Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الجُزءُ الثاني ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، كذلك الحديث، إذ كل من عند الله (فلا تكلم) الفاء فصيحية، و((تكلم)) بحذف إحدى التاءين، أي إذا كان الأمر كذلك فلا تتكلم أيها المحدث في المتشابة (تسلم) جواب الطلب، أي تكون سالمًا من الذم الذي دلت عليه آية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَتَّعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [ آل عمران: ٧]. ثم مثل للمتشابه فقال: (مثل حديث) خبر لمحذوف، أو مفعول لفعل محذوف، أي ذلك مثل، أو أعني مثل حديث ((إنه يغان))) ونصه كما رواه مسلم من حديث الأغر المزني، وكانت له صحبة أن رسول الله و الإ قال: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة )» وكذا رواه أبو داود، وغيره. و((يغان)) مضارع غين بالبناء للمفعول، يقال: غين على قلبه غينًا: تغشته الشهوة، وقيل غطي عليه، وألبس. ذكره في ((اللسان)). فهذا الحديث مثل به الناظم للمتشابه تبعًا للأصمعي، فإنه سئل عنه، فقال: لو كان قلب غير النبي ولي لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق، وقال بعضهم: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبدًا كان مشغولاً بالله تعالى، فإن عرض له وقتًا ما عارض بشري يشغله، من أمور الأمة والملة ومصالحهما عد ذلك ذنبًا وتقصيراً، فيفزع إلى الاستغفار، ذكره في اللسان، وفيه أقوال أخر . (كذا حديث أنزل القرآن) أي من المتشابه أيضاً قوله ◌َ له: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر))(١) فهو من المتشابه الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة، قاله ابن سعدان النحوي. هكذا جعله الناظم من المتشابه، لكن اعترض عليه المحقق ابن شاكر(٢)، وذكر في ((الإِتقان)) اختلاف العلماء في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولاً فانظره(٣). (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((أول من صنف)) إلى قوله: ((وجميع الفرق))، وقوله: ((وإنما يصلح)) البيت. وقوله: ((وقيل بل سد ذريعة)) البيت. وقوله: ((وإذا يخفى قف)) إلى آخر الباب. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي . (٢) انظر تعليقه على هذه الألفية ص ٢١٢ - ٢١٣ . (٣) ج ١ ص ٥٦ - ٦٢ . ٠٠ ١٨٢ شَرْجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِىّ - أسباب الحديث ٦٤٩ - (أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الْجُوبَارِي فَالْعُكْبِرِيْ فِي سَبَبِ الآثَارِ ٦٥٠ - وَهْوَ كَمَا فِي سَبَبِ القُرآن: مُبَيِّنٌ للفقْه وَالْمَعَانِ سباب الحديث أي هذا مبحثه، وهو النوع الخمسون من أنواع علوم الحديث. فَالْعُكْبِرِي فِي سَبَبِ الآثَارِ (أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الْجُوبَارِي (أول) أي أقدم (من قد ألف) أي جمع، مبتدأ خبره (الجوباري) بضم الجيم وفتح الباء نسبة إلى موضع، هو أبو حامد بن كزناه الجوباري، قال المحقق ابن شاكر: وكزناه وجدته مضبوطًا بالقلم بإسكان الزاي في مقدمة المتبولي، ولم أجد لهذا الرجل ترجمة. اهـ. وقال الذهبي: لم يسبق إلى ذلك. اهـ. يعني إلى تأليف هذا النوع. (فالعكبري) أي ثم بعده ألف العلامة أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العُكْبَري بضم العین وسکون الکاف وفتح الباء وآخره راء نسبة إلى عكبر بليدة على دجلة فوق بغداد بعشر فراسخ. قاله في ((اللباب)). وهو من تلاميذ عبد الله بن أحمد بن حنبل، توفي سنة ٣٣٩ هـ. (في سبب الآثار) متعلق بـ ((ألف)) أي في سبب ورود الأحاديث النبوية، ثم ذكر بعض فوائده بقوله : وَهْوَ كَمَا فِي سَبَبِ الْقُرْآنِ: مُبَيِّنٌ لِلْفِقْهِ وَالْمَعَانِي (وهو) مبتدأ، أي سبب الحديث أي معرفته(كما في سبب القرآن) أي حال كونه مشابهًا لمعرفة أسباب نزول القرآن (مبين) خبر المبتدأ، أي موضح (للفقه) أي فهم معاني الحديث (والمعاني) عطف تفسير للفقه، فكما أن معرفة سبب نزول الآية يوضح معناها كذلك معرفة سبب الحديث يوضح معناه، فهو فن مهم ينبغي الاعتناء به، ومن زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ، فهو مخطئ في فهمه، بل له فوائد منها: ما ذكره الناظم، ومنها أنه قد يكون اللفظ عامًّا، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصیص على ما عدا صورته، ومنها غير ذلك . ١٨٣ الجُزْءُ الثاني - ٦٥١ - مثْلُ حَديث: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ)) سَبَبُهُ فيمَا رَوَوْا وَقَالُوا: (*) ٦٥٢ - مُهَاجِرٌ لأُمِّ قَیْسٍ حَيْ نَكَحْ مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امْرَأَةٍ فِيهِ صَلَحْ (* ( ثم ذكر له مثالاً بقوله: مِثْلُ حَديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ) سَبَبُهُ فِيمَا رَوَوْا وَقَالُوا: مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امْرَأَةُ فِيهِ صَلَحْ مُهَاجِرٌ لِأُمِّ قَيْسِ كَيْ نَكَحْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: فيما روى النقال. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من الأنواع المهمة معرفة أسباب ورود الحديث، لأنه بذلك يتبين معنى الحديث، كما في أسباب نزول القرآن. قال ابن دقيق العيد: ((بيان السبب طريق قوي في فهم معاني الكتاب والسنة)). وقال ابن تيمية: ((معرفة السبب تعين على فهم الحديث والآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب». وطريق معرفة سبب الحديث إنما هو الرواية فقط، ولا مجال للرأي فيه، كما نص عليه الأئمة. قال البلقيني: ((والسبب قد نقل في الحديث، كحديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان والإسلام والإحسان، وحديث القلتين، وحديث: ((هو الطهور ماؤه)) ثم ذكر أحاديث أخر، ثم قال: ((وقد لا ينقل فيه، أو ينقل في بعض طرقه، وهو الذي ينبغي الاعتناء به، فبذكر السبب يتبين الفقه في المسألة)). وقد جاء الناظم بمثال هو حديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن کانت هجرته لدنیا یصیبها أو امرأة ینکحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). وذكر أن السبب فيه مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس فكان يقال له: مهاجر أم قيس. ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك- وأنكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص ٩) أن تكون هذه القصة سببًا للحديث، وإن اشتهر هذا وذكره كثير من المتأخرين في كتبهم، ثم قال: ((ولم نر لذلك أصلاً يصح)). وأول من ألف في هذا النوع: أبو حامد بن كزناه الجوباري، قال الذهبي: ((لم يسبق إلى ذلك)). و((كزناه)) وجدته مضبوطًا بالقلم بإسكان الزاي في مقدمة المتبولي، ولم أجد لهذا الرجل ترجمة! ثم ألف بعده أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري، وهو من تلامذة عبد الله بن أحمد بن حنبل، وله ترجمة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي (ص ٣١٩، ٣٢٠) وتاريخ بغداد (ج ١١ ص ٢٣٩) وتوفي العكبري سنة ٣٣٩). وقد ألف فيه السيوطي كتابًا لم يكمله، كما نقله المتبولي. وألف فيه أيضًا - إبراهيم بن محمد الشهير بابن حمزة الحسيني المتوفى سنة ١١٢٠ - كتابًا سماه (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف) وقد طبع في حلب سنة ١٣٢٩ في مجلد كبير. ١٨٤ شَرْع الْفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ - (مثل) خبر لمحذوف، أي ذلك مثل، أو مفعول لمحذوف، أي أعني مثل (حديث ((إنما الأعمال))) بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه))، متفق عليه. (سببه) مبتدأ أي سبب وروده (فيما رووا) أي حكى العلماء المحدثون، (وقالوا) عطف تفسير لـ((رووا)) وفي نسخة: ((فيما روى النقال))، وإنما أسنده إليهم تبريًا؛ لأن التمثيل به غير صحيح، إذ ليس في شيء من طرق الحديث ما يقتضي التصريح بذلك، ومن ثم أنكر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامع العلوم والحكم أن تکون هذه القصة سببًا للحديث، وإن اشتهر هذا، وذكره کثیر من المتأخرين في كتبهم، قال: ولم نر لذلك أصلاً (مهاجر) خبر المبتدأ، أي رجل مهاجر من مكة إلى المدينة (لأم قيس) أي لأجلها (كي) تعليلية (نكح) أي ليتزوجها (من ثم) أي من أجل كون ما ذكر سبب ورود حديث: ((إنما الأعمال)) (ذكر امرأة فيه) أي في الحديث المذكور (صلح) أي حسن، حيث قال: ((أو امرأة يتزوجها))، والمعنى: أنه لما كان سبب حديث: ((إنما الأعمال)) هو مهاجر أم قيس حسن ذكر امرأة فيه. وحديث قصة مهاجر أم قيس قال الحافظ في ((الفتح)): رواه سعيد بن منصور بسنده، عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: «من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة، يقال لها: أم قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس)). ووراه الطبراني بلفظ: ((كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس)) قال الحافظ بعد أن ساق سنده: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك. اهـ(١). (تتمة): هذا الباب من زياداته على العراقي، كما أشار إليه صنيع المحقق ابن شاكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) فتح الباري ج ١ ص ١٧ . ١٨٥ - الجُزءُ الثاني معرفة الصحابة ٦٥٣ - حَدُّالصَّحَابِ مُسْلِمَا (٤) لاَقَى (ج) الرَّسُونْ وَإِنْ بلا روَايَة عَنْهُ وَطُولْ ٦٥٤ - كَذَاكَ الأْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ (وَقِيلَ : مَعْ طُولٍ وَمَحْ رِوَآيَةٍ) معرفة الصحابة رضي الله عنهم أي: هذا مبحثه، وهو النوع الحادي والخمسون من أنواع علوم الحديث. وهو علم جليل عظيم الفائدة، إذ به يعرف المتصل من المرسل كما يأتي في قول الناظم: معرفة المرسل والمتصل ومن مفاد علم ذا والأول وَإِنْ بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ حَدُّالصَّحَابِي: مُسْلِمًا لاَى الرَّسُولْ (ثم) بعد أن عرفت ما تقدم من أنواع علوم الحديث ينبغي أن تتهيأ لمعرفة ما بقي من الأنواع، منها: معرفة الصحابة رضي الله عنهم، و (الصحابي) بتخفيف الياء للوزن مبتدأ، وفي نسخة المحقق ((حد الصحابي))، أي تعريف الصحابي (مسلمًا) حال من قوله (لاقي الرسول) اسم فاعل خبر المبتدإ، قال المحقق: ضبطت في النسخة المقروءة على المصنف بكسر القاف، والأولى فتحها. اهـ. قلت: بل المقروء على المصنف: هو الأولى، كما لا يخفي، يعني: أن الصحابي هو من لقي رسول الله وَلا مسلمًا (وإن) كانت الملاقاة (بلا رواية) أي نقل حديث (عنه) أَلّ(و) بلا (طول) زمان. يعني: أن الشرط فيه كونه ملاقيًا له مؤمنًا به، ولو لم يرو عنه، أو تطل مدة اجتماعه به، فيشمل المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، وتدخل رؤية أحدهما الآخر، سواء كان بنفسه، أو بغيره، فاللقي: كالجنس، ومسلمًا كالفصل يخرج من حصل له اللقاء في حالة كفره، وبه فصل ثانٍ يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره من الأنبياء . والتعبير باللقاء أولى من التعبير بمن رأى لئلا يخرج العميان. (وَقِيلَ : مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةٍ) كَذَاكَ الأتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هو حال من الضمير في ((لاقى)). ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ضبطت في النسخة المقروءة على المصنف بكسر القاف، والأولى فتحها. ١٨٦ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِيّ - ٦٥٥ - وَقيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ عَامِ، (وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ (*) . عَامِ، (وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْو أَوْ (كذاك الاتباع) بنقل حركة همزة الاتباع إلى اللام، وحذفها، مبتدأ وخبر، أي التابعون (مع الصحابة) مثل الصحابة مع النبي ◌ٍَّ﴿ في جميع ما تقدم إلا الإيمان به، فإنه خاصّ بالنبيِ وَله. فالتابعي من لقي الصحابي مطلقًا، وهذا هو المختار، خلافًا لمن اشترط فيه طول الملازمة، أو صحة السماع، أو التمييز. قال العراقي: وقد أشار ويله إلى الصحابة والتابعين بقوله: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني)) (١) الحديث، فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية . (وقيل) الصحابي من لقي النبي ◌َ ◌ّ مسلمًا (مع) بسكون العين (طول) في الصحبة (ومع رواية) للحديث عنه نظرًا في الطول إلى