Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ - الجُزْءُ الأولُ صدوره عن النبي وَلّ، وفيما صرح الصحابي بعدم سماعه منه عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون قطعًا. أفاده الحافظ(١). ثم أشار إلى أن الحكم بالإِدراج في الوسط، أو الأول ضعيف بقوله (وَوَهَى) أي ضعف (عرفانه) بكسر فسكون مصدر عَرَف: إذا علم بحاسة من الحواس الخمس قاله في المصباح، أي معرفة الإدراج (في وسط) بفتح فسكون بمعنى بين، أي في أثناء الأحاديث (او) في (أولها) أي الأحاديث. والمعنى: أن معرفة الإدراج والحكم به في أول الحديث أو في وسطه ضعيف. قال ابن دقيق العيد: والطريق إلى الحكم بالإِدراج في الأول أو الأثناء صعب لا سيما إن كان مقدمًا على اللفظ المروي، أو معطوفًا عليه واو العطف، وقال أيضًا: إنما يكون الإدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق. اهـ. قال السخاوي: وكأن الحامل لهم على عدم تخصیص ذلك بآخر الخبر تجويز كون التقديم والتأخير من الراوي لظنه الرفع في الجميع واعتماده على الرواية بالمعنى فبقي حينئذ في أول الخبر، وأثنائه بخلافه قبل ذلك. قال: وإلى ذلك أشار العراقي في شرح الترمذي، وقال: إن الراوي رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، وصار الموقوف لذلك أول الخبر، أو وسطه، ولا شك أن الفاصل معه زيادة علم فهو أولى، بالجملة فقد قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجر: إنه لا مانع من الحكم على ما في الأول والآخر أو الوسط بالإدراج إذا قام الدليل المؤثر غلبة الظن . وقد قال أحمد: كان وكيع يقول في الحديث: ((يعني كذا وكذا)) وربما طرح ((يعني)) وذكر التفسير في الحديث، وكذا كان الزهري يفسر الأحاديث كثيراً وربما أسقط أداة التفسير، فكان بعض أقرانه دائمًا يقول له: افصل كلامك من كلام النبي ◌َّ إلى غير ذلك من الحكايات. اهـ(٢). ثم ذكر القسم الثاني، وهو مدرج الإِسناد ومرجعه كما قال المحقق ابن شاكر في الحقيقة إلى المتن، وهو ثلاثة أقسام، فقال: (١) النكت ج ٢ ص ٨١٦ . (٢) فتح ج ١ ص ٢٨٧، ٢٨٨. ٢٨٢ شَرِجُ الْفِّيَُّ السَّيُظِى _ ٢٤٦ - وَهُدْرَجُ الإِسْنَادِ (مَتْنَيْنِ رَوَى بسَّد لوَاحِدٍ)، أَوْ ذَا سِوَى ٢٤٧ - طَرْفٍ بِإسْنَادِ فَيَرْوِي الْكُلَّبَةَ أَوْ بَعْضَ مَتْنٍ فِي سِوَهُ يَشْتَِهْ ٢٤٨ - أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلَفَا فِي سَنَدٍ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفَا بسَنَد لوَاحد)، أَوْ ذَا سوَى وَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ (مَنْنَيْنِ رَوَى أَوْ بَعْضَّ مَتْنِ فِيّ سِوَهُ يَشْتَبِهْ طَرْف بإِسْنَادٍ فَيَزَّوِي الْكُلَّ به فِي سَنَدٍ ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفًا أَوْ قََّلَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلَفَا (ومدرج الإسناد) كلام إضافي مبتدأ، والإضافة بمعنى ((في)) كما تقدم، أي الشيء الذي أدرج في الإسناد، أو من إضافة الصفة للموصوف، والحذف والإيصال، أي الإسناد المدرج فيه، وقوله: (متنين) مفعول مقدم لـ (روى) وهو بتقدير حرف مصدر أي: أن روى، وهو في تأويل المصدر خبر المبتدأ وتقدير الكلام: ومدرج الإسناد رواية متنين مختلفین بإسنادین مختلفین، وقوله: (بسند) متعلق بـ (روئ)) وقوله: (لواحد) صفة له، أي: رواهما بسند أحدهما مقتصراً عليه. وحاصل المعنى: أن مدرج الإسناد أقسام: (أحدها»: أن يكون عنده متنان مختلفان بإسنادین مختلفین، فیرویهما بإسناد أحدهما کحدیث: «إنما الأعمال بالنيات))، وحديث: «بني الإسلام على خمس، کلّ منهما له إسناد خاص به، فرواه بإسناد أحدهما. وثانيها: أن يكون عنده الحديث بإسناد إلا طرفًا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيجمع الراوي عنه طرفي الحديث بإسناد الطرف الأول، ولا يذكر إسناد الطرف الثاني، وإليه أشار بقوله: (أو ذا) الحديث مبتدأ (سوى طرف) منصوب على الاستثناء، والطرف محركة: الناحية، والمراد به هنا الجزء، وسكن راءه للوزن، وقوله (بإسناد) خبر المبتدأ، أي كائن بإسناد، يعني أن هذا الحديث عنده بسند آخر فيروى بالبناء للفاعل، راوٍ عنه الكل أي الحدیث والطرف به أي بسند الحديث الأول. وحاصل المعنى: أن يكون متن الحديث عند راوٍ بسند إلا طرفًا منه، فإنه عنده بسند آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًّا بالإسناد الأول. ٢٨٣ الجُزْءُ الأولُ مثاله: ما رواه أبو داود من رواية زائدة، وشريك، ورواه النسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ګ﴾ وقال فيه: «ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فیه برد شديد فرأيت الناس، علیھم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)) قال موسى بن هارون الحمال: ذلك عندنا وهم، فقوله: ثم جئتهم ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، وهكذا رواه مبينًا زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميَّزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب، وفصلاها من الحديث، وذكرا إسنادها كما ذكرناه، قال موسى بن هارون الحمال: وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير، وشجاع بن الوليد، وهما أثبت له رواية ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم "ابن كليب، عن أبيه، عن وائل؛ وقال ابن الصلاح: إنه الصواب. قاله في التنقيح (١). قال السخاوي: ونحو هذا القسم أن يكون المتن عند راويه عن شيخ له إلا بعضه، فإنما هو عنده بواسطة بينه وبين ذاك الشيخ، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، كحديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس في قصة العرنيين أن النبي و # قال لهم: ((لو خرجتم إلى إيلنا، فشربتم من ألبانها وأبوالها ، فإن لفظة ((وأبوالها)» إنما سمعها حميدٌ عن قتادة، عن أنس، کما بیّنه محمد بن أبي عدي، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، وآخرون، إذ رووه عن حميد، عن أنس، بلفظ: ((فشربتم من ألبانها)) فعندهم قال حميد: قال قتادة، عن أنس: ((وأبوالها)»، فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج يتضمن تدليساً. اهـ (٢). وثالثها: أن يدرج في الحديث بعض حديث آخر، مخالف له في السند، وإليه أشار بقوله: (أو بعض متن) بالنصب مفعول لمحذوف، أي أو أدرج بعض متن حديث (في سواه) أي في حديث غيره، مخالف له في السند، ويحتمل أن يكون معطوفًا على متنين، وفي بمعنى