جوَّزوا وضع الأحاديث فيما يتعلق به
حكم من الثواب والعقاب ترغيباً للناس في الحسنات، [وزجراً لهم عن
السيئات](٢)، واستدلوا بما في بعض الروايات: ((مَن كذب عليّ متعمِّداً ليُضِلَّ به
الناس، فليتبوَّأ مقعده من النار))(٣). وأخذوا بمفهومه جواز الكذب عليه صلى الله
تعالى عليه وسلم لقصد اهتداء الناس. وقالوا في الحديث المشهور بدون زيادة:
((ليضل به الناس) أنّ ((عَلَيَّ)) للضرر، ونحن إنما نكذب له، وحمل بعضهم على أن
المراد به مَنْ قال في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم: ساحرٌ، أو مجنون، أو
شاعر، وأمثال ذلك.
(وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل) لِمَا ذكرنا من الحديث الدال على العموم.
وأما ما ذكروه، فهو من التأويلات الفاسدة، بناء على غفلتهم عن القواعد الدينية.
(لأن (٤) الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية) وإن كان بينهما وبين
(١) في (ج) يلزمهم.
(٢) سقط من (ج).
(٣) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) بسند حسن عن عمرو بن عبسة. مجمع الزوائد ١٤٦/١.
(٤) وقع في (ج) عند قول المصنف: لأن الترغيب والترهيب ... أن الناسخ نقل المتن فقط ابتداء من
قوله: لأن الترغيب والترهيب ... إلى قوله: ثم الوهم ص ٤٥٥، واستدرك الشرح بوريقة ألحقها
بالمخطوط.

٤٥٢
الموضوع
واتفقوا على أن تَعمُّدَ الكذب على النبي ◌َّ من الكبائر، وبالغ
أبو محمد الجُوَيني فكفَّر من تعمَّدَ الكَذِب على النبي ◌ِّ،
سائر الأحكام الشرعية فرق من حيث إن الضعيف معتبر فيهما دون سائر الأحكام،
مع أنه يُقَدَّم على الرأي أيضاً عند فَقْدٍ بقية الأدلة.
(واتفقوا) أي علماء الإِسلام من المحدثين وأرباب الكلام، (على أن تعمُّد
الكذب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الكبائر) أي من أكبرها بعد الكفر
بالله تعالى، وهذا دليل آخر على كون إباحة الوضع في الترغيب والترهيب خطأ، أو
من تتمة الدليل الأول، بأن يكون الاتفاق على أنّ تعمد الكذب من الكبائر في
الأحكام الشرعية. ففي ((الجواهر))(١) قال الذهبي: إنْ كان في الحلال والحرام يكفر
إجماعاً، وإنْ كان في الترغيب والترهيب لا يكفر عند الجمهور.
(وبالغ أبو محمد الجُوَيني) (٢) نسبة إلى جُوَين، كزُبَير، كُوْرَةَ بِخُرَاسَان،
(فكفَّر) بالتشديد [١٠٥ - أ] أي نسب إلى الكفر (من تعمّد الكذب) أي مطلقاً،
(على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) وهو يحتمل أن يكون زجراً لهم، ويدل عليه
قول المصنف: وبالغ، [ويحتمل](٣) أن يكون اجتهاداً منه، وهو يحتمل الخطأ
والمجاوزة عن الحدِّ في المبالغة، لا سيما مع مخالفة الإِجماع. ولذا قال ولده (٤)
إمام الحرمين(٥): هذا زلة من الشيخ.
(١) ص ٥٤.
(٢) عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيُّونَه الجُوَيني، أبو محمد، من علماء التفسير واللغة والفقه. وهو
والد إمام الحرمين الجويني، (ولد سنة ... وتوفي سنة ٤٣٨ هـ). الأعلام ١٤٦/٤ - ١٤٧.
(٣) سقط من (ج).
(٤) في (د) ((والده)) بدل ((ولده))، وهو خطأ، لأن أبا محمد هو الأب، وإمام الحرمين هو الابن، كما
وُضِّح ذلك في ترجمتها.
