Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
إلا أنّ هذا يختصُّ بما لم ينتقدْه أحد من الحفاظ مما في الكتابين،
المصنف، ومِن قبله شيخُهُ البُلقيني تبعاً لابن تَيْمِيَّة.
وحينئذ فيُفرَّق بين المتواتر، والآحاد بأنّ العلم في ذلك ضروري يشترك
فيه/٢٥ - ب/ العالم وغيره، وفي هذا نظري لا يحصل إلا للعالم بالحديث المتبحِّر
فيه، العالم بأحوال الرواة، المطلع على العلل، وكون غيره لا يحصل له العلم
بصدق ذلك لا ينفي حصوله، كذا قيل(١).
وفيه أنه لو كان كذلك لما وقع الاختلاف بين المجتهدين مع أن كثيراً من
الأحاديث فيهما(٢) ممّا يقتضي التناقض، فكيف يفيد العلم القطعي؟ ولما استشعر
المصنف اعتراضاً بأنه قد يوجد الحديث الضعيف فيهما قال:
(إلا أنّ هذا) أي ما ذكر من [٣٣ - ب] كون التلقي قرينة، وكونه أقوى من
مجرد كثرة الطرق. (يختص بما لم ينتقده) أي لم يزيفه، مِن نَقَدْتُ الدراهم،
وانتقدتها إذا أخرجتُ منها الزَّيْفَ، والمعنى: لم يعترض(٣) عليه. (أحد من
الحفاظ) كالدَّارَقُطْنِيّ وغيره.
(مما في الكتابين) لفقد الإِجماع على التلقِّي. قال تلميذه: وفيه إشارة إلى
أن العلماء لم يتلقوا كل ما في الكتابين بالقبول. انتهى. وهذا كما استثناه ابن
الصلاح(٤) حيث قال: سِوَى أحرفٍ يسيرةٍ تكلم عليها الحفاظ وهي معروفة. قال
السخاوي: وتزيد على مئتي حديث. قال النووي: إنه أجاب عنها آخرون. قال
السخاوي: يعني كما أفرده العراقي في تأليف عدمت مُسَوَّدَتُه قبل أن يبيضها(٥)
(١) في المطبوعة: كذلك قيل.
(٢) سقط من (ج).
(٣) في (ج) و(د): لم يتعرض.
(٤) انظر علوم الحديث ص ٢٩.
(٥) في المطبوعة: عدت مسودة قبل أن يبيضها.

٢٢٢
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
وتكفل شيخنا في مقدمة ((شرح البخاري))(١) بما فيه من ذلك. والمولى
العراقي بما في ((مسلم)). وقال البِقَاعي: في ((النكت الوفية)): قال شيخنا
الدارقطني: ضُعِّف من أحاديثهما مئتين وعشرة، يختص البخاري بثمانين، واشتركا
في ثلاثين، وانفرد مسلم بمئة. قال: وقد ضعف غيره أيضاً غير هذه الأحاديث.
وقال النووي في خطبة ((شرح صحيح البخاري)): إنّ ما ضُعِّف من أحاديثهما
مبني على علل ليست بقادحة. قال: فكأنه مال إلى أنه ليس فيهما ضعيف. وكلامه
في خطبة ((شرح مسلم)) يقتضي تقرير قول من ضعف. قال شيخنا: وأظن هذا
بالنسبة إلى مقام الرجلين، وأن الشيخ يرفع عن البخاري، ويقرر(٢) على مسلم.
انتھی .
٤٢
وبالجملة هذا مستثنى من التلقي / لاختلاف العلماء فيه. ويفيد أنه لا بد من
النظر للمجتهد في رجالهما حتى يظهر المعلول(٣) من غيره. وهذا يُعَكّر(٤) على ما
قال النووي(٥) عن الأكثرين: أن تلقي الأمة إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من
غير توقف على النظر فيهما بخلاف غيرهما، فلا يُعمل به حتى ينظر، ويوجد فيه
شرط الصحيح انتهى.
وهو بظاهره غير مستقيم، لأن مراده إن كان أعم من المجتهد وغيره،
[٣٤ - أ] ففيه أنَّ المجتهد لا يجب عليه أنْ يقلِّد غيره. وإن كان مقصوده المقلد،
فليس له إلا أن يتبع مجتهده(٦)، اللهم إلا أن يقال: مراده المقلد المجتهد في
(١) هدي الساري ص ٣٨٢.
(٢) في المطبوعة: وتقرير.
(٣) في (د) المعمول.
(٤) في (د) يعكس.
(٥) انظر تعليق رقم (٥) ص ٢٢٠.
(٦) في (ج) مجتهداً.

