Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ - الجُزْءُ الأولُ ٣٤١ - ((وَآه)) ((ضَعيفٌ) ((ضَعَّغُوا)) يَلیه (ضُعِّفَ)) أَوْ ((ضُعْفٌ) ((مَقَالٌ فِيهِ)) ٣٤٢ - (تُنْكُر وَتَعْرِفْ)) ((فيه خُلْفٌ) ((طَعَنُوا)) (تَكَلَّمُوا)) (سَيُ حِفْظِ)) ((لَيِّنُ) ٣٤٣ - ((لَيْسَ بِحُجَّة)) أَوْ ((القَّويِّ) (بعُمْدَة)) ((بِذَاكَ)) ((بِالْمَرْضِيِّ» فقال لي: يا إبراهيم اكسُ ألفاظك أحسنها، لا تقل: فلان كذاب، ولكن قل: حديثه لیس بشيء. وهذا يقتضي أنها حيث وجدت في كلام الشافعي تكون في المرتبة الأولى. اهـ. ثم أشار إلى المرتبة الخامسة وهي الرابعة في النظم بقوله : كَـ((مُنْكِرِ الْحَدِيثِ)) أَوْ ((مُضْطَرِ بِهْ)) ثَمَّ((لا يُحْتَجَّ بِهْ)) ........ ((وَه)) ((ضَعِيفٌ) ((ضَعَّفُوا)) (ثم) بعد هذه المرتبة تلي المرتبة الخامسة والألفاظ المستعملة فيها قولهم فلان (لا يحتج به) وفلان مجهول (کمنکر الحدیث) أي کإطلاقھم علی الراوي أنه منکر الحدیث، أو حديثه منكر، أو له مناكير، أو له ما ينكر (أو مضطربه) بالجر عطفًا على منكر الحديث أي مضطرب الحديث، وذكر جماعة أن البخاري أطلق منكر الحديث على من لا تحل الرواية عنه، وفلان (واه) أي ضعيف، وفلان (ضعيف) من غير تقييدهما بمرة ولا بجدًّا، وفلان (ضعفوا) روايته فهذه كلها في مرتبة واحدة. ثم ذكر المرتبة السادسة وهي الخامسة في النظم بقوله : ((ضُعََّ) أَوْ ((ضُعْفٌ) ((مَقَالٌ فيه)) · يَلیە (تَكَلَّمُوا)) ((سَيُ حِفْظ)) (لَيِّنُ) (يُنْكَرِ وَيُعْرِفْ)) ((فيه خُلْفٌ) ((طَعَنُوا) بـ((عُمْدَة)) ((بِذَاكَ)) (بِالْمَرْضِيِّ) (لَيْسَ بِحُجَّةٍ)) أَوْ((الْقوِيِّ) (يليه) أي ما تقدم من الألفاظ في المرتبة الخامسة قولهم: فلان (ضعف) بالبناء للمفعول، أي ضعفه أهل الحديث (أو) فيه (ضعف) بضم الضاد وفتحها، أو في حديثه ضعف، وفلان (مقال فيه) أو فيه أدنى مقال، وفلان (ينكر ويعرف) بضم الياء فيهما والبناء للفاعل، أي يأتي مرة بالمناكير ومرة بالمشاهير. أفاده في التدريب، وفي نسخة المحقق تنكر، وتعرف بالتاء فيهما، الأول رباعي من الإنكار، فتضم تاؤه، والثاني ثلاثي من المعرفة. فتفتح، ومعناه تنكر أيها المحدث ما يأتي به مرة، وتعرف منه أخرى، لكونه يأتي ٣٨٢ شِرْعَ الِيَةُ الشَّيُوطِي ... بالمناكير والمشاهير، وفلان (فيه خلف) بضم فسكون، أي خلاف بين الحفاظ في حديثه، وفلان اختلف فيه . وفلان (طعنوا) فیه، أو مطعون فيه. وفلان (تكلموا) فیه. وكذا سكتوا عنه، أو فيه نظر من غير البخاري، وأما عنده فقد تقدم، وفلان: (سيئ حفظ) وفلان (لین) بفتح اللام وتشدید الیاء. قال ابن أبي حاتم: إذا أجابوا في الرجل، بـ ((لين)) الحديث فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارًا. قيل للدار قطني: إذا قلت: فلان لين أيش (١) تريد به؟ قال: لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقطه عن العدالة. وفلان (ليس بحجة أو) ليس بـ (القوي) أو المتين، أو المأمون، وفلان ليس بـ (عمدة) أي لا يعتمد عليه، وفلان ليس (بذاك) وربما قيل: ((ليس بذاك القوى)) أو ((فلان ليس (المرضيّ))) أو ليس يحمدونه أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق منه، أو في حديثه شيء، أو فلان مجهول، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو للضعف ما هو؟ ومعناه: أنه ليس ببعيد عن الضعف. فهذه الألفاظ كلها في المرتبة السادسة. ثم إن الحكم في المراتب الأربع الأول أنه لا يحتج بواحد من أهلها، ولا يستشهد به، ولا يعتبر به، وما عداها يخرج حديثه للاعتبار به، لإشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها. لكن قال البخاري: كل من قلت فيه منكر الحديث لا يحتج به، وفي لفظ: لا تحل الرواية عنه. وعلى هذا فهو من المرتبة الرابعة كما تقدم في ذاهب وسكتوا عنه أنهما من الثانية عنده. (تنبيه): كثيراً ما يطلقون على الراوي منكر الحديث لكونه روى حديثًا واحدًاً. وقال الذهبي: قولهم: منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر، بل إذا روى (١) في مرقاة الصعود ما ملخصه: أيش: بكسر الشين المنونة معناه أي شيء، وأصلها أي شيء، فخففت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الياء فتحركت بالكسر فكرهوا الكسرة فأسكنت، ولحقها التنوين، فحذفت لالتقاء الساكنين . وقال السيد في حاشية الرضي: أيش قيل هي كلمة مستقلة، بمعنى: أي شيء، وليست مخففة منه . اهـ. في هامش التدريب ج ١ ص ٣٤٦ . ٣٨٣ - الجُزْءُ الأول الرجل جملة وبعض ذلك مناكير فهو منكر الحديث. وقال السخاوي: وقد يطلق ذلك على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء. وقال ابن دقيق العيد: قولهم: روى مناکیر لا يقتضي مجرده ترك روايته حتى تکثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف، وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي يروي أحاديث منكرة، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث ((إنما الأعمال بالنيات)). (تنبيه آخر): ينبغي أن يتأمل في أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة، أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه، ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال، كأن يسأل عن الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة يريد أن ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل بمفرده بين حاله فى المتوسط . مثل ما قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه؟ فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف، يعني أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري، لا مطلقًا، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت ، وجرحه في آخر . وقد يكون الاختلاف لتغيير اجتهاده، يعني أنه يجتهد فيعدله، ثم يتغير اجتهاده فيجرحه، أو بالعكس، أفاده الحافظ السخاوي رحمه الله(١). (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله في البيت الأول: ((ما جاء)) إلى آخر البيت الثاني، وقوله: ((ومنه من یرمى)) إلى آخر البيت. وقوله: ((المقبول عن)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على مراتب التعديل والتجريح، وهي من مكملات باب من تقبل روايته، ومن ترد، ناسب ذكر باب التحمل عقبه، لأن من تحمل الحديث وهو غير متأهل للأداء، إما أن يؤدیه بعد التأهل فیقبل، أو قبله فیرد، فلذا قال: (١) انظر الفتح ج ٢ ص ١٢٧، ١٢٨ . ٣٨٤ شَرِجُ الْفُِّ السَّيُوطِّ تحمل الحديث ٣٤٤- وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبِىَّ قَدْ حَمَلا (أَوْ فِسْقه) ثُمَّ رَوَىَ إِذْ كَمَلا ٢٤٥ - يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ(*) وَالْمُشْتَهَرُ لا سَنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ ٣٤٦- تَمْييزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَّابًا قَدْ ضَبَطُوا وَرَدَّهُ الجَوَآبَا ٣٤٧ - وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنَجْلٍ هَارُونَ ( ** ) عَلَى ذَا (نَزّ) ٣٤٨ - وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ فَحَدُّهُ الجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرْ ٣٤٩ - وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّ أ) *** ) (وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ ( تحمل الحديث أي هذا مبحثه، وهو النوع الثامن والثلاثون من أنواع علوم الحديث. (أَوْ فِسْقِهِ) ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمَلا وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبِىَّ قَدْ حَمَلا لا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمَّعْتَبَرُ يَقْبَلَهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهرُ قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَبَا تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا وَنَجْلِ هَارُونَ عَلَى ذَا (نَزِّل) وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَتْبَّلِ فَحَدَّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرْ وَغَالبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ (وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ) وَكَتَبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من شرط الراوي أن يكون مسلمًا بالغًا. إنما هذا يشترط حين الأداء أو حين يروي الحديث لينقله عنه غيره، أما حين سماعه للحديث وتحمله إياه فلا يشترط ذلك. فإذا سمع شخص كافر حديثًا من شيخ ثم أسلم وحسن إسلامه وصار عدلاً ونقله إلينا: قبلنا روايته. وكذلك الصغير إذا كان يفهم ما يسمعه أو يراه ويميزه ثم رواه بعد بلوغه: قبلنا روايته أيضًا. ومثل ذلك الفاسق حين التحمل إذا صار عدلاً حين الأداء. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: موسى بن هارون الحمال أحد الحفاظ. ( **** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلفوا في السن التي يصلح فيها الصبي للراوية: فنقل القاضي = ٣٨٥ - الجُزْءُ الأول (ومن) موصولة، أو شرطية مبتدأ (بكفر) متعلق بـ ((حملا))، والباء بمعنى في ، أو بمعنى مع أي في حالة كفره، أو مع كفره (أو صبا) بكسر ففتح مقصورًا: الصغر، أي في حالة صغره (قد حملا) بالبناء للفاعل، والألف للإِطلاق، أي نقل الحديث (أو) حمل في حال (فسقه، ثم روى) ما حمله (إذ كملا) أي وقت كماله بالإسلام، والبلوغ والتوبة، وميم كمل مثلثة، والألف إطلاقية، وجملة قوله (يقبله الجمهور) خبر (من) ، أو جوابه، أي يقبل روايته أكثر أهل الحديث. والجمهور بالضم: الخلق العظيم، جمعه جماهير، سموا به لكثرتهم، وأصله الرملة المشرفة على ما حولها، سميت به لعلوها وكثرتها. وحاصل المعنى: أن من تحمل الحديث في حال كفره، أو صغره، أو فسقه، ثم أداه بعد کمال الأهلية قبله الجمهور. أما الكافر فقبول روايته اتفاق، كما قاله السخاوي، خلافًا لما أفاده في النظم من = عياض أن أهل الحديث حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين. قال ابن الصلاح: ((وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث)) واحتجوا بما رواه البخاري عن محمود بن الربيع قال: ((علقت من النبي عرُّ مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين)) قال النووي وابن الصلاح: ((والصواب اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزًا صحيح السماع، وإن لم يبلغ خمسًا وإلا فلا)). وهذا ظاهر. ولا حجة فيما احتجوا به من رواية محمود بن الربيع، لأن الناس تختلف في قوة الذاكرة، ولعل غير محمود ابن الربيع لا يذكر ما حصل له وهو ابن عشر سنين، وأيضًا فإن ذكره مجة وهو ابن خمس لا يدل على أنه يذكر كل ما رأى أو سمع. والحق أن العبرة في هذا بأن يميز الصبي ما يراه ويسمعه، وأن يفهم الخطاب ويرد الجواب. وعلى هذا يحمل ما روى عن موسى بن هارون الحمال، فإنه سئل: ((متى يسمع الصبي الحديث؟)) فقال: ((إذا فرق بين البقرة والحمار)). وكذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل عن ذلك؟ فقال: ((إذا عقل وضبط)) فذكر له عن رجل أنه قال: ((لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة)) فأنكر قوله هذا وقال: ((بئس القول! فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما!)). هذا في السماع والرواية. وأما كتابة الحديث وضبطه فإنه لا اختصاص لهما بزمن معين، بل العبرة فيهما باستعداده وتأهله لذلك. وذهب الناظم إلى أن تقديم الاشتغال بالفقه على كتابة الحديث أسد وأحسن، وهو كما قال في تعلم مبادئ الفقه، لا في التوسع فيه، فإن الاشتغال بالحديث والتوسع فيه - بعد تعلم مبادئ الفقه - يقوي ملكة التفقه في الكتاب والسنة في طالب العلم ويضعه على الجادة المستقيمة في استنباط الأحكام منهما، وينزع من قلبه التعصب للأراء والأهواء. وعندي أنه ينبغي لطالب العلم المشتغل بالحديث أن يكثر من درس الأدب واللغة حتى يحسن فقه الحديث، وهو كلام أفصح العرب وأقومهم لسانًا عَّم . ٣٨٦ شَرْجُ الْفِيَّةُ السَّيُوخِ - أنه قول الجمهور، لأن كمال الأهلية لا يشترط حين التحمل عندهم، واحتجوا بأن جبير بن مطعم رضي الله عنه قدم على النبي ◌َّ في فداء أسارى بدر، قبل أن يسلم، فسمعه حينئذٍ يقرأ في المغرب بالطور، قال جبير: ((وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي))، وفي لفظ: ((فأخذني من قراءته الكرب)) وفي آخر: ((فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن )) وكان ذلك سببًا لإسلامه، ثم أدى هذه السنة بعد إسلامه، وحملت عنه . وأما الفاسق فإنه إذا تحمل في حال فسقه، ثم زال فسقه وأدى فإنه يقبل عندهم من باب أولى. وأما الصبي: فإن الجمهور على قبوله إذا أدى بعد البلوغ، وشذ قوم فلم يقبلوه لأن الصبا مظنة عدم الضبط، ورد بالإجماع على قبول حديث جماعة من الصحابة مما تحملوه في الصغر، كالسبطين: الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن الزبير، وابن عباس، وغيرهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده، وكذلك كان أهل العلم من المحدثين سلفًا وخلفًا يحضرون الصبيان مجالس العلم، ثم يقبلون رواياتهم بعد البلوغ. ولما اختلف في وقت طلب الحديث للصبي ذكره بقوله (والمشتهر) من أقوال العلماء الذي صوبه المحققون، مبتدأ خبره جملة قوله (لا سن للحمل) أي عدم اعتبار سن معين في تحمل الحديث، والرابط كون الخبر في المعنى نفس المبتدأ (بل المعتبر) في ذلك، مبتدأ خبره قوله (تمييزه) أي كون الصبي مميزاً، وإن كان دون خمس، وإلا لم يصح، وإن كان ابن خمسين، ثم فسر التمييز، فقال (أن) مصدرية (يفهم) الصبي (الخطابا) بألف الإطلاق، أي مخاطبة الناس له، وأن وصلتها في تأويل المصدر بدل من تمييز أو خبر لمحذوف، أي هو فهمه الخطاب، وقوله (قد ضبطوا) جملة معترضة بين المتعاطفين، أي ضبط العلماء وقت التحمل بفهم الخطاب، ورده الجواب، وقوله: (ورده الجوابا) عطف على أن وصلتها والألف إطلاقية، أي رده جوابًا لمن خاطبه. وحاصل معنى البيت: أن المشهور من أقوال العلماء الذي صححه المحققون، كابن الصلاح، والنووي، وغيرهما في وقت التحمل، هو اعتبار التمييز، فإذا فهم الخطاب، ورد الجواب کان صحیح السماع، وإلا فلا. - الجُزْءُ الأولُ ٣٨٧ ومقابله: قول من قال: حده عشرون سنة، وهو الذي عليه أهل الكوفة، قالوا: لأنها مجتمع العقل، وقال أبو بكر الخطيب: قلَّ من كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين، وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء، ومذاکرتهم وسؤالهم. وقول من قال: إنه عشر سنين، وهو العادة لأهل البصرة، وقول من قال: إنه ثلاثون سنة وعليه أهل الشام، ومن قال: إنه خمس سنين، وعليه الجمهور كما يأتي. وبقيت أقوال تركتها خوف الإطالة(١) . (وما) موصولة مفعول مقدم لـ ((نزل)) (رووا) أي نقل العلماء (عن) الإمام أبي عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني، وهو أنه سئل متى يسمع الصبي الحديث؟ فقال: إذا عقل، وضبط، فذكر له عن ابن معين، أنه قال: لا يجوز سماعه قبل خمس عشرة سنة، لأن رسول الله سيآر رد البراء، وابن عمر رضي الله عنهما يوم بدر لصغرهم عن هذا السن، فأنكر قوله هذا، وقال: بئس القول، فكيف يصنع بسفيان، ووكيع، ونحوهما ممن سمع قبل هذا السن؟ قال: وإنما ذاك في القتال. قال السخاوي: على أن قول ابن معين هذا يوجه بحمله على إرادة تحديد ابتداء الطلب بنفسه، أما من سمع اتفاقًا، أو اعتنى به، فسمع، وهو صغير فلا، لا سيما، وقد نقل ابن عبد البر وغيره الاتفاق على قبوله. اهـ(٢). (و) كذا ما روي عن الحافظ أبي عمران بن المحدث أبي موسى، موسى (نجل) أي ابن (هارون) بن عبد الله بن مروان الحمال البغدادي البزاز(٣)، محدث العراق ثقة حافظ، قال عبد الغني بن سعيد: أحسن الناس كلامًا على الحديث ابن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدار قطني في وقته، ولد سنة (٢١٤ هـ) ومات في شعبان سنة (٢٩٤ هـ). والمنقول عنه: وأنه سئل متى يسمع الصبي؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار، وفي لفظ بين الدابة والبقر (على ذا) أي المذكور من أن المعتبر هو التمييز، دون التحديد بسن (١) وقد استوفيتها في الكبير . (٢) فتح ج ٢ ص ١٤٦. (٣) البزاز: بمعجمتين . ٣٨٨ شَرْع الْفِيَة السَّيُوطِي - مخصوص، متعلق بقوله (نزل) فعل أمر، من التنزيل بمعنى