العرف، وفي الرواية على أنها المقصودة من صحبته ميلي لتبليغ الأحكام عنه. وهذا القول للجاحظ المعتزلي. (وقيل) هو من لقي النبي ◌ُّيل (مع طول) أي طول المجالسة له، وهذا القول محكي عن أصحاب الأصول، أو بعضهم، وحاصله: أن الصحابي من طالت مجالسته له وَلير على طريق التبع له والأخذ عنه بخلاف من وفد عليه، وانصرف بلا مصاحبة، ولا متابعة، قالوا: وذاك معنى الصحابي لغة، ورد بإجماع أهل اللغة على أنه مشتقٍّ من الصحبة، لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً (وقيل: الغزو) أي قال بعضهم: هو من لاقاه مَّر، واقام معه حتى غزا غزوة فأكثر، فقوله: الغزو بالبحر بحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، أي مع الغزو (أو عام) بالجر أيضاً، أي: مع عام، يعني: أنه لاقاه وجالسه سنة فأكثر، وهذا القول مروي عن سعيد بن المسیب، وحاصله: أنه کان لا يعد صحابيًّا إلا من أقام مع رسول الله ێ سنة، أو سنتين، أو غزا معه غزوة، أو غزوتين؛ لأن لصحبته ، * شرفًا عظيمًا فلا ينال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج. (١) أخرجه الطبراني، والحاكم في المستدرك بلفظ: ((طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي، طوبى لهم وحسن مآب)). انظر ((صحيح الجامع)) للشيخ الألباني ج ٢ ص ٧٢٩ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يعني ولو لم يلق. اهـ. من هامش الأصل. ا ١٨٧ - الجُزءُ الثاني ٦٥٦ - وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ وَالْجنُّ رَأَوْا ٦٥٧ - دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائك وَمَا نَشْرِطْ بُلُوْغَا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا) قال العراقي: ولا يصح هذا عن ابن المسيب ففي إسناده إليه محمد بن عمر الواقدي ضعيف في الحديث. اهـ (١). وعلى تقدير صحته فهو مردود إذ مقتضاه أن لا يعد جريرًا البجلي وشبهه صحابة، إذا هو أسلم عام وفاة النبي بَّر على الصحيح، ولا خلاف أنهم صحابة. (وقيل) الصحابي (مدرك العصر) أي من أدرك زمنه قليل﴾ (ولو) لم يلق، ولم ير، فمدخول لو محذوف، يعني: أن الشخص يسمى صحابيًّا ولو لم يلقه، ولم يره ◌َّ، وهذا القول محكي عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعد من ذلك عبد الله بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إلى المدينة النبوية إلا في خلافة عمر باتفاق. فجملة الأقوال في النظم خمسة، وبقي سادس ذكره في التدريب، وهو أنه من رآه بالغًا حكاه الواقدي، وهو شاذّ والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول. قال الحافظ: لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه وَل﴾، وقاتل معه، أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه أو لم يحضر معه مشهدًا، وعلى من كلمه يسيراً، أو ماشاه قليلاً، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولة، وإن كان شرف الصحبة حاصلاً للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية. اهـ (٢). تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ وَالْجنُّ رَأَوْا وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّيْنِ وَلَوْ نَشْرِطْ بُلُوغَا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا) دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِك وَمَا (وشرطه الموت على الدين) مبتدأ وخبر، أي شرط الصحابي في دوام اسم الصحبة له موته على الإسلام فلا يعد من الصحابة من ارتد بعد الصحبة، ومات مرتدًّا، والعياذ بالله، كعبيد الله بن جحش، وعبد الله بن خطل (ولو تخلل الردة) يحتمل أن يكون فعلاً ماضيًا، وأن يكون فعلاً مضارعًا بحذف إحدى التاءين، وحذفت تاء التأنيث في الماضي (١) شرح الألفية ج ٣ ص ٨ - ٩ . (٢) شرح النخبة ص ١١٥، ١١٦. ٠ ١٨٨ شَرِجُ الْفِيُ الشَّيُوطِي - ٦٥٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالنَّوَاتُر وَشُهْرَةَ وَقَوْلُ صَحْبٍ آخَرٍ ٦٥٩ - (أَوْ تَابِعِيٌّ، وَالأَصَحُّ) : يُقْبَلُ إِذَا ادَّعَى (مُعَاصِرٌ) مُعَدَّلُ لأن الفاعل ليس حقيقي التأنيث، أي وإن فصلت الردة بين لقيه وَ لا وبين موته مؤمنًا، فإن اسم الصحبة باقٍ له في الأصح، سواء رجع إلى الإِسلام في حياته ێّ، أم بعد وفاته، وسواء لقيه ثانيًا أم لا، كالأشعث بن قيس، فإنه ممن ارتد، وأُتي به إلى أبي بكر رضي الله عنه أسيرًا، فعاد إلى الإِسلام، فقبل منه ذلك، وزوّجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها. قاله الحافظ (١). (والجن) مبتدأ، يعني: الذين لاقوه ◌َّالمؤمنين به، وخبره جملة قوله: (رأوا دخولهم) أي: ذهب العلماء إلى دخولهم في جملة الصحابة لأنهم مكلفون، شملتهم الرسالة (دون ملائك) أي دون الملائكة الذين رأوه ◌ّله، وكذا الأنبياء لأن الرؤية المعتبرة هي التي في عالم الشهادة. (وما) نافية (نشرط) من بابي ضرب، وقتل، وجزم للضرورة (بلوغًا في الأصح فيهما) أي: لا نشرط البلوغ في المسألتين، مسألة الصحابي، ومسألة التابعي، يعني: أن الأصح لا يشترط كون الصحابي بالغّا عند اللقاء، وإلا لخرج من أجمع على عده في الصحابة كالحسن، والحسين، وابن الزبير، ونحوهم. وكذلك الحكم في التابعي. ثم ذكر طرق معرفة صحبة الصحابي، فقال : وَشُهْرَةَ وَقَوْل صَحْبٍ آخَر وَتُعْرَفُ الصَّحْبَةُ بِالنَّوَائِرِ إِذَا ادَّعَىّ (مُعَاصَرٌ) مُعَّدَّلُ ( أَوْ تَابِعِيٌّ، وَالأَصَحُّ) : يُقْبَلُ (وتعرف الصحبة) فعل ونائب فاعله، أي: يعلم كون الشخص صحابيًّا بواحد من هذه الأمور الآتية : إما (بالتواتر) كالخلفاء الأربعة: وبقية العشرة، ونحوهم (و) إما بـ (شهرة) أي استفاضة قاصرة عن التواتر، كضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن. (و) إما بـ (قول صحب آخر) بصحبته، أي بإخبار صحابي غيره عنه أنه صحابي، كحممة بن أبي حممة الدوسي الذي مات بأصبهان مبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي ◌َلّ حكم له بالشهادة. (١) المصدر السابق ص ١١٥ . ١٨٩ الجزء الثاني - ٦٦٠ - وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ (النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدَّ بِهْ (*)) (أو) إما بقول (تابعي) بذلك أي: بإخبار تابعي واحد بأنه صحابي، وهذا قاله الحافظ بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. (والأصح يقبل) مبتدأ وخبر بتقدير حرف مصدري، أي: الأرجح من الأقوال أن يقبل (إذا ادعى) الصحبة (معاصر) للنبي وَّ (معدل) أي منسوب إلى العدالة. وحاصل المعنى: أنه إذا ادعى الصحبة من عاصر النبي وَل قبل قوله بشرط أن لا تمضي عليه مائة وعشر سنين من هجرة النبي ◌َّية؛ لقوله بتقدير: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد )) متفق عليه. زاد مسلم من رواية جابر: ((أن ذلك كان قبل موته بشهر)) ، ومقابل الأصح قول من قال: لا تثبت صحبته بقوله؛ لدعواه مرتبة يثبتها لنفسه، وقول من قال بالتفصيل: إذا ادعى صحبة يسيرة يقبل لتعذر إثباتها إذ ربما لا يحضره عندها أحد، أو طويلة فلا؛ لعدم التعذر . (النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّبِهْ) وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قال ابن حجر في الإصابة (ج ١ ص ٤ - ٥) في تعريف الصحابي: ((أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ◌ِّم مؤمنًا به ومات على الإسلام. فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى - ثم بين أنه يدخل في قوله: ((مؤمنًا به)) كل مكلف من الجن والإنس، وأنه يخرج من التعريف من لقيه كافراً وإن أسلم بعد ذلك، وكذلك من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وكذلك من لقيه مؤمنًا ثم ارتد ومات على الردة - والعياذ بالله. ويدخل في التعريف من لقيه مؤمنًا ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام ومات مسلما كالأشعث بن قيس فإنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر، وقد اتفق أهل الحديث على عدّه في الصحابة. ثم قال: ((وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين، كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما -. ثم قال: ((وأطلق جماعة أن من رأى النبي ◌َِّّم فهو صحابي، وهو محمول على من بلغ سن التمييز، إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه، نعم: يصدق أن النبي ◌ِّ رآه، فيكون صحابيًّا من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون تابعيًّا)). وبذلك اختار ابن حجر عدم اشترط البلوغ. وأما الملائكة فإنهم لا يدخلون في هذا التعريف؛ لأنهم غير مكلفين. وقد عرف الناظم ((التابعي)) هنا بمثل تعريف الصحابي، أي: من لقي الصحابي مؤمنًا بالإسلام ومات على ذلك. وهو الذي رجّحه الحاكم وابن الصلاح والنووي والعراقي وحكاه عن الأكثرين من أهل الحديث. وتعرف الصحبة بالتواتر، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من الصحابة المعروفين أو بالاستفاضة، كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن، أو بقول صحابي ما يدل على أن فلانًا - مثلاً - له صحبة، كما شهد أبو موسى لحممة بن أبي حممة الدوسي بذلك، أو بقول تابعي، بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح، أو = ١٩٠ شَرْجُ الفِيَّةُ السُّيُوطيّ - (وهم عدول) مبتدأ وخبر (كلهم) توكيد للمبتدإ، أي أن كل الصحابة عدول، من لابس الفتن، وغيرهم (لا يشتبه) يحتمل كونه نفيًا، وأن يكون نهيًا، لا يشتبه هذا الحكم على من له بصيرة في الدين، أو لا يشتبه عليك أيها الطالب للنجاة. فعلى الأول الفعل مرفوع سُكِّن للوقف، وعلى الثاني مجزوم. والمعنى: أن كل الصحابة رضي الله عنهم عدول مطلقًا، كبيرهم وصغيرهم، لابس الفتنة، أو لا . (النووي) مبتدأ خبره محذوف، أي قائل، أو فاعل لمحذوف، أي قال النووي رحمه الله (أجمع) على عدالة الصحابة رضي الله عنهم (من) فاعل ((أجمع)) (يعتد به) أي: يعتبر بإجماعه، وأشار به إلى أن الأقوال المخالفة لا يعتد بها، کقول من قال: هم كغيرهم يجب البحث عنهم، أو من قال: هم عدول إلى قتل عثمان، أو من قال: إلا من قاتل عليًّا، أو من قال: بعدالة من لابس الفتنة إذا انفرد(١)، أو من قال: بغير المقاتل والمقاتل، فكلها أقوال ساقطة. فعدالتهم ثابتة بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [ آل عمران: ١١٠]. وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [ الفتح: ١٨]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٤]، وقال: ﴿لِلْفَقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية [الحشر: ٨]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]، في آيات كثيرة. = بقوله هو إنه صحابي، إذا كان معروف العدالة وثابت المعاصرة للنبي ◌ِّم، أما شرط العدالة فواضح؛ لأنه لم تثبت له الصحبة من طريق غيره حتى يكون عدلاً بذلك، فلا بد من ثبوت عدالته أولاً، وأما شرط المعاصرة فقد قال ابن حجر في الإصابة (ج ١ ص ٦): ((فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي عِد ◌َّم؛ لقوله ◌ِ يّم في آخر عمره لأصحابه: ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد» رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، زاد مسلم من حديث جابر: أن ذلك كان قبل موته عِدَّم بشهر)). قال النووي: ((الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم، بإجماع من يعتد به)) وقال ابن حجر: ((اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)). وانظر تفصيل هذا في: التدريب (ص ٢٠٤، ٢٠٥) وفي الإصابة (ج ١ ص ٦ - ٩). (١) وعبارة العراقي: وقيل: يقبل الداخل فيها إذا انفرد؛ لأن الأصل العدالة، وشككنا في فسقه، ولا يقبل مع مخالفه، لتحقق فسق أحدهما من غير تعيين . اهـ . شرح الألفية ج ٣ ص ١٤ . - الجُزءُ الثاني ١٩١ ٦٦١- وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَآيَةِ الأَثَرْ: أَبُو هُرَيْرَةَ يَليهِ ابْنُ عُمَرْ ٦٦٢- وَأَنّسٌ وَالْبَحْرُ (كَالْخُذْرِيِّ) وَجَابِرٍ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ( ، والأحاديث كثيرة فمنها ما رواه الترمذي، وابن حبان، في صحيحه من حديث عبد الله ابن مغفل قال: قال رسول الله ◌َّلل: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذانى فقد آذن الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه )) . قال الحافظ: وهذا أدل حديث على تفضيلهم. ومنها حديث: ((خير الناس قرني)). المتواتر