Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ - الجُزْءُ الأول ٢٣٢ - كَوَصْلِ ثَبْتِ ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا صَحَّمُعَلٌّ، وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا (والفسق) بالجر عطف على القطع، أي وكالإعلال بفسق الراوي. (والكذب) بالجر أيضًا، أي وكالإعلال بكذب الراوي، وهو بكسر الكاف وفتحها وسكون الذال، وهو المتعین للوزن، وإلا فأصله فتح الکاف و کسر الذال فخفف بکسر فسكون، قال بعضهم: إذا جاء مع الصدق فالمخفف أولى ليوازن الصدق؛ قال في المصباح: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء في العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة، والإثم يتبع العمد. (ونوع جرح) بالجر أيضًا أي وكالإعلال بأي نوع من أنواع الجرح، فالتنوين للتكثير، وفي نسخة الشارح الجرح بالتعريف فأل للجنس، أي أعل بأنواع الجرح غير ما ذكر، كغفلة الراوي، وسوء حفظه، مما هو قادح ظاهر من الأمور الوجودية. وحاصل المعنى: أنهم قد يعلون الحديث بأنواع الجرح من الكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، وفسق الراوي من الأمور التي يأباها كون العلة خفية، ولهذا صرح الحاكم بامتناع الإعلال بالجرح ونحوه، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، ولا يعل الحديث إلا بما ليس للجرح فيه مدخل. قال الحافظ السخاوي رحمه الله: ولكن ذلك منهم بالنسبة لما قبله قليل، على أنه يحتمل أيضًا أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر ليجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده . اهـ. وحاصل ما أشار إليه الناظم: أن ما تقدم في تعريف العلة من أنها عبارة عن أسباب خفية، غامضة، طرأت على الحديث، فأثرت فيه إنما هو أغلبي، وإلا فقد يُعلُّون بأشياء ظاهرة غير خفية، ولا غامضة، كالإعلال بهذه الأشياء المذكورة هنا . وقد يعلون أيضًا بما لا يؤثر في صحة الحديث، وإليه أشار بقوله: وَرُبَّمَا قِيلَتْ لِغَيْرِ الْقَدْحِ صَحَّ مُعَلٌّ، وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا كَوَصْلٍ ثَّبْتِ ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا (وربما قيلت) أي أطلقت العلة على قلة توسعاً (لغير قدح) أي على شيء غير قادح في صحة الحديث، وذلك (كوصل ثبت) بسكون الباء، يقال: رجل ثبت: متثبتٌ في أموره، وثبت الجنان، أي ثابت القلب، ويقال أيضًا: رجل ثبت بفتحتين، إذا كان عدلاً ضابطًا، والجمع أثبات، مثل سبب وأسباب أفاده في المصباح: والمعنى: كوصل ثقة ضابط حديثًا ٢٦٢ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِى - ٢٣٣ - وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ التِّرْمِذِيْ، وَخَصَّهُ بِالْعَمَل (*) أرسله من هو دونه، أو مثله، ولا مرجح، وهذا الإطلاق منقول عن الشيخ أبي يعلى الخليلي، قال في كتابه الإرشاد: إن الحديث على أقسام: معلول صحيح، ومتفق على صحته، أي لا علة فيه، ومختلف فيها، أي بالنظر للاختلاف في استجماع شروطها، وإلى هذا أشار بقوله (فعلى هذا) أي الإطلاق المذكور من أنه تقال العلة لغير قادح، متعلق بقوله (رأوا) أي المحدثون المطلقون (صح معل) صفتان لمحذوف أي حديث صحيح معل. والمعنى أنهم وصفوا الحديث الواحد بالصفتين باعتبار إطلاقهما عليه، فيقولون: حديث صحيح لاستجماع شروطه، معل لوجود صورة العلة فيه. مثاله: حديث مالك رحمه الله في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَّيه: (المملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق)) فقد أورده معضلاً، ورواه عنه إبراهيم بن طمهان، والنعمان بن عبد السلام موصولاً، أي عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال الخليلي: فقد صار الحدیث بتبین الإِسناد صحيحًا يعتمد عليه، قيل: وذلك عكس المعل، فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح وهذا كان ظاهره الإعلال بالإِعضال، فلما فتَّش تبين وصله. قاله في التدريب (١). (وهو) أي نظير الإطلاق المذكور، وهو إطلاق الصحيح على غير ما تقدم في بحث الصحيح (في الشاذ حكوا) أي العلماء، حيث يقولون: من الصحيح صحيح شاذ: والجملة خير هو. وحاصل المعنى: أن بعض العلماء أطلق الصحيح على الشاذ، كما أطلقوا المعل فيما تقدم، فقالوا: من الصحيح ما هو صحيح شاذ، وهذا القول منقول عن الخليلي، والحاكم، وذلك كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، وحديث النيات، وغيرهما. ومن أغرب ما ذكر من الإعلال جعل النسخ علة، كما فعله الترمذي، وإلى ذلك أشار بقوله: التِّرْمِذِيْ، وَخُصَّهُ بِالْعَمَلِ وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ (١) ج ١ ص ٢٣١. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يطلق بعض علماء الحديث اسم ((العلة)) في أقوالهم على الأسباب التي يضعف بها الحديث، من جرح الراوي بالكذب أو الغفلة أو سوء الحفظ أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة القادحة. فيقولون: ((هذا الحديث معلول بفلان)) مثلاً، ولا يريدون العلة المصطلح عليها؛ لأنها إنما تكون بالأسباب = ٢٦٣ الجُزْءُ الأولْ (والنسخ) مبتدأ خبره جملة (قد أدرجه)، أو منصوب على الاشتغال، أي نسخ الحديث قد أدرجه أي أدخله (في) أقسام (العلل) الحديثية (الترمذي) بسكون الياء للوزن فاعل (((أدرج)). والمعنى: أن الإمام الحافظ أبا عيسى الترمذي صاحب الجامع سمى النسخ علة من علل الحديث، ومعنى كلامه هذا أنه يريد أنه علة في الحديث للعمل به لا لصحته، كما أشار بقوله (وخصه) فعل أمر، أي خص أيها المحدث عموم قول الترمذي هذا (بالعمل) أي بكونه علة في العمل بالحديث، لا أنه يريد بذلك العلة الاصطلاحية، بدليل أن الترمذي نفسه يصحح كثيراً من