(٥) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام
الحرمين: أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي (ولد سنة: ٤١٩ هـ وتوفي سنة ٤٧٨ هـ). الأعلام
٤ /٠١٦٠

٤٥٣
المتروك
واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه؛ لقوله وَاليه: (مَنْ
حَدَّثِ عَنِي بحديثٍ يُرَى أنه كَذِب، فهو أحدُ الكَاذِبين)). أخرجه
مسلم.
(و) القِسْم (الثاني:) مِنْ أقسام المردود، وهو ما يكون بسبب
تهمة الراوي بالكذب، هو (المَتْرُوك).
(واتفقوا على تحريم رواية الموضوع) أي إذا عُلِم أنه موضوع، (إلا مقروناً
ببيانه) أي إلا نقلاً متصلاً ببيان كونه موضوعاً.
(لقوله صلى / الله تعالى عليه وسلم: ((مَن حدَّث عنّي بحديث) يستوي فيه ١٢٩
الترغيب والترهيب وغيرهما، (يُرى) بفتح الياء، أي يعتقد، أو بضمها وهو أبلغ،
أي يظن (أنه كَذِب) بفتح أو كسر، يعني ولم يبين(١) أنه كذب، (فهو أحد الكَاذِبین)))
ضُبِطَ بصيغة الجمع، والتثنية.
(أخرجه مسلم (٢)) وأفاد أن غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل
صدقها(٣) تجوز روايتها في الترغيب، والترهيب، والفضائل، من غير بيان ضعفه.
[المَتْرُوك]
(والقسم الثاني من أقسام المردود، وهو ما يكون بسبب تُهَمَة الراوي
بالكذب هو المتروك)(٤) جعله قسماً مستقلاً، وسماه متروكاً، لأن اتهام الراوي
بالكذب مع تفرده لا يُسَوِّغ الحكم بالوضع .
(١) في المطبوعة: يتعين.
(٢) في صحيحه ٩/١، المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات ... (١)، في الترجمة.
(٣) عبارة (ج) يحتمل محل صدقها.
(٤) وقد يطلق عليه بعض المحدثين: المنكر. انظر منهج النقد في علوم الحديث ص ٢٩٩ وألفية
السيوطي في علم الحديث ص ٤١، وقواعد في علوم الحديث ص ٤٣، والوجيز ص ٣٢٢ .

٤٥٤
المنکر
(والثالث: المُنْكَر، على رَأْي) مَنْ لا يشترط في المُنْكَرِ قيدَ المُخَالَفَة.
(وكذا الرابع، والخامس) فَمَنْ فَحُشَ غَلَطُه، أو كَثُرَت غفلتَهُ، أو ظهر
فِسْقُه، فحدیثه منکر .
[المُنْكَر](١)
(والثالث:) لف يجيء نبشره، (المنكر على رأي) بالتنوين في المتن،
وبتركه في الشرح لإضافته إلى (مَنْ لا يَشْتَرِط في المنكر قيد المخالفة) وأما المنكر
الذي فيما سبق(٢) في مقابلة المعروف، فإنه على رأي [مَن](٣) شرط المخالفة.
وحاصله: أن ما يكون الطعن فيه بسبب كثرة الغلط، لا يكون منكراً [أي
على ذلك الراوي] (٤) إلا على رأي من لا يشترط في المنكر مخالفة الثقة للضعيف
كما تقدم(٢)، وأما من يشترط فيه ذلك، فلا.
(وكذا) أي على ذلك الرأي (الرابع والخامس، فمَن فحُش غلطه)، نشر
مرتب، ومَن [١٠٥ - ب] تعليلية، فهو راجع إلى الثالث. (أو كَثُرَت غفلته) إلى
الرابع. (أو ظهر فسقه،) إلى الخامس وفيه أن الظهور معتبر في الجميع، فلا وجه
للتخصيص (٥).
