Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
شرحا ألفية العراقي
لو روى حديثاً مثلا من طريق مسلم لوقع أنزل من الطريق الذي
رواه به في المستخرج مثاله حديث في مسند أبي داود
الطيالسي فلو رواه أبو نعيم مثلا من طريق مسلم لكان بينه وبين أبي داود
أربعة رجال شيخان بينه وبين مسلم ومسلم وشيخه واذا رواه من غير طريق
مسلم کان بین أبي نعيم وبین أبي داود رجلان فقط فان أبا نعيم سمع مسند أبي
داود على ابن فارس بسماعه من يونس بن حبيب بسماعه منه ولم يذكر ابن
الصلاح للمستخرج الا هاتين الفائدتين وأشرت الى غيرهما بقولي من فائدته
فمن فوائده ايضاً القوة بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة وقوله والأصل يعني
لو روى حديثاً عن عبد الرزاق من طريق البخاري مثلا لم
يصل اليه الا بأربعة اثنان بينه وبين البخاري والبخاري وشيخه وإذا رواه عن
الطبراني(١) عن إسحاق بن ابراهيم الدبري(٢) بفتح الموحدة عنه وصل اليه
باثنين فقط وأشار الى جواب سؤال بقوله ( والأصل ) بالنصب مفعول بقوله
(١) الطبراني: الحافظ العلم مسند العصر أبو القاسم سليمان بن احمد بن أيوب اللخمي كان ثقة
صدوقا واسع الحفظ بصيرا بالعلل والرجال والابواب كثير التصانيف رحل في طلب العلم الى انحاء مختلفة
روى عن أبي زرعة الدمشقي واسحاق الدبري وعدد شيوخه الف شيخ وله المصنفات الممتعة النافعة
الغريبة منها المعاجم الثلاثة الكبير والصغير والاوسط روى عنه الحافظ أبو نعيم قال ابن ناصر الدين هو
مسند الافاق ثقة توفي سنة ٣٦٠ هـ ملخصا من ابن العماد .
(٢ ) ابراهيم بن اسحاق الدبري : بالموحدة نسبة الى دبر قرية من قرى صنعاء اليمن صاحب
عبد الرزاق اعتنى به أبوه واسمعه الكتب من عبد الرزاق وهو ابن سبع سنين قال الذهبي لكن روى عن
عبد الرزاق أحاديث منكرة فوقع التردد فيها بين كونها منه او من مناكير عبد الرزاق وقد احتج به أبو عوانة
وغيره واكثر عنه الطبراني وقال الذهبي في رواية الحاكم صدوق وما رأيت فيه خفا انما قيل لم يكن من
رجال هذا الشأن توفي سنة ٢٨٥ .

٦٢
شرحا ألفية العراقي
البيهقي ومن عزا كأنه قيل فهذا البيهقي في السنن الكبرى والمعرفة وغيرهما
والبغوي في شرح السنة وغير واحد يروون الحدیث بأسانيدهم ثم يعزونه الى
البخاري او مسلم مع اختلاف الألفاظ أو المعاني والجواب ان البيهقي وغيره ممن
عزا الحديث لواحد من الصحيحين انما يريدون أصل الحديث لا عزو الفاظه
فالأصل مفعول مقدم وقوله وليت إذا زاد الحميدي
( يعني ) الامام أبو بكر أحمد بن الحسين ( البيهقي ) بالاسكان للوزن أو لنية
الوقف نسبة لبيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور في السنن الكبرى والمعرفة
وغيرهما ( ومن عزا ) أي نسب الى الشيخين أو أحدهما كالامام أبي محمد
الحسين بن مسعود البغوي(١) في شرح السنة كأنه قيل فالبيهقي والبغوي وغيرهما
يروون الحديث بأسانيدهم ثم يعزونه للشيخين أو أحدهما مع اختلاف اللفظ
والمعنى فأجاب بأنهم إنما عنوا بعزوهم أصل الحديث لا عزو الفاظه ( وليت اذ
زاد ) الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ( الحميدي )(٢) بالاسكان للوزن أو
لنية الوقف وبالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الأندلسي في كتابه الجمع بين
(١ ) البغوي : محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي نسبة الى بغ
قرية بقرب هراة الحافظ المجتهد المحدث المفسر صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان له معالم التنزيل
شرح السنة والتهذيب والمصابيح وغير ذلك تفقه على القاضي الحسين روى عنه وعن أبي عمر المليحي
وأبي الحسن الداودي وطبقتهم وكان سيداً قانعاً زاهداً يأكل الخبز وحده فليم في ذلك فصار يأكله بالزيت
توفي بمر والرود في شوال ودفن ازاء شيخه القاضي الحسين سنة ٥١٦ .
(٢) الحميدي : أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح الازدي الحميدي
الاندلسي الميورقي بفتح الميم وضم التحتية وسكون الراء وقاف نسبة الى ميورقة وأصلها ميرقة جزيرة قرب
الاندلس الحافظ الحجة العلامة الثبت القدوة سمع بالاندلس ومصر والشام والعراق وسكن بغداد وكان