مع أي أو روی بعض حديث مع حديث آخر مخالف له سندًا. وحاصل المعنی أن يروي أحدهما بإسناده الخاص به، ویزید فیه من المتن الآخر ما ليس في الأول، وقوله: (يشتبه) أي: يتناسب ذلك البعض المدرج مع الحديث معنى، وهو حال من سواه أي حال كونه متناسبا معنى في المعنى. مثاله: حديث رواه ابن أبي مريم عن مالك، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه أن (١) ج ٢ ص ٦٤، ٦٥. (٢) فتح ج ١ ص ٢٨٩ . ٢٨٤ شَرْجُ الفِرَةُ السُُّوطِّ - رسول الله وَ له قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا)) وكلا الحديثين من طريق مالك، وليس في الأول ((ولا تنافسوا)) الحديث، فقوله: ((ولا تنافسوا )) مدرج في هذا الحديث أدرجه ابن أبي مريم فيه من حديث آخر لمالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّر: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا)) وهي في الحديث الثاني، وهكذا الحديثان عند رواة الموطأ: عبد الله بن يوسف، والقعنبي، وقتيبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال الخطيب: وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد. (تنبيه): قال المحقق ابن شاكر: وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي قبله، وجعلهما قسمين، والصواب ما صنعنا يعني جعله قسمًا واحدًا لأنهما من نوع واحد. اهـ(١). قلت: وجعلهما قسمين هو الذي جرى عليه ابن الصلاح، والعراقي، وغيرهما وهو الواضح، فتأمل. ورابعها: أن يروي بعض الرواة حديثًا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده، فيجمع الكل على إسناد واحد، فيرويه على الاتفاق، وإليه أشار بقوله: (أو قاله) أي روى الحديث (جماعة) من الرواة (مختلفًا) يحتمل أن يكون بكسر اللام اسم فاعل، أي حال كون الحديث مختلفًا، أو فتح اللام اسم مفعول، أو مصدراً ميميًّا، حال من المفعول، أيضًا، وعلى الأخير يقدر مضاف أي ذا اختلاف، وقوله: (في سند) متعلق به، يعني أنه اختلف الرواة في سند ذلك الحديث بأن خالف بعضهم بعضًا بزيادة أو نقص (فقالهم) أي ذكر هؤلاء الجماعة المختلفين بعض الرواة (مؤتلفًا) بفتح اللام على أنه مصدر حال من الضمير على حذف مضاف، أي ذوي ائتلاف، وإنما لم نجعله اسم فاعل؛ لأنه مفرد، وصاحب الحال جمع. وحاصل المعنى: أن يروي بعض الرواة حديثًا عن جماعة، وبينهم في إسناده اختلاف، فيجمع الكل على إسناد واحد مما اختلفوا فيه، ويدرج رواية من خالفهم معهم على الاتفاق. مثاله: ما رواه الترمذي، عن بندار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن واصل، ومنصور، والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: («قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟)) الحديث، وهكذا رواه محمد بن كثير العبدي، عن سفيان فيما رواه الخطيب، فرواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور، والأعمش، (١) انظر تعليقه على هذه الألفية ص ٧٧ . ٢٨٥ - الجُزْءُ الأولُ لأن واصلاً لا يذكر فيه عمرًاً، بل يجعله عن أبي وائل، عن عبد الله، هكذا رواه شعبة، ومهدي بن ميمون، ومالك بن مغول، وسعيد بن مسروق، عن واصل كما ذكره الخطيب. وقد بين الإِسنادين معًا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان، وفصل أحدهما من الآخر رواه البخاري في صحيحه في كتاب المحاربين، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، والأعمش كلاهما عن أبي وائل، عن عمرو، عن عبد الله. وعن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عمرو بن شرحبيل، قال عمرو بن علي: فذكر لعبد الرحمن، وكان حدثنا عن سفيان عن الأعمش، ومنصور، وواصل عن أبي وائل، عن أبي ميسرة يعني عمرًا، فقال: دعه دعه. قال السخاوي: قوله: دعه يحتمل أنه أمر بالتمسك بما حدثه به، وعدم الالتفات لخلافه، ويحتمل أنه أمر بترك عمرو من حديث واصل، لكونه تذكر أنه هو الصواب، أو لكونه كان عنده محمولاً على رفيقيه، فلما سأله عنه بانفراده أخبره بالواقع لكن يعكر عليه (١) رواية بندار، عن ابن مهدي، عن الثوري، عن واصل وحده بإثباته. اهـ (تنبيهان): الأول: أن أقسام مدرج الإسناد على ما ذكره الناظم أربعة، وزاد الحافظ قسمين: (الأول): ما تقدم في كلام السخاوي، وهو أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه، بل بواسطة، فيدرجه بعض الرواة عنه، وهو مما يشترك فيه الإدراج والتدليس، ومثاله: ما تقدم في قصة العرنيين. (الثاني): أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع، فیذکر کلامًا فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. مثاله: ما رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت بن موسى العابد (١) تمام كلام الحافظ السخاوي رحمه الله: ((وإن أمكن الجواب عنه بأن ذلك من تصرف بعض الرواة حيث ظن من رواية ابن مهدي، حديث الثلاثة بالإثبات اتفاق طرقهم، ولزم من ذلك أنه لما رواه من طريق واصل خاصة أثبته بناء على ما ظنه، وذلك غير لازم، ولهذا لا ينبغي كما سيأتي التنبيه عليه في اختلاف ألفاظ الشيوخ لمن يروي حديثًا من طريق جماعة عن شيخ أن يحذف بعضهم، بل يأتي به عن جميعهم، لاحتمال أن يكون اللفظ سندًاً أو متنا لأحدهم، ربما يكون هو المحذوف، ورواية من عداه محمولة عليه، على أنه قد اختلف على الأعمش أيضًا في إثبات عمرو وحذفه . وبالجملة فهو في هذا المثال من المزيد في متصل الأسانيد لكون شقيق روى عن كل من عمرو، وابن مسعود، لكن قد يتضمن ارتكاب مثل هذا الصنيع إيهام وصل مرسل، أو اتصال منقطع . وما أحسن محافظة الإمام مسلم على التحري في ذلك وكذا شيخه الإمام أحمد. اهـ. فتح المغيث ج ١ ص ٢٩١، ٢٩٢ . ٢٨٦ شَرِجُ الفِيُ السَّيُوطِى - ٢٤٩ - وَكُلُّذَا مُحَرَّمٌ (وَقَادِحُ وَعَنْدَيَ النَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ (*)) الزاهد، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار )، قال الحاكم: دخل ثابت، على شريك، وهو يملي، ويقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال رسول الله پێے، وسكت لیکتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: (من کثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار )) وقصد بذلك ثابتًا لزهده، وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فکان یحدث به، وقال ابن حبان: إنما هو قول شريك، قاله عقيب حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك. قال المحقق: وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع الموضوع، وجعله شبه وضع من غير تعمد، وتبعه على ذلك النووي، والناظم فيما سيأتي، وذكره في المدرج أولئ، وهو به أشبه كما صنع الحافظ ابن حجر. اهـ(١). الثاني: قد صنف في هذا النوع، أي الإدراج بأقسامه الخطيب كتابًا سماه «الفصل للوصل المدرج في النقل))، وقد لخصه الحافظ، ورتبه على الأبواب والمسانيد، وزاد عليه أكثر من القدر الذي ذكره وسماه ((تقريب المنهج بترتيب المدرج)»، واختصره الناظم في كتاب سماه ((المدرج إلى المدرج)). ثم ذکر الناظم حکمه، فقال: وَعِنْدَيَ التَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ) وَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ ( وَقَادِحُ (١) انظر تعليقه على هذه الألفية ص ٧٨ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الحديث المدرج ما كانت فيه زيادة ليست منه. وهو إما مدرج في المتن، وإما مدرج الإسناد - هكذا قسمه المؤلف وغيره. والإدراج على الحقيقة إنما يكون في المتن كما سيأتي. ويعرف المدرج بوروده منفصلاً في رواية أخرى، أو بالنص على ذلك من الراوي أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه بالے يقول ذلك. ومدرج المتن: هو أن يدخل في حديث رسول الله ح شيء من كلام بعض الرواة. وقد يكون في أول الحديث وفي وسطه وفي آخره - وهو الأكثر - فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه. مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ لَّه: ((أسبغوا الوضوء، وبل للأعقاب من النار)) فقوله: ((أسبغوا الوضوء) مدرج من قول أبي هريرة كما بين في رواية البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة = ٢٨٧ - الجُزْءُ الأُولْ = قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ثم قال: ((ويل للأعقاب من النار)) قال الخطيب: ((وهم أبو قطن وشيَّبة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجمّ الغفير عنه كرواية آدم)). نقله في التدريب. ومثال المدرج في الوسط: ما رواه الدارقطني في السنن من طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن برة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله حَ ) يقول: ((من مس ذكره أو أنشبيه أو رفعيه فليتوضأ). قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرافغين، وأدرجه كذلك في حديث بسرة، والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: ((من مس ذكره فليتوضأ) قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنشبيه أو ذكره فليتوضأ، وكذا قال الخطيب. فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجًا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا. قاله في التدريب. وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب، مثل حديث عائشة في بدء الوحي في البخاري وغيره: ((كان النبي ﴿٣) يتحنث في غار حراء)) وهو التعبد الليالي ذوات العدد- إلخ فهذا التفسير من قول الزهري أدرج في الحديث. وكذلك حديث فضالة مرفوعًا عند النسائي: ((أنا زعيم)) والزعيم الحميلى ((لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة)) فقوله: ((الزعيم الحميل)) مدرج من تفسير ابن وهب. ومثال المدرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود من طريق زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن مسعود: حديث التشهد، وفي آخره: ((إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) فهذه الجملة وصلها زهير بالحديث المرفوع، وهي مدرجة من كلام ابن مسعود، كما نص عليه الحاكم والبيهقي والخطيب. ونقل النووي في الخلاصة اتفاق الحفاظ على أنها مدرجة، ومن الدليل على إدراجها أن حسبنا الجعفي وابن عجلان وغيرهما رَوَوا الحديث عن الحسن بن الحر بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن علقمة أو غيره عن ابن مسعود ، وأن شبابة ابن سوار وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - وهما ثقتان - رويا الحديث عن الحسن بن الحر ورويا فيه هذه الجملة وفصلاها منه، وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا التفصيل والبيان، مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع -: يؤيدان أنها مدرجة وأن زهيراً وهم في روايته. مثال آخر: حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار)) فإن في رواية أخرى عن ابن مسعود: ((قال النبي ،ولم كلمت وقلت أنا أخرى، فذكرهما، فأفاد أن إحدى الكلمتين من قول ابن مسعود، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التي من قول ابن مسعود هي الثانية، وأكد ذلك رواية رابعة اقتصر فيها على الكلمة الأولى مضافة إلى النبي عديم. مثال آخر: في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لعبد المملوك أجران. والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وير أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله: ((والذي نفسي بيده) إلخ مدرج من قول أبي هريرة، لاستحالة أن يقوله النبي ◌ِّل؛ لأن أمه ماتت وهو صغير؛ ولأنه يمتنع منه عَ لَّم أن يتمنى الرق، وهو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام. هذا مدرج المتن. = ٢٨٨ شِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِىّ - = وأما مدرج الإسناد - ومرجعه في الحقيقة إلى المتن - فهو ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنه راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من غير أن يبين الخلاف. مثاله: ما رواه الترمذي من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: ((قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم». الحديث. فإن رواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، فإن واصلاً يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، لا یذکر فیه «عمرو بن شرحبیل». هكذا رواه شعبة وغيره عن واصل، وقد رواه يحيى القطان عن الثوري بالإسنادين مفصلاً، وروايته أخرجها البخاري. الثانى: أن يكون الحديث عند راو بإسناد وعنده حديث آخر بإسناده غيره، فيأتي أحد الرواة ويروي عنه أحد الحديثين بإسناده ويدخل فيه الحديث الآخر أو بعضه من غير بيان. مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعًا: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا)) الحديث فقوله: ((ولا تنافسوا)) أدرجه ابن أبي مريم، وليس من هذا الحديث، بل هو من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا. هكذا