Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ - الجُزْءُ الأُولُ ٢٠٢ - وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ وَيَعْضُهُمْ عِزَتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ ولسماعهم كلامه تعالى من أمر ونهي، ليخبروا قومهم بما يسمعونه، فکونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ، وقيل: أقلهم ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر، وأصحاب طالوت. وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدم: وتمسك كل قائل بدلیل جاء فيه ذكر العدد، فأفاد العلم، وليس بلازم أن يطرد في غيره، لاحتمال الاختصاص. اهـ (١). (تنبيه): الأصح أنه لا يشترط في المتواتر الإِسلام في راويه، ولا عدم احتواء بأن عليهم، فيجوز أن يكونوا كفاراً، ويحويهم بلد، كأن يخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم لأن الكثرة مانعة من التواطؤ على الكذب، وقيل لا يجوز ذلك، لجواز تواطؤ الكفار، وأهل بلد على الكذب فلا يفيد خبرهم العلم قاله ملا علي قاري نقلاً عن المحلى. ولما قال بعضهم بعدم وجود المتواتر. وبعضهم بعزته ذكره بقوله: وَيَعْضُهُمْ عِزَتَهُ ، وَهْوَ وَهَمْ وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ (وبعضهم) أي بعض العلماء، كابن حبان والحازمي، مبتدأ خبره جملة قوله (قد ادعى فيه) أي المتواتر العدم أي كونه غير موجود في الروايات (وبعضهم) ادعى (عزته) أي قلته جدًّا، يقال عز الشيء يعز، بكسر العين في المضارع: قل بحيث لا يكاد يوجد، وهذا القائل هو ابن الصلاح، حيث قال: ولا يكاد يوجد يعني المتواتر في رواياتهم، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره، ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه، قال: نعم حديث من كذب علي نراه مثالاً لذلك، وتبعه على ذلك النووي في التقريب، قال الناظم رحمه الله ردًّا على القولين تبعًا للحافظ رحمه الله (وهو) أي المذكور من دعوى العدم والعزة (وهم) كغلط وزنًا ومعنى، يقال: وهم في الحساب يوهم وهمّا، كغلط يغلط غلطًا، وزنًا ومعنى، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، وقد يستعمل المهموز لازما قاله في المصباح، والجملة مستأنفة . والمعنى: أن دعوى عدم التواتر وعزته غلط من قائله نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتوطئوا على الكذب، أو یحصل منهم اتفاقًا . (١) شرح النخبة ص ٢٩، ٣٠. ٢٢٢ شَرْ الْفِيَّةُ السَّيُوطِيّ - ٢٠٣ - بَلِ الصَّوابُ أَنَّهُ كَثِيرُ وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرُ ٢٠٤ - خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا (مَنْ كَذّبًا)) وَمَنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا ٢٠٥ - لَهَا حَديثُ ((الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ)) (وَالْحَوْضِ))) وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ))(*) ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثيرة قاله الحافظ رحمه الله تعالى(١). قال رحمه الله تعالى مقررًا للتغليط، ومبينًا لوجوده في الأحاديث وجود كثرة حتى ألف فيه مؤلفًا خاصًّا به : وَفِيه لي مُؤَلَّفٌ نَضِيرُ بَلِ الصَّوابُ أَنَّهُ كَثِيرُ وَمَنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا ((مَنْ كَذَبَا)) وَالْحَوْضِ) وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)» لَهَا حَدِيثُ (الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ) (١) شرح النخبة ص ٣٣، ٣٤. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من الحديث المشهور نوع يدعى المتواتر وهو اصطلاح يغلب في ألفاظ الفقهاء والأصوليين، وجاء أيضًا في كلام بعض العلماء بالحديث. وهو ما نقله رواة كثيرون - لا يمكن تواطؤهم على الكذب - عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره، فيحصل العلم الضروري بصدقهم، ويجب العمل به، من غیر بحث عن رجاله. وهؤلاء الرواة الكثيرون لا دليل على حصر عددهم. وزعم بعضهم أن يكون أقلهم عشرة. وقيل: أقلهم اثنا عشر. وقيل: عشرون. وقيل: أربعون . وقيل: سبعون. وقيل غير ذلك، واختار المؤلف الأول. والصحيح: أنه لا حد لذلك، وأن العبرة بما يقع في نفس السامع من صدق الخبر وعدم احتمال تواطؤ هؤلاء الناقلين على الكذب، من ظروفهم وأحوالهم وكيفية نقلهم الخبر. = ٢٢٣ الجُزْءُ الأولُ = وقد يطمئن السامع لرواية خمسة، ويقع في نفسه استحالة تواطئهم على الكذب. وقد لا يطمئن لرواية عشرة لملابسات أخرى. ثم إن التواتر نوعان: تواتر معنوي، وتواتر لفظي. أما المعنوي: فإنه اشتراك الرواة الذين يؤمن كذبهم على رواية معنى واحد في ضمن ألفاظ مختلفة يشترك هذا المعنى فيها جميعًا، وهو كثير جدًّا في الشريعة. ويضربون له مثلاً: كرم حاتم، فإن الرواة روت قصصًا كثيرةً جدًّا في حوادث له دلت على أنه جواد كريم. وضرب له المؤلف في التدريب مثلاً من الحديث: ((أحاديث رفع اليدين في الدعاء)». قال: ((فقد روي عنه علَّلم نحو مائة حديث فيه: رفع يديه في الدعاء. وقد جمعتها في جزء، لكنها قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء -: تواتر باعتبار المجموع. وهو مثال جيد جدًّا. ومن المتواتر المعنوي عندي: المتواتر العملي، وهو ما علم من الدين بالضرورة وتواتر عند المسلمين أن النبي عدَّيم فعله أو أمر به أو غير ذلك، وهو الذي ينطبق عليه تعريف الإجماع انطباقًا صحيحًا. مثل مواقيت الصلوات وأعداد ركعاتها وصلاة الجنازة والعيدين وحجاب النساء عن غير ذي محرم لها ومقادير زكاة المقال، إلى ما لا يعد ولا يحصى من شرائع الإسلام. وأما المتواتر اللفظي: فهو أن يتواتر لفظ الحديث نفسه بالصفة التي شرحناها في تعريف المتواتر، وهو قليل بالنسبة لغيره في الحديث. بل ادعى بعضهم أنه غير موجود، وادعى ابن الصلاح أنه ((لا يكاد يوجد في رواياتهم)) ورد الحافظ ابن حجر على هاتين الدعويين، فقال: ((ما ادعاه ابن الصلاح من عزة المتواتر وكذا ما ادعاه غيره من العدم: ممنوع، لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتوطئوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقًا)). ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا - المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها - إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب: أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله. ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير. وأوضح مثال له حديث: ((من كذب عليَّ متعمدًا فيتبوأ مقعده من النار)) فإنه رواه خمس وسبعون صحابيًّا، وقيل أکثر من ذلك . قال المؤلف في التدريب:((لقد ألفت في هذا النوع كتابًا لم أسبق إلى مثله، سميته: ((الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة)) مرتبًا على الأبواب، أوردت فيه كل حديث بأسانيد من خرجه وطرقه، ثم لخصته في جزء لطيف سميته: ((قطف الأزهار)) اقتصرت فيه على عزو كل طريق لمن أخرجها من الأئمة، وأوردت فيه أحاديث كثيرة، منها: حديث (الحوض) من رواية نيف وخمسين صحابيًّا، وحديث (المسح على الخفين) من رواية سبعين صحابيًّا، وحديث (رفع اليدين في الصلاة) من رواية نحو خمسين، وحديث ((نضر الله امرأ سمع مقالتي)) من رواية نحو ثلاثين، وحديث ((نزل القرآن على سبعة أحرف)) من رواية سبع وعشرين. وحديث ((من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة)) من رواية عشرين، وحديث ((كل مسكر حرام)). وحديث بدأ = - ٢٢٤ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِي - (بل الصواب) في الحديث المتواتر (أنه) أي المتواتر كثير يوجد في الدواوين المشهورة بكثرة وفيه أي في خصوص المتواتر خبر مقدم، أو حال، أو متعلق بـ ((مؤلف)) (لي) حال من مؤلف أو خبر مقدم له (مؤلف) أي كتاب مجموع من جملة الأحاديث المتواترة، مأخوذ من التأليف، وهو كما في التعريفات للشريف الجرجاني: جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، سواء كان لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقديم والتأخر، أم لا، فعلى هذا يكون التأليف أعم من الترتيب. اهـ (١). (نضير) أي حسن، صفة مؤلف، يقال: نضر الوجه بالضم نضارة: حسن، فهو نضير. قاله في المصباح. والمعنى: أنه ألف كتابًا حسنًا في ذلك، لم يسبق إلى مثله مرتبًا على الأبواب أورد فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعدًا، وذکر کل حديث بأسانيد من خرجه، وطرقه، وسماه ((الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة)) ثم لخصه في جزء لطيف اقتصر فيه على عزو كل طريق لمن خرجها من الأئمة وسماه بـ((الأزهار المتناثرة) ثم جاء بعده أبو جعفر الكتاني، فاستدرك عليه في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر ثم لخص أبو الفضل عبد الله الصديق ما استدركه الكتاني مما هو على شرط السيوطي مع زيادات عليه في: إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة بما وقع من الزيادات في نظم المتناثر على الأزهار المتناثرة وفيه ما زاده مرتضى الزبيدي في كتابه ((لقط اللآلئ المتناثرة)) قال الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقاته على التدريب(٢). = الإسلام غريبًا)) وحديث (سؤال منكر ونكير). وحديث ((كل ميسر لما خلق له))، وحديث ((المرء مع من أحب)). وحديث ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة))، وحديث ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)): كلها متواترة، في أحاديث جمة أودعناها كتابنا المذكور. ولله الحمد)». تنبيه: أخطأ الحافظ السيوطي خطأ غريبًا في النقل عن نفسه، إذ سمى كتابه الأول في الأخبار المتواترة ((الأزهار المتناثرة)) وسمى ما اختصره منه ((قطف الأزهار)). وليس كذلك، بل كتابه الأول اسمه: ((الفوائد المتكاثرة)) ثم اختصره في آخر سماه: ((الأزهار المتناثرة)). والأزهار موجودة بدار الكتب المصرية، وهو مختصر ليس فيه الأسانيد، وقد صرح في مقدمته بأنه ألف كتاب ((الفوائد المتكاثرة)) بالأسانيد تفصيلاً، ثم اختصره في هذا الكتاب - يعني: الأزهار - وكذلك ذكر الكتابين صاحب كشف الظنون، فذكر عن الأول أنه كتاب أورد فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعدًا، مستوعبًا فيه، فجاء كتابًا حافلاً، ثم جرد مقاصده وسماه ((الأزهار المتكاثرة)). وأما ((قطف الأزهار)) فهو كتاب آخر للسيوطي، ذكره في كشف الظنون باسم («قطف الأزهار في كشف الأسرار)) وأنه في أسرار التنزيل في مجلد ضخم، كتب منه إلى آخر سورة براءة. (١) ص ٥١ . (٢) ج ٢ ص ١٧٩ . ٢٢٥ - الجُزْءُ الأولْ (تنبيه): كتاب الناظم المؤلف في المتواتر الصواب في اسمه ما سبق، وأخطأ في تسميته نفسه في التدريب فسمى الأصل ((الأزهار المتناثرة)) والمختصر ((قطف الأزهار))، وليس كذلك، بل («قطف الأزهار)) كتاب له آخر ألفه في أسرار التنزيل في مجلد ضخم، كتب منه إلى آخر سورة براءة، وسماه ((قطف الأزهار في كشف الأسرار)) أفاده المحقق ابن شاكر. ثم ذكر أمثلة مما تواتر، فقال (خمس وسبعون) من الصحابة مبتدأ خبره قوله (رووا) عن النبي وَ ل حديث (من كذبا) بألف الإطلاق (ومنهم العشرة) مبتدأ وخبر، والشين ساكنة، أي ومن جملة الخمسة والسبعين الصحابة المشهود لهم بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة، وسعد، وسعيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، والمعنى أن حديث: ((من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) رواه خمسة وسبعون صحابيًّا، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة الذين شهد لهم رسول الله وَله بالجنة في وقت واحد، وإلا فقد شهد ◌َّيّة لجماعة بالجنة في أوقات مختلفة. وقال ابن الصلاح: رواه اثنان وستون من الصحابة، وقال غيره: رواه أكثر من مائة نفس، وقال النووي في شرح مسلم: رواه نحو مائتين، قال السخاوي: ولعله سبق قلم من مائة . قال العراقي: وليس في هذا المتن بعينه، ولكنه في مطلق الكذب، والخاص بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيًّا (ثم انتسبا) بألف الإطلاق (لها) أي للأحاديث