٦٣
شرحا ألفية العراقي
ميزا أي ان أبا عبد الله الحميدي زاد في كتاب الجمع بين الصحيحين
الفاظاً وتتمات ليست في واحد منهما من غير
تخيير قال ابن الصلاح وذاك موجود فيه كثيرا فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده
فيه عن الصحيح وهو مخطىء لكونه زيادة ليست في الصحيح انتهى فهذا مما
أنكر على الحميدي لأنه جمع بين كتابين فمن أين تأتي الزيادة وأما الجمع بين
الصحيحين لعبد الحق وكذلك مختصرات البخاري ومسلم فلك ان تنقل منها
وتعزو ذاك للصحيح ولو باللفظ لأنهم أتو بألفاظ الصحيح واعلم أن الزيادة
التي تقع في كتاب الحميدي ليس لها حكم الصحيح خلاف ما اقتضاه كلام ابن
الصلاح لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج ولا ذكر انه يزيد ألفاظاً واشترط فيها
الصحة حتى يقلد في ذلك فهذا هو الصواب .
الصحيحين الفاظا( ميزا ) أي ليته ميزها عن ألفاظ الصحيح في جميع كتابه والا
فقد ميز في الأكثر منه بل قيل في جميعه فيقول بعد ايراده الحديث اقتصر منه
البخاري مثلا على كذا او زاد فيه فلان كذا أو نحو ذلك وقد لا يميز فينقل من لا
يميز بعض ما يجده فيه عن الصحيحين أو أحدهما وهو مخطىء لكونه زيادة
ليست في واحد منهما أما الجمع بينهما لعبد الحق (١) ومختصراتهما فلك أن تعزو
منها لهما ولو باللفظ لأنهم أتوا فيها بالفاظهما ذكره الناظم ومن نظم الحميدي :
سوى الهذيان من قيل وقال
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً
فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال
من كبار تلامذة ابن حزم واكثر الرواية عنه له كتاب تاريخ الأندلس وكتاب الجمع بين الصحيحين وكتاب
جمل تاريخ الاسلام وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك توفي سنة ٤٨٨ وكان قد وقف كتبه .
(١) عبد الحق: أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الحافظ العلامة الحجة
من مدينة اشبيلية بالاندلس واليها ينتسب ويعرف ايضا بابن الخراص روى عن شريح بن محمد وأبي

٦٤
شرحا ألفية العراقي
مراتب الصحيح
وارفع الصحيح مرويهما ثم البخاري فمسلم فما
شرطهما حوى فشرط الجعفي فمسلم فشرط غير يكفي
اعلم أن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تمكن الحديث من شروط
الصحة وعدم تمكنه وإن أصح كتب الحديث البخاري ثم مسلم كما تقدم انه
الصحيح وعلى هذا فالصحيح ينقسم الى سبعة أقسام أحدهاوهو أصحها ما
مراتب الصحيح
مطلقا وهي تتفاوت بحسب تمكنه من شروط الصحة وعدم تمكنه منها
( وارفع الصحيح مرويهما ) أي البخاري ومسلم لاشتماله على أعلى مقتضيات
الصحة ويعبر عنه بالمتفق عليه أي بما اتفقا عليه لا بما اتفق عليه الأمة لكن
اتفاقهما عليه لازم من ذلك لاتفاقها على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول ( ثم )
مروي ( البخاري ) وحده لأن شرطه أضيق كما مر ( ف ) مروي ( مسلم )
وحده لمشاركته للبخاري في اتفاق الأمة على تلقي كتابه بالقبول ( فما شرطهما )
أي فما ( حوى ) أي جمع شرطهما والمراد به رواتهما أو مثلهم مع باقي شروط
الصحيح من اتصال السند ونفى الشذوذ والعلة ( ف ) ما حوى ( شرط
الجعفي ) أي البخاري ( ف ) ما حوى شرط ( مسلم ف ) ما حوى ( شرط
غير ) أي غيرهما من سائر الأيمة فهذه سبعة أقسام وهي شاملة للمتواتر الذي هو
لحكم وعمر بن أيوب وجماعة سكن بجاية وقت الفتنة التي خمدت بسببها أعلام الدولة اللمتونية فنشر بها
علمه وصنف التصانيف منها الجمع بين الصحيحين ومنها مصنف جمع فيه بين الكتب الستة ومنها كتاب
المعتل من الحديث ومنها كتاب الاحكام الصغرى والكبرى وبالخزانة القروية بعض أجزاء من ذلك توفي
ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة سنة ٥٨٠ .

٦٥
شرحا ألفية العراقي
أخرجه البخاري ومسلم وهو الذي يعبر عنه أهل الحديث بقولهم متفق عليه
والثاني ما انفرد به البخاري والثالث ما انفرد به مسلم والرابع ما هو على
شرطهما ولم يخرجه واحد منهما والخامس ما هو على شرط البخاري وحده
والسادس ما هو على شرط مسلم وحده والسابع ما هو صحيح عند غيرهما من
الأيمة المعتمدين وليس على شرط واحد منهما فقوله ثم البخاري أي ثم مروي
البخاري وحده وشرطهما مفعول مقدم بحوى وقوله فمسلم أي فما حوى شرط
مسلم وقوله فشرط غير أي فشرط غيرهما من الأيمة واستعمال غير غير مضافة
قليل ثم ما المراد بقولهم على شرط البخاري أو على شرط مسلم فقال محمد
ابن طاهر في كتابه في شروط الأمة شرط البخاري ومسلم ان يخرج الحديث
المجمع على ثقة نقلته الى الصحابي المشهور وليس ما قاله بجيد لأن النسائي
ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما وقال الحازمي في شروط الأيمة ما
حاصله ان شرط البخاري ان يخرج ما اتصل اسنادهم بالثقات المتقنين الملازمين
لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة وانه قد يخرج احياناً عن أعيان الطبقة التي تلي هذه
في الاتقان والملازمة لمن رووا عنه فلم يلزموه الا ملازمة يسيرة وان شرط مسلم
ان يخرج حديث هذه الطبقة الثانية وقد يخرج حديث من لم يسلم من غوائل
الجرح اذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه كحماد بن سلمة في ثابت البناني
وأيوب هذا حاصل كلامه .
أرفعها وللمشهور وهو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولما وصف بأنه أصح
الأسانيد ولغيرها مما أورد على الحصر فيها مع أن المتواتر لا يضر خروجه إذ لا
يشترط فيه عدالة الراوي فليس هو من الصحيح الذي مر تعريفه نعم يرد عليه
ما وصف بأنه أصح الأسانيد ولم يخرجه الشيخان ومشهور ليس من المتفق عليه
لکن توقف شيخنا في رتبته هل هي من المتفق عليه أو بعده واعلم أنه قد یعرض