الحمل. والمعنى: احمل أيها المحدث ما روى عن الإمام أحمد، وموسى بن هارون على أنهما أراد التمييز والفهم. ثم إن الذي استقر عليه عمل المتأخرين هو التحديد بخمس سنين؛ لأنه يحصل فيه التمييز غالبًا، وإليه أشار بقوله: (وغالبًا) أي في غالب الأحوال، أو غالب الناس (يحصل) ما ذكر من التمييز (إن) شرطية (خمس) من السنين (غبر) أي مضى، وهو من الأفعال المستعملة للأضداد، يقال: غیر غبوراً، من باب قعد: بقى، أو مضى. وقيل: عبر بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. أفاده الفيومي. والمراد هنا معنى الماضي. (فحده) أي من أجل أن حصول التمييز غالبًا في الخمس حده، أي وقت السماع (الجل) بالضم، أي معظم أهل الحديث (بها) أي الخمس، فقد نقل القاضي عياض أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين. (ثم استقر) عليه عمل المتأخرين من أهل الحديث، فيكتبون لابن خمس، فصاعداً سمع، ولمن لم يبلغها حضر، أو أحضر، واحتجوا على ذلك بما رواه البخاري من حديث الزبيدي، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، قال: ((عقلت من النبي ◌َّار مجة مجها في وجهي من دلو، وأنا ابن خمس سنين))، وعليه بوَّب البخاري: ((باب متى يصح سماع الصغير)). وقال ابن رشيد: والظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك، لا أن بلوغها شرط لابد من تحقيقه، ونحوه قول غيره: اعتبر الجمهور المظنة، وهي الخمس، فأقاموها مقام المئنة، وهي التمييز والإدراك، والأولى أن تعتبر المظنة حيث .(١) لا تتحقق المئنة (١). وقال القاضي عياض: ولعل تحديد أهل الصنعة بالخمس، إنما أرادوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط، وعقل ما يسمع وحفظه، وإلا فمرجع ذلك العادة، ورب (١) المئنة كالمظنة: العلامة. اهـ. ((ق)). ٣٨٩ الجُزُءُ الأولُ - بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السن، ونبيل الجبلة، ذكي القريحة يعقل دون هذا السن . قال السخاوي رحمه الله(١): ولما بين أن وقت التحمل هو التمييز، وأنه يحصل غالبًا في الخمس شرع يبين وقت کتابته للحدیث، فقال: (وكتبه) بفتح فسكون مصدر كتب، مبتدأ، خبره جملة ((استعد))، أي كتابة الصبي للحديث (وضبطه) أي تحقيق الحديث (حيث استعد) أي عند كون الصبي مستعدًا، ومتأهلاً لذلك، فلا يتعين بوقت مخصوص، والحاصل أن اشتغال الصبي بكتابة الحديث، وتحصيله، وضبطه، وتقييده، فمن حين يتأهل لذلك، ويستعد له، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس ينحصر في زمن مخصوص. (وأن يقدم) الطالب (قبله) أي قبل اشتغاله بالحديث (الفقه) أي طلبه (أسد) أي أصوب، خبر لمحذوف، والجملة جواب إن بتقدير الفاء، أي فهو أسد، أي أكثر سدادًا بالفتح، وهو الصواب. وحاصل المعنى: أن تقديم طالب الحديث الاشتغال بالفقه أحسن من تقديم طلب الحديث، لأن الفقه مع كونه ثمرة الحديث يوجد فيه من المسائل الاجتهادية التي لا يتيسر لكل أحد استخراجها من النصوص، وإن لم تخرج منها، فإذا اشتغل الإنسان في أول أمره بالفقه يسهل عليه فهم ما يجب عليه من صنوف العبادات، وأيضًا يتمرن كيف يستنبط المسائل من النصوص، لكن هنا دقيقة ينبغي أن يتنبه لها، وهي أن لا يتعمق في الغوص على رأي بعض الناس بحيث يجعله أساسًا يبني عليه غيره، فيجعل المذهب ميزانًا يزن به ما ورد من النصوص، لأن ذلك يؤديه إلى التعصب، ورد النصوص الصحيحة، بل ينبغي أن يجعل النصوص ميزانًا لآراء العلماء، يقبل منها ما وافق، ويرد منها ما خالف، أيًّا كان القائل؟ وبالجملة فهذا الأمر مهواة بعيدة، ومغلطة شديدة، وقع فيها كثير من أهل العلم، فضلاً عن العوام، ولا سيما المتأخرون، إلا من عصم الله نسأل الله السلامة والعافية، وينبغي له أن يتبحر مع ذلك في اللغة، (١) فتح ج ٢ ص ١٤٥ . ٣٩٠ شَرِجُ الْغَة السَّبُوطِي - والصرف، وسائر علوم الأدب، فإنها تفتح له باب فهم النصوص. وعلوم الأدب، وتسمى علوم العربية اثنا عشر علمًا: النحو، والصرف، واللغة، والاشتقاق، والمعاني، والبيان(١)، والخط، والعروض، والقافية، وقرض الشعر(٢)، وإنشاء الخطب والرسائل، والتاريخ (٣)، ونظمت ذلك بقولي من البسيط: ثُمَّ المعَانِي كَذَا الْبَيَانُ قَافِيَةٌ نَحْوٌ وصَرْفٌ والاشْتَقَاقُ واللُّغَةُ تَارِيخُهُمْ بَعْدَهُ الإِنْشَاءُ خَاتَمَةٌ ثُمَّالْعَرُوض وَقَرْض الشَّعْرِ خَطَّهُمُ قَدْ سُمِّيَتُ فَاحْوِهَا فَإِنَّهَا رَأَيَةٌ فَتَلْكَ عَشْرٌ مَعَ اثْنَتَيْنِ بْلأَدَبِ (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((أو فسقه))، وقوله: ((نزل))، وقوله: ((وإن يقدم» إلخ . ولما أنهى الكلام على تحمل الحديث شرع يتكلم على وجوه التحمل، متممًا للفوائد المتعلقة بالباب المتقدم، فقال: (١) وأم البديع: فذيل لهذين العلمين. . (٢) وهو الإتيان بالكلام الموزون المقفى. (٣) هو معرفة أخبار الأمم الماضية، وتقلبات الزمان بمن مضى لتحصل ملكة التجار، والتحرز من مكائد الدهر . ٣٩١ - الجُزْءُ الأولُ أقسام التحمُّل ٣٥٠ - أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا ٣٥١- مِنْ حِفْظِ اوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَأَ ستْر إِذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَا ٣٥٢- مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ هَذَا شُعْبَهُ" ثُمَّ(سَمِعْتُ» فِي الأَدَاءِ أَشْبَهْ ٣٥٣- وَبَعْدَهُ التَّحْديثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّ (أَنْبَأْنَا)) (نَّأَنَا)) وَبَعْدُ ضُمّ ٣٥٤ - ((قَالَ لَنَا)) وَدُونَهُ ((لَنَا ذَكَرْ))) وَفِي الْمُذَاكَرَاتِ هَذه أَبَرّ (*) أقسام التحمل أي هذا مبحث أنواع تحمل الحديث، أي نقله عن الشيوخ، وهذا الباب مكمل للباب السابق، وليس بابًا مستقلاً بنفسه، ومجاميع هذه الأقسام ثمانية تأتي مفصلة مع الألفاظ التي يؤدي بها ما تحمله في كل قسم، فالقسم الأول ما ذكره بقوله : سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا ستْر إذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَاً مِنْ حِفْظ اوْ (١) مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَاً ثُمَّ(سَمِعْتُ) فِي الأَدَاءِ أَشْبَهُ مَعْتَمَّدٌ، وَرَّدَّ هَذَا شُعْبَهْ (أَنْبَأَنَا)) (نَبَّأَنَا) وَبَعْدُ ضُمْ وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّ وَفِي الْمُذَاكَرَاتِ هَذِهِ أَبَرَ ((قَالَ لَنَا)) وَدُونَهُ ((لَنَا ذَكَرْ))) (١) بوصل الهمزة للوزن. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من أراد أن يروي عن شيخ فإن أعلى أنواع التحمل أن يسمع لفظ الشيخ حين التحديث سواء كان الشيخ يملي على السامع، أم كان السامع بيده كتاب يقابل عليه، أم كان السامع يحفظ ما يسمع من غير كتاب وسواء كان الشيخ يحدث من حفظه أم من كتابه. وإذا كان الشيخ وراء ستر أو حجاب فالسماع منه جائز أيضًا إن عرفه السامع من صوته أو أخبره بمعرفته من يثق به. وقد ورد شعبة بن الحجاج رواية الراوي عمن لم يره، وشرط رؤية الشيخ، فقال: ((إذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته یقول حدثنا وأخبرنا)). = ٣٩٢ شَرْجَ الِفِيَة التَُّوطِىّ - ٣٥٥ - (وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((سَمِعْتُ)) أَخِّرَأَ وَقِيلَ : إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَاَ (*)) وَقِيلَ : إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَاً) (وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((سَمِعْتُ) أَخِّرَأَ (أعلى) أي أرفع (وجوه) أي طرق (من يريد حملا) أي أخذًا للحديث عن الشيوخ عند جمهور المحدثين وغيرهم، فقوله (أعلى) مبتدأ خبره قوله (سماع لفظ الشيخ) ويجوز العكس، أي سماع الطالب تلفظ الشيخ بالحديث، وقوله (أملى) فعل ماض، من الإملاء، لغة في أملل. يقال: أمللت الكتاب على الكاتب إملالاً، ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاء بمعناه والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس. وجاء الكتاب العزيز بهما، ﴿وَلَيَمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] أفاده الفيومي. وفي نسخة الشارح ضبط (إملا) بصيغة المصدر، والقصر للوزن، فيكون مفعولاً مطلقًا لفعل محذوف، أي أملى الشيخ إملاء، ويحتمل أن يكون خبرًا لـ ((كان)) المحذوفة. (أم لا) أي أم لم يمل، هي أم المعادلة لهمزة التسوية المقدرة كما قال ابن مالك: قال النووي: ((وهو خلاف الصواب وقول الجمهور)) قال الناظم في التدريب: ((فقد أمر النبي عدَّم بالاعتماد = على صوت ابن أم مكتوم المؤذن مع غيبة شخصه عمن يسمعه، وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وهن يحدثن من وراء حجاب)». ثم بيَّن الناظم درجات الألفاظ التي يحكي بها الراوي روايته، وهي ظاهرة. وقد جعل أدناها قول الراوي ((قال لنا فلان))، أو ((ذكر لنا فلان)) ورجح أن تستعمل هذه في المذكرات. وقد ذهب القاضي عياض إلى تساوي هذه الألفاظ كلها في الرواية عن سماع. قال ابن الصلاح (ص ١٤٠): ((في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ، على ما نبينه إن شاء الله تعالى، أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإبهام والإلباس». وقال أيضًا (ص ١٤١، ١٤٢): ((وأما قوله: (قال لنا فلان) أو (ذكر لنا فلان) فهو من قبيل قوله: (حدثنا فلان) غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة، وهو به أشبه من (حدثنا))). (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يريد أن البعض قال: إن ((حدثنا)) أرفع من ((سمعت)). قال ابن الصلاح: ((حدثنا)) و((أخبرنا)) أرفع من جهة، إذ ليس في ((سمعت)) دلالة على أن الشيخ رواه إياه بخلافهما. ا.هـ. قال الزركشي: ((والصحيح التفصيل، وهو: أن ((حدثنا)) أرفع، إن حدثه على العموم ((وسمعت)) إن حدثه على الخصوص)). ا. هـ. - الجُزْءُ الأُولُ ٣٩٣ أو همزة عن لفظ أي مغنية وأم بها اعطف إثر همز التسوية كان خفا المعنى بحذفها أمن وربما أسقطت الهمزة إن وفي قوله: أملي أم لا: الجناس التام. (من حفظ أو من کتب) أي سواء کان تحدیثه له من حفظه، أو من کتبه. وحاصل المعنى: أن أعلى وجوه تحمل الحديث أن يسمع الطالب لفظ شيخه سواء حدثه من حفظه أو من کتبه بإملاء، أو بغير إملاء. فقوله: من حفظ، أو من كتب يتعلق بكل من الإملاء وعدمه، فقد يكون الإملاء من الحفظ، أو الكتاب، وكذا غير الإملاء تارة يكون من الحفظ، وتارة من الكتاب كما تفيده عبارة التدريب وفتح المغيث. قال السخاوي: لكنه في الإملاء أعلى، لما يلزم فيه من تحرير الشيخ والطالب، إذ الشيخ مشتغل بالتحديث، والطالب بالكتابة عنه، فهما لذلك أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده، وإن حصل اشتراكه مع غيره من أنواع التحديث. اهـ (١). وإنما كان هذا النوع أرفع من الأنواع الآتية لأنه الغالب من النبي ◌َّ، لأنه أخبر الناس ابتداء، وأسمعهم ما جاء به، وأما سؤال الصحابة رضي الله