المتواترة (حديث الرفع لليدين) فاعل ((انتسب)). والمعنى أن الحديث الدال على مشروعية رفع اليدين في الصلاة معدود في جملة المتواتر، فإنه ورد من رواية خمسين صحابيًّا (والحوض) بالجر عطفًا على الرفع، أي انتسب حديث الحوض أيضًا، فإنه ورد من رواية نيف وخمسين صحابيًّا (والمسح) بالجر، أي حديث المسح (على الخفين) في الوضوء فإنه ورد من رواية سبعين صحابيًّا . (تنبيه): قسم أهل الأصول المتواتر إلى لفظي، وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي، وهو أن ينقل جماعة، يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة، تشترك في أمر يتواتر فيه ذلك القدر المشترك، كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلاً أنه أعطى جملاً، وآخر أنه أعطى فرسًا، وآخر أنه أعطى دينارًا، وهلم جرا، فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم، وهو الإِعطاء؛ لأن وجوده مشترك من جميع هذه القضايا، قال الناظم: وذلك أيضًا يتأتى في الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه، كأحديث، رفع اليدين ٢٢٦ شَرْج ◌َُّةُ السَّيُوخِّ - ٢٠٦ - وَلَابْنَ حبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجدْ بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ ٢٠٧ - وَلَلْعَلَائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْتُورِ ذُو وَصْفَيِّ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ (*)) في الدعاء، فقد ورد عنه بَّلا نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. قاله في التدريب(١). ثم بعد أن تكلم الناظم على المتواتر عاد إلى شيء يتعلق بنوع العزيز الذي سبق ذكره، فقال : بِحَدِّ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ وَلَابْنِ حِبَّانَ : الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ ذَوِ وَصَفَيِّالْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْنُّورِ (١) ج ١ ص ١٦٦، ١٦٧ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بعد أن تكلم المؤلف على المتواتر عاد إلى شيء يتعلق بنوع العزيز الذي سبق ذكره، فنقل عن ابن حبان إنكار وجوده، ورده بأنه قول غير جيد. وسبقه الحافظ ابن حجر إلى ذلك قال: ((وقد ادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين لا توجد أصلاً. فإن أراد رواية اثنين فقط عن اثنين فقط فمسلم، وأما صورة العزيز التي جوزوها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين مثاله: ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة: أن رسول الله عزّم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» الحديث. ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة)). والمتتبع لأسانيد الأحاديث وطرقها يجد العزيز كثيرًا، على معنى أن ينفرد برواية راويان فقط في أي طبقة من الإسناد. وأما ما يظن من ظاهر كلامهم - أنه يرويه اثنان عن اثنين وهكذا: فإنه من العسير جدًّا أن يوجد وإنما المقصد أن الحديث إذا انفرد به واحد كان فردًا أو غريبًا سواء رواه عن واحد آخر أو عن جماعة، وسواء رواه عن هذا المنفرد واحد أيضًا أو جماعة، لأن أنفراد راو بالحديث في أثناء الإسناد يجعل الإسناد فردًا كما هو ظاهر، وكذلك إذا انفرد به اثنان في أي طبقة من طبقات الإسناد كان عزيزًا، وإن اشتهر بعد ذلك بكثرة الرواة، كالحديث الذي نقلناه عن الحافظ ابن حجر آنفًا، فإنه عزيز في طبقتين: التابعين وأتباعهم، ثم رواه كثيرون وبعد ذلك، فاشتهر، ولكنه لم يخرج عن أنه من نوع العزيز. وبهذا يعلم خطأ الحافظ العلائي فيما نقله المؤلف عنه هنا وفي ((التدريب)) قال: حديث ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) الحديث، عزيز عن النبي عدَّيَّام، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة وهو مشهور عن أبي هريرة، رواه عن سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوس، والأعرج، وهمام، وأبوصالح، وعبد الرحمن مولى أم برثن. = - الجُزْءُ الأولُ ٢٢٧ (ولـ) الحافظ أبي حاتم محمد (ابن حبان) البستي صاحب الصحيح تقدمت ترجمته، والجار والمجرور، خبر مقدم لقول (العزيز ما وجد) أي هذا الكلام، فقوله: العزيز ما وجد مبتدأ وخبر في الأصل، وهو محكي لقصد لفظه، مبتدأ مؤخر، وما نافية، أي هذا الكلام كائن لابن حبان، والمعنى أن ابن حبان أنكر وجود العزيز (بحده السابق) متعلق بـ ((وجد)) أي بتعريفه المتقدم، وهو رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي. والحاصل: أنه قال: إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً، فرد عليه الناظم تبعًا للحافظ في شرح النخبة بقوله (لكن لم يجد) من الإجادة، يقال: أجاد الرجل إجادة: إذا أتى بالجيد من القول، أو الفعل. والمعنى أن ابن حبان لم يأت بكلام حسن في هذا الإنكار، قال الحافظ: إن أراد يعني ابن حبان بقوله: إن رواية اثنين عن اثنين إلخ، أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً فيمكن أن يسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين. اهـ (١). قلت: الذي يظهر لي من عبارة ابن حبان أنه أراد الوجه الأول فكلامه صحيح، وأما إرادة الوجه الثاني فبعيدة جدًّا لمنافاتها عبارته السابقة. فالحق عندي أنه لا معنى للاعتراض عليه والترديد المذكور في توجيه كلامه، فتأمل بإنصاف، ولا تتحير باعتساف (ولـ) لحافظ الفقيه العلامة صلاح الدين أبي سعيد خليل ابن كيكلدي العلائي بتخفيف الياء للوزن الشافعي، عالم بيت المقدس، المولود في ربيع الأول سنة ٦٩٤ كان إمامًا بارعًا محدثًا حافظًا متقناً جليلاً فقيهًا أصوليًّا نحويًّا، متفننًا في الحديث وعلومه علامة فيه، عارفًا بالرجال، علامة في المتون والأسانيد، لم يخلق بعده مثله، أخذ عنه العراقي، مات في ثالث محرم سنة ٧٦١ هـ (٢). والجار والمجرور خبر مقدم لقوله (جاء في المأثور) إلخ، لأنه محكي لقصد لفظه. = واعلم أن هذين البيتين، من أول قوله: ((ولابن حبان)) إلخ وقعا في الطبعة السابقة قبل قوله: ((خمس وسبعون رووا من كذبا)». والصواب: تأخيرهما إلى هذا الموضع، تبعًا لنسخة الشرح، ولأن قوله: ((خمس وسبعون)) إلخ أمثلة للمتواتر، فالمتعين أن تذكر عقبه ولا يفصل بينهما وبينه بشيء آخر. (١) شرح النخبة ص ٣٦ . (٢) انظر طبقات الحفاظ ص ٥٢٨، ٥٢٩ . ٢٢٨ شَرِجُ الْفِيَّةُ السُّيُوظِيّ - الاعتبار والمتابعات والشواهد ٢٠٨- الاعْتَبَارُ سَبْرُ مَا يَرْويه هَلْ شَارَكَ الرَّأَوِي سِوَهُ فيه؟ ٠ والمعنى: أنه قال: جاء في الحديث المأثور، أي المروي عن النبي ◌َّ- حديث (ذو وصفي العزيز والمشهور) أي صاحب الاتصاف بهذين الوصفين، يعني أن بعض الأحاديث يوصف بهما . ومثَّله بحديث: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) الحديث، ذكر أنه عزيز عن النبي وَّل، رواه عنه حذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وهو مشهور عن أبي هريرة، رواه عنه سبعة: أبو سلمة ابن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولئ أم برثن. (تنبيه): قال المحقق ابن شاكر: واعلم أن هذين البيتين من أول قوله: ولابن حبان إلخ وقعا في الطبعة السابقة قبل قوله: خمس وسبعون رووا من كذبا، والصواب تأخيرهما إلى هذا الموضع تبعًا لنسخة الشارح، ولأن قوله: خمس وسبعون إلخ، أمثلة للمتواتر، فالمعتمد أن تذكر عقبه، ولا يفصل بينها وبينه بشيء آخر. اهـ (١). (تتمة): الزيادة على العراقي قوله: رآه في البيت الثاني إلى قوله: حد تواتر وقوله: والغالب الضعف على الغريب، وقوله: ولا ترى غريب متن إلى آخر البيت الثالث، وقوله: وقوم حددوا إلى قوله: نضير. وقوله: والحوض، وقوله: ولابن حبان البيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما ذكر الغرابة في الباب السابق ذكر ما يزيلها، وهو المتابع، والشاهد، وما يوصل إليهما، وهو الاعتبار، فقال: الاعتبار، والمتابعات، والشواهد أي هذا مبحثها، وهي النوع الثامن والعشرون، والتاسع والعشرون، والثلاثون، هذا هو الظاهر من صنيعه، حيث جعل الاعتبار قسيمًا للآخرين، وتبع في ذلك ابن الصلاح وغيره، حيث قالوا: معرفة الاعتبار .... إلخ. واعترض الحافظ على هذه العبارة، فقال: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات، والشواهد، وليس كذلك، بل الاعتبار هي الهيئة الحاصلة، في الكشف عن (١) انظر تعليق أحمد شاكر ص ٥١ . ٢٢٩ - الجُزْءُ الأولُ ٢٠٩ - فَإِنْ يُشَاركْهُ الَّذي به اعْتُبرْ أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ : تَابِعٌ أُثِرْ ٢١٠- وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ ٢١١ - وَرَبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى (*) المتابعات والشواهد، وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول: ((معرفة الاعتبار للمتابعات، والشواهد)) اللهم إلا أن يراد شرح الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام الأئمة(١). والحاصل: أن الاعتبار ليس قسيمًا للتابع والشاهد، بل هو هيئة التوصل إليهما، كما أشار إلى ذلك بقوله : هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فيه الاعْتَبَارُ سَبْرُ مَا يَرْويه أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَسَوْقُ : تَابِعٌ أُثِرَّ فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ فَشَاهِدٌ ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَّدْ وَإنَّ يَكُنْ مَّتْنَّ بِمَعْنَاهُ وَّرَدْ مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى (١) انظر فتح المغيث ج ١ ص ٢٤١ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: تجد أهل الحديث يبحثون عما يرويه الراوي ليتعرفوا ما إذا كان قد انفرد به أو لا، وهذا البحث يسمى عندهم ((الاعتبار)) فإذا لم يجدوا ثقة رواه غيره كان الحديث ((فردًا مطلقًا)) أو ((غريبًا)) كما مضى. مثال ذلك: أن يروي حماد بن سلمة حديثًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌ِ ◌ّم فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أيوب؟ فإن وجد كان ذلك متابعة تامة . وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد: كان متابعة قاصرة. وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أبي هريرة غير ابن سيرين؟ فإن وجد: كان متابعة قاصرة. وإن لم يوجد فينظر: هل رواه صحابي آخر عن النبي عِنَّم غير أبي هريرة؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة أيضًا . وإن لم يوجد كان الحديث فردًا غريبًا؛ كحديث: ((أحبب حبيبك هونًا ما)) فإنه رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة بالإسناد السابق وقال: ((غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه)). قال المؤلف في التدريب: ((أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات)). = ٢٣٠ - شَرْعُ الغَيَّة الشَّيُوطِيّ - (الاعتبار) في اصطلاحهم مبتدأ خبره (سبر) بفتح السين المهملة، ثم موحدة ساكنة مصدر : سبرت الجرح سبرًا، من باب قتل: إذا تعرفت عمقه، وسبرت القوم سبراً، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: إذا تأملتهم واحدًا بعد واحد لتعرف عددهم أفاده في المصباح، أي اختبار وتتبع (ما) أي الحديث الذي (يرويه) بعض الرواة من الدواوين المبوبة، والمسندة، وغيرهما كالمعاجم، والمشيخات، والفوائد لينظر، ويعرف (هل شارك) ذلك (الرَّاوي) الذي يظن تفرده به (سواه) فاعل شارك والرَّاوي مفعوله مقدمًا، ويجوز العكس، أي غيره فيه أي رواية ذلك الحديث الذي ظن أنه فرد. والحاصل: أن الاعتبار هو أن يأتي الحافظ إلى حديث لبعض الرواة، فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث، أي تتبعها من الجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والمشيخات، والفوائد، والأجزاء ليعرف هل شاركه في رواية ذلك الحديث راوٍ غيره، أم لا؟ (فإن يشاركه) أي ذلك الذي ظن تفرده بذلك الحديث (الذي به) متعلق بـ (اعتبر) بالبناء للمفعول، فـ((الذي)) فاعل يشارك، ومعنى كونه معتبراً به أن يصلح أن يخرج حديثه = وإذا وجدنا الحديث غريبًا بهذه المثابة، ثم وجدنا حديثًا آخر بمعناه، كان الثاني شاهدًا للأول. قال الحافظ ابن حجر: ((قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل، مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد: ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله عل ◌ّم قال: ((الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأکملوا العدة ثلاثین)). فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه، لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)). لكن وجدنا للشافعي متابعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك، وهذه متابعة تامة. ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر بلفظ: ((فأكملوا ثلاثين)). وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((فاقدروا ثلاثين)). ووجدنا له شاهدًا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي عدّام، فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء. ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: ((فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وذلك شاهد بالمعنى. وظاهر صنيع ابن الصلاح والنووي يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد، وأنها أنواع ثلاثة. وقد تبين لك مما سبق أن الاعتبار ليس نوعًا بعينه، وإنما هو هيئة التوصل للنوعين: المتابعات والشواهد، وسبر طرق الحديث لمعرفتها فقط . ٢٣١ الجُزْءُ الأُولُ للاعتبار، والاستشهاد به، بأن كان ضعفه يسيرًا، بأن لا يتهم بكذب، وإنما ضعفه إما بسوء حفظه، أو غلطه، أو نحو ذلك. والمعنى: أنه إن وجد بعد السبر والتتبع من يشارك ذلك الراوي من الرواة المعتبر بهم، وهو من لم يكن شديد الضعف، ومن باب أولى إذا كان ثقة (أو شيخه) بالنصب عطفًا على المفعول به، أي أو يشارك الراوي المعتبر به شيخه في روايته عن شيخه، يعني أنه إذا لم يوجد من يشارك الراوي نفسه ينظر هل شارك شيخه في الرواية عن شيخه، فإن وجد، وإلا فينظر هل شارك من فوقه إلى آخر السند، كما قال: (أو) يشارك من (فوق) من الظروف المبينة على الضم لقطعها عن الإضافة ونية معناها، والظرف صلة لموصول محذوف، وهو جائز، كما في قول حسان (من الوافر): ويمدحه وينصره سواء أمن يهجو رسول الله منكم أي ومن يمدحه إلخ، أي من فوق شيخه، وهو شيخ شيخه، فصاعدًا إلى آخر السند، وقوله (تابع) خبر لمحذوف مع الرابط، والجملة جواب الشرط، أي فهو تابع أي ذلك المشارك يسمى تابعًا . وحاصل المعنى: أنه إذا وجد بعد الاعتبار من شارك ذلك الراوي، المظنون انفراده ممن يعتبر به في الرواية عن شيخه، أو كانت المشاركة لشيخه، أو لمن فوقه إلى آخر السند، فهذا يسمى تابعًا، وقوله (أثر) بالبناء للمفعول، أي نقل، صفة لـ ((تابع))، أي هو تابع منقول عن أهل الحديث فإنهم سموه بذلك. ثم إن كانت المتابعة للراوي نفسه، فهي المتابعة التامة، وإن كانت لشيخه، أو من فوقه فهي المتابعة القاصرة، وكلما بعد فيه المتابع كان أنقص. ثم إذا لم يوجد بعد السبر مشارك للراوي في رواية ذلك الحديث على الوجه المذكور ينظر هل أتى بمعناه حديث آخر، فإن وجد فهو الشاهد، وإليه أشار بقوله(وإن يكن متن) آخر في الباب، سواء كان عن ذلك الصحابي، أوعن غيره (بمعناه) صفة متن أي بمعنى ذلك الحديث المظنون تفرد الراوي به(ورد) خبر يكن، أي روي(فـ) هو شاهد جواب إن، أي یسمی شاهدًا لذلك. والمعنى: أنه إذا وجد حديث آخر بمعنى الحديث يسمى شاهدًا، وفهم من هذا أن التابع مختص بما كان باللفظ، سواء جاء من رواية ذلك الصحابي، أم من غيره، والشاهد مختص بما كان بالمعنى كذلك، وهذا محكي عن جماعة، كالبيهقي، ومن وافقه، والذي ٢٣٢ شَرِجُ الْفِيَة السَّيُوظِ رجحه الحافظ أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ، ولا في الشاهد على المعنى، وإنما افتراقهما بالصحابي فقط، فكل ما جاء عن ذلك الصحابي، فهو تابع، سواء كان باللفظ، أم بالمعنى، أو عن غيره فهو شاهد كذلك. أفاده السخاوي (١). ثم نوضح المذكور كله بذكر مثال تبعًا للنووي رحمه الله، حيث قال في التقريب: فمثال الاعتبار: أن يروي حماد بن سلمة مثلاً حديثًا لا يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر، فينظر هل رواه ثقة غير أيوب، عن ابن سيرين، فإن لم يوجد ثقة غيره، فغير ابن سيرين، عن أبي هريرة وإلا (٢) فصحابي غير أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ فأيُّ ذلك وجد عُلِمَ أن له أصلاً يُرجَع إليه، وإلا (٣) فلا . والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غيرُ ابن سيرين، أو عن النبي ◌َّلو صحابي آخر، فكل هذا يسمى متابعة، وتقصر عن الأولى بحسب بعدها منها، وتسمى المتابعة شاهداً. والشاهد: أن يروى حديث آخر بمعناه، ولا يسمى هذا متابعة. اهـ كلام النووي (٤). قال الناظم: فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ، سواء كان من رواة ذلك الصحابي، أم لا، والشاهد أعم، وقيل هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك وقال الحافظ : قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا، والأمر سهل. مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد ما رواه الشافعي في الأم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله مَ لآ قال: ((الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين)) فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه، لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: ((فإن غم عليكم فاقدروا له )) لكن وجدنا للشافعي متابعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه، عن مالك، وهذه متابعة تامة، ووجدنا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة (١) فتح ج ١ ص ٢٤٢. (٢) أي إن لم يوجد ثقة عن أبي هريرة غيره . (٣) أي وإن لم يوجد شيء من ذلك، فلا أصل له . (٤) ج ١ ص ٢١٤، ٢١٥ . - الجُزُءُ الأولُ ٢٣٣ · من رواية عاصم بن محمد، عن أبيه محمد بن زيد، عن جده عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، «فأكملوا