(فحدیثه منکر).
(١) لزيادة الفائدة والتوسع: علوم الحديث ص ٨٠، وإرشاد طلاب الحقائق ص ٩٦، والباعث الحثيث
ص ٥٥، والموقظة ص ٤٢، وقفو الأثر ص ٦٣، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٤،
وفتح المغيث (للعراقي)) ص ٨٧، وفتح المغيث (للسخاوي)) ٢٣٥/١، والخلاصة في أصول
الحديث ص ٦٨، وتدريب الراوي ٢٣٨/١، وألفية السيوطي في علم الحديث ص ٣٩، وقواعد
في علوم الحديث ص ٤٢، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٤٣٠.
(٢) ص ٣٣٧.
(٣) سقط من المطبوعة.
(٤) زيادة من المطبوعة .
(٥) في (ج) والمطبوعة: فما وجه التخصيص.

٤٥٥
الوهم في الإسناد والمتن
٠٠٠
(ُمَّ الوَهم) وهو القسم السادس، وإنما أفصح به
[الوهم في الإسناد والمتن]
(ثم الوهم)(١) أي رواية الحديث على سبيل التوهم، وذلك قد يقع في
الإِسناد وهو الأكثر، وقد يقع في المتن، مثل إدخال حديثٍ في حديث آخر. والأول
قد يقدح في صحة الإِسناد والمتن جميعاً، لِمَا في التعليل بالإِرسال(٢) واشتباه
الضعيف بالثقة. مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجىء أيضاً بإسناد منقطع
أقوى من الإِسناد الموصول. وقد يقدح في صحة الإِسناد خاصة من غير قدح في
صحة المتن.
ومثاله: ما رواه الثقات كَيَعْلَى بن عُبَيْد، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن
دينار، عن ابن عمر، /٧٥ - ب/عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ((البيِّعان
بالخيار ... ))(٣) الحديث، فهذا إسنادٌ متصل بنقل العدل عن العدل، وهو مُعَلَّل
غير صحيح، والمتن على كل حال صحيح. والعلة في قوله: عن عمرو بن دينار،
وإنما هو عبد الله بن دينار، وهكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ
يَعْلَىْ بن عُبَيْدِ، وعَدَلَ عن عبد الله بن دينار الموافق له في اسم أبيه إلى عمروبن
دينار، وكلاهما ثقة (٤).
(وهو القسم السادس، وإنما أفصح به) أي عبّر عنه باسمه الصريح، ولم يقل:
(١) انظر التعليق رقم (٤) ص ٤٥١.
(٢) في (ج) بإرسال.
(٣) أخرج المتن البخاري (فتح الباري) ٣٠٩/٤، كتاب البيوع (٣٤)، باب إذا بين البيعان، ولم يكتما،
ونصحا (١٩)، رقم (٢٠٧٩). ومسلم ١١٦٤/٣، كتاب البيوع (٢١)، باب الصدق في البيع
والبيان (١١)، رقم (٤٧ - ١٥٣٢).
(٤) انظر علوم الحديث ص ٩١.

٤٥٦
المنكر
لطول الفصل (إن الطُّلِعَ عليه) أي على الوهم (بالقَرَائن) الدَّالة على
وهم راويه، مِنْ وصْلٍ مُرْسَل، أو مُنْقَطِع، أو إدخالِ حديثٍ في
حديث، أو نحو ذلك مِنْ الأشياء
والسادس؛ (لطول الفصل) أي بابِهِ، والبحث فيه، وهو مقتضٍ للاهتمام(١) به كما
في الأقسام الآتية، ولذا أيضاً عطف بـ: ثُمَّ الدال على التراخي، إشارة إلى أن التراخي
بحسب الرتبة، فاندفع ما قيل: إن طول الفصل إنما هو في الشرح، لا في المتن،
وأيضاً يندفع بأنه قد يُعدّ(٢) ما في المتن طولاً أيضاً، فالمراد
[١٠٦ - أ]/ بالفصل، الفاصلة بين قوله فيما سبقْ: أو وهمه(٣)، وبين قوله: (إن
اطلع) بصيغة المجهول، (عليه أي على الوهم)، وأما إن لم يُطلع عليه، فهو
المقبول. وفيه أن جميع أسباب الطعن مشتركة (٤) في أنه متى ما لم(٥) يطلع عليه،
فهو مقبول. فبالاطلاع يجعل موجباً للطعن، فلا وجه لاختصاص الاطلاع
بالسادس.