رواهما رواة الموطأ. وكذلك في الصحيحين عن مالك. مثال آخر: ما رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك. والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، كلهم عن عاصم ابن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ◌ِّم وقال فيه: ((ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)) فهذه الجملة مدرجة على عاصم بهذا الإسناد؛ لأنها من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل كما رواه مبينًا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادها . وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي قبله، وجعلهما قسمين، والصواب ما صنعنا؛ لأنهما من نوع واحد. ويدخل في هذا القسم ما إذا سمع الراوي الحديث من شيخه إلا قطعة منه سمعها عن شيخه بواسطة، فيروي الحديث كله عن شيخه ويحذف الواسطة. الثالث: أن يحدث الشيخ فيسوق الإسناد، ثم يعرض له عارض فيقول كلامًا من عنده، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فیرویه عنه كذلك. مثاله: حديث رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا: ((من کثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)). قال الحاكم: ((دخل ثابت على شريك وهو يملي ويقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله عزّ ◌َّم، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فکان یحدث به». وقال ابن حبان: ((إنما هو قول شريك، قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم». فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء وحدثوا به عن شريك». = ٢٨٩ - الجُزْءُ الأُولْ (وكل ذا) أي الإدراج بأقسامه، مبتدأ خبره (محرم) أي جميع أنواع الإدراج حرام بإجماع أهل الحديث، والفقه، والأصول، وغيرهم، إذا حصل عن عمد، لما يتضمن من عزو الشيء لغير قائله وأسوؤه ما كان في المرفوع مما لا دخل له في الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط، قاله السخاوي (وقادح) أي جارح لفاعله، سواءً كان عمدًا أو خطأ، وكثر. قال السمعاني: من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذَّابين، وما وقع خطأ فلا حرج على المخطئ، إلا إن كثر خطؤه، فيكون جرحاً في ضبطه وإتقانه ذكره المحقق. ثم إن هذا التحريم مخصوص بغير التفسير، ولذا قال تبعًا للحافظ وغيره (وعندي) بفتح الياء لغة في إسكانها متعلق بـ ((يسامح)) (التفسير) أي المدرج لتفسير غريب الحديث، مبتدأ خبره جملة (قد يسامح) بالبناء للمفعول، أي يغتفر فلا يمنع منه، والمعنى أن ما أدرج لتفسير شيء من معاني الحديث لا يحرم، ولذلك فعله كبار المحدثين، كالزهري، وغيره كما في الحديث الصحيح حديث عائشة في بدء الوحي في قولها: وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد، فقوله: وهو التعبد مدرج من كلام الزهري. أفاده في الفتح. (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((أو وسط))، وقوله: يعرف إلى قوله أولها، وقوله: متنین روی بسند لواحد، وقوله: وقادح إلى قد يسامح. ولما كان الإدراج نوعًا من الوضع، ولذا يتجاذبان بعض الأمثلة، ناسب ذكر الموضوع بعده، ولذا قال: = وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع ((الموضوع)) وجعله شبه وضع من غير تعمد. وتبعه على ذلك النووي والناظم فيما سيأتي، وذكره في المدرج أولى، وهو به أشبه، كما صنع الحافظ ابن حجر. فصل في حكم الإدراج أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث ففيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه. وأما ما وقع من الراوي خطأ من غير عمد، فلا حرج على المخطئ، إلا إن كثر خطؤه فيكون جرحًا في ضبطه وإتقانه . وأما ما كان من الراوي عن عمد فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه، باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم، لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عزو القول إلى غير قائله. قال السمعاني: ((من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالکذابین». ٢٩٠ شَرْجُ النَُّ السَّيُوطِيّ .. الموضوع ٢٥٠ - الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ وَذَكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ اخْظُرٍ ٢٥١- فِي أَيِّ مَعْنَى كَانَ إِلاَّ وَاَصَفَا لوَضْعهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا ٢٥٢- إمَّا بالاقْرَارِ، وَمَا يَحْكيه وَرَكَّةٍ، (وَبَدَلِيلِ فِيه ٢٥٣ - وَأَنْ يُنَاوي(*) قَاطِعًا وَمَا قَبِلْ تَأْوِيَّلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقل الموضوع أي: هذا مبحثه، وهو النوع السادس والثلاثون من أنواع علوم الحديث. وأورده في أنواع الحديث مع أنه ليس بحديث نظراً إلى زعم واضعه، ولتعرف طرقه التي يتوصل بها لمعرفته لينفى عنه القبول. وهو اسم مفعول من وضع الشيء يضعه، بفتح الضاد فيهما يأتي لمعانٍ منها: الإسقاط، ومنها: الترك، ومنها: الافتراء، تقول: فلان وضع الشيء عن عاتقه مثلاً: أسقطه، ووضع شيئًا: تركه، ووضع هذا الكلام: افتراه، واختلقه. وقال ابن دحية: الموضوع من وضع فلان على فلان كذا: ألصقه به فالموضوع في اللغة يكون بمعنى المسقط، وبمعنى المتروك، وبمعنى المفترى، وبمعنى الملصق، واصطلاحًا: هو الكلام الذي اختلقه بعض الناس، ونسبه إلى النبي ◌َّل، سمي به لأنه مسقط من قسم الحدیث، ومتروك، ومفترئ على النبي ێے، وملصق به، ولیس من كلامه. قال الحافظ: وكونه من الإلصاق أليق بهذه الحيثية. اهـ. قال رحمه الله تعالی: وَذَكْرَهُ لعَالم بِهِ احْظُرِ الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ لَوَضْعهِ، وَالَوَضْعُ فَيْهِ عُرِفَا فِي أَيِّ مَعْنَى كَانَ إِلاَّ وَاصِفَا وَرَكََّة ، (وَبَدَليل فيه إمَّا بِالاقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيَه وَأَنْ يُنَاوِي قَسَاطِعًا وَمَا قُبِلُ بے تَأْوَيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَّا نُقل ١ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: يخالف. ٢٩١ - الجُزُّءُ الأولُ ٢٥٤ - حَيْثُ الدَّوَعِي اثْتَلَفَتْ بَنَقْله وَحَيْثُ لا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِه(*) ٠ ٢٥٥ - وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ أوْ وَعِيدُ عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدٌ( ** ) وَحَيْثُ لا يُوجَدُ عنْدَ أَهْلِه حَيْثُ الدَّوَاعِي اْتَلَفَتْ بِنَقْلِه ٠٠ عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٌ شَديدُ وَمَا بِه وَعْدٌ عَظِيمٌ أوْ وَعِيدُ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: أهل الحديث. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الخبر الموضوع: هو المختلق المصنوع، وهو الذي نسبه الكذابون المفترون إلى رسول الله عزَّامٍ، وهو شر أنواع الرواية. ومن يعلم أن حديثًا من الأحاديث موضوعًا فلا يحل له أن يرويه إلى رسول الله ◌ِّل، إلا مقرونًا ببيان وضعه، وهذا الخطر عام في جميع المعاني، سواء الأحكام والقصص والترغيب والترهيب وغيرها. لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله عِد ◌َّم: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) رواه مسلم في صحيحه، ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة، وقوله ((يرى)) فيه روايتان: بضم الياء وبفتحها، أي بالبناء للمجهول وبالبناء للمعلوم، وقوله («الكاذبين)) فيه روايتان أيضًا: بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح. فسواء أعلم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعلم، إن كان من غير أهلها، وأخبره العالم بها الثقة: فإنه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله علّ م وأما مع بيان حاله فلا بأس؛ لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارئ ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى رسول الله على القيم. ويعرف وضع الحديث بأمور كثيرة، يعرفها الجهابذة النقاد من أئمة هذا العلم: منها: إقرار واضعه بذلك، كما روى البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبح بن عمران التميمي أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي ◌ِّم. وكما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وأنه وضع في فضل علي سبعين حديثًا. وكما أقر أبو عصمة نوح بن أبي مريم - الملقب بنوح الجامع - أنه وضع على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة. ومنها: ما ينزل منزلة إقراره. كأن يحدث عن شيخ بحديث لا يعرف إلا عنده، ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخًا معينًا، ثم يتبين من مقارنة تاريخ ولادة الراوي بتاريخ وفاة الشيخ المروي عنه أن الراوي ولد بعد وفاة شيخه، أو أن الشيخ تُوفي والراوي طفل لا يدرك الرواية، أو غير ذلك. كما ادعى مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار فسأله الحافظ ابن حبان: متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له: فإن هشامًا الذي تروي عنه مات سنة ٢٤٥، فقال: هذا هشام بن عمار آخر !! وقد يعرف الوضع أيضًا بقرائن في الراوي أو المروي أو فيهما معًا. فمن أمثلة ذلك: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: ((كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكُتاب يبكي، فقال: ما لك؟ قال : = ٢٩٢ شَرْجُ الفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ .. ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: ((معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم = رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين !! )). وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن معين: ((لا يحلُّ لأحد أن يروي عنه)) وقال ابن حبان: ((كان يضع الحديث)) وراوي القصة عنه - سيف بن عمر - قال فيه الحاكم: ((اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط)). وقيل لمأمون أحمد الهروي: ((ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟! فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - كذا في لسان الميزان (ج ٥ ص ٧ - ٨) وفي التدريب (ص ١٠٠) أحمد بن عبد البر - حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعًا: ((يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي !! )). وكما فعل محمد بن عكاشة الكرماني الكذاب، قال الحاكم: ((بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبة. فقيل له: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه؟ فقال: حدثنا المسيب بن واضح حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله عد له: ((من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له)). فهذا مع كونه كذبًا من أنجس الكذب فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال، وهي في الموطأ وسائر كتب الحديث- اهـ . من لسان الميزان (ج ٥ ص ٢٨٨، ٢٨٩) ونقل المؤلف هذه الحكاية في التدريب (ص ١٠٠) ولكن جعل الإسناد ((عن الزهري عن أنس مرفوعًا- وأظنه أخطأ في النقل. ومن القرائسن في المروي أن يكون ركيكًا لا يعقل أن يصدر عن النبي ◌ِّللم، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها. قال الحافظ ابن حجر: ((المدار في الركة على ركة المعنى، فحيثما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ؛ لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة. أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدل على ذلك؛ لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح، نعم، إن صرح بأنه من لفظ النبي عزَّبالم فكاذب)». وقال الربيع بن خيثم: ((إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره)). وقال ابن الجوزي: ((الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب)). قال البلقيني: ((وشاهد هذا أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه)). وقال الحافظ ابن حجر: ((ومما يدخل في قرينة حال المروي ما نقل عن الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفًا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي. أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا. ومنها: ما يصرح بتكذيب رواة جمع المتواتر، أو يكون خبراً عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير، وهذا كثير في حديث القصاص، والأخير راجع إلى الركة)). قال السيوطي: ((ومن القرائن: كون الراوي رافضيًّا والحديث في فضائل أهل البيت)). ومن المخالف للعقل = ٢٩٣ - الجُزْءُ الأولْ ٢٥٦ - وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء الْكُمَّل اُحْكُمْ بِوَضْعٍ خَبَرِ إِنْ يَنْجَلَى ٢٥٧- قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولا خَالَفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأُصُولا ٢٥٨- وَفَسَّرُوا الأَخيرَ(*): حَيْثُ يَفْقِدُ جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْتَدٍ (*) أُحْكُمْ بِوَضْعٍ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِى وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء الْكُمَّلِ خَـاَلَّفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأَصُوَلا قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنَّقُولاً جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدُ وَفَسَّرُوا الأَخيرَ : حَيْثُ يَفْقِدُ (الخبر الموضوع) أي الخبر المكذوب على النبي وَ له من غير أن يصدر منه مبتدأ، خبره قوله: (شر الخبر) أي أقبح أنواع الخبر المردود، لإضافة شر إليه إذ المقبول لا شر فيه أصلاً، وعبارة ابن الصلاح وسبقه الخطابي: اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة. وحاصل المعنى: أن الخبر الموضوع، أي: المكذوب، ويقال له: المختلق، والمصنوع بالصاد، لأن واضعه اختلقه، وصنعه، شر أنواع الأحاديث الضعيفة، ثم ذكر حكمه، فقال: (وذكره) = ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعًا: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلت عند المقام ركعتين! فهذا من سخافات عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها في التهذيب (ج ٦ص ١٧٩) عن الساجي عن الربيع عن الشافعي قال: ((قيل لعبد الرحمن ابن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله عزَ ◌ّم قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟! قال: نعم !! )) وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه الغرائب حتى قال الشافعي فيما نقل في التهذيب)): ((ذكر رجل لمالك حديثًا منقطعًا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح !! )). وروى ابن الجوزي أيضًا من طريق محمد بن شجاع الثلجي - بالثاء المثلثة والجيم - عن حبان بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة - ابن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها !! ». قال المؤلف في التدريب: ((هذا لا يضعه مسلم، والمتهم به محمد بن شجاع، كان زائغًا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته، لو أُعطي درهمًا وضع خمسين حديثًا)). (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: الآخر. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يريد أن قولهم: ((أو ناقض الأصول)) ليس المراد به ظاهره. ويوضح ذلك ما ذكره المصنف في شرح التقريب قال: ((وقال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول - فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجاً عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهور -. ٢٩٤ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِى - بالنصب مفعول مقدم لـ((احظر))، أو مبتدأ خبره جملة احظر بتقدير رابط، أي احظره (لعالم به) أي بكونه موضوعًا متعلق بـ ((احظر)) أي امنع أيها المحدث، وكسر الراء للقافية (في أي معنى) خبر مقدم لـ (كان) والجملة حال من ذكره أي امنع ذكر الموضوع لمن علم بوضعه، حال كونه كائنًا في جميع الأبواب، سواء كان في الأحكام، أو القصص، أو الفضائل، أو الترغيب، أو الترهيب، أو غيرها. والحاصل: أن من علم وضع حديث من الأحاديث لا يحل أن يرويه منسوبًا إلى رسول الله ◌َله إلا حال كونه واصفًا أي مبينًا لوضعه أي لكونه موضوعًا، لحديث سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله وَله: ((من حدث عني بحديث، يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين )) رواه مسلم. قوله: ((يرى)) بضم الياء، وفتحها روايتان، وقوله: الكاذبين بكسر الباء وفتحها بلفظ الجمع والمثنى. وسواء علم بوضعه بنفسه إن كان عالمًا بذلك، أو أخبره به عالم ثقة . قال السخاوي رحمه الله: وكفى بهذه الجملة يعني قوله: ((أحد الكاذبين)) وعيدًا شديدًاً في حق من روى الحديث، وهو يظن أنه كذب، فضلاً عن أن يتحقق ذلك، ولا يبينه لأنه ګ جعل المحدث بذلك مشاركًا للكاذب في وصفه، وقد روى الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال: من روى الكذب فهو الكذاب، ولذا قال الخطيب: يجب على المحدث أن لا يروي شيئًا من الأخبار المصنوعات، والأحاديث الباطلة، فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين، ودخل في جملة الكذابين، وكتب البخاري على حديث موضوع: ((من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل)). اهـ(١). فأما إذا بين حاله فلا بأس بذكره؛ لأن البيان يزيل من ذهن السامع ما يخشئ من اعتقاد نسبته إلى النبيِّ وَِّ، والمراد بالبيان هو الصَّريح كأن يقول: هذا كذبٌ أو باطل ونحوهما، ولا يقتصر على قوله: موضوع، لأنه ربما يوجد من لا يعرف معنى الموضوع، كما حكى السخاوي أن بعض العجم أنكر على العراقي قوله في حديث سئل عنه: إنه كذب، محتجًّا بأنه في كتاب من كتب الحديث، ثم جاء به من الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، وكذا لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين، وهلم جرًّا، خصوصًا الطبراني، وأبا نعيم، وابن منده(٢). (١) فتح ج ١ ص ٢٩٥ . (٢) تمام كلام السخاوي رحمه الله: فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته، حتى ابن = ٢٩٥ - الجُزْءُ الأولُ وقال الخطيب: ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به والتعجب منه والتنفير عنه ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه. اهـ (١) . ثم ذكر رحمه الله مما يعرف به كون الحديث موضوعًا أمورًا: أشار إلى الأول بقوله (والوضع فيه) أي الخبر، مبتدأ خبره جملة (عرفا) بالبناء للمفعول، والألف للإِطلاق (إما) بالكسر: حرف تفصيل، حذف نظيرها من المعطوفات (بالإقرار) متعلق بعرف، ونقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت للوزن، أي إقرار الواضع على نفسه أنه وضع الحديث الفلاني. وحاصل المعنى: أنه يعرف الوضع بأمور: منها إقرار الواضع به كاعتراف ميسرة بن عبد ربه الفارسي بوضعه فضائل القرآن الآتي، وأبي عصمة نوح بن أبي مريم الملقب بـ ((الجامع)) على ابن عباس رضي الله عنهما في فضائل القرآن سورة سورة، وكما روى البخاري في التاريخ الأوسط: حدثني يحيى بن الأشكري، عن علي بن حدير، قال: سمعت عمر بن صبح، يقول: أنا وضعت خطبة النبي وَئه . وقد استشكل ابن دقيق العيد رحمه الله الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه، لأن فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع، قال: وهذا كافٍ في رده، لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه، قيل(٢): وهذا ليس باستشكال منه إنما هو توضيح، وبيان وهو أن الحكم بالوضع بالإِقرار ليس بأمر قطعي موافق لما في نفس الأمر، لجواز كذبه في الإقرار على حد ما تقدم أن المراد بالصحيح والضعيف ما هو الظاهر، لا ما في نفس الأمر، ونحا البلقيني في محاسن الاصطلاح قريبًا من ذلك قاله في التدريب(٣). ثم أشار إلى الثاني بقوله (و) إما بـ (ما يحكيه) أي يشابه الإقرار مما ينزل منزلته، قال في القاموس: يقال: حكيت فلانًا، وحاكيته: إذا شابهته. اهـ. وفي المصباح: وحكى يحكي = الجوزي، فقال في الكلام على حديث أبي الآتي: إن شره جمهور المحدثين يحمل على ذلك، فإن من عادتهم تنفيق حديثهم ولو بالأباطيل، وهذا قبيح منهم . قال شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر: وكأن ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان، هذا مع إلحاق اللوم لمن سمينا بسببه، وأما الشارح - يعني العراقي - فإنه قال: إن من أبرز إسناده به فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيان. انتهى. ا هـ فتح ج ١ ص ٢٩٤ - ٢٩٦ . (١) الجامع ج ٢ ص ٩٩ . (٢) القائل: هو الحافظ ابن حجر كما في التوضيح . (٣) ج ١ ص٢٤٦، ٢٤٧ . ٢٩٦ شَرْخُ لُفِيَةُ السَّيُوطِيّ - حكاية: إذا أتى بمثل الشيء، يائي، وفيه لغة أخرى. وهي: حكا يحكو واويًّا. اهـ. والمعنى: كأن يحدث عن شيخ بحديث، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخًا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع، لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا عنه، وكذا مثل الزركشي في مختصره، وكذا إذا ادعى سماعًا یکذبه التاریخ، کما ادعاه مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار، فسأله الحافظ ابن حبان متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له: إن هشامًا الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين، فقال: هذا هشام بن عمار آخر. ثم أشار إلى الثالث بقوله (و) إما بـ (ركة) يعني أنه يعرف أيضًا بركة المروي، أي الضعف عن قوة فصاحته ◌َله . قال الحافظ: والمدار على ركة المعنى، فحيث وجدت دلت على الوضع سواء انضم إليها ركة اللفظ أم لا، فإن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، فبينها وبين مقاصد الدین مباينة . وركة اللفظ وحدها لا تدل على ذلك، لاحتمال أن يكون الراوي رواه بالمعنى فعبر بألفاظ غير فصيحة من غير أن يخل بالمعنى، نعم أن صرح الراوي بأن هذا لفظ النبي وَ ل ◌ّ دلت ركة اللفظ حينئذٍ على الوضع. اهـ (١). وقال السخاوي ما معناه: ويعرف بالركة في اللفظ والمعنى، وكذا في أحدهما لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرح بأنه لفظ الشارع، ولم يحصل التصرف بالمعنى في نقله لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب. اهـ (٢). ثم أشار إلى الرابع بقوله (و) إما (بدليل فيه) أي الحديث يعني أنه يعرف الوضع أيضًا بقرينة في الحديث، ثم إن تلك القرينة تارة تكون في الراوي، وتارة تكون في المروي، وهو الغالب، وأما الأول فنادر، قاله الحافظ. قال ابن دقيق العيد: وكثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروي، وألفاظ الحديث، وحاصله: أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي وَلل هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه وما لا يجوز. اهـ(٣). (١) انظر التدريب ج ١ ص ٢٤٧، ٢٤٨ . (٢) فتح ج ١ ص ٣١٤ . (٣) فتح المغيث ج ١ ص ٣١٥ . ٢٩٧ - الجُزُءُ الأولُ قال البلقيني رحمه الله: وشاهد هذا أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه کان یکره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه. اهـ(١). مثال القرينة في الراوي: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من الكُتَّاب يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، مرفوعًا: ((معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المساكين)) وسعد بن طريف هذا قال فیه ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال ابن حبان: کان یضع الحديث، وراوي القصة عنه سيف بن عمر، قال فيه الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط. ومن القرائن في الراوي أيضًا كونه رافضيًّا والحديث في فضائل أهل البيت، أو ذم من حاربهم، وأما أمثلة القرينة في المروي فستأتي. ومن القرائن فيه ما تقدم من الركاكة، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها . وقد روى الخطيب وغيره من طريق الربيع بن خثيم (٢) التابعي الجليل قال: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر، ونحوه قول ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب، وعنى بذلك الممارس الألفاظ الشارع الخبير بها وبرونقها، وبهجتها. ذكره السخاوي (١). (فائدة): سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ قال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب. قال ابن عراق في تنزيه الشريعة: قلت: وقد استأنس بعضهم لذلك بخبر أبي حميد، أو أبي أسيد عن رسول الله وَل أنه قال: ((إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه)) رواه الإمام أحمد، والبزار، وسنده صحيح كما قاله القرطبي (٤) وغيره، وبقوله بَلير: ((ما حدثتم عني مما تنكرونه، فلا (١) محاسن الاصطلاح ص ٢١٥ . (٢) بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة. اهـ. ((ت)) ص ١٠١ . (٣) فتح ج ١ ص ٣١٤، ٣١٥. (٤) وصححه الشيخ الألباني، انظر الصحيحة ج ٢ ص ٣٦٩. ٢٩٨ شَرْجُ الغِنَّةُ الشَّيُوطِي - تأخذوا به، فإني لا أقول المنكر، ولست من أهله)) رواه ابن الجوزي. اهـ. كلام ابن عراق (١). ثم أشار إلى الخامس، وهو من القرائن التي في المروي، فقال: (و) إما بـ (أن يناوي) أي يخالف الحديث (قاطعًا) أي دليلاً مقطوعًا به، كعيشة راضية، قاله المحلي في شرح جمع الجوامع (و) الحال أنه (ما) نافية (قبل) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله (تأويله) أي والحال أنه غير مقبول تأويله، أو بالبناء للفاعل، وتأويله مفعول به له، أي والحال أنه غير قابل تأويله. وحاصل المعنى: أنه يعرف وضع الحديث بمخالفته للدلائل القطعية من الكتاب، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، إذا لم يمكن