ثلاثين)» وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ ((فاقدروا ثلاثين)). ووجدنا له شاهدًا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين، عن ابن عباس، عن النبي * فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر بلفظه سواء، ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ: ((فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)» وذلك شاهد بالمعنى. قاله في التدريب(١). ثم إذا لم يوجد بعد السبر لا تابع، ولا شاهد، فهو الفرد، كما ذكره بقوله (وفاقد) مبتدأ (ذين) مفعوله أي حديث فاقد لهذين المذكورين التابع والشاهد، وجملة قوله (انفرد) خبر المبتدأ، أي سمي بالفرد، لانفراده عن التابع، والشاهد، وحكمه ما سبق في الأفراد من التفصيل. مثاله حديث الذي رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه: ((أحبب حبيبك هونّا ما)) الحديث، قال الترمذي: غريب، لا نعرفه بهذا الإِسناد إلا من هذا الوجه، أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه الحسن ابن دينار، عن ابن سيرين، والحسن متروك، لا يصلح للمتابعات. ثم إن ما تقدم من تسمية ما كان باللفظ تابعًا، وما كان بالمعنى شاهدًا هو الغالب في الاستعمال، وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس، وإليه أشار بقوله (وربما) للتقليل (يدعى) بالبناء للمفعول، أي يسمى الحديث الذي روي بالمعنى أي معنى الحديث الذي ظن فرديته (متابعًا) مفعول ثان لـ ((يدعى)) والأول هو الموصول النائب عن الفاعل، والمعنى أنه قد يسمى الحديث المروي بالمعنى متابعًا وعكسه، أي عكس هذا الإطلاق، وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ مبتدأ خبره جملة قوله (قد) للتقليل أيضًا (يعني) بالبناء للمفعول أي يقصد بمعنى يستعمل، ويطلق. والمعنى: أن عكس ما تقدم، وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ قد يستعمل، فلا فرق بينهما إلا بغلبة الاستعمال، والأمر فيه سهل. ثم إن المراد من التابع والشاهد هو التقوية أفاده الحافظ . (١) ج ١ ص ٢١٦، ٢١٧ . ٢٣٤ يَرْجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِّ - (فائدتان): الأولى: أنه لا انحصار للمتابعة والشواهد في الثقة كما تقدم في قوله: «الذي به اعتبر » بل يدخل فيه رواية من لا يحتج بحديثه وحده، ولکن لیس کل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدار قطني وغيره: فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به، وإنما يدخلون الضعفاء في هذا؛ لكون الاعتماد على الأصل لا عليه، كما قال النووي في شرح مسلم. وقد يكون كلٌّ من المتابع والمتابع لا اعتماد عليهما لكن باجتماعهما تحصل القوة. أفاده السخاوي(١). الثانية: أن التتبع المذكور يكون من الجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والمشيخات، والفوائد، والأجزاء كما قاله ابن الصلاح. فالجوامع (٢) هي الكتب التي جمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه كالبخاري، أو على ترتيب الحروف الهجائية كما في جامع الأصول لابن الأثير، والمسانيد ما جمع فيها مسند كل صحابي على حدة، صحيحًا كان، أو ضعيفًا، والمعجم ما ذكرت فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان، أو غير ذلك، والغالب أن يكون مرتبًا على حروف الهجاء، والمشيخات بفتح الميم فسكون الشين وكسرها: هي الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم الراوي، وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم، والأجزاء ما دون فيها حديث شخص واحد، أو مادة واحدة من أحاديث جماعة . أفاده بعض المحققين. والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. ولما كان التابع، والشاهد، وعدمهما لا يطلع عليه إلا بتتبع وجمع الطرق والأبواب ناسب أن يذكر بعده زيادات الثقات، لأنها كذلك لا تعرف إلا بجمع الطرق، والأبواب، لكن الأنسب كما قال السخاوي (٣) تقديمها مع تعارض الوصل والإرسال. قال رحمه الله: (١) فتح ج ١ ص ٢٤١، ٢٤٣ . (٢) تقدم تفسير الجامع بأنه الذي جمع أقسام الحديث الثمانية وهو الأولى، لأن ما ألف على ترتيب أبواب الفقه يفسر بالسنن فتأمل . (٣) انظر الفتح ج ١ ص ٢٤٦ . ٢٣٥ - الجُزُءُ الأولُ زيادة الثقات ٢١٢ - وَفِ زِيَادَاتِ الشِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ ممَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ ٢١٣ - ثَالثُهَا: تُقْبَلُ لا ممَّنْ خَزَلْ (وَقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلس حَمَلْ زيادات الثقات أي هذا مبحثها، وهو النوع الحادي والثلاثون، وهو باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة، وهو من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين قاله المحقق ابن شاكر . فينبغي الاعتناء به، وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة لجمعه بين الفقه والحديث مشارًا إليه به بحيث قال تلميذه ابن حبان: ما رأيت على أديم(١) الأرض من يحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة زادها في الخبر الثقة حتى كأن السنن كلها نصب عينيه غيره. وكذا كان الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد، وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوريان وغيرهما من الأئمة كأبي نعيم(٢) بن عدي الجرجاني ممن اشتهر بمعرفة زيادات الألفاظ التي تستنبط منها الأحكام الفقهية في المتون. قاله السخاوي (٣). وقال الحافظ رحمه الله: والمراد بزيادات الألفاظ الفقهية الألفاظ التي يستنبط منها الأحكام الفقهية لا ما رواه الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدخل في المدرج لا في هذا، وإنما نبهت على هذا، وإن كان ظاهرًا لأن العلامة مغلطاي استشكل ذلك على ابن الصلاح. اهـ. كلام الحافظ (٤). قال رحمه الله: ممَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ وَفِي زِيَادَاتِ الشِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ وَّقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ ثَالثُهَا: تُقْبَلُ لا مِمَّنْ خَزَلْ (١) أديم الأرض بفتح الهمزة، وكسر الدال: ما ظهر منها. أفاده في ((ق)). (٢) وهو غير أبي أحمد بن عدي واسمه عبد الملك بن محمد بن عدي، ولد سنة ٢٣٢، ومات سنة ٣٢٣ هـ . (٣) فتح ج ١ ص ٢٤٦. (٤) النكت ج ٢ ص ٦٨٦ . ٢٣٦ شَرِجُ لَِّهُ الشَّيُوطِيّ ٢١٤ - بَعْضًا، أَو النِّسْيَانَ يَدَّعيه تُقَبَلْ، وَإِلاَّ يُتَوَقَّفْ فيه ٢١٥ - وَقِيلَ : إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدْ وَقِيلَ : فِيمَا إِنْ رَوَى كُلَأَّ عَدَدْ ٢١٦ - إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لا يَغْفُلُ عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَة لا تُقْبَلُ ٢١٧ - وَقِيلَ : لا ، إِذْ لا تُفيدُ حُكْمًا وَقِيلَ : خُذْمَا لَمْ تُغَيِّرْ نَظْمَا) ٢١٨ - وَأَبْنُ الصَّلاحِ قَالَ وَهْوَ الْمُعَتَمَدْ إِنْ خَالَفَتْ مَا للثِّقَاتِ فَهْيَ رَدْ ٢١٩- أَوْ لا، فَخُذْ تَلْكَ بِإِجْمَاعِ وَضَحْ أُوْخَالَفَ الإِطْلاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ (*) تُقْبَلْ، وَإلاَّ يُتَوَقَّفْ فيه بَعْضًا، أَو النِّسْيَانَ يَدَّعيه وَقِيلَ : فِيمًا إِنْ رَوَى كُلَّ عَدَدَّ وَقِيلَ : إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا ثَرَدْ عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَة لا تُقْبَلُ إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لا يَغْفُلُ وَقِيلَ : خُذْمَا لَمْ تُغَيِّرْ نَظَمَا وَقِيلَ : لا ، إذْ لا تُفيدُ حُكْمَا إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلِّقَاتِ فَهْيَ رَدْ وَأَبْنُ الصَّلَاحِ قَالَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدْ أَوْخَالَفَ الإِطْلاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ أَوْ لا، فَخُذْتِلْكَ بِجْمَاعِ وَضَحْ (وفي زيادات الثقات) أي العدول الضابطين من التابعين، فمن بعدهم، أي في حكم (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة، وهو من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين. فإذا روى العدل الثقة حديثًا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث: فالقول الصحيح الراجح: أن الزيادة مقبولة، سواء وقعت ممن رواه ناقصًا - كأن يروي الثقة الحديث مرة ناقصًا ومرة زائدًا - أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا . وهذا هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول . وقد عقد الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم في هذه المسألة فصلاً هامًا بالأدلة الدقيقة في كتابه («الإحكام في الأصول)» (ج ٢ ص ٩٠ - ٩٦). = - الجُزُءُ الأولُ ٢٣٧ زيادات الرواة الثقات على غيرهم متعلق بقوله (الخلف) بالضم، أي اختلاف العلماء من الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم، وهو مبتدأ خبره قوله (جم) بفتح، فتشديد، إلا أنه خفف للوزن، أي كثير، ذكر البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه عشرة أقوال، وزاد غيره عليها، وسيأتي تفصيلها. وقوله (ممن رواه) حال من زيادات، أي حال كون تلك الزيادات كائنة من نفس من روى الحديث حال كونه (ناقصًا)(١) بأن رواه مرة ناقصًا، ومرة مع تلك الزيادات (أو من أتم) عطف على من أي أو كائنة ممن أتم الحديث، أي رواه تامًّا، والمعنى أن تلك الزيادة وقعت من غير من نقصها، بأن رواه ثقتان أحدهما ناقصًا والآخر مع تلك الزيادة. وحاصل المعنى: أنه إذا روى الحافظ الثقة العدل حديثًا ما مرتين، ووقعت في إحدى روایتیه زیادة لم يروها هو في الرواية الأخرى. أو روى حافظان ثقتان عدلان حديثاً واحداً، ووقعت في رواية أحدهما لهذا الحديث زيادة لا يرويها الآخر، فقد اختلف العلماء فيها على أقوال فوق عشرة، ذكر بعضها في النظم: الأول: القبول مطلقًا، أي سواء وقعت ممن رواه ناقصًا، أم من غيره، وسواء كانت في = ومما قاله فيه: ((إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه)): فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا كلهم - أو يخصه به، وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكمًا لم يروه غيره، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذو فهم وذو ورع)). ثم قال: ((ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثًا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلاً أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ، وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيره أو لم يروه سواء، ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد، ولحق بمن أبى ذلك من المعتزلة، وتناقض في مذهبه، وانفراد العدل باللفظة کانفراده بالحدیث کله، ولا فرق». ثم إن في المسألة أقوالاً أخرى كثيرة أشار المؤلف إلى بعضها هنا، وذكرها في التدريب تفصيلاً، ولا نرى لشيء منها دليلاً يركز إليه. والحق ما قلنا. والحمد لله. نعم قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الراوي الثقة زيادة شاذة أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر الذي لا تبني عليه القواعد. (١) اسم فاعل من نقص المتعدي . ٢٣٨ شَرَجُ لَُّةُ السَّبُوطِيّ ◌ِ اللفظ، أو المعنى، تعلق بها حكم شرعي، أم لا، غيرت الحكم الثابت، أم لا، أوجبت نقض أحكام، ثبتت بخبر ليست هي فيه، أم لا، علم اتحاد المجلس أم لا، كثر الساكتون عنها، أم لا . وهذا القول كما حكاه الخطيب هو الذي مشي عليه الجمهور من الفقهاء، وأصحاب الحديث، كابن حبان، والحاكم، وجماعة من الأصوليين، والغزالي في المستصفى، وجرئ علیه النووي في مصنفاته، وهو تصرفات مسلم في صحيحه. وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان وصرح به أيضًا ابن عبد البر في التمهيد فقال: إنما تقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقن ممن قصر، أو مثله في الحفظ، وإلا فلا . ونحوه عن الخطيب، والترمذي، وأبي بكر الصيرفي، وقال ابن طاهر: إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه، وكذا