١٣٠
(بالقرائن الدالة على وَهْمِ راويه) المُنَّبِّهَة للعارف عليه(٦)، بحيث يغلب على
ظنه، فيحكم بعدم صحة الحديث لذلك اكتفاء بغلبة الظن، أو يتردد لعدم ترجيح
أحد الطرفين، فيتوقف في الحكم (٧) بالصحة وعدمها. وأما إذا لم يطلع عليه بما
ذكر من القرائن، فالظاهر السلامة من الجرح، فهو من أقسام المقبول.
(مِنْ وَصْلِ مُرْسَل) من بيانية للقرائن. (أو منقطع) عطف على مرسل (أو
إدخالٍ حديث في حديث) عطف على وصل، وكذا (أو نحو ذلك من الأشياء
(١) عبارة (ج) مقتضى الاهتمام.
(٢) في (ج) یعید.
(٣) في (د) والمطبوعة: أو وَهِم. والصواب ما أثبتناه من (ج) والمحمودية، وانظر المتن ص ٤٣٣.
(٤) في (ج) والمطبوعة: مشترك.
(٥) في (ج) لم ما.
(٦) في (ج) علته.
(٧) في (د) بالحكم.

٤٥٧
المنکر
القادِحَة.
القادحة) كإرسال موصول، أو وقف مرفوع.
قال السخاوي (١): كإبدال راوٍ ضعيف بثقة، كما اتفق لابن مَرْدُوْيَه في حديث
موسى بن عُقْبَة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رفعه: ((إنَّ اللَّهَ أذهبَ عنكم
عُبِّيَّة الجاهلية))(٢) فإنه قال: إنّ راويه غَلِظُ في تسميته موسى بن عُقْبَة، وإنما هو
موسى بن عُبَيْدَة، وذاك ثقة، وابن عُبَيْدَة(٣) ضعيف. انتهى. وعُبِّيَّة الجاهلية: بضم
مهملة وكسرها، وتشديد موحدة، ثم ياء مشددة، فُعُولَة أو فُعِّيْلَة، وهي: الكِبْر على ما
في ((النهاية)) (٤).
وقال شارح: مثاله ما انفرد به مسلم في ((صحيحه))(٥) من رواية الوليد بن
مسلم: حدثنا الأوْزَاعِيّ، عن قَتَادة: أنّه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك: أنّه
حدثه قال: ((صليت خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر، وعمر
[١٠٦ - ب] وعثمان رضي الله تعالى عنهم، فكانوا يستفتحون /٧٦ - أ/ بالحمد لله
رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)).
ثم رواه من رواية الوليد، عن الأوزاعي: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة: أنّه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك(٦). وروى في ((الموطأ)) عن حُميد،
(١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٢٦٠/١ - ٢٦١.
(٢) أخرجه أبو داود ٣٤٠/٥، كتاب الأدب (٤٠)، باب في التفاخر بالأحساب (١١١)، رقم (٥١١٦).
والترمذي ٦٩٠/٥، كتاب المناقب (٤٦)، باب في فضل الشام واليمن (٧٤)، رقم (٣٩٥٥).
(٣) صحفت في (ج) و(د) والمطبوعة إلى: ابن عُقبة، والصواب ما اثبتناه من فتح المغيث ((للسخاوي))
٢٦١/١. وانظر ترجمة موسى بن عقبة في تهذيب الكمال ١١٥/٢٩، والتقريب ص ٥٥٢، رقم
(٦٩٩٢)، فهو الثقة وموسى بن عُبيدة في تهذيب الكمال ٢٩ / ١٠٤٠، والتقريب ص ٥٥٢، رقم (٦٩٨٩)
هو الضعيف، فتنبه.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ١٦٩/٣.