٦٦
شرحا ألفية العراقي
وقال النووي ان المراد بقولهم على شرطهما أن يكون رجال اسناده في
كتابيهما لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما وقد أخذ هذا من ابن
الصلاح فانه لما ذكر كتاب المستدرك للحاكم قال انه أودعه ما رآه على شرط
الشیخین وقد أخرج عن رواته في كتابيهما الى آخر كلامه وعلى هذا عمل ابن
دقيق العيد فانه ينقل عن الحاكم تصحيحه الحديث على شرط البخاري مثلا ثم
يعترض عليه بأن فيه فلاناً ولم يخرج له البخاري وكذا فعل الذهبي في مختصر
المستدرك وليس ذلك منهم بجيد فان الحاكم صرح في خطبة كتابه المستدرك
بخلاف ما فهموه عنه فقال وأنا أستعين الله تعالى على إخراج احاديث رواتها
ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما فقوله بمثلها أي بمثل رواتها لا بهم
أنفسهم ويحتمل أن يراد مثل تلك الأحاديث وإنما یکون بمثلها اذا کانت بنفس
رواتها وفيه نظر وقد بينت المثلية في الشرح الكبير .
وعنده التصحيح ليس ممكن في عصرنا وقال يحيى يمكن
وعند ابن الصلاح انه تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح
بمجرد اعتبار الأسانید لأنه ما من إسناد الا وفيه من اعتمد على ما في كتابه عریا
للمفوق ما يصيره فائقا كأن يجىء من طرق يبلغ بها التواتر أو الشهرة القوية وكما
لو كان الحديث الذي لم يخرجه الشيخان من ترجمة وصفت بكونها أصح
الأسانید کمالك عن نافع عن ابن عمر فانه يقدم على ما قبله نبه عليه شيخنا ثم
لو لوحظ الترجيح بين شروط غيرهما كما لوحظ في شروطهما لزادت الأقسام لكن
ما ذكره ( يكفي ) في المقصود والتصريح بهذا من زيادته (وعنده) أي ابن
الصلاح ( التصحيح ) وكذا التحسين والتضعيف ( ليس يمكن ) حيث جنح
لمنع الحكم بذلك في الاعصار المتأخرة الشاملة له (في عصرنا) واقتصر فيها على
ما نص عليه الأيمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير
والتحريف محتجاً بأنه ما من اسناد الا وفي رواته من اعتمد علىما في كتابه عریا

٦٧
شرحا ألفية العراقي
عن الضبط والاتقان قال فاذا وجد فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا
صحيح الاسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصاً على صحته في شيء
من مصنفات أيمة الحديث المعتمدة المشهورة فانا لا نتجاسر على جزم الحكم
بصحته وقوله وقال يحيى اي النووي الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت
معرفته انتهى وهذا هو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح غير واحد من
المعاصرين لابن الصلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحاً
كأبي الحسن بن القطان
عن الضبط والاتقان قال فاذا وجدنا حديثا صحيح الاسناد ولم نجده في أحد
الصحيحين ولا منصوصاً على صحته في شيء من مصنفات أيمة الحديث المعتمدة
المشهورة فانا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته وصار معظم المقصود ما يتداول
من الأسانيد خارجا عن ذلك ابقاء لسلسلة الاسناد التي خصت بها هذه الأمة
زادها الله شرفا (وقال ) أبو زكريا ( يحيى ) النووي الأظهر عندي إن ذلك
( ممكن ) ممن تمكن وقويت معرفته لأن شروطه لا تختص بمعين من راو أو غيره
اذ المقصود معانيها في السند فاذا وجدت فيه رتب عليها مقتضاها قال الناظم
وعلى هذا عمل أهل الحديث فقد صحح غير واحد من المعاصرين لابن
الصلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا كأبي الحسن بن
القطان(١).
( ١ ) ابن القطان : أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى الحميري الكتامي الفاسي
الشهير بابن القطان قال في تذكرة الحفاظ سمع أبا عبد الله بن الفخار وأبا الحسن بن الفرات وابناء جعفر
ابن يحيى الخطيب وأبا ذر الحنيني وطبقتهم هو الحافظ العلامة الناقد كان من أبصر الناس بصناعة الحديث
واحفظهم لاسماء رجاله وأشد عناية بالرواية رأس طلبة مراكش ولي قضاء الجماعة فى اثناء تقلب الدولة ثم
قال قلت طالعت كتابه المسمى بالوهم والايهام الذي وضعه على الاحكام الكبرى لعبد الحق ما يدل على =