قيد ابن الصباغ في العدة القبول بأن لا يكون واحداً، ومن نقص جماعة لا يجوز علیهم الوهم، ومجلس الحدیث واحد. واحتج من قبل الزيادة مطلقًا بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولاً، فكذلك انفراده بالزيادة، ورد هذا من لم يقبل بأنه ليس كل حديث انفرد به أي ثقة كان مقبولاً كما سبق في نوع الشاذ، وبالفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله، وبين تفرده بالزيادة، فإن تفرده بالحديث لا يتطرق نسبة السهو والغفلة إلى غيره من الثقات. إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة، إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا، وأكثر عددًا فإن الظن غالب بترجيح روايتهم على روايته. ومبني هذا الأمر على غلبة الظن قاله الصنعاني(١). والقول الثاني: أنها لا تقبل مطلقًا ممن رواه ناقصًا أو غيره، وهذا القول حكاه الخطيب، وابن الصباغ عن قوم من أصحاب الحديث، قال الحافظ: والذي اختاره الخطيب لنفسه أنها مقبولة إذا كان راويها عدلاً حافظًا ومتقنًا ضابطًا قال: وهذا متوسط بين المذهبين. اهـ(٢). وهذان القولان، أعني الأول، والثاني هما المطويان في قوله (ثالثها) أي الأقوال المفهومة من قوله الخلف وهو مبتدأ خبره قوله: (تقبل) بالبناء للمفعول، وتقدير أن المصدرية، أي ثالث الأقوال قبول تلك الزيادة (لا) عاطفة على محذوف، أي من غير من نقصها، لا (ممن خزل) أي نقص يقال: خزلته خزلا ، من باب قتل: قطعته، كما في المصباح. (١) توضيح ج ٢ ص ١٧ . (٢) انظر النكت ج ٢ ص ٦٩٣ . ٢٣٩ - الجُزْءُ الأولُ أي نقص الحديث، ومعنى الكلام أن الزيادة مقبولة من غير من روى الحديث ناقصًا، ولا تقبل ممن رواه ناقصًا. والحاصل: أن هذا القول مفصّل، وهو أنها تقبل من غير من رواه ناقصًا من الثقات، ولا تقبل إن زادها من رواه ناقصًا، وهو محكي عن فرقة من الشافعية، كما حكاه الخطيب. منهم أبو نصر القشيري، قال بعضهم: سواء كانت روايته للزيادة سابقة، أو لاحقة. ثم ذكر الرابع فقال: (وقيل) تقبل تلك الزيادة (إن في كل مجلس) متعلق بفعل محذوف يفسره قوله (حمل بعضًا) أي إن حمل من شيخه في مجلسين بأن ذكر أنه سمع ذلك الحديث مرتين، مرة مع الزيادة، ومرة بدونها (أو النسيان) أي نسيان تلك الزيادة في حال روايته ناقصًا، وهو منصوب على الاشتغال (يدعيه) بأن أثبت السماع في مجلس واحد، لكن قال: كنت نسيتها (تقبل) جواب إن أي تقبل تلك الزيادة في المسألتين، وكانا خبرين يعمل بهما وإلا أي تقبل تلك الزيادة في المسألتين، وكانا خبرين يعمل بهما وإلا أي وإن لم يذكر السماع في مجلسين، ولم يدع النسيان يتوقف جواب إن فيه أي فيما زاده، وذكر الضمير باعتبار المزيد أو باعتبار المذكور، يعني أنه يتوقف في قبول تلك الزيادة، والعمل بها للتعارض. وهذا القول لا بن الصباغ، وحاصله أنه ذهب إلى أن راوي الزيادة إن کان هو راوي الحديث بدونها قبلت زيادته بأحد شرطين الأول: أن يذكر أنه سمع الحديث مرتين، مرة معها، ومرة بدونها . والثاني: أن يذكر أن روايته الحديث بدونها وقعت منه لنسيانها، فإن لم يذكر واحدًا منهما تعارضت الروايتان، ووجب ترجيح إحداهما بأحد المرجحات. ثم ذكر القول الخامس بقوله: (وقيل) أي قال بعض العلماء (إن) شرطية (أكثر) أي الراوي (حذفها) أي الزيادة بأن كان أكثر روايته بدون الزيادة، وقوله (ترد) جواب (إن) وهو يحتمل الرفع، وهو حسن لكون الشرط فعلاً ماضيًا، والجزم هو أحسن منه، كما قال ابن مالك: وبعد ماض رفعك الجزا حسن وتخفف داله للوزن، أي: ترد تلك الزيادة. وحاصل هذا القول: أن العبرة بما يرويه أكثر، فإن كان مع الزيادة قبلت، وإلا لم تقبل، وإن تساوى الأمران قبلت، وهذا القول منقول عن المحصول للإمام الرازي. ٢٤٠ شَجَ الِفِيَةُ السَُّوطِي ثم أشار إلى السادس بقوله: (وقيل فيما) مصدرية (إن) زائدة كما صرح ابن هشام في ((مغني اللبيب)) بأنها تزاد بعد ما المصدرية (١) (روى كلاً) مفعول به مقدم على الفاعل، أي كلاً من الزيادة وعدمها (عدد) فاعل مؤخر، أي عدد من الرواة اثنان فأكثر، وما وصلتها في تأويل المصدر مجرور بفي، أي في رواية عدد من الرواة كلا من الزيادة وعدمها، والجار متعلق بـ ((قيل)) إن شرطية (كان من يحذفها) أي الراوي الذي يحذف تلك الزيادة لا يغفل من باب قعد، وحكى فيه بعضهم كفرح، والجملة خبر كان، والمعنى إن كان الراوي الذي يحذف الزيادة لا يذهل، ولا يسهو عن مثلها متعلق بـ((يغفل))، أي مثل الزيادة (في عادة) متعلق بـ ((يغفل)) أيضًا، يعني أن العادة تحيل أن يغفلوا عنها، لكونهم عددًا لا يتصور ذلك منهم، وقوله: (لا تقبل) جواب إن ، أي لا تقبل تلك الزيادة منهم، ولم يقترن الجواب بالفاء لكون النفي بـ ((لا))، فإنه يجوز اقترانه بها، وعدمه كما هو مقرر في محله، وهذا القول للآمدي، وابن الحاجب، وحاصله أنهما ذهبا إلى أنه إن كان الراوي بدون الزيادة عددًا لا يتصور منهم عادة أن يغفلوا عنها فإنها لا تقبل، سواء بلغ الرواة بدونها حد التواتر، أم لا، وهذا القول محكي أيضًا عن ابن الصباغ، وقال ابن السمعاني مثله، وزاد أن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله، واختاره في جمع الجوامع(٢). ثم أشار إلى السابع بقوله (وقيل: لا) أي لا تقبل الزيادة (إذ) ظرفية (لا تفيد) تلك الزيادة (حكمًا) شرعيًّا، يعني أنها لا تقبل وقت عدم إفادتها الحكم الشرعي، وإن أفادت قبلت، و (إذ) هنا لاستقبال، لأنها ترد على الأصح بقلة، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣٠) إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠، ٧١]، أفاده الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل. وهذا القول حكاه الخطيب عمن لم يعينهم، وحاصله أنهم قائلون بقبول الزيادة إذا أفادت حكمًا شرعيًّا، وكذا إذا كانت في اللفظ خاصة كما قال السخاوي. وإلا فلا تقبل. ثم أشار إلى الثامن بقوله (وقيل خذ) أي اقبل الزيادة (ما) مصدرية ظرفية (لم تغير) الزيادة (نظمًا) أي نظم الكلام، والمراد إعرابه. (١) انظر مغني اللبيب ج ١ بحاشية الأمير ص ٢٤ . (٢) ج ٢ ص ١٤١ .