الجمع، أما إذا أمكن فلا، وتقييد السنة بالمتواترة احتراز عن غيرها، فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفته السنة مطلقًا . ثم أشار إلى السادس، وهو من القرائن في المروي أيضًا فقال: (و) إما بـ (أن يكون) ذلك الحديث (ما) نافية (نقل) بالبناء للمفعول (حيث الدواعي) أي: الأسباب الداعية لنقله (ائتلفت) أي اتفقت (بنقله) أي على نقل ذلك الحديث، بأن كان بمحضر من الجمع، ثم لا ینقله إلا واحد منهم. وحاصل المعنى: أنه يعرف الوضع أيضًا بكون الحديث غير منقول عن جمع غفير مع أن الدواعي متوفرة على نقله كذلك. وذلك بأن كان أمراً جسيمًا كحصر العدو للحاج عن البيت، وكقتل الخطيب على المنبر، لأن العادة جارية بتظاهر الأخبار في مثل ذلك، أفاده في التوضيح. ثم أشار إلى السابع وهو أيضًا من القرائن في المروي بقوله (و) إما يكون ذلك الخبر (حيث لا يوجد عند أهله) أي أهل الحديث بعد التفتيش، يعني أنه يعرف كون الحديث موضوعًا عند عدم وجوده في مراجع أهل الحديث، وهي الكتب، قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الخبر إذا روي في زمن قد استقرت فيه الأخبار، ودونت فإذا فتش عنه، ولم يوجد في بطون الأسفار، ولا في صدور الرجال، علم بطلانه، فأما في عصر الصحابة، وما يقرب منه حيث لم تكن الأخبار قد استقرت، فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لا يوجد عند غيره. قال الحافظ العلائي: وهذا إنما يقوم به، أي بالتفتيش عنه الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث، أو معظمه، كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم، كالبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم، كالنسائي، ثم (١) تنزيه الشريعة ج ١ ص ٦، ٧ . ٢٩٩ الجُزُءُ الأولُ الدار قطني، لأن المآخذ التي يحكم بها غالبًا على الحديث بالوضع إنما هي جمع الطرق، والاطلاع على غالب المروي في البلدان المتنائية بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس في حديثهم، وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة فكيف يقضي بعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع، هذا مما یأباه تصرفهم. اهـ. قال ابن عراق: فاستفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم وأضرابهم إذ قال أحدهم في حديث: لا أعرفه أو لا أصل له؛ كفى ذلك في الحكم عليه بالوضع(١) . (تنبيه): ذكر الناظم رحمه الله في التدريب ما نصه: وقد ذكر أبو حازم في مجلس الرشيد حديثًا بحضرة الزهري، فقال الزهري: لا أعرف هذا الحديث، فقال: أحفظت حديث رسول الله وَل﴾؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو، قال: اجعل هذا من النصف الآخر. فرد العلامة عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على التدريب هذه الحكاية بقوله: هذا الخبر لا يصح لأن الزهري توفي سنة ١٢٤ هـ. قبل ولادة الرشيد حيث ولد سنة ١٤٨ هـ، وكذلك أبو حازم قد توفي قبل ولادة الرشيد، وقد وقع في هذا الخطأ القرافي في شرح تنقيحه، فقلده السيوطي. اهـ(٢). ثم أشار إلى الثامن، وهو أيضًا من القرائن في المروي فقال (وما) موصولة مبتدأ، حذف خبره، أي كذلك ويحتمل أن يكون مجروراً عطفًا على الإقرار السابق (به) أي فيه خبر مقدم لقوله (وعد) أي ذكر وعد (عظيم) والجملة صلة ما، والتقدير : أي الخبر الذي فيه ذكر وعد عظيم كذلك، يعني أنه يحكم بوضعه (أو وعيد) عطف على وعد وقوله (على حقير) أي على فعل شيء قليل من الأعمال الصالحات راجع إلى وعد وقوله (وصغيرة) أي من الذنوب راجع إلى وعيد، ففيه لف ونشر مرتب، وقوله (شديد) صفة لـ((وعيد)) فصل عنه للضرورة. وحاصل المعنى: أنه يعرف كون الحديث موضوعًا بالإفراط في الوعد العظيم على الفعل الحقير، والوعيد الشديد على الأمر الصغير، وهذا كثير في أحاديث القصاص، وهو راجع إلى ركة المعنى. قال ابن الجوزي رحمه الله: إني لأستحي من وضع أقوام وضعوا: من صلى كذا فله سبعون دارًا، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف سرير، على كل سرير سبعون ألف جارية، وإن كانت القدرة لا تعجز عنه، ولكن هذا تخليط قبيح وكذلك (١) انظر تنزيه الشريعة ج ١ ص ٧، ٨ . (٢) انظر تعليقه على التدريب ج ١ ص ٢٧٧ . ٣٠٠ شِرْع الْفِرَةُ الشَّيُوطِىّ يقولون: من صام يومًا كان كأجر ألف حاج، وألف معتمر، وكان له ثواب أيوب، هذا يفسد مقادير موازين الأعمال. اهـ (١). وذكر الحافظ البرهان الناجي، بالنون: إن من أمارات الموضوع أن يكون فيه: وأعطي ثواب نبي، أو النبيين، ونحوهما، أفاده ابن عراق في تنزيه الشريعة. ج ٢ ص ٨ . (تنبيه): الفرق بين الوعد والوعيد: أن الأول في الخير، والثاني في الشر والأصل أن يستعمل الوعد في الخير والشر، قال في المصباح: وعده وعدًا، يستعمل في الخير والشر، ويعدي بنفسه، وبالباء فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشر، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر، وقالوا من الخير: وعده وعدًا، وعدة، وفي الشر: وعده وعيدًا، فالمصدر فارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا أو شرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشر خاصة، والخلف في الوعد عند العرب كذب، وفي الوعيد كرم، قال الشاعر (من الطويل): لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وإني وإن أوعدته أو وعدته اهـ. ما قاله في المصباح(٢). ثم أشار رحمه الله إلى قاعدة يعرف بها الوضع ذكرها بعض المحققين، وهي خلاصة ما تقدم فقال: (وقال بعض العلماء الكمل) أي الذين رسخت أقدامهم في تحقيق العلوم بحيث جعلوا للمسائل ضوابط، وقواعد ليتمرن عليها القاصرون، فيستخرجوا منها جزئياتها، وقد استحسن هذا القول ابن الجوزي حيث قال: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع. اهـ (٣). ومقول القول جملة قوله: (احكم) أيها المحدث (بوضع خبر) أي بكونه موضوعًا (إن) شرطية (ینجل) أي يتضح، ويظهر الخبر، وقوله (قد باين) أي خالف (المعقولا) بألف الإطلاق، أي الشيء الذي يقتضيه العقل، جملة حالية من فاعل ينجلي وجواب إن محذوف دل عليه السابق، أي فاحكم بوضعه. وحاصل المعنى: أنك تحكم بوضع الخبر إن كان مباينًا لمقتضى العقل، مع عدم إمكان تأويله بالكلية، لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بما ينافي مقتضى العقل. مثاله: ما أسنده ابن الجوزي من طريق محمد بن شجاع الثلجي، عن حبان بن هلال، (١) تنزيه الشريعة ج ١ ص ٧ . (٢) ج ٢ ص ٦٦٤، ٦٦٥ . (٣) انظر التدريب ج ١ ص ٢٤٩ .