٢٢٣
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث
لا ترجيح؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير
ترجيح لأحدهما على الآخر. وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على
تسلیم صحته .
المذهب، فإنه إذا لَم يَرَ نَصَّاً عن إمامه/٢٦ - أ/ فله أن يقلد الشيخين في
تصحيحهما، ويبني عليه مسألة فرعية.
(وبما) أي ويختص أيضاً بما. (لم يقع التجاذب) أي التخالف كما في
نسخة، والمراد التعارض. (بين مدلوليه مما وقع في الكتابين) قال تلميذه: لقائل
أن يقول: لا حاجة إلى هذا لأن الكلام في إفادة العلم بالخبر لا في إفادة العلم
بمضمونه. انتهى. والظاهر أنه إنما احتاج إلى استثناء ذلك لأنه لمّا ادَّعى أنّ العلم
اليقيني يحصل بما في الكتابين ولا شك أنّ فيهما ما يوجب التناقص، فاضطر إلى
هذا القول ليتمّ مقصوده.
لكن بقي شيء، وهو أنه إذا كان مدلول ما في الكتابين مخالفاً(١) لما ذكره
غيرهما من الخبر المحتفّ بالقرائن ينبغي أنْ لا يفيد شيء منهما العلم. ولم
يتعرض المصنف لذلك، ویمکن أن يتكلف، ويحمل(٢) كلامه على ما يشمله بأدنى
اعتناء ويشير إليه قوله:
(حيث لا ترجيح) بأن يكون أحدهما ناسخاً، والآخر منسوخاً، أو بأن يكون
لأحد مدلولية تقوِّ بمدلول حديث(٣) آخر.
(لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على
الآخر) أي فإذا رُجح أحدهما كان الراجح هو المفيد للظن القوي لا غير. (وما عدا
ذلك) أي ما ذكر من الاستثنائين. (فالإِجماع حاصل على تسليم صحته) أي وكونه
أرجحَ في إفادة العلم.
(١) سقط من (ج).
(٢) في (د) ويحتمل.
(٣) في المطبوعة: مذهب.

٢٢٤
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على
صحته، منعناه،
(فإن قيل: إنّما اتفقوا على وجوب العمل به) أي بما في الكتابين. (لا على
صحته) قال تلميذه: وحاصل السؤال أنهم اتفقوا على وجوب العمل، وهو لا
يستلزم صحة الجميع بالمعنى المصطَلَحِ عليه، لأن العمل يجب بالحَسَن كما
يجب بالصحيح، فحينئذ لا يلزم أن يكون [٣٤ - ب] الاتفاق على الصحة.
انتھی .
وبالجملة نقضٌ تفصيلي أي دليلك لا يثبت المدَّعَى، فإنه إنما يدل على
وجوب العمل، وذلك غير مستلزِم للصحة، ولا يدل دليلك على الصحة. ومعنى
قوله :
(منعناه) أي منعنا عدم دلالته على الصحة. وقال تلميذه: أي منعنا قوله: لا
على صحته.
وحاصل ما ذكره من السند الآتي: أنّ معنى تلقِّي العلماء بالقَبول مزيتهما
باعتبار الصحة. وقال بعض الفضلاء: هذا السؤال معارضة، وبيانها أنّ الشارح
استدل على أن الإِجماع حاصل على تسليم صحة ما عدا (١) المذكور بثلاثة أدلة:
التلقي وأخَوَيْه(٢)، واستدل المعارض بأنهم لم يتفقوا إلا على قَبوله ووجوب العمل
به، وما يجب العمل به لا يجب أن يكون صحيحاً. وهذه المقدمة مطوية، والمنع
راجع إلى المقدمة الأولى باعتبار حصرها، وهذا هو الأقرب.
وقيل: هذا السؤال / منع للمقدمة القائلة: الإِجماع حاصل على تسليم صحة
ما عدا المذكور، أي لا نسلم ذلك لأنه ليس الإِجماع إلا على
وجوب/٢٦ - ب/ العمل به. وقوله: منعناه منع لهذا السند الذي ذكره المانع بلا
٤٣
(١) في (د) عدي.
(٢) أي جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما

٢٢٥
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
وسند المنع، أنهم متَّفِقُون على وجوبِ العمل بكل ما صح، ولو
لم يخرِّجه الشيخان، فلم يبق للصحيحين في هذا مَزِيَّة، والإِجماع
حاصل على أنّ لهما مزيةً فيما يرجع إلى نفس الصحة،
حاجة إليه، وأنت تعلم أنّ هذا المنع لا يجدي بطائل(١)، فالأولى أن يترك قوله:
منعناه، ويذكر سنده إثباتاً للمقدمة الممنوعة مع أنّ فيه نظراً، لأن قوله: الإِجماع
حاصل على صحته(٢) نتيجةٌ، والمنع إنما يكون على الدليل. قال المصنف:
(وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجه
الشيخان، فلم يبق) هذا إنما يتفرع بملاحظة مقدمة أخرى، وهي أن الإِجماع
حاصل على أن لهما مزية.
(الصحيحين في هذا مزية، والإجماع) الأظهر أن يقول: فالإِجماع.
(حاصل على أنّ لهما مزيةً فيما يرجع إلى نفس الصحة) قيل فيه [٣٥ - أ]:
إنه لا يلزم من ذلك الاتفاق الإِجماع على صحة ما في الكتابين، فإنه يجوز أن يتفق
الجميع على وجوب العمل بالصحيح، ولا يكون جميع ما في الصحيحين
صحيحاً، وتكون المزية باعتبار وجوب العمل بجميع ما فيهما صحيحاً أو غيره.
وقال التلميذ: وحاصل الجواب: أنّ للشيخين مزيةً فيما خرَّجاه(٣) وما حَسُن
أو صح وجب العمل به وإن لم يكن من مرويهما، فيلزم أنّ ما أخرجاه أعلى
الحَسَن، وأعلى الصحيح، فيلزم من الاتفاق على وجوب العمل بما فيهما مع
مزيتهما الاتفاق على صحته. هذا ما أمكنني في تقرير هذا المحل.
وأما العبارة، فإذا نظرت إليها تجدها تنبىء عن ملائمة الطبع السليم. انتهى.
فالمنع بمعنى الدفع محمول على معناه اللغوي لا على ما هو المصطلح عند أرباب
(١) عبارة (ج) لا يجدي بطائل تحته فالأولى.
(٢) في المطبوعة و(د) صحة.
(٣) في (ج) خرجا.