٦٨
شرحا ألفية العراقي
والضياء المقدسي والزكي عبد العظيم ومن بعدهم .
والضياء المقدسي(١) والزكي عبد العظيم(٢) ومن بعدهم هـ وما قيل من
أن ذلك لا ينتهض دليلاً على ابن الصلاح فيه وقفة .
حفظه وقوة فهمه لكنه تعنت في أحوال رجال الخ توفي سنة ٦٢٨ هـ باختصار وهذا هو مراد الشيخ
زكرياء لا ابن القطان على بن ابراهيم المتوفي سنة ٣٤٥ لانه لم يكن معاصرا لابن الصلاح وهو احتج
بثلاثة من الايمة الذين صححوا الاحاديث في عصر ابن الصلاح فتأمله .
(١) الضياء المقدسي : الامام العالم الحافظ الحجة محدث الشام شيخ السنة ضياء الدين أبو عبد
الله محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي الدمشقي الحنبلي سمع من أبي المعالي بن صابر وأبي المجد
البانياسي واحمد بن الموازيني وعمر بن علي الجويني وطبقتهم بدمشق ومن أبي القاسم البوصيري وطبقته
بمصر وجماعة في انحاء مختلفة قال الحافظ الذهبي رأيت جماعة من المحدثين ذكر وه فاطنبوا في فقهه ومدحوه
بالحفظ والزهد سألت الزكي البرزالي عنه فقال ثقة جبل حافظ دين نسخ وصنف وصحح ولين وجرح
وعدل وكان الرجوع اليه في هذا الشأن توفي سنة ٦٤٣ .
(٢ ) الزكي عبد العظيم : أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة
الحافظ الكبير الامام الثبت سمع أبا عبد الله الارياحي وعبد المجيد بن زهير والحافظ أبا الحسن المقدسي
الف معجمه في مجلدين واختصر صحيح الامام مسلم ( قلت وبخزانة القروين منه نسخة عتيقة )
واختصر أيضاً سنن أبي داود وصنف في المذهب حدث عنه جماعة من الافاضل في مقدمتهم ابن دقيق العيد
توفي سنة ٦٥٦ .

٦٩
شرحا ألفية العراقي
حكم الصحيحين والتعليق
واقطع بصحة لما قد اسندا كذا له وقيل ظناً ولدا
وفي الصحيح بعض شيء قد روي
محققيهم قد عزاه النووي
أشيا فان يجزم فصحح أو ورد
مضعف ولهما بلا سند
بصحة الأصل له كيذكر
ممرضا فلا ولكن يشعر
أي ما أسنده البخاري ومسلم يريد روياه باسنادهما المتصل فهو مقطوع
بصحته كذا قال ابن الصلاح قال والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لقول
من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله الا الظن وانما تلقته الأيمة بالقبول لأنه
يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطىء قال وقد كنت أميل الى هذا وأحسبه
قويا ثم بان لي ان المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح لأن ظن من هو
معصوم من الخطأ لا يخطىء الى آخركلامه وقدسبقه الى نحو ذلك محمد بن طاهر
المقدسي وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف قال النووي وخالف
ابن الصلاح المحققون والأكثرون قالوا يفيد الظن ما لم يتواتر وقوله ظنا
حكم الصحيحين
فيما أسند فيهما وغيره ( و) حكم ( التعليق ) الواقع فيهما مع تعريفه
( واقطع بصحة لما قد اسندا ) أي البخاري ومسلم مجتمعين ومنفردين لتلقي
الأمة المعصومة في إجماعها بخبر لا تجتمع أمتي على ضلالة لذلك بالقبول وهذا
يفيد علما نظريا لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء ( كذا له ) أي لابن
الصلاح أي كذا قاله تبعاً لجماعة وحاصله ان ذلك صحيح قطعا وإنه يفيد علما
( وقيل ) صحيح أو يفيد

٧٠
شرحا ألفية العراقي
منصوب بفعل محذوف أي يفيد ظنا وقوله بعض شيء اشارة الى تقليل ما ضعف
من أحاديث الصحيحين ولما ذكر ابن الصلاح ان ما أسنداه مقطوع بصحته قال
سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض اهل النقد كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند
أهل هذا الشان انتهى وروينا عن محمد بن طاهر المقدسي ومن خطه نقلت قال
سمعت أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ببغداد يقول قال لنا أبو محمد بن
حزم وما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا الا حدیثین
لكل واحد منهما حديث تم عليه في تخريجه الوهم مع اتقانهما وحفظهما وصحة
معرفتهما فذكر عند البخاري حديث شريك عن أنس في الاسراء انه قبل ان
یوحی الیه وفيه شق صدره قال ابن حزم والآفة من شريك والحديث الثاني عند
مسلم حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال كان المسلمون
لا ينظرون الى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث
اعطينهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله ام حبيبة بنت أبي سفيان
أزوجكها قال نعم الحدیث قال ابن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه
( ظنا ) بنصبه على الأول تمييزا وعلى الثاني مفعولا (و) هذا القول
( لدى) أي عند ( محققيهم ) واكثرهم هو المعتبر كما ( قد
عزاه ) اليهم ( النووي ) محتجا بأن أخبار الآحاد لا تفيد الا الظن ولا يلزم من
إجماع الأمة على العمل بما فيها إجماعها على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي صلى
الله عليه وسلم ( وفي الصحيح ) لكل من البخاري ومسلم ( بعض شيء )
من أحاديثهما ( قد روي مضعف ) بالرفع صفة لبعض وفي نسخة مضعفا
بالنصب على الحالية وأشار كما قال ببعض شيء الى تقليل ذلك وحاصله استثناء
ذلك مما ذكر ومن ثم قال ابن الصلاح سوى احرف يسيرة تكلم عليها بعض
أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وهي معروفة عند أهل هذا الشأن قال شيخنا
وسوى ما وقع التجاذب بين مدلوليه حيث لا ترجيح لاستحالة ان يفيد
المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لاحدهما على الآخر قال وقد ضعف