عنهم له، وكذا تقريره لما جرى في حضرته، فمرتبة ثانية ثم إنه لا تشترط رؤية الشيخ متى تحققه بوجهٍ ما، وإليه أشار إليه بقوله: (ولو) كان الشيخ المُسْمِعُ (ورا) بالقصر للوزن (ستر) بكسر فسكون، أي حجاب (إذا عرفته) بصوته أو (أخبرا) بألف الإطلاق، أي أخبرك بأنه الشيخ الفلاني رجل (معتمد) بصيغة اسم المفعول، أي ثقة من أهل الخبرة بذلك الشيخ. وحاصل المعنى: أنه إذا سمعت الشيخ يحدث، وهو وراء الحجاب صح أن تروي عنه بشرط معرفتك له إما بصوته، أو بإخبار ثقة به . وهذا مذهب الجمهور من المحدثين، وهو بخلاف الشهادة (ورد هذا) أي السماع من وراء الستر (شعبة) بن الحجاج بن الورد، أبو بسطام العتكي الواسطي نزيل البصرة، فإنه شرط رؤية الشيخ لاحتمال أنه شيطان تصور بصورة ذلك الشيخ، يقول: حدثنا وأخبرنا . (١) فتح ج٢ ص ١٥٢ - ١٥٣ . ٣٩٤ شَرْع الْفِيَة السّيُوطِيّ - وهذا خلاف الصواب، إذ تمثل الشيطان بصورة لا يختص في حالة الاحتجاب، بل يجوز في العيان والمشاهدة أيضًا. ولأن الصحابة والتابعين كانوا يسمعون من أزواج النبي ◌َّ من وراء حجاب، ويروون عنهن، وبأن النبي ◌َ ل أمر باعتماد الصوت مع غيبة شخصه، فقال: ((إن بلالاً يؤذن بلیل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم » . وقد ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف من الأصوات))، وأورد لذلك دلائل کثیرة فارجع إليه . على أن بعضهم تأول قول شعبة هذا، بأنه محمول على احتجاب الراوي من غير عذر مبالغة في كراهة احتجابه . قال السخاوي: وأما النساء فلا خلاف في جواز الرواية عنهن مع وجوب احتجابهن. اهـ (١). ثم ذكر صيغ الأداء المستعملة في هذا القسم فقال: (ثم سمعت) أي هذا اللفظ مبتدأ محكي لقصد لفظه (في الأداء) أي رواية ما تحمله بسماع لفظ الشيخ متعلق بقوله (أشبه) أي أولى بالتقديم مما يأتي بعد، وهو خبر المبتدأ. وحاصل المعنى: أن قول من تحمَّل بسماع لفظ الشيخ: سمعت في الأداء أولى مما يأتي، لأنه لا يكاد أحد يقول: سمعت في الإجازة والمكاتبة ولا في التدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا، فقد استعملها في الإجازة فطر بن خليفة وغيره. وروي أن الحسن البصري كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدَّث أهل المدينة، والحسن بها . كما كان يقول: خطبنا ابن عباس بالبصرة، ويريد خطب أهل البصرة، كما كان ثابت يقول: قدم علینا عمران بن حصين . والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا. (وبعده) أي بعد سمعت، خبر مقدم لقوله (التحديث) أي اللفظ المشتق منه، وهو لفظ حدثني، وحدثنا، يعني: أن لفظ حدثني وحدثنا يلي سمعت لكونه يطلق في الإِجازة بخلاف سمعت (فـ) يلي (الإخبار) بكسر الهمزة، أي ما اشتق منه كأخبرني، وأخبرنا، (١) فتح ج ٢ ص ٢١٠ - ٢١١ . ٣٩٥ - الجُزْءُ الأولُ وهو كثير الاستعمال، حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيره (ثم) بعد الإِخبار لفظ (أنبأنا) و(نبأنا) بتشديد الباء، وهما قليلا الاستعمال فيما سمع من لفظ الشيخ، وهذا قبل اشتهار استعمال ((أنبأنا)) في الإِجازة، وأما بعده، فقال العراقي: إن إطلاق أنبأنا بعد اشتهار استعمالها في الإِجازة يؤدي إلى أن نظن بما أداه بها أنه إجازة فيسقطه من لا يحتج بها، فينبغي أن لا يستعمل في المتصل، بالسماع لما حدث من الاصطلاح. اهـ.(١) (وبعد) بالبناء على الضم، أي بعد أنبأنا ونبأنا (ضم) بالبناء للمفعول فعل ماضٍ مغير الصيغة، أو بصيغة الأمر. وقوله (قال لنا) نائب فاعل على الأول، ومفعول به على الثاني، لقصد لفظه. أي ضم قول القائل: قال لنا فلان، أو قال لي فلان، إلى ما تقدم، أو ضم أيها المحدث على ما تقدم قوله قال لنا إلخ (ودونه) أي دون ما تقدم من أنبأنا ونبأنا وليس المراد أنه دون قال لنا: لأنهما في مرتبة واحدة، ولو قال: ومثله لكان أولى (لنا ذكر) أي: هذا اللفظ، هو مبتدأ محكي لقصد لفظه، خبره الظرف قبله. يعني: أن قول الراوي: ذكر لنا فلان، أو ذكر لي فلان دون قوله: أنبأنا، فهي مثل حدثنا في كونه متصلاً، لكنهم كثيرًا ما يستعملون هذا فيما سمعوه في حال المذاكرات، كما أشار إليه بقوله (وفي المذاكرات) أي: في حال المذاكرات مع الشيخ والمناظرة له، متعلق بـ أبر (هذه) أي ذكر لنا، ولو قال: هذان إشارة إلى قال لنا، وذكر لنا لكان أولى، فقوله: هذه مبتدأ، خبره قوله (أبر) أي: أحسن. وحاصل المعنى: أن استعمال ذكر لنا وما أشبهه في أداء ما سمعه مذاكرة أحسن من حدثنا (وبعضهم) أي: بعض العلماء، وهو ابن الصلاح، مبتدأ، خبره قوله (قال: سمعت) أي استعمالها (أخرا) بالبناء للمفعول، والألف إطلاقية، يعني أن سمعت مؤخرة عن حدثنا ونحوها ويحتمل كونه فعل أمر، والألف بدل من نون التوكيد، أي أخرن أيها المحدث ((سمعت)) من حدثنا ونحوها، فقوله سمعت على الأول مبتدأ محكي خبره أخرا، وعلى الثاني مفعول مقدم لـ ((أخرا)). وحاصل المعنى: أن بعضهم قال: إن سمعت مؤخرة عن نحو حدثنا؛ لأنها لا تدل على أن الشيخ خاطبه بالحديث بخلاف حدثنا ونحوها فإنها تدل عليه، وقد سأل الخطيب شيخه (١) شرح الألفية ج ٢ ص ٢٥ . ٣٩٦ شَرِجُ الْفِرَةِ الشَّيُوَطِيّ - ٣٥٦ - وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ ((عَرْضًا)) دَعَوْا قرَأَتَهَا مِنْ حِفْظ اوْ كِتَابِ أوْ ٣٥٧- سَمِعَتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ يَحْسَفَظُهُ، أَوْ ثِقَةٌ مُـْـتَمِعُ ٣٥٨- أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْمَعُ أَصْلاً أَوْجَرَى عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَأَ الحافظ أبا بكر البرقاني (١) عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأنبدوني: سمعت، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا، فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسرًا في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا؛ لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده، قاله في التدريب (٢). (وقيل) أي: قال بعضهم، وهو الزركشي، والقطب القسطلاني: إنما تؤخر سمعت عن نحو حدثنا (إن) كان المحدث على وجه العموم أخبرا بألف الإطلاق، أي: أخبر الناس عموماً، يعني أنه إذا أخبر الناس على جهة العموم تكون حدثنا ونحوها أرفع من سمعت، وإلا فلا. ولما أنهى الكلام على القسم الأول، والصيغ المستعملة فيه شرع يذكر القسم الثاني، وهو القراءة فقال: قرَأَتَهَا مِنْ حِفْظِ اوْ (٣) كِتَاب اوْ وَبَعْدَ ذَا قَرَاءَةٌ ((عَرْضًا)) دَعَوْا يَحْفَظُهُ، أَوْ ثَقَةٌ مُسْتَمِعُ سَمِعَتَ مِنْ قَار لَهُ وَالْمُسْمِعُ عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَأَ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْمِعُ أَصْلاً أَوْجَرَى (وبعد ذا) أي بعد القسم الأول، وهو السماع من لفظ الشيخ في الرتبة، فالظرف خبر مقدم لقوله (قراءة) على الشيخ يعني : أن قراءة الطالب على الشيخ تلي في المرتبة السماع من لفظه، وقوله (عرضًا) بفتح فسكون مفعول لـ (دعوا) أي سموها عرضًا، يعني أن العلماء، وهم أكثر المحدثين من الشرق، وخراسان سموا القراءة عرضًا، بمعنى أن القارئ (١) بفتح فسكون نسبة إلى برقان، قرية بنواحي خوارزم، وهو أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الفقيه. اهـ. لباب ج ١ ص ١٤٠ . (٢) ج ٢ ص ١١ . (٣) بدرج الهمزة للوزن . ٣٩٧ الجُزُءُ الأولُ يعرض الحديث على الشيخ كما يعرض القرآن على المقرئ، وكان أصله وضع شيء على عرض(١) شيء آخر؛ لينظر في استوائهما وعدمه. لكن قال الحافظ في شرح البخاري: بين القراءة والعرض عموم وخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة لأن العرض عبارة عما يعرض به الطالب أصل شيخه معه، أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة. اهـ. ثم إن القراءة تشمل القراءة بنفسه، أو بغيره، وهو يسمع من حفظه، أو كتابه، وإليه أشار بقوله (قرأتها) أي: الأحاديث بنفس على الشيخ (من حفظ) أي من ظهر قلبك (او كتاب) لك، أو للشيخ، أو لغيره، يعني أن قراءتك الأحاديث من حفظ أو من كتاب لا فرق بينهما . (أو سمعت) القراءة من (قار) أصله قارئ، فخففت الهمزة بالقلب، ثم أعل كإعلال قاضٍ (له) أي: للحديث (و) الحال أن (المسمع) بصيغة اسم المفعول، أي: الشيخ الذي يسمعه الطالب قراءته، أو بصيغة اسم الفاعل، أي: الشيخ الذي تصدى لإسماع الناس الحديث، والأول أولى، لأنه في هذه الصورة يسمعه القارئ قراءته، وإن كان في الأصل هو الذي يسمع الطالب حديثه في الغالب، فتأمل. وهو مبتدأ خبره قوله (يحفظه) أي: الحديث المقروء عليه (أو ثقة) بالرفع عطفًا على فاعل يحفظ لفصله بالضمير المنصوب، أي أو يحفظه (ثقة مستمع) لتلك القراءة غير غافل، ومسألة حفظ الثقة زادها العراقي على ابن الصلاح، قال: لا فرق بين إمساك الثقة لأصل الشيخ وبين حفظ الثقة لما يقرأ. (أو أمسك) الشيخ (المسمع) بالضبط المتقدم للحديث (أصلاً) أي: أصله الذي سمعه من شيخه (أو جرى) في إمساك الأصل (على الصحيح ثقة) فاعل جرى (أو من قرا) عطف عليه، أي أو جرى في إمساك الأصل القارئ الذي قرأ الحديث، يعني أنه لا يشترط حفظ ذلك الحديث الذي يقرؤه الطالب، بل إذا أمسك الشيخ أصله، أو أمسك ثقة، أو القارئ نفسه جاز في صحة العرض، بل هذا هو الأولى، ولذا قال الحافظ رحمه الله: ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ، لأنه خوان. (١) عرض بضم فسكون: جانبه . اهـ . ٣٩٨ ٣٥٩ - وَالأَكْثَرُونَ حَكَوْاْ الإِجْمَاعَا أَخْذَا بِهَا وَأَلْغَوْا النِّزَعَا ٣٦٠- وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا (*) وشرط أحمد في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيث لو فرض من القارئ تحريف، أو تصحيف لرده، وإلا فلا يصح التحمل بها. قاله في التدريب (١). ثم ذكر اختلاف العلماء في حكم هذا القسم، فقال: وَالأَكْثَرُونَ حَكَوْاْ الإِجْمَاعَا أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوْاْ النِّزَعَا سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ (١) ج ٢ ص ١٣ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: القراءة على الشيخ تسمى عندهم ((عرضًا)). وهي جائزة في الراوية، سواء في ذلك أكان الراوي يقرأ من حفظه أم من كتابه أم سمع غيره يقرأ كذلك على الشيخ. بشرط أن يكون الشيخ حافظًا لما يقرأ عليه أو يقابل على أصله الصحيح، أو يكون الأصل بيد القارئ أو بيد أحد المستمعين الثقات. قال الحافظ العراقي: ((وكذا إن كان ثقة من المسلمين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل فذلك كافر أيضًا» نقله الناظم في التدريب وأقره وهو عندي غير متجه؛ لأنه إذا كان الشيخ غير حافظ لروايته ولا يقابل هو أو غيره على أصله الصحيح، وكان المرجع إلى الثقة بحفظ أحد السامعين: كانت الرواية في الحقيقة عن هذا السامع الحافظ، وليست عن الشيخ المسموع منه. وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان. وقال