٢٢٦
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
وممن صرح بإفادة ما خَرَّجه الشيخان العلمَ النظري: الأستاذ أبو
إسحاق الإِسْفَرَاييني، ومن أئمة الحديث: أبو عبدِ اللَّهِ الحُمَيْدِي، وأبو
الفضلِ بنُ طاهر، وغيرهما.
المناظرة، وهو طلب الدليل إذ المنعُ لا يتوجَّه على المنع.
(وممن صرَّح بإفادة ما خرّجه) بتشديد الراء، أي أخرجه، وذكره (الشيخان
العلم النظري) أي المستلزم أن يكون صحيحاً. (الأسْتَاذُ) بضم الهمزة وبالذال
المعجمة مُعَرَّبُ المهملة، وكأنه مأخوذ من قول العرب: أَسْتَادُوا(١) بني فلان: قتلوا
سيِّدَهم، فيرجع إلى ما معنى السيد (أبو إسحاق) أي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم.
(الإِسْفَرَابِيني) نسبة إلى إسفراين(٢)، بكسر الهمزة، وسكون السين المهملة،
وفتح الفاء والراء، وكسر الياء(٣) التحتية، وبعدها نون، بلدة بخُرَاسَان بنواحي
نَيْسَابور في منتصف الطريق إلى جُرْجَان. وهو من أئمة المتكلمين كما في نسخة.
(ومن أئمة الحديث أبو عبد الله) وفي نسخة: عبد الله.
(الحُمَيْدِي) بالتصغير نسبة إلى جده الأعلى، وهو الأَنْدَلْسِيّ القُرْطُبِيّ.
(وأبو الفضل بن طاهر، وغيرهما) بل ألحقَ ابن طاهر بذلك ما كان على
شرطهما. قيل فيه: إنه لما ذكر أن الإِجماع حاصل على وجوب العمل بهما لا
فائدة في عدد معين ممن صرح بذلك. والأظهر [٣٥ - ب] أنه إشارة إلى ما جوز
إطلاق العلم النظري على ما أخرجه الشيخان، فيفيد بالضرورة/٢٧ - أ/ القول
بصحته كما سبق الإِيماء منا إليه.
(١) في (ج) استادي، وفي المحمودية: استاد ابن فلان، والصواب ما أثبتناه. انظر لسان العرب ٢٢٨/٣
مادة (سود).
(٢) انظر معجم البلدان ١٧٧/١ .
(٣) زيادة من (ج).

٢٢٧
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
ويحتمل أنْ يقال: المزيَّةُ المذكورة كون أحاديثهما أصحّ
الصحيح .
ومنها: المشهور إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمة من ضَعْفٍ
الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلمَ النظريَّ، الأستاذُ أبو
منصورِ البغداديُّ، والأستاذُ أبو بكرٍ بنُ فُؤْرَك، وغيرهما.
(ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح) كان
حقه أن يُفَرِّع ذلك على قوله: فيما يرجع إلى نفس الصحة، ويُقَدَّم على قوله:
وممن صرح. / وترك الاحتمال، ويقول: فيكون المزية المذكورة ... إلخ. ولك
أن تقول: معنى قوله: مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة، أن لهما مزيةً من حيث
الصحة .
٤٤
(ومنها) أي من أنواع الخبر المحتفّ بالقرائن. (المشهور) أي الحديث
المشهور عند علماء الحديث، لا المشتهر على ألسنة العامة، ولذا قال: (إذا كانت
له طُرُق،) أي أسانيد (مُتَبَايِنَةٌ) أي متغايرة (سَالِمةٌ من ضعف الرواة، والعِلل) أي
القادحة خفيةً كانت، أو غيرها.
(وممن صرَّح بإفادته) أي المشهور المذكور (العلم النظري) بالنصب على
المفعولية (الأستاذ أبو منصور البغدادي) بالدال المهملة أولاً، والمعجمة ثانياً، وهو
أفصح من عكسه، ومن المهملتين، والمعجمتين(١)، (والأستاذ أبو بكر بن فُورَك)
بضم الفاء، وفتح الراء (وغيرهما) قال المصنف فُورَك ممنوع الصرف، فإنهم
يُدخلون الكاف عوض ياء التصغير. ومثله زيرك. قال تلميذه: هذا ليس علة منع
الصرف على ما عُرف في العربية. قلت: هذا غفلة من التلميذ لأنّ مراد الشيخ
بضمير قوله: فإنهم الأعجام. وبهذا يُعلم أنّ علة منع الصرف هي العُجْمَة مع
العلمية المعلومة من المقام.
(١) قال ياقوت: وفي بغداد سبع لغات، معجم البلدان ٤٥٦/١.

٢٢٨
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
ومنها: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون
غريباً. كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً، ويشاركه فيه غيره
عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم
عند سامعه
(ومنها: المسلسل بالأئمة الحُفَّاظِ المُتْقِنِين) أي المحققين بأن يكون رجال
إسناده الأئمة لا يزال يرويه إمام عن إمام. وكأنه مأخوذ من سَلْسَلْتُ الماء في حلقه
أي صيبته(١)، لأنّ كل شيخ بإلقائه(٢) إلى تلميذه كأنه يصبه(٣) في جوفه. والظاهر
أنه يريد بالمسلسل المعنى اللغوي، لا [٣٦ - أ] الاصطلاحي، ولذا قال:
(حيث لا يكون) أي الحدیث.
(غريباً) أي لا يكون غرابةٌ، وتفردٌ في سنده(٤) ومراده أن يكون عزيزاً لما
تقدم من ذكر المتواتر والمشهور، ولقوله: (کالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً،
ويشاركه) أي أحمد (فيه) أي في ذلك الحديث من جهة الرواية (غيرُه) أي غير
أحمد سواء يكون في مرتبته(٥) أو ممن هو دونه (عن الشافعي) أي مثلاً: (ويشاركه)
أي الشافعي (فيه غيره عن مالك بن أنس) أي مثلاً عن نافع، عن ابن عمر مثلاً.
ولعل(٦) تركَ مشارك مالك لظهوره مما هنالك. ولذا قيل: حدثنا مالك من زينة
الدنيا. وكذا مشارك نافع على خلاف سبق في اعتبار مشارك الصحابي.
(فإنه) أي الحديث حينئذ (يفيد العلم) أي النظري (عند سامعه) أي الحديث
(١) في المطبوعة: صبيت.
(٢) في المطبوعة: بالقاء.
(٣) في المطبوعة: يصب.
(٤) في (ج) سند.
(٥) في المطبوعة و(ج) مرتبة.
(٦) في (ج) لعله.

٢٢٩
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
بالاستدلال من جهة جلالةِ رُوَاته، فإن فيهم من الصفاتِ اللائقةِ
الموجِبَة للقبول ما يقومُ مَقَام العددِ الكثير مِن غيرهم،
مع إسناده(١)) الواصل إليه برجالٍ ثقات/٢٧ - ب/على نحو ما تقدم (بالاستدلال)
متعلّق بالعلم (من جهة جلالة رواته) متعلق بـ: يفيد.
(فإن فيهم) أي ومن جهة أنّ فيهم أي في الرواة من الأئمة .
(من الصفات اللائقة الموجبة للقبول) أي لكمالِه(٢) من ظهور العدالة،
والضبط، والاتقان، والفهم، وغيرها.
(ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم) ولذا يسمَّى مثل هذا الإِمام: أمة. قال
الله تعالى: ﴿إِنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً﴾ (٣) لأنه يجتمع فيه مِن الكمالات ما لا يوجد
متفرقة (٤). إلا في جماعة. ولذا قال الشاعر:
وليس مِن اللّهِ بمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في واحِدٍ
وقد قيل في الحديث / المشهور: ((عليكم بالسَّوادِ الأعظم))(٥) أي الأروع ٤٥
الأعلم. وقد أقام النبي له شهادة صحابي عن اثنين(٦)، لكنّ البحث في إفادة
العلم اليقيني، وأما العلم الظني، فهو حاصل بظاهر العدالة، والضبط.
(١) في (ج) إسناد.
(٢) في (د) كلما له، وهو تصحيف.
(٣) سورة النحل: (١٢٠).
(٤) عبارة (ج) ما لا يوجد في متفرقه.
.(٥) أخرجه ابن ماجه ١٣٠٣/٢، كتاب الفتن (٣٦)، باب السواد الأعظم (٨)، رقم (٣٩٥٠). والإِمام
أحمد في المسند ٢٧٨/٤، ٣٥٧، ٣٨٣.
(٦) وهو الصحابي الجليل خزيمة، وأخرج هذا الحديث أبو داود ٣١/٤ -٣٢، كتاب الأقضية (٢٣)، باب
إذا علم الحاكم صدق الشاهد ... (٢٠)، رقم (٣٦٠٧). والنسائي ٣٠١/٧ -٣٠٢، كتاب البيوع
(٤٤)، باب التسهيل في ترك الأشهاد على البيع (٨١)، رقم (٤٦٤٧). والإِمام أحمد في المسند
٢١٦/٥.

٢٣٠
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
ولا يتشكك مَنْ له أدنى ممارسةٍ بالعلم وأخبارِ الناس، أنّ مالكاً مثلاً
لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه أيضاً مَن هو في تلك
الدرجة، ازداد قوةً، وبَعُدَ عمّا يُخْشَى عليه من السهو.
وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها،
(ولا يتشكك) أي لا يتردد، والظاهر أنه استعمل الشك في المعنى اللغوي،
ومراده أنه لا يتوهم.
(ومَن له أدنى ممارسة بالعلم) أي بعلم الحديث، (وأخبار [٣٦ - ب]
الناس) أي من المحدثين، وأرباب التواريخ، وغيرهم(١)، (أنّ مالكاً مثلاً لو شافهه)
أي واجهه ورواه بغير واسطة (بخير) أي بحديث من الأحاديث (أنه) أي في أن
مالكاً (صادق فيه) أي في إخباره به. قال تلميذه: إنْ أرادَ أنه لم يتعمد الكذب،
فليس محل النزاع، وإن أراد أنه لا يجوز عليه السهو، والغلط ففيه الكلام. أقول:
وإن أراد أنه يغلب عليه الصدق ولا عبرة بالنّدرة فمُسَلَّم، لكن لا يفيد العلم.
(فإذا انضاف) أي انضم (إليه) أي إلى مالك (أيضاً) مستدرِك مستغنَىَّ عنه
(مَن هو في تلك الدرجة) يُفهم منه أنّ الغير المشارك أيضاً إمام في الجملة (ازداد)
أي الخبر أو المخبر (قوة) أي في العلم أو في أنّ مالكاً صادق (وبَعُدَ) أي الخبر،
أو مالك (عما يخشى عليه) أو على خبره (من السهو) وفيه أنّ البعد من السهو لا
يستلزم القرب من العلم بل من الصدق، وليس الكلام فيه.
(وهذه الأنواع) أي الثلاثة (التي ذكرناها) أي مما احتف به القرائن (لا
يحصل العلم بصدق الخبر(٢)) الأظهر بصدقُ المُخبِرُ. (منها) أي من جهتها وبسببها
(١) في (ج) وغيرها.
(٢) في (د) المخبر.