المنسوخ في جامعه، وكذا وقوعه في الصحيحين وغيرهما. (تنبيه): قد ألف العلماء في العلل، فمنهم: ابن المديني، وابن أبي حاتم، والخلال، وأجمعها کتاب الدار قطني، وقد طبع قريبًا . الخفية التي تظهر من سبر طرق الحديث كما تقدم. = وقد أطلق أبو يعلى الخليلي - في كتاب الإرشاد - العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: ((من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: (من الصحيح ما هو صحيح شاذ) ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح. وَمَثَّل له بحديث مالك في الموطأ أنه قال: بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ◌ِ يّم: «للمملوك طعامه وكسوته؟. فرواه مالك معضلاً هكذا في الموطأ، ورواه موصولاً خارج الموطأ، فقد رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. فقد صار الحدیث بعد بيان إسناده صحيحًا. قال بعضهم: ((وذلك عكس المعلول، فإنها ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال فلما فتش تبین وصله)». ونقل ابن الصلاح - وتبعه النووي ثم المؤلف - أن الترمذي سمى النسخ علة من علل الحديث. ونقل المؤلف في التدريب عن العراقي أنه قال: ((فإن أراد - يعني الترمذي - أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة)). والذي أجزم به أن الترمذي إن كان سمى النسخ علة - فإني لم أقف على ذلك في كتابه ولعلي أجده فيه بعد - فإنما يريد به أنه علة في العمل بالحديث فقط. ولا يمكن أن كان سمى النسخ علة - فإني لم أقف على ذلك في كتابه ولعلي أجده فيه بعد - فإنما يريد به أنه علة في العمل بالحديث فقط. ولا يمكن أن يريد أن علة في صحته؛ لأنه قال في سننه (ج ١ ص ٢٣ - ٢٤): ((إنما كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك)» فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح بذلك. ٢٦٤ شَرْعُ الفِيَةُ السَّيُوَظِىّ - المضطرب ٢٣٤ - مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَتْنَا أَوْ سَنَدْ ٢٣٥ - وَلَا مُرَجِّحَ: هُوَ الْمُضَطَرِبُ وَهْوَ لِتَضْعِّيف الْحَديثِ مُوجِبُ وقد صنف الحافظ فيه: ((الزهر المطلول، في الخبر المعلول))، ولكنه ما طبع إلى الآن، ولو طبع لفاق الجميع، لأن الشيخ واسع الاطلاع بصير بالفن، رزقنا الله تعالى من يتولى طبعه . د (تتمة)): الزيادات قوله: ((والوجه في إدراكها جمع الطرق)) إلخ، وقوله ((ونوع الحاكم)) البيت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على المعل الذي شرط الحكم به ترجيح جانب العلة، ناسب أن يردفه بذكر ما لم يظهر فيه ترجيح، وهو المضطرب، ولذا قال: المضطرب أي هذا مبحثه، وهو النوع الثالث والثلاثون من أنواع علوم الحديث. وهو في اللغة اسم فاعل من الاضطراب، وهو اختلال الأمر، وفساد نظامه، واختلاف كلمة القوم، وأصله اضطراب الموج لكثرة حركته، وضرب بعضه بعضًا، وقال بعضهم: ولو كان المضطرب بفتح الراء لكان اسم مكان للاضطراب، ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي؛ لأن الحديث عند التحقيق موضع يظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة. اهـ. واصطلاحًا: ما أشار إليه بقوله : مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَنْنَا أَوْ سَنَدْ مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ وَلَا مُرَجِّحَ : هُوَ الْمُضْطَرِبُ (ما)موصولة مبتدأ، أي الحديث الذي (اختلفت وجوهه)أي: طرقه، بأن روي على وجوه مختلفة متقاربة (حيث ورد) أي: الاختلاف المفهوم من اختلفت (من واحد)أي راوٍ واحدٍ، بأن رواه مرة على وجه، وأخرى على آخر مخالف له (أو فوق) من الظروف المبنية على الضم، لقطعه عن الإضافة ونية معناها، معطوف على واحد أي أو ورد من فوق واحد بأن اختلف فيه راويان، فأكثر (متنا) منصوب على التمييز، أي من حيث متنه (أو ٢٦٥ - الجُزْءُ الأولُ سند) معطوف منصوب وقف علیه بالسکون على لغة ربيعة، أي أو من حیث سنده(و) الحال أنه (لا مرجح) لإحدى الروايتين، أو الروايات على الأخرى، إذ لو وجد ذلك لانتفى الاضطراب كما سيأتي، وكذا إذا أمكن الجمع كما صرح به غيره. (هو) ضمير فصل (المضطرب) خبر ما وهو بكسر الراء كما هو المشهور، وتقدم عن بعضهم أنه أشار إلى صحة الفتح أيضًا أي فيكون من الحذف والإيصال، أي مضطرب فيه. وحاصل المعنى: أن المضطرب هو الذي اختلف کلام راویه فيه، واحدًا کان بأن رواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له، أو أكثر بأن اختلف راويان فأكثر، فرواه كل على وجه مخالف للآخر بشرط أن لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون في المتن وفي السند. قال الحافظ نقلاً عن الحافظ العلائي: إن الاختلاف تارة يكون في المتن وتارة في السند: فالذي في السند يتنوع أنواعًا: أحدها: تعارض الوصل والإرسال، وثانيها: تعارض الوقف والرفع، وثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع، رابعها: أن يروي الحديث قوم مثلاً عن رجل تابعي، عن صحابي، ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر، عن الصحابي بعينه، خامسها: زيادة رجل في أحد الإسنادين، سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف. ثم ذكر تفاصيل ذلك كله. ثم قال: وأما الاختلاف الذي يقع في المتن فقد أعل به المحدثون، والفقهاء كثيراً من الأحاديث، وأمثلة ذلك كثيرة نقلها الصنعاني في التوضيح ج ٢ ص ٤٠ بالبسط فانظره. والحاصل: أن الاضطراب قد يكون في المتن فقط، أو في السند فقط، وهذا الاختلاف هو الأكثر الأغلب، وربما يكون فيهما معًا قاله السخاوي. وقال في النزهة: لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون السند. مثال الاضطراب في الإسناد حديث أبي بكر أنه قال: يا رسول الله أراك شبت، قال: ((شيبتني هود وأخواتها)» قال الدار قطني: هذا حديث مضطرب، فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بکر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر. ٢٦٦ شَرْجُ الفِيَةُ السَّيُوطِى ٢٣٦ - (إلَّ إِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَوَ ابْ لثقَة فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ ومثله حديث مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن النبي # في نضح الفرج بعد الوضوء قد اختلف فيه على عشرة أقوال، فقيل: عن مجاهد، عن الحكم، أو ابن الحكم، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم، غير منسوب، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم، أو الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان بلا شكٍّ، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف، يقال له: الحكم، أو أبوالحكم، وقيل: عن مجاهد، عن أبي الحكم، أو أبي الحكم بن سفيان: وقيل: عن مجاهد، عن الحکم بن سفیان، أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن النبي ◌َّر. ذكره الناظم في التدريب(١). ومثال المضطرب في المتن على ما اختاره الناظم حديث البسملة المتقدم في المعل (٢)، قال: فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، والمضطرب يجامع المعل، لأنه قد تكون علته ذلك. ثم ذکر حکمه بقوله: وَهْوَ لِتَضْعيف الْحَديثِ مُوجِبُ (وهو) أي الاضطراب المفهوم من المضطرب مطلقًا سواءً كان في السند، أو في المتن، مبتدأ خبره موجب لتضعيف الحديث أي للحكم على الحديث بالضعف متعلق بـ (موجب) بكسر الجيم اسم فاعل، من أوجب الشيء: إذا أثبته، يعني أنه سبب لضعف الحديث، فلا يعمل به، لإشعاره بعدم ضبط الراوي الذي هو شرط في الصحة والحسن. لكن هذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو مقيدبما إذا لم يكن الاضطراب بسبب اختلاف في اسم ثقة، أو اسم أبيه، أو نسبته، أو نحو ذلك، وإلا فلا يضر في صحة الحدیث، وإلى ذلك أشار بقوله: لشقَةِ فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ إِلَّ إِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِ اسْمٍ أَوَ ابْ (إلا إذا ما) زائدة (اختلفوا) أي الرواة (في اسم) أي تعیین اسم راو (أو اب) بنقل حركة الهمزة إلى الواو، وحذفها للوزن، أي أو تعیین اسم أب راو، وقوله (لثقة) صفة ل«اسم، أو أب))، أي كائن لثقة، يعني أنهم إذا اختلفوا في اسم ثقة أو أبيه، وكذا في نسبه أو نحو (١) ج ١ ص ٢٣٧، ٢٣٨. (٢) لكن تقدم أن الصحيح أنه لا اضطراب فيه لإمكان الجمع، فالحديث صحيح، كما صححه مسلم وغيره. فتبصر. ٢٦٧ الجُزْءُ الأولُ ٢٣٧ - الزَّرْكَشيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ وَالاِضْطِرَبُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ) ذلك ، فإنه لا يضر في صحة الحديث مع الاضطراب، ولذا قال (فهو) أي الحديث الذي وقع فيه ذلك الاختلاف (صحيح) لكون راويه ثقة (مضطرب) للاختلاف فيه. والحاصل: أن الاضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد، وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: فقد يدخل القلب، والشذوذ، والاضطراب في قسم الصحيح والحسن. وإلى هذا أشار بقوله: وَاَلاضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ (الزركشي) مبتدأ حذف خبره، تقديره قائل، أو فاعل لفعل محذوف، أي قال، والأول أولئ. وهو العلامة محمد بن عبد الله بن بهادر، أبو عبد الله بدر الدين، قال الحافظ ابن حجر: كان الزركشيُّ رحمه الله منقطعًا في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وكان يطالع في حانوت الكتب طول نهاره، ومعه أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه، وقال ابن العماد نقلاً عن البرماوي: كان منقطعًا إلى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشيء، وله أقارب يكفونه أمر دنياه، فزهد رحمه الله عن الدنيا، وعف فيها، ألف تأليف عديدة أكثر من خمسة وأربعين كتابًا في مختلف الفنون من علوم القرآن، والحديث، ومصطلحه، والفقه، والقواعد، والأصول، وغيرها، ولد رحمه الله في مصر سنة ٧٤٥ هـ من أسرة تركية، وكان أبوه مملوكًا، وتوفي يوم الأحد ثالث رجب سنة ٧٩٤ هـ ودفن بالقرافة الصغرى بمصر، والزركشي نسبة إلى الزركش، وهي كلمة فارسية مركبة من زر: أي الذهب، وكش: أي ذو. والمقصود بها نسج الحرير بالذهب، ولقب به لأنه تعلم هذه الصناعة في بداية عمره، واشتغل بها فترة. ومقول القول جملة قوله (القلب) الآتي في الباب التالي، مبتدأ (والشذوذ) المتقدم عطف عليه، وقوله (عن) بتشديد النون إلا أنها خففت هنا للوزن، أي ظهر القلب، والجملة خبر المبتدأ، ووحد الضمير بتأويل المذكور (والاضطراب) الذي نحن في مبحثه، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي كذلك، وقوله (في الصحيح والحسن) متعلق ب(عن)). ٢٦٨ شَرْجُ القَيُّ الشُّوطِى - ٢٣٨ -وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ (*) والمعنى: أن القلب والشذوذ والاضطراب وجد في قسم الصحيح والحسن، فعلى هذا فقولهم: إن الاضطراب موجب لضعف الحديث إنما هو في الأغلب. ثم ذکر مفهوم قوله: ولا مرجح فقال: وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُونُهُ وَضَحْ (وليس) الحديث الذي اختلفت وجوهه (منه) أي من المضطرب المحكوم عليه بالضعف (حيث بعضها) أي الوجوه، وكذا الوجهان (رجح) أي زاد قوة على غيره، إما بالأحفظية، وإما بالأكثرية الملازمة للمروي عنه، أو غيرهما من وجوه الترجيحات. فاسم (ليس) ضمير يعود إلى ما في قوله ما اختلفت ومنه خبرها، وحيث ظرف متعلق بـ ((ليس)) لأنها بمعنى انتفى، والمعنى: أن ما اختلفت وجوهه إذا ترجحت منه إحدى الروايتين، أو الروايات بمرجح من المرجحات لا يكون من قسم المضطرب المردود، بل الحکم للراجح، لأن المرجوح کالعدم، کما أشار إليه بقوله (بل نکر ضد) أي نكارة ضده، فالنكر بضم، فسكون، كالقفل: اسم بمعنى النكارة، مضاف إلى ضد وهو مبتدأ، وقوله (أو شذوذه) عطف على نكر أي شذوذ الضد، وجملة قوله (وضح) أي ظهر خبر المبتدأ، وإفراد الضمير لكون العطف بـ أو التي لأحد الشيئين وتقدير الكلام: أي نكارة ضده، أو شذوذه واضح(١). (١) ونص الطبعة الأولى هكذا (بل نكر ضد) أي: منكر ضده، والنكر بضم، فسكون، وزان قفل: المنكر وهو كلام إضافي، خبر لمحذوف، أي هو منكر الضد . وقوله: (أو شذوذه) أي الضد مبتدأ خبره قوله: (وضح) أي ظهر. اهـ . وما كتبته في هذه الطبعة الثانية أوضح . والله أعلم. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا جاء الحديث على أوجه مختلفة، في المتن أو في السند، من راوٍ واحد أو من أكثر -: فإن رجحت إحدى الروايتين أو الروايات بشيء من وجوه الترجيح - كحفظ راويها أو ضبطه أو كثرة صحبته لمن روى عنه - كانت الراجحة صحيحة والمرجوحة شاذة أو منكرة. وإن تساوت الروايات وامتنع الترجيح، كان الحديث مضطربًا، واضطرابه موجب لضعفه، إلا في حالة واحدة، وهي: أن يقع الاختلاف في اسم راوٍ أو اسم أبيه أو نسبته مثلاً، ويكون الراوي ثقة، فإنه يحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر، مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: ((وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن» نقل ذلك المؤلف في التدريب. والاضطراب قد يكون في المتن فقط، وقد يكون في السند فقط، وقد يكون فيهما معًا. مثال الاضطراب في الإسناد على ما ذكر المؤلف في التدريب: حديث أبي بكر: أنه قال: يا رسول الله! أراك شبت؟! = - الجُزُءُ الأولُ ٢٦٩ وحاصل المعنى: أن ذلك الراجح لا يكون مضطربًا، بل الحكم له، وأن ضده المرجوح، إما منكر، أو شاذ. وكذا إذا أمكن الجمع بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين، فأكثر عن معنى واحد، أو يحمل كل منهما على حالة لا تنافي الأخرى، فلا يكون مضطربًا . مثال الأول: حديث الواهبة نفسها، فإنه قد اختلفت الرواية في اللفظية الواقعة منه بَلخلقه ففي رواية ((زوجتكها)) وفي أخرى ((أنكحتكها)) وفي أخرى ((ملكتها)) وفي أخرى ((أملكتكها))، وفي أخرى: ((مكناكها)» وأكثرها في الصحيحين، وتأويل هذه الألفاظ سهل فإنها راجعة إلى معنى واحد. = قال: ((شيبتني هود وأخواتها)». قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب، فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم عن بعض، والجمع متعذر. ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ◌ِّّم في نضح الفرج بعد الوضوء. قد اختلف فيه على عشرة أقوال: فقيل: عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه . وقيل: عن مجاهد عن الحكم - غير منسوب- عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه . وقيل: عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان - بلا شك -. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم. وقيل: عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان . وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي ◌ِّم. انتهى ما نقله في التدريب. ومثال الاضطراب في المتن: ما اختاره المؤلف فيه أيضًا حديث البسملة السابق في ((المعل)) قال المؤلف: ((فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم، والمضطرب يجامع المعلل؛ لأنه قد تكون علته ذلك)). وأمثلة المضطرب كثيرة. وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا فيه سماه ((المقترب في بيان المضطرب)). قال المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير: ((أفاد وأجاد، وقد التقطه من كتاب العلل للدار قطني)). ٢٧٠ شَرْج ◌ُُّ الشَّيُوطِّ المقلوب ٢٣٩- (الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ) وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ إمَّا بِإِيْدَل الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ ٢٤٠- بِوَاحِدٍ نَظِيرِه لِمُغَربَا أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَديث اجْتَبَى ٢٤١ - لآخَرِ، وَعَكْسُهُ، إِغْرَابًا ، أوْ مُمْتَحِنَا، كَأَهْلٍ بَغْدَادَ، حَكَوْا ومثال الثاني: كحديث الترمذي ((إن في المال حقًّا سوى الزكاة)) مع حديث ابن ماجه: (ليس في المال حق سوى الزكاة)) فالحق المثبت في الأول هو المستحب، والمنفي في الثاني هو الواجب، على أنهما ضعيفان من قبل ضعف راويه شيخ شريك. وقد صنف الحافظ كتابًا سماه ((المقترب في بيان المضطرب)) التقطه من العلل للدار قطني، وزاد عليه غير أنه لم يطبع. (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: إلا إذا ما اختلفوا إلى آخر البيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما كان الاضطراب يقع في الإسناد والمتن، ناسب ذلك القلب بعده، لكونه كذلك، فلذا قال : المقلوب أي هذا مبحثه، وهو النوع الرابع والثلاثون من أنواع علوم الحديث. وهو لغة: اسم مفعول من قلب، من باب ضرب، يقال: قلب فلان الشيء: إذا صرفه عن وجهه. وأما اصطلاحًا، فقال بعض المحققين: لا يمكن تعريف أنواع المقلوب كلها في تعريف واحد، لأنها أنواع مختلفة لا يمكن جمعها في حقيقة واحدة، فإذا كان كذلك فالأولى أن نقسم المقلوب إلى أنواعه المختلفة، ثم نبين حقيقة كل نوع على حدة. اهـ. وسيذكر ذلك الناظم، وعرفه السخاوي بأنه تغيير من يعرف برواية ما بغيره عمدًا أو سهواً. إِمَّا بِإِيْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ (الْقَلْبُ فِي الْمَثْنِ) وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثِ اجْتَبَى بِوَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا مُمْتَحِنًا، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حَكَوْا لَآَخَرَ، وَعَكْسُهُ، إِغْرَابًا ، أوْ (والقلب) أي: قلب الحديث بتقديم وتأخير، مبتدأ خبره جملة قوله قر (وفي المتن وفي ٢٧١ - الجُزْءُ الأولْ الإسناد) أي متن الحديث، أو إسناده متعلق بقوله (قر) أي ثبت، وخففت راؤه للوزن، والمعنى أن القلب ثبت في متن الحديث، أو في إسناده. والحاصل أنه ينقسم القلب إلى قسمين: قسم في المتن، وهو قليل بالنسبة إلى قلب الإسناد. وحقيقته كما قال السخاوي: أن يعطئ أحد الشيئين ما اشتهر للآخر. ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه، فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه. مثاله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم بمينه ما تنفق شماله)) فإنه مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) كما في الصحيحين، قاله الحافظ وله أمثلة كثيرة. والقسم الثاني: في الإِسناد وهو كثير، وقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راوٍ أو نسبه، كأن يقول: ((كعب بن مرة)) بدل ((مرة بن كعب)) وقد ألف الخطيب في هذا كتابًا سماه ((رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب)). ومنه أن يكون الحديث مشهورًاً براوٍ من الرواة، فيقلبه الراوي بنظيره لغرض، وإليه أشار بقوله (إما) بالكسر حرف تفصيل (بإبدال) الراوي (الذي به اشتهر) أي بالحديث متعلق بـ(اشتهر) (بواحد) من الرواة متعلق بـ إبدال (نظيره) بالجر عطف بيان، أو بدل. أي مماثل له في الطبقة، كحديث مشهور عن سالم جعل عن نافع، أو عن مالك جعل عن عبيد الله بن عمر (ليغربا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الراوي المبدل، والألف للإِطلاق، من الإغراب، يقال: أغرب فلان: إذا جاء بشيء غريب، أي لأجل أن يأتي بحديث غريب لا يعرفه الناس، إذ الغريب يرغب فيه الناس، وممن كان يفعل ذلك من الوضاعين حماد بن عمرو النصيبي، وأبو إسماعيل إبراهيم بن أبي حية اليسع، وبهلول بن عبيد الكندي. مثاله حديث رواه عمرو بن خالد الحراني، عن حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسَّلام)) الحديث، فهذا حديث مقلوب قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، فإنما هو معروف بسهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة، والثوري، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل، قال أبو جعفر العقيلي: لا يحفظ هذا ٢٧٢ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِي .. من حديث الأعمش، إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب، فإنه قلما يصح منها. أفاده العراقي في شرح ألفيته (١). ومن أقسام قلب الإسناد أن يؤخذ إسناد متن، فیرکب على متن آخر، وبالعكس، وإليه أشار بقوله (أو) بمعنى الواو، أي وإما بـ (جعل إسناد حديث اجتبى) بالبناء للفاعل، أي اختاره لقلب إسناده، والجملة صفة لـ ((حديث)) وقوله (لآخر) متعلق بـ ((جعل)) وصرف للوزن، أي لمتن آخر، ويحتمل أن يكون اجتبى مفعولاً ثانيًا لـ((جعل)) ولـ ((آخر)) متعلق به أي مجتبى لمتن آخر، وبأن يجعل سندُ هذا لمتن هذا وعكسه مبتدأ حذف خبره، أي كذلك، أو خبر لمحذوف، أي مثله عكسه، ويجوز جره عطفًا على إسناد، ونصبه مفعولاً لمحذوف أي وفعل عكسه، بأن يجعل إسناد هذا الآخر لذلك المتن. ثم أشار إلى الغرض الباعث عليه فقال: (إغرابًا) مفعول لأجله، أي فعل هذا لأجل الإغراب على الناس كما يقصد ذلك بالقسم الأول، فيكون ذلك باعتبار القصد كالوضع (أو ممتحنًا) بصيغة اسم المفعول مصدر معطوف على إغرابًا أي أو امتحانًا، أو بصيغة اسم الفاعل، أي فعله حال كونه ممتحنًا لحفظ المحدث، ومختبرًاً له هل اختلط أم لا؟ وهل يقبل التلقين أم لا؟ فإن فطن له عرف حفظه، فأخذ عنه وإن خفي عليه عرف ضعفه، فلم يعتمد عليه، وهذا يفعله كثير من المحدثين، وهو كما قال الحافظ: محرم إلا بشرط أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة. ثم ذكر من أمثلة القلب للامتحان قصة امتحان أهل بغداد للإِمام البخاري رحمه الله فقال : (کأهل بغداد) خبر لمحذوف، أي مثال ذلك کامتحان أهل بغداد للإِمام البخاري رحمه الله. وبغداد: اسم بلد، يذكر، ويؤنث، والدال الأولى مهملة، وأما الثانية ففيها ثلاث لغات، حكاها ابن الأنباري، وغيره: دال مهملة، وهو الأكثر، والثانية نون، والثالثة وهي الأقل ذال معجمة. بناها أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين لما تولى الخلافة سنة (١٣٦). اهـ. المصباح باختصار، وقوله: (حكوا) جملة مستأنفة بين بها أن هذه القصة مشهورة تداول العلماء نقلها، ودونوها في دواوينهم، أو حال من المضاف المقدر، أي حال كونها محكية من الحفاظ. وحاصل القصة: ما رواه الخطيب، قال: حدثني ابن أبي الحسن الساحلي، أنا أحمد ابن حسن الرازي، سمعت أبا أحمد بن عدي، يقول: سمعت عدة مشايخ يحكون أن (١) ج ١ ص ٢٨٢، ٢٨٣ . ٢٧٣ الجُزُءُ الأولُ محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر، إسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوه إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان، وغيرهم، ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث؟ فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر؟ فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي علیه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء(١) ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ، ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة، وسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة؟ فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر؟ فقال : لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث، والرابع، إلى تمام العشر حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. ذكره العراقي في شرح ألفيته (٢). قال الحافظ نقلاً عن العراقي: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته، وإنما العجب منه في كونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطإ من مرة واحدة (٣) وقال السخاوي: ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي في الإِسناد، فإنهم عدد نجبر به جهالتهم. اهـ(٤). (١) وفي فتح المغيث ((الفهماء)). (٢) ج ١ ص ٢٨٥، ٢٨٦ . (٣) النكت ج ٢ ص ٨٦٩، ٨٧٠ . (٤) فتح ج ١ ص ٣٢١ . ٢٧٤ شَرْعُ الفِيُّ الشَّيُوخِى - ٢٤٢ - (وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ) وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوَاْ أَطْلَقَهْ (* ثم أشار إلى أن هذا النوع يسمى بالسرقة فقال: (وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ) (#) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الحديث المقلوب: إما أن يكون القلب فيه في المتن، وإما أن يكون في الإسناد. فمثال المقلوب في المتن: ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أنيسة مرفوعًا: ((إذ أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا)) والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة: ((إن بلال يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). وما رواه مسلم في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة: (ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو كما في الصحيحين: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). وما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا أمرتكم بشيء فائتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم؛ فإن المعروف ما في الصحيحين: ((مانهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم). وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راوٍ أو نسبه، كأن يقول ((كعب بن مرة)) بدل (مرة بن كعب)). وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتابًا سماه ((رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب)). وقد يكون الحديث مشهورً براو من الرواة أو إسناد، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين ويبدل الراوي بغيره لیرغب فيه المحدثون. كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم بن عبد الله، فيجعل عن نافع. أو يبدل الإسناد بإسناد آخر كذلك، مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي - الكذاب - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام)) الحديث. فإنه مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة والتوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، کلهم عن سهيل. وهذا الصنيع يطلق على فاعله أنه يسرق الحديث إذا قصد إليه. وقد يقع هذا غلطًا من الراوي الثقة، لا قصدًا كما يكون من الوضاعين، مثاله: ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: (حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وتقديم: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وهم أبو النضر - يعني جرير بن حازم- إنما كنا جميعًا في مجلس ثابت، وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله حَ﴾ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس) فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيى. وقد يقلب بعض المحدثين إسناد حديث قصداً لامتحان بعض العلماء، لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، فيما رواه الخطيب، فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى = ٢٧٥ - الجُزْءُ الأولُ (وهو) أي القلب الواقع في السند (يسمى) بالبناء للمفعول (عندهم) أي المحدثين (بالسرقة) أي سرقة الحديث، يعني أن فاعل هذا يطلق عليه أنه يسرق الحديث، وربما قيل في الحدیث نفسه مسروق. قال السخاوي: وفي إطلاق السرقة على ذلك نظر إلا أن يكون الراوي المبدل به عند بعض المحدثين منفردًا به، فسرقه الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب. اهـ(١). مثاله ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا لقيتم المشركين)) الحديث. ثم إن ما ذکر کله یکون عن قصد لغرض من الأغراض، وقد یقع عن غير قصد، بل غلطًا، وإليه أشار بقوله: وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًا أَطْلَقَهْ (وقد يكون القلب) المذكور بنوعيه، أي متنا أو إسنادًا (سهواً) أي غلطًا من الراوي الثقة، لا قصداً، کما یکون من الوضاعین، فـ((القلب )) اسم ((یکون )، و ((سهواً)) خبرها، أي ذا سهو، وقوله: (أطلقه) جملة حالية من القلب أي حال كون الراوي مطلقه، ويحتمل عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد = للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين. فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة. فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فمازال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فلم يزل يلقي إليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع، على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متى إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. انتهى. وهذا العمل محرم أن يقصده العالم به، إلا إن كان يريد به الاختبار. وشرط الجواز - كما قال الحافظ ابن حجر -: ((أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة)). (١) فتح