المتفق عليه، ومنها حديث: ((لا تسبوا أصحابي» متفق عليه. ومنها حديث: ((أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. ومنها حديث: ((إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين)). أخرجه البزار بسند رجاله موثقون. قاله السخاوي(١) . وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرُ: أُبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ (والمكثرون في رواية الأثر) النبوي، وهو مبتدأ، خبره قوله: أبو هريرة وما عطف عليه، أو محذوف تقديره سبعة، أي: الذین أكثروا في رواية الحديث النبوي، والمکثر هو الذي روى فوق الألف، هؤلاء السبعة أولهم (أبو هريرة) الدوسي رضي الله عنه المتوفى سنة ٥٩ فإنه أکثر الكل رواية، روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا (يليه) أي: يلي أبا هريرة في الإكثار عبد الله (ابن عمر) رضي الله عنهما المتوفى سنة ٧٣ فإنه روى ٢٦٣٠ حديثًا. وَجَابرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ وَأَنَسٌّ وَالْبَحْرُ (كَالْخُدْرِيِّ) (١) فتح ج ٤ ص ٩٦ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أكثر الصحابة رواية للحديث: أبو هريرة، ثم عائشة زوج النبي ◌ِ ◌ّم، ثم أنس بن مالك، ثم عبد الله بن عباس حبر الأمة، ثم عبد الله بن عمر، ثم جابر بن عبد الله الأنصاري، ثم أبو سعيد الخدري. هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف، وأزيد عليهم: ثم عبد الله بن مسعود، ثم عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد ذكر العلماء عدد أحاديث كل واحد منهم، واتبعوا في العد ما ذكره ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر - المطبوع في الهند - (ص ١٨٤) وقد اعتمد في عدده على ما وقع لكل صحابي في مسند أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد؛ لأنه أجمع، فذكر أصحاب الألوف ، يعني: من روى عنه أكثر من = ١ ، ١٩٢ شَرِجُ الْفِيَّة الشَّيُوطِيّ - ألفي حديث ثم أصحاب الألف يعني من روي عنه أقل من ألفين، ثم أصحاب المئين، يعني من روي عن = أكثر من مائة وأقل من ألف وهکذا إلى أن ذکر من روي عنه حدیثان ثم من روي عنه حديث واحد. ومسند بقي بن مخلد من أهم مصادر السنة . وقد قال فيه ابن حزم: «مسند بقي روي فيه عن ألف وثلثمائة صاحب ونیف، ورتب حدیث كل صاحب على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحدیث)) . انظر: نفح الطيب (ج ١ ص ٥٨١ وج ٢ ص ١٣١). ولكن هذا الكتاب الجليل لم نسمع بوجوده في مكتبة من مكاتب الإسلام، وما ندري هل فقد كله؟ ولعله يوجد في بعض البقايا التي نجت من التدمير في الاندلس. وأكثر الكتب التي بين أيدينا جمعًا للأحاديث -: مسند الإمام أحمد بن حنبل، وقد يكون الفرق كبيرًا جدًّا بين ما ذكره ابن الجوزي عن مسند بقي وبين ما في مسند أحمد - كما سترى في أحاديث أبي هريرة - ولا يمكن أن يكون كل هذا الفرق أحاديث فاتت مسند أحمد، بل هو في اعتقادي ناشىء عن كثرة الطرق والروايات للحديث الواحد. فقد قال الإمام أحمد في شأن مسنده: ((هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله عدي بم فارجعوا إليه، فإن کان فیه، وإلا فلیس بحجة». وقال أيضًا: ((عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله علي الم رجع إليه)). وقال الحافظ الذهبي: ((هذا القول منه على غالب الأمر، وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند)». وقال ابن الجزري: ((يريد أصول الأحاديث، وهو صحيح، فإنه من حديث - غالبًا - إلا وله أصل في هذا المسند -. انظر: خصائص المسند للحافظ المديني (ص ٩ و١٠) والمصعد الأحمد لابن الجزري (ص ٢١ و٢٢). نعم إن مسند أحمد فاتته أحاديث كثيرة، ولكنها ليست بالكثرة التي تصل إلى الفرق بينه وبين مسند بقي في مثل أحاديث أبي هريرة، والمتتبع لكتب السنة يجد ذلك واضحًا مستبينًا. ومع هذا فإن في مسند أحمد أحاديث مكررة مرارًا، ولم يسبق للمتقدمين أن ذكروا عدد ما فيه بالضبط، إلا أنهم قدروه بنحو ثلاثين ألف حديث إلى أربعين ألفًا. وأنا أظن أنه لا يقل عن خمسة وثلاثين ألفًا ولا يزيد عن الأربعين، وسيتبين عدده بالضبط عندما أكمل الفهارس التي أعملها له إن شاء الله تعالى. وسأذكر هنا عدد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي لهؤلاء التسعة المكثرين من الصحابة، وأذكر عدد أحاديثهم في مسند أحمد، ما عدا جابرًا وعائشة، فإني لم أكمل مسند جابر ولم أبدأ في مسند عائشة: أبو هريرة: ذكر ابن الجوزي أن عدد أحاديثه ٥٣٧٤، وفي مسند أحمد ٣٨٤٨ حديثًا (ج ٢ ص ٢٢٨ - ٥٤١). عائشة: ذكر ابن الجوزي أن أحاديثها ٢٢١٠، وحديثها في المسند (ج ٦ ص ٢٩ - ٢٨٢) .. أنس بن مالك: عند ابن الجوزي ٢٢٨٦ حديثًا، وفي مسند أحمد ٢١٧٨ حديثًا (ج ٣ ص ٩٨ - ٢٩٢). عبد الله بن عباس: عند ابن الجوزي ١٦٦٠ حديثًا، وفي مسند أحمد ١٦٩٦ حديثًا (ج ١ ص ٢١٤ - ٣٧٤). . عبد الله بن عمر: عند ابن الجوزي ٢٦٣٠ حديثًا، وفي مسند أحمد ٢٠١٩ حديثًا (ج ٢ ص ٢ - ١٥٨) . = - الجُزْءُ الثّاني ١٩٣ (و) يلي ابن عمر (أنس) بن مالك خادم رسول الله وَليّة المتوفى سنة ٩٣ عن ٩٩ سنة فإنه روى ٢٢٨٦ حديثًا، (و) يلي أنسًا (البحر) عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما المتوفى سنة ٦٨ عن ٧١ سنة، فإنه روى ١٦٩٦ حديثًا (كالخدري) أي كما يلي الخدري البحر، وهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري رضي الله عنهما فإنه روى ١١٧٠ حديثًا. (وجابر) بالرفع عطفًا على المرفوعات، أو بالجر عطفًا على ما قبله، أي كما يلي جابر فإنه روی ١٥٤٠ حدیثًا . (وزوجة النبي) بالرفع أو بالجر، أي كما تلي زوجة النبي وَّر، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أطلقها لشهرتها بكثرة الرواية من بين أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، توفيت سنة ٧، أو ٨ أو ٥٩ عن ٦٧ سنة، فإنها روت ٢٢١٠ أحاديث. (تنبيه): ترك الناظم رحمه الله الترتيب، وكان أولى به أن يرتبهم، فلو قال بعد البيت الأول: = جابر بن عبد الله: عند ابن الجوزي ١٥٤٠ حديثا، وحديثه في مسند أحمد (ج ٣ ص ٢٩٢ - ٤٠٠). أبو سعيد الخدري: عند ابن الجوزي ١١٧٠ حديثًا، وفي مسند أحمد ٩٥٨ حديثًا (ج ٣ ص ٢ - ٩٨). عبد