٢٣١
أنواع الخبر المحتف بالقرائن
إلا للعالم بالحديث المتبحرِ فيه، العارفِ بأحوالِ الرواة، المطلع على
العِللِ، وكونُ غيره لا يحصلُ له العلم بصدق ذلك لقصوره عن
الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصولَ العلمِ للمتبحِّرِ المذكور.
ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: أنّ الأول مختصٌّ
بالصحيحين، والثاني بماله طرق متعددة،
(إلا للعالم بالحديث) أي بأصول الحديث، وفروعه (المتبحر فيه) يقال: تبحر(١)
في العلم وغيره، أي تعمق وتوسع، والمراد الحاذق في علم الحديث. (العارف
بأحوال الرواة) من العدالة، والضبط، والحفظ. (المطّلع) أي المشرف. (على
العِلل،) أي القادحة فيه، خفيةً كانت، أو جلية كما سيأتي بيانها.
(وكون غيره) أي غير المتبحر. (لا يحصل له العلم بصدق ذلك) الخبر، أو
المخبر. (لقصوره) أي /٢٨ - أ/ لعجزه(٢). (عن الأوصاف المذكورة) أي عن
معرفتها. (لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور) أي بسبب حصولها له. قال
تلميذه: يقال عليه: لو سُلم حصول ما ذكر لم يكن محل النزاع إذ الكلام فيما هو
سبب العلم للخلق، والله أعلم.
(ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها) أي مما احتف به القرائن.
(أنّ الأول:) أي النوع [٣٧ - أ] الأول منها. (مختص(٣) بالصحيحين) أي
مما هو مصحح فيهما(٤) جميعاً.
(والثاني:) أي النوع الثاني مختص. (بما له طرق متعددة) أي من الحديث
المشهور.
(١) في (د) يتبحر.
(٢) في المطبوعة و(ج) عجزه.
(٣) في المطبوعة: يختص.
(٤) في (ج) فيها.

٢٣٢
أقسام الغريب
والثالثُ بما رواه الأئمة. ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، فلا
يَبْعُد حينئذٍ القطع بصدقه، والله أعلم.
(ثم الغَرَابَةُ)
(والثالث:) أي النوع الثالث مختص (بما رواه الأئمة) أي بعضهم من
بعض على ما تقدم.
(ويمكن) أي عقلاً، ونقلاً (اجتماع الثلاثة) أي أنواعها (في حديث
واحد، فلا يَبْعُد) هذا قريب من الحق (حينئذٍ) أي حال(١) اجتماع الأنواع
(القطع بصدقه) وفيه بحث سبق مراراً.
(والله أعلم) والتفويض / إليه أسلم، والتعلق بقول الجمهور أتمّ، وفي
((الفتاوى الظهيرية)): أن الأخبار المروية عن رسول الله وسلم على ثلاث(٢) مراتب:
٤٦
متواتر: فمن أنكره کفر.
ومشهور: فمن أنكره كفر عند الكل، إلا عند عيسى بن أَبان، فإنه يُضَلَّل(٣)،
ولا يُكْفَر، وهو الصحيح .
وخبر الواحد: فلا يكفر جاحده غير أنه يأثم بترك القَبول. ومن سمع حديثاً
فقال: سمعناه كثيراً بطريق الاستخفاف كفر.
[أقسام الغريب]
(ثم الغَرَابة) (٤) هذا انعطاف لما سبق له من أن(٥) الحديث إما متواتر، أو
مشهور، أو عزيز، أو غريب. وما بينهما جُمَلٌ معترضة، والمعنى: بعدما عرفت
(١) في (ج): حين.
(٢) في المطبوعة: ثلاثة.
(٣) في المطبوعة: يضل.
(٤) في (د) صحفت إلى ((الغرابية)).
(٥) سقط من (د).

٢٣٣
أقسام الغريب
(إِمّا أنْ تكونَ في أصلِ السَّنَدِ) أي في الموضع الذي يدور الإِسناد عليه
و
ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي
تعريفَ كلٍ منها (١) وما يترتب عليها من أحكامها، اعلم أنّ الغرابة:
(إما أنْ تكون في أصل السند) قال تلميذه: قال المصنف في تقريره: أصل
السند، وأوله ومنشؤه، وآخره ونحو ذلك يطلق ويراد به من جهة الصحابي (٢)، ويراد
به الطرف الآخر بحسب المقام. انتهى.
وكأنه أراد بالطرف الآخر من جهة الشيخ كالبخاري، ومسلم. وكأن الشيخ
اختار الطرف الأول، ولذا قال:
(أي في الموضع الذي يدور الإِسناد) أي الإِسناد الذي فيه الغرابة .
(عليه) أي على ذلك الموضع من حيث كلُّه، فإن الفرد النِّسْبِيّ يدور فيه
الإِسناد على مَن تفرد به لكن بعضه لا كله. (ويرجع) أي الإِسناد. (ولو تعددت
الطرق) أي الأسانيد. (إليه) أي ذلك الموضع. (وهو) أي ذلك الموضع (طَرَفُهُ)
أي [٣٧ - ب] طرف الإِسناد (الذي فيه الصحابي) وكون الغرابة في هذا الطرف
هو أن يروي تابعي واحد عن صحابي، ولا يتابعه غيره في روايته عن ذلك
الصحابي، سواء تعدد الصحابي في تلك الرواية أو لا.
وأما انفراد الصحابي عن النبي وَّر، فليس غرابة إذ ليس في الصحابة ما
يوجب قدحاً/٢٨ - ب/، فانفراد الصحابي يوجب تعادل تعدد غيره، بل يكون
أرجح. قال تلميذه: قوله: وهو طرفه الذي فيه الصحابي. قال المصنف: أي الذي
يروي عن الصحابي، وهو التابعي، وإنما لم يتكلم في الصحابي، لأن المقصود ما
يترتب عليه من القبول والرد. والصحابة كلهم عدول.
(١) في (د) منهما.
(٢) في (ج) الصحابة .