ج ١ ص ٣٢٠. ٢٧٦ شَرِجُ الْفِيَةُ السّيُوظِّ - كون يكون تامة القلب فاعل وسهواً مفعول لأجله، أو حال. وحاصل المعنى: أنه قد يقع القلب حال كون الراوي مطلقًا له، ذاكره لأجل سهوه، أي غلطه من غير قصد. مثاله: ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله وَل: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد، فسألته عن الحديث فقال: وهم أبو النضر، يعني جرير بن حازم، إنما كنا جميعًا في مجلس ثابت وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف(١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن رسول الله وَال قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني )) فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت، عن أنس، فقد انقلب الإِسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير، رواه مسلم، والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن يحيى. (تنبيه): قال السخاوي رحمه الله: ومن هذا القسم ما يقع الغلط فيه بالتقديم في الأسماء والتأخير، كمرة بن كعب، فيجعله كعب بن مرة، ومسلم بن الوليد، فيجعله الوليد بن مسلم، ونحو ذلك مما أوهمه كون اسم أحدهما اسم أبي الآخر، وقد صنف كل من الخطيب، والحافظ في هذا القسم خاصة، فأما الخطيب ففيما كان من نمط المثال الأخير، يعني تقديم الأسماء وتأخيرها فقط، وسماه «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب)) وهو مجلد ضخم، وأما الحافظ فإنه أفرد من علل الدار قطني مع زيادات كثيرة ما كان من نمط المثالين اللذين قبله وسماه «جلاء(٢) القلوب في معرفة المقلوب)) وقال: إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه بحيث أدى الإخلال به إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه، حيث يقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على روايه. اهـ كلام السخاوي بتغيير يسير(٣). (تتمة): الزيادة قوله: ((القلب في المتن)) وقوله: ((وهو يسمى عندهم بالسرقة)). (١) حجاج الصواف هو حجاج بن أبي عثمان المذكور، أبو الصلت الكندي مولاهم البصري الثقة الحافظ، توفي سنة ١٤٣ هـ واسم أبي عثمان: ميسرة، أو سالم . ا هـ ق . ص ٦٤ . (٢) بكسر الجيم (٣) فتح ج ١ ص ٣٢٦، ٣٢٧. ٢٧٧ - الجُزْءُ الأول المدرج ٢٤٣ - وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ بِأَنْ يُلحَقَ فِي أَوَّلَه (أَوْ وَسَط) أَوْ طَرَف ٢٤٤ - كَلامُ رَاوِ مَّا بِلا فَصْلٍ، وَذَا (َيُعْرَفُ بِالشَّفْصِيلِ فِي أُخْرَى، كَذَا ٢٤٥ - بنَصِّ رَاوِ أَوْ إِمَامٍ ، وَوَهَى عِرْ فَاتُهُ فِي وَسْطِ أوْ أَوَّلَهَا) ولما كان الإِدراج يشبه القلب من حيث إنه يكون في المتن، وفي الإسناد، ومن حيث إن بعضہ یکون لغرض صحيح، فيكون جائزًا، وبعضه لغير ذلك، فيكون حرامًا ناسب ذكره بعده، فلذا قال : المدرج أي: هذا مبحثه، وهو النوع الخامس والثلاثون من أنواع علوم الحديث، هو لغة: اسم مفعول من الإدراج، يقال: أدرجت الكتاب إذا طويته، وأدرجت الميت في القبر: إذا أدخلته فيه: وأدرجت الشيء في الشيء: إذا أدخلته فيه، وضمنته إياه، ومنه قول الصرفيين: الإدغام إدراج أول المثلين في الآخر، واصطلاحاً: ما كانت فيه زيادة ليست منه، ثم هو ينقسم إلى قسمين: مدرج المتن، ومدرج الإِسناد، وكل واحد منهما ينقسم إلى أقسام، أشار إلى ذلك بقوله: أَوَّلِه (أَوْ وَسَط) أَوْ طَرَف وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ بِأَنْ يُلحَقَ فِي (يُغْرَفِ بالتَّفْصِيلِ فِّي أُخْرَى، كَذَاً كَلامُ رَاوِ ما بِلا تَصْلَ ، وَذَا عِرْفَانُهُ فِي وَسْطَ أَوْ (١) أَوَّلَهَا) بِنَصِّ رَأْوٍ أَوْ إِمَامٍ، وَوَهَى (ومدرج المتن) كلام إضافي مبتدأ، ومدرج بصيغة اسم المفعول، والإضافة بمعنى في أي الشيء الذي أدرج، أي أدخل في متن الحديث، وليس منه (بأن يلحق) الباء للتصوير، والفعل مبني للمفعول ونائب فاعله قوله: ((كلام راوٍ ما))، والجار والمجرور خبر المبتدأ، والتقدير: ومدرج المتن مصور بإلحاق كلام بعض الرواة (في أوله) أي أول المتن، مثل أن يتكلم الصحابي بأمر يذهب إليه، ثم يحتج عليه بلفظ حديث، ثم يقول: هكذا قال رسول الله ◌َل﴾، وهو يعني ما احتج به، لا ما احتج عليه، فيتوهم السامع أن الجميع (١) بحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى التنوين قبلها للوزن . ٢٧٨ شَرْع الْفِيَةُ السَّيُوطِى مرفوع. قاله في التنقيح(١) (أو وسط) للمتن، أي في أثنائه، مثل أن يروي حديث، ومذهب، فيسمعهما سامع فيحسبهما حديثين فيرويهما على هذه الصورة (أو طرف) له، أي: في آخره، مثل أن يزاد في آخر الحديث من قول بعض الرواة من غير فصل، فيلتبس على من لا يميز الکلام النبوي من غیره، فیحسب الجمیع حديثًا فیرویه (کلام راو ما) ما زائدة لتأكيد العموم، أي: أي راوٍ كان، صحابيًّا، أو غيره، وقوله: (بلا فصل) حال من کلام أي حال كونه غير مفصول عن الحديث. وحاصل المعنى: أن مدرج المتن هو ما أدرج في أول الحديث، أو وسطه، أو آخره من کلام بعض الرواة صحابيًّا کان، أو من دونه من غیر تمییز وتفرقة بين المدرج والحديث بما يدل على مغايرتهما، فيلتبس على من لا يعلم الحال، فيحسب الجميع موصول، فيرويه متصلاً، فیتوهم أنه من الحديث. مثاله في أول المتن - وهو نادر جدًّا- ما رواه الخطيب من طريق أبي قَطَن، وشبابة في روايتهما عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله هجر: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)، فقوله: ((أسبغوا الوضوء)) مدرج من قول أبي هريرة، كما بيِّن من رواية البخاري في صحيحه عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أسبغوا الوضوء)) فإن أبا القاسم وَّ قال: ((وبل للأعقاب