٧١
شرحا ألفية العراقي
والآفة فيه من عكرمة بن عمار وقد ذكرت في الشرح الكبير أحاديث غير هذين
وقد افردت كتاباً لما ضعف من أحاديث الصحيحين مع الجواب عنها فمن أراد
الزيادة في ذلك فليقف عليه ففيه فوائد مهمات وقوله ولهما بلا سند أشيا أي
وللبخاري ومسلم في الصحيح مواضع لم يصلاها باسنادهما بل قطعا أول
أسانيدهما مما يليهما وذكر ابن الصلاح ان ذلك وقع في الصحيحين قال وأغلب
ما وقع ذلك في كتاب البخاري وهو في کتاب مسلم قليل جداً قلت في کتاب
مسلم من ذلك موضع واحد في التيمم وهو حديث أبي الجهيم بن الحارث بن
الصمة أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بير جمل الحديث قال فيه
مسلم .
الدار قطني من أحاديثهما مائتين وعشرة يختص البخاري بثمانين إلا اثنين ومسلم
بمائة ويشتركان في اثنين وثلاثين قال الناظم في نكته وقد أجاب عنها العلماء ومع
ذلك فليست يسيرة بل كثيرة وقد جمعتها في تصنيف مع الجواب عنها قلت ما رد
به على ابن الصلاح من أنها كثيرة یرد به علیه أي علی الراد أیضاً لموافقته له کما مر
فالأوجه ان يقال ان كثرتها إنما هي كثرتها في نفسها فلا ينافي كونها يسيرة بالنظر
الى ما لم يضعف في الصحيحين ثم بين حكم التعليق الواقع فيهما فقال
( ولهما ) أي البخاري ومسلم في صحيحيهما ( بلا سند ) أصلا أو كامل
( أشيا ) بالقصر للوزن او لنية الوقف كقال النبي صلى الله عليه وسلم او قال
ابن عباس او الزهري أو یروی عن فلان أو یذکر عنه كما سيأتي وذلك کثیر في
البخاري قليل في مسلم حتى قال الناظم ليس عنده بعد مقدمة الكتاب حديث
لم يوصله فيه سوى موضع واحد في التيمم وهو حديث أبي جهيم (١) بن
الحارث بن الصمة أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بير جمل
الحديث قال فيه مسلم .
(١) أبو جهيم: بالتصغير ابن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم إفادة في التقريب =

٧٢
شرحا ألفية العراقي
وروى الليث بن سعد ولم يوصل مسلم اسناده الى الليث وقد أسنده
البخاري عن يحيى ابن بكير عن الليث ولا أعلم في مسلم بعد مقدمات
الكتاب حديثاً لم يذكره الا تعليقا غير هذا الحدث وفيه مواضع أخر يسيرة
رواها باسناده المتصل ثم قال ورواه فلان وهذا ليس من باب التعليق انما أراد
ذكر من تابع رواية الذي أسنده من طريقه عليه او أراد بيان اختلاف في السند
كما يفعل أهل الحدیث ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا ادخاله في كتابه انه يقع
في بعض أسانيد ذلك من ليس هو من شرط مسلم كعبد الرحمن بن خالد بن
مسافر وقد بينت بقية المواضع في الشرح الكبير
وروى الليث بن سعد(١) ولم يوصل اسناده الى الليث وقد أسنده
البخاري عن يحيى ابن بكي(٢) عن الليث
الأنصاري الخزرجي قيل اسمه عبد الله أخرج له الستة واتفق البخاري ومسلم على حدیثین روى عن
النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه بشير بن سعيد الحضرمي وأخوه مسلم بن سعيد وعمبر مولي ابن
عباس وعبد الله بن يسار مولي ميمونة هـ ملخصا من تهذيب التهذيب لابن حجر .
(١) الليث بن سعد: أبو الحارث الامام المصري الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي قال
يحيى بن بكير سعد أبو الليث مولى قريش وانما افترضوا في فهم فنسب اليهم وأصلهم من أصبهان روی
عن نافع وابن أبي ملكية ويزيد بن أبي حبيب ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وهشام ابن عروة
روى عنه جماعة من جملتهم يحيى بن عبد الله بن بكير والقاسم بن كثير الاسكندراني وقتيبة بن سعيد وقد
عد الحافظ ابن حجر جماعة وافرة من تلامذته وشيوخه وقال عقب ذلك قال ابن سعد كان قد اشتغل
بالفتوى في زمانه وكان ثقة كثير الحديث صحيحه وقال الزهري الليث ثقة ثبت توفي سنة ١٧٥ .
(٢) يحيى بن بكير : أبوزكرياء يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي الحافظ وقد ينسب
الى جده روى عن مالك والليث وجماعة قال ابن حجر في تهذيب التهذيب نقلا عن الساجي هو صدوق