٢٣٤
أقسام الغريب
وهذا بخلاف ما تقدم في حَدِّ العزيز، والمشهور حيث قالوا: إنّ العزيز لا بد
فيه أن لا ينقص عن اثنين من الأول إلى الآخر، فإنَّ إطلاقه يتناول ذلك، ووجهه أنّ
الكلام هناك في وصف السند. والكلام هنا فيما يتعلق بالقبول والرد. انتهى. وفيه
ما لا يحتاج إليه في هذا المقام. تمَّ كلام التلميذ. لكنه ناقص(١) إذ التحقيق أن عبارة
الشيخ في هذا المقام تدل على أن وحدة الصحابي لا تصير سبباً للغرابة. وعبارته
سابقاً تدل على أن الوحدة في أي موضع كان فهو غريب.
وعبارة ابن الصلاح(٢) تدل على أن وحدة الصحابي لا تدل على الغرابة،
حيث قال: الغريب كحديث الزُّهْرِي، وغيره من الأئمة ممن يُجَمع على حديثهم إذا
انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمَّى غريباً، فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة يسمَّى
٤٧ عزيزاً، وإذا روى جماعة يسمَّى مشهوراً، فانظر فيه حيث يدل / على أن اثنينية
الإِمام فضلاً عن اثنينية الصحابي ليست معتبرة في العزيز. ووحدة الصحابي تجامع
المشهور.
وحاصل الكلام: أنه إن كان المعتبر في تقسيم الغريب تفرد التابعي ومَن دونه
مع قطع النظر عن حال الصحابي، فالذي تفرد به الصحابي عن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم [٣٨ - أ] ولم يقع التفرد في شيء من المراتب بعده إن كان غريباً
يلزم أن لا ينحصر الغريب في القسمين الآتيين، وإن لم يكن غريباً، فقد يصدق
عليه تعريفه، فلا يكون مانعاً، وحينئذ يجب أن يكون داخلاً في ما(٣) سوى الغريب
من الآحاد، ولا يصدق تعريف شيء مما سواه عليه فلا يكون جامعاً، اللهم إلا أن
يخصّ الكلام بما سوى الصحابي في التقسيم، والتعريفات الخارجة منه.
فقوله: طَرَفُهُ أراد به التابعي، وأما الصحابي وإنْ كان من رجال الإِسناد، إلا
أن المحدثين لم يعدوه منهم لأنّ كلهم عدول على الإِطلاق مَن خالط الفتن وغيرهم
(١) في المحمودية: تناقض.
(٢) علوم الحديث ص ٢٧٠ .
(٣) في (ج) فيهما.

٢٣٥.
أقسام الغريب
(أَوْ لا) تكون كذلك بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويَه عن
الصحابي أكثرُ من واحدٍ ثم يَتَفَرَّد بروايته عن واحدٍ منهم شخصٌ
واحد .
لإطلاق قوله تعالى: ﴿وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾(١) أي عدولاً، وقول النبي عليه
الصلاة والسلام: ((خَيْرُ القُرُونِ قرني))(٢). ولإِجماع(٣) مَن يُعْتَدّ به في الإِجماع من
الأئمة على ذلك.
وحكى الآمِدِيّ، وابن الحَاجِب قولاً أنهم كغيرهم في لزوم البحث عن
عدالتهم مطلقاً. وقيل: إنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلا بد من
البحث عمن ليس ظاهرَ العدالة. فقوله: فيه الصحابي، أي في ذلك الطرف،
مسامحة أي، ينتهي (٤) ذلك/٢٩ - أ/ الطرف إلى الصحابي، ويتصل به.
(أَوْ لا تكون) أي الغرابة (كذلك) أي في أصل السند (بأن يكون التفرد
في أثنائه) أي لا يكون في طرفة الذي فيه الصحابي. (كأن يَرويه عن الصحابي
أكثر من واحد ثم يتفرد بروايته عن واحد منهم) أي من التابعين. وفي نسخة
بروايته(٥) منهم.
(شخص واحد) قال المصنف: إن روى(٦) عن الصحابي تابعي واحد، فهو
الفرد المطلق سواء استمر التفرد أم لا، بأن رواه عنه جماعة. وإن رواه عن
الصحابي أكثر من واحد، ثم تفرد عن أحدهم واحد(٧) فهو الفرد النسبي،
(١) سورة البقرة: (١٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٢٥٨/٥، كتاب الشهادات (٥٢)، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد
(٩)، رقم (٢٦٥٢) ولفظه: ((خير الناس قرني)) أما لفظ: ((خير القرون قرني))، فقد أخرجه ابن كثير في
تفسيره ٤ /٣٠٥ عند شرح قوله عز وجل: ﴿ثلة من الأولين﴾ سورة الواقعة (١٣) وقال: ثبت في الصحاح
وغيرها من غير وجه أن رسول الله وَ ل# قال: ((خير القرون قرني ... )) الحديث.
(٣) في المطبوعة: لاجتماع.
(٥) في المطبوعة: برواية.
(٦) في المطبوعة: يروي.
(٧) سقط من (ج).
(٤) في (د) لينتهي.