(٥) ٢٩٩/١، كتاب الصلاة (٤)، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (١٣)، رقم (٥٢ - ٣٩٩).
(٦) في هامش (ج) قال أبو مسلمة: «سألت أنس بن مالك: أکان رسول الله ێے یستفتح بالحمد لله رب
العالمين، أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه =

٤٥٨
المعلّل
وَتَحْصُلُ معرفة ذلك بكثرة التتبع (وجَمْع الطُّرُق، فـ) هذا هو
(المُعَلَّل)
عن أنس رضي الله عنه قال: ((صليت وراء أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله
تعالى عنهم، وعن سائر الصحابة أجمعين - فكلهم لا يقرؤن: بسم الله الرحمن
الرحيم)) (١). وزاد الوليد بن مسلم عن مالك به: ((صليت خلف رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم ... )) (٢). قال ابن عبد البرّ: وهو عندهم خطأ. وحديث أنس قد
أعلّه الشافعي فيما ذكره البيهقي في ((المعرفة)).
(وتحصل معرفة ذلك) أي الوهم، (بكثرة التتبع) أي النظر في رجال
الأسانيد، واختلافات المتون.
(وجمع الطرق) أي الأسانيد المشتملة على المتون، واستقصائها من
المَجَامِع والمسانيد، والنظر في اختلاف رواة كل حديث، وضبطهم، وإتقانهم
- لیحصل الترجيح بذلك، ويُعلم أنه موصول، أو مرسل، أو نحوهما - ورواية غيرهم
على سبيل التوهم، فقد روي عن علي بن المَدِيني أنه قال: الباب إذا لم تُجْمَعْ(٣)
طرقه لم يتبين خطؤه.
[المُعَلَّل] (٤)
(فهذا / هو المُعَلَّل) فيه مسامحة، فإن ما فيه الوهم هو المعلل، وقد
٠
١٣١
= أحد قبلك)) رواه أحمد في مسنده ١٦٦/٣، وابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني ٣١٦/١ وقال:
هذا إسناد صحيح، قال البيهقي في المعرفة: في هذا دلالة على أن مقصود أنس ما ذكره الشافعي.
شرح ألفية العراقي ص ١٠٦. فيه نظر، فإن فيه دلالة على أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لما
قال أنس: ما أحفظه.
(١) الموطأ ٨١/١، كتاب الصلاة (٣)، باب العمل في القراءة (٦)، رقم (٣٠) بلفظ: ((قمت وراء أبي
بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ - بسم الله الرحمن الرحيم - إذا افتتح الصلاة)).
(٢) مرّ تخريجه ص ٤٥٧، تعليق رقم (٥).
(٣) في المطبوعة: يجتمع، وفي (ج) يجمع.
(٤) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٨٩، وإرشاد طلاب الحقائق ص ١٠١، والباعث =

٤٥٩
المعلِّل
وقع في عبارة كثير من المحدثين، كالبخاري، والترمذي، وابن عَدِي،
والدارقطني(١)، وكذا في عبارة المتكلمين والأصوليين تسميته بالمعلول. ورده(٢)
ابن الصلاح(٣) بأن ذلك مرذول عند أهل العربية واللغة (٤)، لأن المعلول من: عَلَّهُ
بالشراب، أي سقاه مرة بعد أخرى، وهو غير ملائم، وسماه مُعَلَّلاً.
قال العراقي (٥): الأجود في تسميته: المعلل، وكذا وقع هو في عبارة
[١٠٧ - أ] بعضهم، وأكثر عباراتهم في الفعل، أعله فلان بكذا، وقياسه مُعَلّ (٦).