الحافظ ابن حجر في باقي الصور ((ينبغي ترجيح الإمساك - أي: إمساك الأصل - في الصور كلها على الحفظ؛ لأنه خوان». والرواية عن الشيخ قراءة عليه ((رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك، إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد به» كما قال النووي. ومن خالف في ذلك وكيع، قال: ((ما أخذت حديثًا عرضًا قط)) وحكى الناظم في التدريب (ص ١٣١) القول بصحتها عن كثير من الصحابة والتابعين، ثم قال: ((ومن الأئمة ) - يعني القائلين بالصحة - ابن جريج والثوري وابن أبي ذئب وشعبة والأئمة الأربعة وابن مهدي وشريك والليث وأبو عبيد والبخاري، في خلق لا يحصون كثرة، وروى الخطيب عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق، العرض مثل السماع. واستدل الحميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة لما أتى النبي ◌ِّم فقال له: إني سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك بربك وربّ من قبلك، آلله أرسلك؟ الحديث، في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغه فأجازوه، أي: قبلوه منه وأسلموا. = ٣٩٩ - الجُزُءُ الأولُ (والأكثرون) من المحدثين والفقهاء مبتدأ خبره قوله (حكوا الإجماعا) أي رووا إجماع العلماء، وفي نسخة قد حكوا إجماعًا (أخذًا) منصوب بنزع الخافض، أي على الأخذ (بها) أي بالقراءة . وحاصل المعنى: أن أكثر العلماء نقلوا إجماع السلف والخلف على صحة الرواية بالقراءة (وألغوا النزاعا) أي ردوا الخلاف المحكي في ذلك لكونه غير معتبر. وهو ما حكي عن أبي عاصم النبيل، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي، ووكيع، ومحمد بن سلام، وغيرهم ممن كان يشدد من أهل العراق. وممن قال بصحتها من الصحابة: أنس، وابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين: ابن المسيب، وأبو سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن هرمز، وعطاء، ونافع، وعروة، والشعبي، والزهري، ومكحول، والحسن، ومنصور، وأيوب. ومن الأئمة: ابن جريج: والثوري، وابن أبي ذئب، وشعبة والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري، في خلق لا يحصون كثرة. وعن إبراهيم بن سعد أنه قال: ألا تدعون تنطعكم يا أهل العراق؟ العرض مثل السماع . واستدل له أبو سعيد الحداد كما أخرجه البيهقي في المعرفة من طريق ابن خزيمة سمعت البخاري يقول: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي وَيّ في القراءة على العالم فقيل له؟ فقال: قصة ضمام بن ثعلبة قال: آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))، ورجع ضمام إلى قومه، فقال لهم: إن الله بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا، وقد جئتكم من عنده مما أمركم به، ونهاکم عنه، فأسلموا عن آخرهم. قال البخاري: فهذا قول ضمام: آلله أمرك؟ قراءة على النبي ◌َّ، وأخبر ضمام قومه بذلك، فأجازوه أي قبلوه منه. قاله السخاوي (١). = وأسند البيهقي في ((المدخل)) عن البخاري قال: قال أبوسعيد الحداد: عندي خبر عن النبي عزَّ في القراءة على العالم، فقيل له، قال: قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). وقد عقد البخاري لذلك بابًا في صحيحه في كتاب العلم وهو ((باب القراءة والعرض على المحدث)) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٨ طبعة بولاق): ((وقد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزئ، وإنما كان يقوله بعض المتشددين من أهل العراق)). (١) فتح ج ٢ ص ١٧٠. ٤٠٠ شَرِيعُ الْقِيَةُ الشَّيُوطِىّ ثم إنهم اختلفوا: هل هي أرجح من السماع، أم مساوية له، أم دونه، وإليه أشار بقوله (وكونها) على القراءة، مبتدأ (أرجح مما قبل) أي من السماع من لفظ الشيخ (أو ساوته) أي صارت مساوية له في الرتبة (أو تأخرت) عنه (خلف) بضم فسكون، خبر المبتدأ، أي في هذه الوجوه اختلاف للعلماء (حكوا) صفة لـ ((خلف))، أي محكي نقله العلماء عن المحدثین، وغيرهم. وحاصل معنى البيت: أن العلماء في القراءة: هل هي أرجح منه، أو مساوية، أو دونه، اختلفوا على أقوال: الأول: أنها أرجح، وهو محكي عن أبي حنفية، وابن أبي ذئب، وغيرهما، ورواية عن مالك، والليث، وشعبة، وابن لهيعة، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن عبد الله بن بکیر، وغيرهم. وعللوه بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه إما لجهله، أو لهيبة الشيخ، أو لظنه فيما يكون فيه المحل قابلاً للاختلاف أن ذلك مذهبه. الثاني: هو المساواة وهو محكي عن مالك، وأصحابه، وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم أهل الحجاز، والكوفة، والبخاري، وغيرهم، وروي عن علي، وابن عباس رضي الله عنهم. قال الناظم: وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها ردًّا على من أنكرها، لا في اتحاد المرتبة. اهـ(١). والثالث: هو ترجيح السماع عليها وهو محكي عن جمهور أهل المشرق، وخراسان، وهو الصحيح . قال السخاوي رحمه الله: لكن محله ما لم يعرض عارض يصير العرض أولى، بأن يكون الطالب أعلم، أو أضبط، ونحو ذلك، فالحق أن كل ما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ أكثر كان أعلى مرتبة. وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله وأحد السامعين يقابل بأصل آخر ليجتمع فيه اللفظ والعرض. اهـ (٢). ثم ذكر الصيغ المستعملة لأداء ما تحمله بالعرض، فقال: (١) تدريب ج ٢ ص ١٤، ١٥. (٢) فتح ج ٢ ص ١٧٤ .