٢٣٦
الفرد المطلق
(فالأولُ: الفَرْدُ المُطْلَق) كحديثِ النّهي عن بيع الوَلاَء وعن
هِبَتِهِ، تفرد به عبدُ اللهِ بنُ دِينَار عن ابن عمر، وقد يتفرَّد به راوٍ عن
ذلك المتفرِّد، كحدیثٍ شُعَبِ الإِيمان،
ويسمى(١) مشهوراً، فالمدار على أصله. قال تلميذه: يُستفاد(٢) من هذا أنّ قوله
فيما تقدم: أو مع حصر عدد [٣٨ - ب] بما فوق الاثنين ليس بلازم في الصحابي .
(فالأول) وهو الذي تكون الغرابة في أصل السند:
(الفَرْد المطلق) لإِطلاقه الشامل أن يستمر التفرد في اثنائه أم لا .
(كحديث: ((الَّهْي عن بيع الوَلاء) بفتح الواو أي وَلاَءِ العِثْقِ.
(وعن هِيَتِه)))(٣) أي الولاء وهو ما ورد مرفوعاً: ((الوَلَاء لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَب
لا يُبَاعِ ولا يُوهَبُ ولا يُورَث)»(٣). واللُّحْمَة بالضم، أي الاختلاط في الوَلَاءِ،
كالاختلاط في النَّسَب، فإنها تجري مجرى النسب في الميراث.
(تفرد به) أي بالحديث في إسناده.
(عبد الله بن دِینار) تابعي جليل.
(عن ابن عمر) بدون الواو رضي الله تعالى عنهما.
(وقد يتفرد به راوٍ) أي راوٍ آخر.
(عن ذلك المُتَفَرِّد كحديث: شُعَب الإِيمان ) وهو: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وسبعون
٤٨ شُعْبَة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، / وأدناها إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبَةٌ
(١) في (د) وسمي.
(٢) في المطبوعة: استفاد.
(٣) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٤٢/١٢، كتاب الفرائض (٨٥)، باب إثم من تبرأ من مواليه (٢١)،
رقم (٦٧٥٦)، والحاكم في المستدرك ٣٤١/٤، والبيهقي في السنن ٢٩٢/١٠ - ٢٩٣.

٢٣٧
الفرد النِّسِي
تَفَرَّد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن
أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته، أو أكثرهم. وفي
(مسند البزَّار))، و ((المعجم الأوسط)) للطبرانيّ أمثلةٌ كثيرة لذلك.
(والثاني: الفَرْدُ النِّسِْيّ) سُمِّي نسبياً لكون التفرد فيه
من الإِيمان))(١) والبِضْعُ: ما بين الثلاث إلى التسع، وإماطة الأذى: إزالة ما يؤذي
من نحو شَوْكٍ، وحَجَرٍ، وشَجَرٍ عن طريق المسلمين. قيل: المراد الكثرة لا
خصوص هذا العدد، لكن يأباه ذكر البِضْعِ، فالتفويض أسلم، والله أعلم.
(تفرد به أبو صالح) تابعي. (عن أبي هريرة، وتَفَرَّد به عبد الله بن دینار، عن
أبي صالح) فهو من رواية الأقران(٢).
(وقد يستمر التفرُّد في جميع رواته، أو أكثرهم وفي ((مسند البزَّاز))) بتشديد الزاء.
(و ((المعجم الأوسط للطبراني) وكذا ((الصغير)) للطبراني. (أمثلة كثيرة لذلك) أي
لاستمرار التفرد في جميع رواته، أو أكثرهم(٣)، أو لمطلق التفرد. والله أعلم. قال
السخاوي: بل للدارقطني ((الأفراد)) في مئة (٤) جزء سمعنا كثيراً، وكذا خرّجها ابن
شاهین وآخرون.
(والثاني: ) وهو أن تكون الغرابة في اثناء السند.
(الفرد النِّسْبِيّ) بكسر النون، وسكون السين، وياء مشددة في آخره.
(سُمِّ) أي الثاني (نِسْبِيَّاً لكون التفرد فيه)(٥) أي [٣٩ - أ] في سنده.
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٥١/١، كتاب الإيمان (٢)، باب أمور الإِيمان ... (٣)، رقم (٩).
ومسلم ٦٣/١، كتاب الإِيمان (١)، باب بيان عدد شعب الإيمان ... (١٢)، رقم (٥٨ - ٣٥).
(٢) في المطبوعة: القرأن.
(٣) في (ج) أو أكثر.
(٤) عبارة (د) بل الافراد للدارقطني في مئة ...
(٥) في (ج) به.

٢٣٨
الفرد النِّسْبِيِ
حصل بالنسبة إلى شخصٍ مُعَيَّن، وإنْ كان الحديث في نفسه مشهوراً
(ويَقِلُّ إطلاقُ الفردِ عليه)
(حصل بالنسبة إلى شخص معيّن، وإن کان الحدیث في نفسہ مشهوراً)/٢٩ - ب/
بأن يكون من أوجه(١) أُخر لم يتفرد فيها راوٍ. ومثاله: أنْ يروي مالك، عن نافع،
عن ابن عمر حديثاً، ثم يروي واحد عن مالك ذلك الحديث متفرِّداً ولم يتابعه غيره
في روايته(٢) عن مالك، وكان الراوي عن نافع جماعة، فإنه فرد بالنسبة إلى الراوي
عن مالك، وإن كان مشهوراً بالنسبة إلى الرواة عن نافع، عن ابن عمر، وإلى
الرواة عنهم إلينا. وقد يشتهر الحديث بأن يروي عن ذلك المتفرد كثيرون كحديث:
((إنما الأعمال بالنيات))(٣).
وحاصله: أنه إنما سُمِّي نسبياً لأن التفرد إنما حصل فيه بالنسبة إلى شخص
معيَّن من طريق واحد، وإن كان مشهوراً في نفسه لكونه مروياً من طرق أخرى،
ففرديَّتْه بالنسبة إلى الطريق (٤) الأولى، ومشهوريته باعتبار الطريق (٤) الأخرى.
ولذا قال بعضهم: الغريب من الحديث على وِزَان الغريب من الناس، فكما
أن غرابة الإِنسان في البلد تكون حقيقة بحيث لا يعرفه(٥) فيها أحد بالكلية،
وتكون إضافية(٦) بأن يعرفَه البعض دون البعض، وقد يصير مشهوراً بأن يكون
أشهر من بعض أهل البلد أو كلهم.
(ويقلّ إطلاق الفرد) وفي نسخة: الفردية، وفيها تسامح لأنه اعتبر الحيثية
(عليه) أي على الفرد النِّسبيّ، بل يقال له: الغريب غالباً. وإنما جاز إطلاق الفرد
(١) في (ج) وجه.
(٢) في المطبوعة: رواته.
(٣) مرّ تخريجه ص ١٩٣
(٤) في (ج) الطرق.
(٥) في المطبوعة: يعرف.
(٦) في المطبوعة: إضافة.