١٣
شرحا ألفية العراقي
وقول فان يجزم فصحح أي إن أتى به بصيغة الجزم کقوله قال فلان أو
فلان أو نحو ذلك فاحكم بصحته
روی
عمن علقه عنه لأنه لا يستجيز ان يجزم بذلك عنه الا وقد صح عنده عنه ثم
الحاكم بصحة الحديث مطلقا يتوقف على ثقة رجاله واتصاله من موضع التعليق
فان کان فیمن أبرزه من لا يحتج به فليس فيه الا الحكم بصحته عمن أسند اليه
كقول البخاري وقال بهز عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق
ان يستحي منه قال ابن الصلاح فهذا ليس من شرطه قطعا ولذاك لم يورده
الحميدي في جمعه بین الصحیحین وان ورد ممرضاً أي أتى به بصيغة التمريض
کقوله ویذکر ویروی ویقال ونقل وروي ونحوها فلا تحکمن بصحته كقوله
ویروی عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلی الله علیه وسلم
الفخذ عورة لأن هذه الألفاظ استعمالها في التضعيف أكثر وإن استعملت في
الصحيح وكذا قوله وفي الباب تستعمل في الأمرين معا قال ابن الصلاح ومع
ذلك فايراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يونس به ويركن
( فان يجزم ) بأن يجزم المعلق منها بشيء من ذلك كقال وذكر وزاد
عمن
انت
( فصحح )
فلان
وروی
علقه عنه فان معلقه لا يستجیز اطلاقه الا وقد صح عنده عنه ( أو ) لم يجزم به
بل ( ورد ممرضا فلا ) تصححه عملا بظاهر الصيغة ولأن استعمالها في
الضعيف اكثر منه في الصحيح وحمل ابن الصلاح قول البخاري ما أدخلت في
كتابي الجامع الا ما صح وقوله الأيمة ما فيه محكوم بصحته على أن المراد مقاصد
الكتاب وموضوعه ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها ( ولكن ) ايراد المعلق
لذاك في أثناء صحيحه ( يشعر بصحة الأصل له ) إشعاراً يونس به ويركن اليه
روی عن اللیث فأکثر وقال نقلا عن ابن عدي کان جار اللیث بن سعد وهو أثبت الناس فیه وعنده عن
الليث ما ليس عند أحد وقال نقلا عن مسلمة بن قاسم تكلم فيه لأن سماعه من الامام مالك انما كان
بعرض حبيب وقال البخاري في تاريخه الصغير ما روى ابن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فاني أنفيه
توفي سنة ٢٣١ .

٧٤
شرحا ألفية العراقي
اليه وحمل ابن الصلاح قول البخاري ما أدخلت في كتابي الجامع الا ما صح
وقول الأيمة في الحكم بصحته على أن المراد مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون
الأبواب دون التراجم ونحوها .
مع صيغة الجزم فتعليقا عرف
وان يكن أول الاسناد حذف
لشيخه عزا بقال فكذى
ولو الى آخره أما الذي
لا تصغ لابن حزم المخالف
عنعنة كخبر المعازف
هذا بيان لحقيقة التعليق والتعبير به موجود في كلام الدارقطني والحميدي
في الجمع بين الصحيحين وهو أن يسقط من أول اسناد البخاري أو مسلم من
جهته راو فأكثر ويعزى الحديث الى من فوق المحذوف من رواته بصيغة الجزم
كقول البخاري في الصوم وقال يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم بن ثوبان
عن أبي هريرة قال اذا قال فلا يفطر وكقول مسلم في التيمم وروى الليث بن
سعد فذكر حديث أقبل من نحو بير جمل الحديث وقد تقدم قال ابن الصلاح
وكأن التعليق مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه لما يشترك الجميع
فيه من قطع الاتصال قال ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط منه بعض
رجال الاسناد من وسطه او من آخره .
وألفاظ التمريض ( كيذكر ) ويروى ويقال وذكر وروى وقيل وكتعليقهما
تعليق كل من التزم الصحة ثم عرف التعليق بقوله ( وإن يكن اول ) رواة
( الاسناد ) بدرج الهمزة من جهة المعلق (حذف) واحدا كان أو أكثر وعزا
الحديث لمن فوق المحذوف ( مع ) ذكر (صيغة الجزم ) بل أو صيغة التمريض
كما قاله النووي وغيره ( فتعليقا ) أي فبالتعليق ( عرف ) عند أيمة هذا الشأن
فتعليقا منصوب بنزع الخافض ويجوز نصبه بعرف بتضمينه معنی سمى والتعليق
مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه بجامع قطع الاتصال ( ولو )
حذف رواة الاسناد من أوله ( الى آخره ) فان اقتصر على الرسول في المرفوع أو

٧٥
شرحا ألفية العراقي
ولا فيما ليس فيه جزم کیروی ویذکر
قلت استعمل غير واحد من المتأخرين التعليق في غير المجزوم به منهم الحافظ
أبو الحجاج المزي كقول البخاري في باب مس الحرير من غير لبس ويروي فيه
عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في
الأطراف وعلم عليه علامة التعليق للبخاري وقوله ولو الى آخره أي ولو حذف
الاسناد الى آخره واقتصر على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المرفوع
أو على الصحابي في الموقوف كقوله في العلم وقال عمر تفقهوا قبل ان تسودوا أي
فانه يسمى تعليقا هكذا حكاه ابن الصلاح عن بعضهم ولم يحك غيره فقال إن
لفظ التعلیق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ اسناده واحد فاکثر حتی ان
بعضهم استعمله في حذف كل الاسناد انتهى ولم يذكر المزي هذا في الأطراف
في التعليق بل ولا ما اقتصر فيه على ذكر الصحابي غالبا وان كان مرفوعاً وقوله
أما الذي لشيخه عزا بقال فكذى عنعنة اي أما ما عزاه البخاري الى بعض
شيوخه بصيغة الجزم کقوله قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك فلیس حکمه حکم
التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل حكمه حكم الاسناد المعنعن وحكمه
كما سيأتي في موضعه الاتصال بشروط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس
واللقاء في شيوخه معروف والبخاري سالم من التدليس فله حكم الاتصال
هكذا جزم به ابن الصلاح في الرابع من التفريعات التي تلي النوع الحادي عشر
على الصحابي في الموقوف فانه يسمى تعليقا وأما ما حذف من آخره أو أثنائه
فليس تعليقا لاختصاصه بألقاب غيره كالعضل(١) والقطع والارسال ( أما الذي
لشيخه ) أي أما الذي ( عزا ) مصنف لشيخه (بقال ) أو زاد أو نحوه من
صيغ الجزم ( فكـ ) اسناد ( ذي عنعنة ) فيكون متصلا من البخاري ونحوه
لثبوت اللقاء والسلامة
(١) فى النسخة الأندلسية هكذا : كالعضل أي أن يسقط منه اثنان والقطع أي أن يسقط منه
واحد والارسال بأن وقعه تابعي .