من النار)) قال الخطيب: وهم أبو القطن عمرو بن الهيثم وشبانة بن سوار في روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ما سقناه وذلك أن قوله: ((أسبغوا الوضوء)، من كلام أبي هريرة، وقوله: ((ويلٌ للأعقاب من النار)) كلام النِِّ، وذكر جماعة من الحفاظ رووه عن شعبة، فجعلوا الأول كلام أبي هريرة، والثاني مرفوعًا(٢). قال الحافظ: على أن قوله: ((أسبغوا الوضوء)) قد ثبت من كلام النبي ◌ُّر من حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح، قال: وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالاً آخر، إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار، عن هشام بن حسان. اهـ. كلام الحافظ رحمه الله (٣). ومثاله في الوسط: ما رواه الدار قطني في سنته من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان مرفوعًا: ((من مس ذكره، أو أنشييه، أو (١) ج ٢ ص ٥٥ . (٢) توضيح ج ٢ ص ٥٥ ، ٥٦. (٣) النكت ج ٢ ص ٨٢٤ . ٢٧٩ - الجُزْءُ الأولُ رفغيه فليتوضأ)) قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام ووهم في ذكر «الأنثيين، والرفع)) (١)، فجعلهما من المرفوع، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة، وكذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب السختياني، وحماد بن زيد، وغيرهما. ومثاله في الآخر حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قوله بعد التشهد: ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) أخرجه أبوداود، فقوله: ((فإذا فعلت)) إلى آخره من كلام ابن مسعود، وقد أدرجه زهير بن معاوية أبو خيثمة، كما قال الحاكم، والبيهقي والخطيب قال النووي في الخلاصة: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة. اهـ، ويدل لإدراجها رواية شبابة بن سوار عنه، ففصله، وبين أنه من قول ابن مسعود، قال: قال عبد الله: فإذا فعلت ذلك، فقد قضيت ما عليك من صلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، رواه الدارقطني، وقال: شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، وجعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج آخره، ورواه غير شبابة أيضًا، وفصله وبين أنه من قول ابن مسعود، أفاده في التوضيح (٢). وحاصل أقسام مدرج المتن ثلاثة: الأول: ما كان في أوله، والثاني: ما كان في وسطه، والثالث: ما كان في آخره. ثم ذكر ما يعرف به الإدراج، وهي ثلاثة أمور على ما ذكره، فقال: (وذا) أي المدرج مبتدأ، وجملة قوله (يعرف) بالبناء للمفعول خبره أي: يدرك بالتفصيل أي تبيين كونه مدرجاً (في) رواية (أخرى) مبينة لذلك، يعني: أن مدرج المتن يعرف بأمور: منها: ورود رواية أخرى مفصلة للمدرج من كلام بعض الرواة عن الحديث المرفوع، كما في حديث التشهد المذكور، ففي رواية شبابة، عن أبي خيثمة فصله بقوله: قال عبد الله : إذا قلت ذلك ... إلخ، فجعله من كلام ابن مسعود، قال الدار قطني: وهو أصح من رواية من أدرج، وأشبه بالصواب، لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر کذلك مع اتفاق من روئ التشهد عن علقمة، وعن غيره عن ابن مسعود على ذلك. ومنها تصريح الراوي به وإليه أشار بقوله : (کذا)یعرف المدرج (بنص راو) أي: تصریح راوي الحدیث نفسه بأنه لم يسمعه (١) الرفع: أصل الفخذ، وقيل: أصل الفخذ، وسائر المغابن، وكل موضع اجتمع فيه الوسخ. والأول هو المراد هنا . وهو بضم الراء في لغة أهل العالية، والحجاز، والجمع أرفاغ، مثل قفل وأقفال، وبفتح الراء في لغة تميم، والجمع رفوغ، وأرفغ، كفلس، وفلوس، وأفلس. اهـ. المصباح باختصار، وزيادة . (٢) ج ٢ ص ٥٤،٥٣. ٢٨٠ شَرِجُ الْفُيُ الشَّيُظِيَّ - من النبي صَّ، كحديث ابن مسعود: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((من جعل لله ندًا دخل النار)) قال: وأخرى أقولها: ولم أسمعها منه: ((من مات لا يجعل لله ندًّا أدخله الجنة)). ومنها تصريح بعض الأئمة المطلعين بذلك، وإليه أشار بقوله (أو) نص (إمام) من أئمة الحديث المطلعين على علل الحديث، والعارفين بالزائد والناقص، على أنه مدرج كما تقدم في الأنثيين والرفغ فقد صرح الدار قطني، والخطيب أن ذلك من قول عروة، فعروة لما فهم من لفظ الخبر: ((من مس ذكره فليتوضأ)) أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر، فنقله مدرجاً فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا. قاله في التدريب(١) . وحاصل ما ذكره مما يعرف به المدرج ثلاثة أشياء: (الأول): ورود رواية مفصلة من طريق أخرى. (الثاني): تصريح الراوي بأنه لم يسمع من النبي ◌َّ ذلك المدرج. (الثالث): نص إمام من أئمة الحديث على ذلك، وبقي عليه مما يعرف به الإدراج. (الرابع): وهو استحالة كون النبي وَل يقول ذلك. مثال ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيح مرفوعًا: ((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أن أموت، وأنا مملوك)) فقوله: ((والذي نفسي بيده)) إلخ من كلام أبي هريرة لأنه يمتنع منه وَّ أن يتمنى الرق، ولأن أمه لم تکن إذ ذاك موجودة حتی یبرها. (تنبيهان): (الأول): أن أسباب الإِدراج كثيرة: منها أن يقصد الراوي أن يبين حكمًا، أو نحو ذلك، ويريد أن يستدل عليه بقول النبي ◌َّ، وهذا في الإدراج قبل المتن، ومنها أن يريد بيان حكم يستنبط من كلام النبي ◌َّر، وهذا قد يكون في الإدراج في وسط المتن بعد ذكر ما يستنتج منه ذلك الحكم، وقد يكون في الإدراج عقب المتن كله. ومنها: أن يريد تفسير بعض الألفاظ الغريبة في الحديث النبوي. (الثاني): أن الحكم بالإدراج إذا وردت رواية أخرى مفصلة للمدرج عن المرفوع يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب القطع، بخلافه فيما إذا استحال (١) ج ١ ص ٢٤٢، ٢٤٣.