قال الجوهري (٧): لا أَعَلَّكَ الله بعلته، أي ما أصابك بمصيبته. وأما عَلَّلَهُ، فإنما
يستعمله (٨) أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، من تعليل الصبي بالطعام.
قال السخاوي (٩): وما يقع من استعمال [أهل] الحديث له حيث يقولون: علله
فلان، فعلى طريق الاستعارة. انتهى. وكأن وجه الشبه الشغل، فإن المحدث
يشتغل(١٠) بما فيه من العلل.
هذا، والعلة عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث. فالحديث
= الحثيث ص ٦٠، وبلغة الأريب في مصطلح أثار الحبيب ص ١٩٤، والخلاصة في أصول الحديث
ص ٦٩، وفتح المغيث (للعراقي)) ص ١٠٠، وفتح انمغيث («للسخاوي)) ٢٥٩/١، وتدريب الراوي
٢٥١/١، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٥٥، وقواعد في علوم الحديث ص ٤٣، ومنهج
النقد في علوم الحديث ص ٤٤٧ .
(٢) في المطبوعة: ورواه.
(١) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٢٥٩/١ .
(٣) علوم الحديث ص ٨٩.
(٤) عبارة (ج) بأنه مردود عند أهل اللغة والعربية، وفي (د) بأن ذلك مردود ... وما أثبتناه عبارة ابن
الصلاح ص ٨٩، وانظر فتح المغيث للعراقي ص ١٠١ .
(٥) فتح المغيث (للعراقي)) ص ١٠١.
(٦) في (د) معلل.
(٧) الصحاح ٢ / ١٥٠ - ١٥١ مادة (علل) وعبارته: لا أعلك الله، أي ما أصابك بعلة.
(٨) في (ج) فإنه يستعمله، وفي (د) فإنما يستعمل.
(٩) فتح المغيث ٢٦٠/١ وما بين الحاصرتين منه.
(١٠) في المطبوعة: يشغل.

٤٦٠
المعلِّل
وهو مِنْ أَغْمَض أنواع علوم الحديث وأَدَقِّها، ولا يقوم به إلا مَنْ
رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة،
ومَلَكَةً قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل
هذا الشأن: كعليّ بن المَدِيني، وأحمد بن حنبل، والبخاري،
المعلل هو الذي اطَّلِع على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة، ليس للجرح
مدخل فيها، لكونه ظاهر السلامة.
(وهو) أي هذا النوع (من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها) عطف تفسير
أي أخفاها دَرْكاً، وأدقها(١) إدراكاً. قيل: ومِن أشرفها، حتى قال ابن المَهْدي:
لأَنْ أعرِف علةَ حديث واحدٍ أحبّ إليَّ من أن أكتب عشرين
حديثاً / ٧٦ - ب / ليس عندي.
(ولا يقوم به) أي بعلم(٢) هذا الفن الغامض حقَّ القيام به، (إلا مَن
رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً) أي مضيئاً مُدْرِكاً، (وحفظاً واسعاً) أي شاملاً للأسانيد
والمتون، (ومعرفة تامة) أي كاملة (بمراتب الرواة) في العدالة والضبط وغيرهما،
(ومَلَكَة قوية) أي مهارة راسخة، وحذاقة ثابتة(٣) (بالأسانيد والمتون) أي
باختلافهما، واستيفاء العلم بهما، واستقصائهما.
(ولهذا) أي ولكون هذا الفن أغمض الأنواع، أو لعدم القيام به إلا مَن
رزقه الله تعالى ووفقه، وقليل ما هم. (لم يتكلم فيه إلا قليل (٤) مِن أهل هذا
الشأن) أي مع أن شأنهم كلهم أن يتكلموا فيه، ويحكموا بما يقتضيه.
(كعلي بن المَدِيني) بالياء (وأحمد [١٠٧ - ب] بن حنبل، والبخاري
(١) في (د) أقواها، بينما في هامشها ((أدقها)).
(٢) في (ج) والمطبوعة: يعلم.
(٣) في (د) ثاقبة.
(٤) في (د) القليل.