٧٦
شرحا ألفية العراقي
ثم قال وبلغني عن المتأخرين من أهل المغرب انه جعله قسما من التعليق ثانيا
وأضاف اليه قول البخاري في غير موضع من كتابه وقال لي فلان وزادنا فلان
فوسم كل ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى
وسيأتي حكم قوله قال لنا فلان عند ذكر أقسام التحمل وما ذكره ابن الصلاح
هنا هو الصواب وقد خالف ذلك في مثال مثل به في السادسة من الفوائد في
النوع الأول فقال وأما الذي حذف من مبتدأ اسناده واحد فأكثر ثم قال مثاله
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم کذا قال ابن عباس کذا قال مجاهد کذا قال
عفان كذا قال القعنبي كذا الى آخر كلامه فقوله قال عفان كذا قال القعنبي كذا
في أمثلة ما سقطمن أول اسناده واحد مخالف لكلامه الذي قدمناه عنه لأن عفان
والقعنبي كلاهما شيخ البخاري حدث عنه في مواضع من صحيحه متصلا
بالتصريح فيكون قوله قال عفان قال القعنبي محمولا على الاتصال كالحديث
المعنعن وعلى هذا عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد والمزي فجعلا
حديث أبي مالك الأشعري الآتي ذكره مثالا لهذه المسألة تعليقا وفي كلام ابي
عبد الله بن مندة أيضا ما يقتضي ذلك فقال في جزء له في اختلاف الأيمة في
القراءة والسماع والمناولة والاجازة أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها
قال لنا فلان وهي اجازة وقال فلان وهو تدليس وقال وکذلك مسلم أخرجه على
هذا انتهى كلام ابن مندة ولم يوافق عليه .
من التدليس اذ شرط اتصال المعنعن ثبوت ذلك كما
سيأتي في محله فلا يكون ذلك تعليقا وقيل إنه تعليق وعليه جرى الحميدي وغيره
وتوسط بعض متأخري المغاربة فوسم ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر
المنفصل من حیث المعنی لکنه ادرج معه قال لي ونحوها مما هو متصل جزما
ونوزع فیه كما سيأتي في أقسام التحمل والمختار الذي لا محيد عنه كما قال شيخنا
ان حكم قال في الشيوخ مثل غيرها من التعاليق المجزومة وأمثلة ذلك كثيرة

٧٧
شرحا ألفية العراقي
وقوله كخبر المعازف هو مثال لما ذكره البخاري عن بعض شيوخه من غير
تصریح بالتحدیث او الأخبار او ما يقوم مقامه کقوله قال هشام بن عمار ثنا
صدقة بن خالد ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية بن قيس قال حدثني
( كخبر المعازف ) بفتح الميم وبالزاي والفاء أي آلات الملاهي حيث قال
البخاري في باب الأشرية قال هشام بن عمار(١) حدثنا صدقة بن خالد(٢) قال
حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر(٣) قال حدثنا عطية بن قيس (٤).
(١) هشام بن عمار : بن نصير قال في التقريب بنون مصغراً ابن ميسرة بن أبان السلمي أبو
الوليد الدمشقي خطيب المسجد الجامع بها روى عن معروف الخياط وصدقة بن خالد وعبد الحميد بن
حبيب وجماعة روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي عن البخاري عنه وساق الحافظ
ابن حجر نصوصاً عديدة في كتابة تهذيب التهذيب شاهدة لعلو كعبه في الصدق والثقة سوى في آخر عمره
توفي سنة ٢٤٥ .
(٢) صدقة بن خالد : أبو العباس الأموي الدمشقي مولي أم البنين أخت معاوية وقيل أخت
عمر بن عبد العزيز روي عن أبيه وزيد بن واقد والأوزاعي وانه يحيى بن حمزة والوليد بن مسلم وهشام
ابن عمار وغيرهم قال أبو مسهر صدقة صحيح الأخذ صحيح الاعطاء ونقل الحافظ أقوال جماعة في توثيقه
توفي سنة ١٧٠ قيل ١٧١ وقيل ١٨٤ هـ ملخصا من التهذيب وقال الحافظ في الفتح ليس في الصحيح الا
هذا الحديث في باب الأشرية وآخر تقدم له في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنهم .
(٣) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : الأزدي ابو عتبة الشامي الداراني روى عن مكحول
والزهري وعطية وذكر له الحافظ ابن حجر جماعة من الشيوخ وكذا من روى عنه منهم صدقة بن المبارك
قال أحمد ليس به باس وقال ابن المديني يعد في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام بعد الصحابة وسرد ابن
حجر نقولا على توثيقه توفي سنة ١٥٦ .
( ٤) عطية بن قيس : الكلابي شامي تابعي قواه أبو حاتم او غيره مات سنة ١١٠ ليس له في
البخاري ولا لشيخه الا هذا الحديث هـ من فتح الباري في باب الأشرية .