٢٣٩
الفرد النِّسبي والغريب مترادفان
لأن الغريبَ والفردَ مترادفان لغة واصطلاحاً، إلا أنَّ أهلَ الاصطلاح
غايروا بينهما، مِن حيثُ كثرةُ الاستعمال وقِلَّتُه،
- الموضوع للفرد المُطلق لا(١) المقيّد - على الفرد النسبي.
(لأن الغریب والفرد مترادفان) وبما قدرنا وقررنا یندفع کلام محشٍ قوله:
لأنّ ... إلخ، هذا غير مستحسَن والدليل إنما هو ما بعد إلا. انتهى. والمعنى أن
معناهما واحد.
(لغة، واصطلاحاً) قيل فيه بحث: لأن الأول ممنوع، والثاني يأباه قوله:
(إلا أن أهل الاصطلاح)، ودُفع بأن المراد: غير أنّ أهل الاصطلاح.
(غايروا بينهما(٢) من حيث كثرةُ الاستعمال وقِلّته) وقول تلميذه: الله أعلم
بمن حكى(٣) هذا [٣٩ - ب] الترادف،محمول على منعه الترادف اللغوي؛
لقوله: وقد قال ابن فَارِس في ((مُجْمَلِ اللغة))(٤): غَرَبَ بَعُد، والغُرْبَة / الاغتراب ٤٩
عن الوطن. والفرد(٥) الوتر، والفرد المنفرد. انتهى. والظاهر بأن مراد الشيخ أنهما
مترادفان في مآل المعنى اللغوي لهما. ويلائمه(٦) ما في القاموس(٧): فَرْدٌ أي
منفرد. وشجرة فَارِد: مُتْنَخِّيّة، وظبية فَارِد: منفردة (٨) عن القطيع. واستفرد فلاناً:
أخرجه من بين أصحابه. والغَرْب (٩) الذهاب والتنحي، وبالضم النزوح عن الوطن
كالغُرْبَة، والاغتراب، والتَّغُرُّب. قيل: حق العبارة أن يقال: لأن أهل الاصطلاح
(١) في (ج) من.
(٢) في(ج) بينها.
(٣) في المطبوعة: حكم.
(٤) ٦٩٥/٣.
(٥) سقط من (ج).
(٦) في (ج) يلائم.
(٧) مادة (الفرد) ص ٣٩٠.
(٨) سقط من المطبوعة.
(٩) انظر القاموس المحيط مادة (غرب) ص ١٥٣.

٢٤٠
إذا أطلق الفرد أريد به المطلق
فالفرد أكثر ما يُطلِقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما
يطلقونه على الفرد النسبي. وهذا من حيثُ إطلاقُ الاسم عليهما،
وأما مِن حيثُ استعمالُهم الفعلَ المشتقَّ، فلا يفرقون، فيقولون في
المطلق والنسبي: تفرَّد به فلان، أو أغربَ به فلان.
غايروا بين الغريب والفرد، وإن كانا مترادفين، اللهم إلا أن يقال قوله: ويقل ...
إلخ في قوة، ويصح إطلاق الفردية عليه من حيث العِلّة، وهذا تكلّف مستَغنىَّ عنه
کما لا يخفى.
(فالفرد أكثر ما يطلقونه) أي أهل / ٣٠ - أ/ الحديث.
(على الفرد المطلق) لأن إطلاقه عليه أولى وأحق، و((ما)) في: ما يطلقونه،
مصدرية. وقوله: على الفرد خبر قوله: فالفرد (١) أكثر. والجملة خبر المبتدأ. أي
فالفرد أكثر إطلاقهم إياه واقع على الفرد المطلق.
(والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي) لأن انفراده أغرب، فهو بهذا
الاسم أنسب.
(وهذا) أي التفصيل الذي ذكرناه عنهم (من حيث إطلاقُ الاسم) وفي
نسخة: الاسمية. وفيها مسامحة أيضاً كما في الفردية. (عليهما) أي على نوعي (٢)
الفردین.
◌ُع (وأما من حيث استعمالُهم) أي المحدثين (الفعل المشتق) أي من أصل
هذه المادة. (فلا يفرِّقون) أي بينهما.
(فيقولون) أي من غير فرق (في المطلق) أي في الفرد المطلق
(والنسبي:) أي في كل منهم.
(تفرد به فلان، أو أغرب به فلان) أي على حد سواء، لأن معنى الثاني
(١) زيادة من (ج).
(٢) في المطبوعة: نوع.