الله بن مسعود: عن ابن الجوزي ٨٤٨ حديثًا، وفي مسند أحمد ٨٩٢ حديثًا (ج ١ ص ٣٧٤ - ٤٦٦). عبد الله بن عمرو بن العاص: عند ابن الجوزي ٧٠٠ حديث، وفي مسند أحمد ٧٢٢ حديثًا (ج ٢ ص ١٥٨ - ٢٢٦). واعلم أن هذه الأعداد في مسند أحمد يدخل فيها المكرر، أي: إن الحديث الواحد بعدد طرقه التي رواها بها. ومن المهم معرفة العدد الحقيقي بحذف المكرر واعتبار كل الطرق للحديث حديثًا واحدًا، ولم أتمكن من تحقيق ذلك إلاّ في مسند أبي هريرة، فظهر لي أن عدد أحاديثه في مسند أحمد بعد حذف المكرر منها هو ١٥٧٩ حديثًا فقط، فأين هذا من العدد الضخم الذي ذكره ابن الجوزي وهو ٥٣٧٤؟! وهل فات أحمد هذا كله؟! ما أظن ذلك، وإنما الذي أرجحه أن ابن الجوزي عد ما رواه بقي لأبي هريرة مطلقًا وأدخل فيه المكرر فتعدد الحديث الواحد مرارًاً بتعدد طرقه. وقد يكون بقي أيضًا يروي الحديث الواحد مقطعًا أجزاء باعتبار الأبواب والمعاني كما يفعل البخاري، ويؤيده أن ابن حزم يصفه بأنه رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه. وأيضًا فإن في مسند أحمد أحاديث كثيرة يذكرها استطرادًا في غير مسند الصحابي الذي رواها، وبعضها يكون مرويًا عن اثنين أو أكثر من الصحابة، فتارة يذكر الحديث في مسند كل واحد منهما، وتارة يذكره في مسند أحدهما دون الآخر. وقد وجدت فيه أحاديث لبعض الصحابة ذكرها في أثناء مسند لغير راويها ولم يذكرها في مسند راويها أصلاً، ولكن هذا له لا ينتج منه هذا الفرق الكبير بين العددين في مثل مسند أبي هريرة. ولعلنا نوفق لتحقيق عدد الأحاديث التي رواها عن كل صحابي كما صنعنا في رواية أبي هريرة إن شاء الله. وقد جمعت عدد الأحاديث التي نسبها ابن الجوزي للصحابة في مسند بقي فكانت ٣١٠٦٤ حديثًا، وهذا يقل عن مسند أحمد أو يقاربه. !ـ ١٩٤ شَرِجُ الْفِيَدُ الشَّيُوظِيّ - ٦٦٣ - وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى (وَعُمَرْ وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ٦٦٤ - ثُمَّ ابْنُ مَسْعُوه وَزَيْدٌ وَعَلِي وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ بحر فجابر فخدري يضم فأنس فزوجة النبي ثم لو في بالترتيب(١). (تنبيه آخر): هذه الأعداد مأخوذة من الحافظ ابن الجوزي، فإنه رحمه الله ذكرها في تلقيح فهوم أهل الأثر، معتمدًا على ما وقع لكل صحابي في مسند أبي عبد الرحمن بقي ابن مخلد، لكونه أجمع ما ألف من المسانيد، فاتبعه العلماء في ذلك، وقد تتبع العلامة المحقق ابن شاكر ما وقع لكل صحابي في مسند الإمام أحمد، وهو أقل حديثًا إلا في بعضهم، كابن عباس رضي الله عنهما فإن له في مسند بقي ١٦٦٠ حديثًا، وفي مسند أحمد ١٦٩٦ حديثًا، فراجع ما كتبه على هذه الألفية ص ٢١٨ - ٢٢٢ . وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي (والبحر) عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، مبتدأ خبره (أوفاهم) أي أتمهم، من وفي الشيء فهو وافٍ: إذا تم، يعني أكثرهم (فتاوى) بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف جمع فتوى بفتح الفاء وبالواو، أو فتيا بضم الفاء، وبالياء اسم من أفتى العالم: إذا بين الأحكام، أفاده في المصباح، وهو منصوب على التمييز. والمعنى: أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر الصحابة فتوى على الإطلاق، قاله الإمام أحمد بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، وقال ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة فذكرهم كما ذكرهم الناظم هنا (وعمر بن الخطاب (ونجله) بفتح فسكون يطلق على الوالد، والولد، ضد، والمراد به هنا الثاني: أي: ابنه عبد الله (و) عائشة (زوجة) النبي ◌َّ (الهادي) الخلق إلى الحق (الأبر) أي: الأصدق، أو الأتقى، (١) وقد رتبتهم بقولي: من الصحابة الأكارم الغرر المكثرون في رواية الخبر فأنس فزوجة الهادي الأبر أبو هريرة يليه ابن عمر وبعده الخدري فهو الآخر ثم ابن عباس يليه جابر - ١٩٥ الجزءالثاني ٦٦٥ - وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فيهَا جدًّا عشْرُونَ بَعْدَ مْتَةٍ قَدْعُدًّا والأكثر إحسانًا، يقال: بر الرجل يبر، وزان علم يعلم، فهو بر وبار: أي: صادق، أو تقي، وهو خلاف الفاجر، وبررت والدي أبره برًّا وبرورًا: أي: أحسنت إليه، أفاده ((في المصباح)) (ثم) بمعنى الواو عبد الله (ابن مسعود) الهذلي رضي الله عنه، المتوفى سنة ٣٢ هـ عن بضع وستين سنة (وزيد) بن ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه المتوفى سنة ٤٥ هـ (وعلي) بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه المتوفى سنة ٤٠ هـ عن ٦٣ سنة. قال ابن حزم: ویمکن أن یجمع من فتیا کل واحد من هؤلاء مجلد ضخم. وَبَعْدُهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ ٠٠ (وبعدهم) أي: بعد هؤلاء السبعة في كثرة الفتوى خبر مقدم لقوله: (عشرون) صحابيًّا(لا) ناهية (تقلل) أيها المحدث عدتهم عن عشرين، أي لا تنقصهم، أو لا تعد فتاواهم قليلة، فإنها كثيرة بالنسبة لغيرهم. وهم أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن ابن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة رضي الله عنهم، قال ابن حزم: يمكن أن يجمع من فتوى كل منهم جزء صغير . ونظمت هؤلاء العشرين بقولي (من الرجز): سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأَكْيَسُ(١) صِدِيِّقُهُم عُثْمَانُ سَعْدٌ أَنَسُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةُ وَالأَشْعَرِيُّ والزُّبِيْرُ طَلِحَةُ نَجْلُ حُصَيْنِ ونُفَيْعٌ حَبَّدَاً وَنَجْلُ عَمْرو وابنُ عَوْفٍ وَكَذَاً وابنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُو (٣) المكْرَمَهُ سَعْدٌ(٢) مُعَاوِيَةُ أُمُ سَلَمَهْ فِي عَصْرِهِمْ لمعْضِلِ الأَحْكَامِ فَهَؤُلاءِ مَرْجِعُ الأَنَامِ عشْرُونَ بَعْدَ مَأْتَةٍ قَدْعُدَّا وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جدَّا (وبعدهم) أي: بعد هؤلاء العشرين (من قل فيها) أي: في الفتاوىَ، وكان الأولى أن (١) صفة لمعاذ ومعناه الفطن، ومعاذ بمنع الصرف للوزن . (٢) أبو سعيد الخدري. اهـ . (٣) أي ملازمو صفة الكرم والشرف. اهـ . ١٩٦ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ - ٦٦٦ - وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْف ايْ عَهْدَ النَّبِي زَيْدٌ مُعَاذٌ وَأُبِيْ (*) يقول أقل لأن قل غير مناسب هنا، يقال: قل الشيء: صار قليلاً، وأقل الشيء جعله قليلاً كقلله: صادفه قليلاً، وأتى بقليل. أفاده في ((ق))، فالمعنى المناسب هنا هو الإتيان بالقليل من الفتاوى، فلو قال بدل الشطر: وبعد من أقل منها جدًّا، لكان أحسن جدًّا بالكسر، أي مبالغة يقال: فلان محسن (جدًا)، أي نهاية ومبالغة، قاله في المصباح. والمعنى: أن بعد العشرين صحابيًّا صحابة قلَّت فتاويهم جدًّا، لا يروي عن الواحد منهم إلا المسألة الواحدة، والمسألتان، والثلاث (عشرون) خبر لمحذوف، أي هم عشرون صحابيًّا، أو مبتدأ خبره ((عُدَّ)) (بعد مائة) حال من ((عشرين))، أي: حال كون العشرين بعد مائة من الصحابة: يعني: أنهم مائة وعشرون صحابيًّا، كأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسرد الباقين في ((التدريب))، هكذا قال، لكن الذي ذكره ابن حزم في ((إحكام الأحكام)) أنهم مائة وأربعة وعشرون فليحرر (قد عُدًّا) بالبناء للمفعول، أي ذكر: عددهم عند العلماء. ثم ذكر الصحابة الذين كانوا يفتون في عهد رسول الله مَ# بقوله: عَهْدَ النَّبِي زَيَّدٌ مُعَاذٌ وَأُبِيْ وَكَانَ يُقْسِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْف ايْ (وكان يفتي) الناس، أي: يبين لهم الأحكام (الخلفا) جمع خليفة قُصر للضرورة، وكان شانية، وجملة يفتي الخلفا، خبرها، يعني: أن الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق -: حبر الأمة عبد الله بن عباس، ثم بعده الآخرون الذين ذكرهم الناظم، قال ابن حزم في الإحكام: ((فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم -. ثم ذكر العشرين الذين أشار إليهم الناظم، وهم: أم سلمة، أنس، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عثمان، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، أبو بكر الصديق، طلحة، الزبير، عبد الرحمن ابن عوف، عمران بن الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان. وقال: ((يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدًّا- ثم قال: ((والباقون منهم رضي الله عنهم مقلون في الفتيا، لا يروي عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط، بعد التقصي والبحث ثم ذكرهم، وعددهم ١٢٤ صحابيًّا، وإن كان المؤلف هنا أشار إلى أنهم ١٢٠، وانظر: الإحكام لابن حزم (ج ٥ ص ٩٢ - ٩٤). والذين كانوا يفتون الناس في عهد رسول الله عزّيهم هم الخلفاء الأربعة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، - رضي الله عنهم. وهذا البيت الأخير لم يوجد في نسخ الشرح ولم يشرحه الشارح. ١٩٧ الجُزْءُ الثّاني - ٦٦٧ - وَجَمَعَ الْقُرآنَ مِنْهُمْ عِدَّهُ فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّهُ (*) وعثمان، وعليًّا، رضي الله عنهم كانوا يفتون الناس، وقوله(ابن عوف) عطف بحذف عاطف على الخلفاء، أي: وعبد الرحمن بن عوف (أي) تفسيرية (عهد) منصوب على الظرفية متعلق بلايفتي))، أي: في زمن (النبي) بَثّل . (زيد) معطوف على الخلفاء أيضًا بحذف عاطف، أي وزيد بن ثابت الأنصاري المتقدم (معاذ) هو ابن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، المتوفى سنة ١٨ هـ عن ٣٥ سنة (وأبي) بتخفيف الياء للوزن، هو ابن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ١٩ هـ وقيل: غير ذلك. والمعنى: أنه كان يفتي الناس في زمن رسول الله ◌َ ◌ّ الخلفاء الأربعة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب رضي الله عنهم. (تنبيه): هذا البيت لم يوجد في نسخة الشارح. ثم ذكر الصحابة الذين حفظوا القرآن بقوله : فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّةُ وَجَمَعَ الْقُرآنَ مِنْهُمْ عِدَّهْ (وجمع القرآن) أي كله حفظًا عن ظهر قلب (منهم) أي الصحابة (عده) أي: جماعة معدودون (فوق الثلاثين) الظرف صفة لـ ((عدة))، أي: بالغة فوق الثلاثين صحابيًّا، (فبعض عدة) مبتدأ وخبر، والهاء ضمير راجع إلى المذكور، أي: بعض العلماء عدَّ العدد المذكور. فمنهم الخلفاء الأربعة، والعبادلة الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد قيس بن السكن، وسعيد بن المنذر، وقيس بن أبي صعصعة، ومجمع بن جارية، وعبادة بن الصامت، وتميم الداري، وعقبة بن عامر، وسلمة بن مخلد، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم. فقد قال القرطبي: قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وذكر الناظم أنه ظفر بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك وهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، كانت تسمى الشهيدة، وقصتها مشهورة. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الذين حفظوا القرآن كله من الصحابة كثيرون، أشار الناظم على أنهم أكثر من ثلاثين، وقد ذكر الشارح أسماءهم. وانظر أيضًا الإتقان (ج ١ ص ٨٨ - ٩١) وانظر في المفتين والقراء: طبقات ابن سعد (ج ٢ ق ٢ ص ٩٨ - ١٣٦). ١٩٨ شَرِجُ الْفِيَةُ السّيُوظِيّ - ٦٦٨ - وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ ابْنُ رَوَاحَةً وَكَعْبٌ حَسَّانْ) ونظمت أسماء هؤلاء فقلت (من الرجز): منَ الصَّحَابَةِ فَنعْمَ العُدَّةٌ قَدْ حَفِظَ القُرآنَ كُلأَّ عِدَّةٌ وَنَجْلُ مَسْعُوَدِ سَعْدٌ حُذَيِفَةٌ الخَلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ طَلْحَةُ وَنَجْلِ سَائب كَذَا عَائِشَةٌ أَبُو هُرِيَرْةً وزيدٌ حَفْصةٌ قَيْسٌ مَعَاذٌ وَسَعيدٌ سَلَمَهُ عُويمرٌ قَيْسٌ وَأُمُّ سَلَمَهْ مُجَمِّعٌ مَعَ سَعِيدٍ عُقْبَةُ كَذَا أَبِيٌّ ذو المزَايَا الفاضلَهْ أَيْضًا لَهَا ذَا الفَضْلُ أُمُّ وَرَقَهْ أَكْرِمُ بِهِمْ قَوْمًا خيَارَ الأُمَّة فَاتْبَعْ طُرِيقَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدَ وَسَالِمٌ والأَشْعَرِي عُبَادَةُ تميمٌ الدَّارِي والعَبَادلَه شهيدةُ الدار لَدَى مَنْ حَتَّقَهْ فَهُمْ ثَلاثُونَ مَعَ الثَّلاثَةِ وَغَيْرُ هَؤُلاءِ أَيْضًا قَدْ وَرَّدْ (تنبيه): لا ينافي هذا ما ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: مات النبي ◌َّليل ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رضي الله عنهم؛ لأنه أجيب عنه بأجوبة: منها: أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن المهاجرين وغيرهم، لما أخرجه ابن جرير عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غیرهم، فذکروهم. وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ ابْنُ رَوَاحَةً وَكَعْبٌ حَسَّانْ) (وشعراء المصطفى) وسط ﴿ مبتدأ (ذوو الشان) مخفف الشأن بالهمز، أي أصحاب الحال المرضية صفة للشعراء، وصفهم به إشارة إلى أنهم هم المرادون في قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٧]، حيث استثناهم من قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٤]، (ابن رواحة) خبر المبتدإ، هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأكبر الأنصاري الخزرجي، نزل دمشق، وهو عقبي، بدري، نقیب، أمیر، شهید، له أحاديث انفرد له البخاري بحديث موقوف، استشهد مؤتة رضي الله عنه. اهـ. ١٩٩ الجُزْءُ الثّاني (الخلاصة)) باختصار(١) ، وعبد الله بن رواحة شاعر مشهور. أخرج ابن سعد بسنده عن مدرك بن عمارة، قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول، ورسول الله وَّل جالس وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه، فلما رأوني قالوا: يا عبد الله بن رواحة! فجئت فقال: اجلس فجلست بين يديه فقال: ((كيف تقول الشعر؟)) قلت: انظر في ذلك، ثم أقول. قال: ((فعليك بالمشركين)). ولم أكن هيأت شيئًا فنظرت، ثم أنشدته فذكر الأبيات فيها (من البسيط): تَقْبِيتَ مُوسَى وَنَصرًا كَالَّذِي نُصرُوا فَثَّتَ اللَّهُ مَا آتَكَ مِنْ حَسَن قال: فأقبل بوجهه مبتسمًا وقال: وإياك فثبتك الله. ومن أحسن ما مدح به النبي ◌َّل قوله (من البسيط): لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تُنْبيكَ بِالْخَبَرِ وأخرج أبو یعلی بسند حسن عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال : دخل النبي ﴾ مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه، وهو يقول (من الرجز): خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمِ نَضْربَكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ ضربًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقيله وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَليله فقال عمر: يا ابن رواحة أفي حرم الله، وبين يدي رسول الله وَ ل تقول هذا الشعر؟ فقال: ((خلّ عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل)). ا هـ الإصابة باختصار(٢) . (وكعب) عطف على الخبر هو كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب أبو عبد الله الأنصاري السلمي، بفتحتين، الشاعر المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، قال ابن سیرین: قال كعب بن مالك بیتین کانا سبب إسلام دوس وهما (من الوافر): فَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةً كُلَّ وَتْر وَخَيْبَرَ ثَمَّ أَغْمَدْنَا السُّيُوفَا تَخَبِّرُنًا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتَّ قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أو ثَقيفَا فلما بلغ ذلك دوسًا قالوا: خذوا لأنفسكم، لا ینزل بكم ما نزل. بثقيف، مات أيام قتل علي بن أبي طالب، وقيل: في خلافة معاوية رضي الله عنهم. اهـ. الإصابة باختصار (٣). (١) ص ١٩٧ . (٢) ج ٦ ص ٧٧ - ٧٨ . (٣) ج ٨ ص ٣٠٤ - ٣٠٦. ٢٠٠ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ - ٦٦٩- وَالْبَحْرُ وَبْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو وابْنُ الزَّبَيْرِ فِي اشْتِهَارِ يَجْرِي ٦٧٠ - دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ ((عَبَادِلَهُ)) (وَغَّلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ (*)) (حسان) عطف بحذف عاطف على الخبر أيضًا هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، ثم النجاري شاعر رسول الله آل﴾ . أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب قال: مر عمر بحسان في المسجد، وهو ينشد فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلي أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت النبي ◌َ لل يقول: ((أجب عني اللهم أيده بروح القدس)). وأخرجا أيضًا عن البراء رضي الله عنه أن النبي ◌َّ- قال لحسان: ((اهجم، أو هاجهم، وجبریل معك)». وأخرج أبو داود بسنده عن عائشة أن النبي ◌َّ: كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائمًا يهجو الذين كانوا يهجون النبي وَل فقال رسول الله وَل: ((إن روح القدس مع حسان مادام ينافح عن رسول الله ◌َ ليرٍ))(١). (تنبيه): هذا البيت ليس في نسخة الشارح. وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارِ يَجْرِي وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو (وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ) دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ ((عَبَادلَهُ)) (والبحر) عبد الله بن عباس، مبتدأ، خبره جملة يجري (وابنا) بصيغة التثنية مضاف إلى (عمر) بالصرف للضرورة (وعمرو) بفتح العين، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ٧٤ هـ وعبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة ٦٥ هـ (وابن الزبير) بالرفع عطف على المبتدإ، أي: عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المتوفى سنة ٧٣ هـ (في (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: العبادلة الأربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص. قال البيهقي: ((هؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة)) وابن مسعود ليس منهم؛ لأنه تقدم موته عنهم. واقتصر الجوهري في الصحاح على ثلاثة منهم فحذف ابن الزبير، وذكر الرافعي والزمخشري أن العبادلة هم: ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وهذا غلط من حيث الاصطلاح. وذكر ابن الصلاح أن من يسمى ((عبد الله)) من الصحابة نحو ٢٢٠ نفسًا، وقال العراقي: ((يجتمع من المجموع نحو ٣٠٠ رجل)) (ص ٢٦٢). (١) الإصابة ج ٢ ص (٢٣٧، ٢٣٨).