٧٨
شرحا ألفية العراقي
عبد الرحمن بن غنم قال حدثني أبوعامر أو أبو ملك الأشعري انه سمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير
والمعازف الحديث فان هذا الحديث حكمه الاتصال لأن هشام بن عمار من
شيوخ البخاري حدث عنه بأحاديث وخالف ابن حزم في ذلك
قال حدثني عبد الرحمن بن غنم(١) قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك
الأشعري(٢) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من أمتي
أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فهذا حكمه الاتصال او التعليق
على ما مر لأن هشاماً من شيوخ البخاري وقد عزال اليه بقاه فاعتمد ذلك و( لا
تصغ ) أي تمل ( لابن حزم )(٣) الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن
حزم فهو منسوب لجد أبيه ( المخالف ) في ذلك وغيره
-
(١) عبد الرحمن بن غنم: قال ابن حجر في الفتح بفتح المعجمة وسكون النون ابن كريب بن
هانىء مختلف في صحبته قال ابن سعد كان أبوه ممن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة أبي
موسى وقال بعثه عمر يفقه أهل الشام وثقه العجلي وآخرون مات سنة ٧٨ هـ منه.
(٢) أبو عامر الأشعري أو أبو مالك الأشعري قال في الفتح هكذا رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن
عمار بالشك هـ أما الأول فاسم عبد الله بن هاني وقيل ابن وهب وقيل غير ذلك ذكر في اسم من أتى
الشام من قبائل اليمن قيل توفي في خلافة عبد الملك روي عنه من طريق عبد الرحمن ابن غنم تعليقا في
البخاري وبدون الشك السابق في أبي داود وأما أبو مالك الأشعري فهو الحارث ابن الحارث وقيل اسمه
عبيد وقيل عبيد الله روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه عبد الرحمن بن غنم الأشعري وأبو صالح
الأشعري توفي في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هـ من التهذيب لابن حجر .
(٣) ابن حزم : ابو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الأموي سولاهم
الفارسي الأصل الأندلسي القرطبي الظاهري قال الذهبي فيه الامام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد سمع
من أبي عمر أحمد بن الحسين ويحيى بن مسعود وجماعة وروى عنه أبو عبد الله الحميدى فأكثر وكان اليه

٧٩
شرحا ألفية العراقي
فقال في المحلى هذا حديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد
وقال ولا يصح
لجموده على الظاهر حيث حكم في مواضع من محلاه بعدم اتصال ذلك .
المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والاداب
والمنطق والشعر مع الصدق والديانة والحشمة والسودد والرياسة والثروة وكانت له خزانة حافلة كبيرة بكثرة
الكتب ألف مؤلفات عديدة عظيمة منها الايصال الى فهم كتاب الخصال الجامعة لجملة شرائع الاسلام
والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول ومنها كتاب المحلى
الذي طبع حديثا ومنها كتاب الفصل في الملل والنحل تكلم الناس فيه بعدم تحري صاحبه في النقل أنظر
كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب للامام الأشعري ومنها إظهار تبديل اليهود والنصارى للكتابين الثوراة
والانجيل وغيرها قال العلامة أبو حامد الغزالي وجدت في اسماء الله كتابا ألفه أبو محمد بن حزم يدل على
عظم حفظه وسيلان ذهنه هـ وقال صاعد بن أحمد ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الاسلام
وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر ومعرفته بالسنن والآثار كان
أبوه ابو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر ووز أبو محمد للمستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام ثم
نبذ الوزارة وأقبل على العلوم فنال منها أوفر نصيب حتى صار داهية في العلم قال القاضي أبو بكر بن
العربي في كتاب القواصم والعواصم في الظاهرية هي أمة صار داهية في العلم قال القاضي أبو بكر بن
بكلام لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حيث تقول لا حكم إلا الله وكان أول بدعة لقيت في رحلتي
القول بالباطن فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملا به المغرب سخيف كان من بادية اشبيلية يعرف
بابن حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي ثم انتسب إلى داود ثم خلع الكل واستقل بنفسه الخ كلامه في الخط
من مقام هذا الرجل العظيم وإني أنقل لك ما قاله ابن العماد في الشذرات قال وكان ابن حزم كثير الوقوع
في العلماء المتقدمين لا يكاد أحد يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب واستمال من فقهاء وقته فمالوا على
بغضه وردوا قوله وأجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو
اليه والأخذ عنه وكان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين هـ منها وبعضه في تذكرة الحفاظ وهناك أمور
أخرى اعرضنا عنها مات مشرداً عن بلده من قبل الدولة ببادية لبلة بلدة بالأندلس سنة ٤٥٦ هـ ملخصا
من التذكرة والشذرات .

٨٠
شرحا ألفية العراقي
في هذا الباب شيء أبدا قال وكل ما فيه فموضوع قال ابن الصلاح ولا التفات
اليه في رده ذلك قال وأخطأ في ذلك من وجوه قال والحديث صحيح معروف
الاتصال بشرط الصحيح قال والبخاري قديفعل ذلك لكون الحديث معروفاً من
جهة الثقات عن الشخص الذي علقه عنه أو لكونه ذكره في موضع آخر من
كتابه متصلاً او لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع انتهى
والحديث متصل من طرق من طريق هشام وغيره قال الاسماعيلي في المستخرج
ثنا الحسن وهو ابن سفيان النسوي الامام قال ثنا هشام بن عمار فذكره وقال
الطبراني في مسند الشاميين ثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد ثنا هشام بن
عمار .
وقال في الحديث المذكور انه منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة
وحقه أن يقول وهشام بدل وصدقة ولم يكتف بذلك بل صرح لتقرير قوله
باباحة الملاهي بأنه مع جميع ما في هذا الباب موضوع قال ابن الصلاح ولا
التفات اليه في ذلك بل أخطأ فيه من وجه والحديث صحيح معروف الاتصال
بشرط الصحيح قال والبخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة
الثقات عن الراوي الذي علقه عنه أو لكونه ذكره في موضع آخر من كتابه
متصلا أو لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع .
٦