Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
- الجُزْءُ الأولُ
وليس كذلك، فالصواب جعله مبتدأ خبره محذوف، أي: متصل فالأقوال الثلاثة لا تتأتى
هنا، وقوله: (ورجل) يحتمل الرفع، والنصب، والجر على حكاية الأحوال الثلاثة، أي:
حدثني رجل، أو سمعت رجلاً، أو عن رجل، وقوله: (من الصحاب) نعت له وهو
بالكسر جمع صاحب بمعنى صحابي.
والمعنى: أن قولهم: رجل من الصحابة، حکمه أنه متصل بلا خلاف، سوى ما يأتي
عن الصيرفي، وأما جعل البيهقي له من المرسل في سننه فحملوه على أن مراده مجرد
التسمية، فلا يجري عليه حكم الإرسال في نفي الاحتجاج به، كما صرح بذلك في القراءة
خلف الإِمام من معرفته، عقب حديث رواه عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من
الصحابة، فإنه قال: وهذا إسناد صحيح، وأصحاب النبي ◌َّ كلهم ثقات، فترك ذكر
أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. انتهى.
وبهذا القيد ونحوه يجاب عما توقف عن الاحتجاج به من ذلك لا لكونه لم يسم ولم
يصرح به، بل لوجود معارض، ويتأيد كون مثل ذلك حجة بما روى البخاري عن الحميدي
قال: إذا صح الإسناد إلى رجل من الصحابة فهو حجة وإن لم يسم، وكذا قال الأثرم:
قلت لأحمد: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من الصحابة، ولم يسمه فالحديث
صحيح؟ قال: نعم. قاله السخاوي رحمه الله(١).
ولما قيد الصير في المسألة بالسماع ذكر ذلك بقوله: (وأبى) يقال أبى الشيء يأباه،
ويأبيه، إباء، وإباءة، بكسرهما: كرهه. اهـ. ((ق)) أي: كره قبول ما أبهم فيه الصحابي
= وقال الأثرم: ((قلت لأحمد بن حنبل: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمه فالحديث
صحيح؟ قال: نعم)).
وهذا النوع الأخير - أعني: ما فيه إيهام الصحابي - سماه البيهقي مرسلاً .
قال العلائي: ((وليس بجيد، اللهم إلا إن كان يسميه مرسلاً ويجعله حجة كمراسيل الصحابة، فهو قریب)).
وقيد الصيرفي هذا النوع بما إذا صرح التابعي بالسماع من الصحابي المبهم، وأبى أن يحتج بالمعنعن، واختاره
المؤلف هنا، ولكن هذا القيد غير جيد عندي؛ لأنه يرجع إلى حكم المعنعن، فإن كان الراوي معروفًا
بالتدليس أو لم يعاصر من روى عنه كانت روايته منقطعة، فكذا ما هنا، وإن كان الراوي غير مدلس وقد
عاصر من روى عنه كانت روايته بالعنعنة محكومًا باتصالها ومحتجًّا بها، كما سيأتي في أحكام المعنعن.
وأما كتب النبي عَ لَّام التي لم يسم حاملها فإن الأكثرين على أنها متصلة، وبعضهم جعلها مرسلة.
والعِبرة في هذا بتحقيق ثبوت نسبتها إليه.
(١) فتح ج ١ ص ١٧٧، ١٧٨ .

١٤٢
شَرْجُ الْفِيَةُ التَّيُوَطَيِّ : -
١٥٠ - وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالأَتِّصَال
مِنْ ثقَة لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ
٠٠
الإِمام البارع المتفنن أبو بكر محمد بن عبد الله (الصيرفي) البغدادي الشافعي كان فهمًا عالمًا
له تصانيف في أصول الفقه وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، لكنه لم يرو
كبير شيء، وتوفي يوم الخميس لثمانٍ بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٣٣٠ هـ.
(معنعنًا) حال من مفعول أبى، أو هو مفعول أبى ، أي: قبول ما ذكر حال كونه
معنعناً، أو قبول ما روي بعن، وما أشبه ذلك، مما لم يصرح بالتحديث فيه ونحوه.
وحاصل كلام الصيرفي: أنه يقبل ما أبهم فيه الصحابي بشرط أن يصرح التابعي
بالتحديث ونحوه، وأما إذا قال: عن رجل من الصحابة، وما أشبه ذلك، فلا يقبل، قال:
لأني لا أعلم أسمع ذلك التابعي منه، أم لا؟ إذ قد يحدث التابعي عن رجل، وعن رجلين
عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت إمكانه فيه لجعلته
كمدرك العصر. قال العراقي: وهو حسن متجه وكلام من أطلق محمول عليه. اهـ(١).
قال الناظم مرجحًا تفصيل الصيرفي المذكور، تبعًا للعراقي: (وليجتبي) بالبناء للمفعول،
واللام لام الأمر، والفعل مجزومًا، والألف الموجودة إشباع، أو على لغة من يحذف الحركة
المقدرة، أي ليختر هذا التفصيل لحسنه، وتوقف الحافظ في هذا لأن التابعي إذا كان سالمًا من
التدليس حملت عنعنته على السماع، وهو ظاهر، قال ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار
التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم
عن التابعين فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في
ذلك، إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام. والله أعلم (٢).
(تنبيه) هذه الرواية أعني وأبى الصير في إلخ بالواو العاطفة والصير في فاعل أبي
ومعنعنا مفعول، أو حال من مفعوله هي نسخة المحقق، وهي واضحة المعنى، والتركيب.
وفي نسخة الشارح تصحيف عجيب، وأعجب منه شرحه، فانظره ترى العجب.
نسأل الله أن يلهمنا الصواب.
ثم ذكر حكم ما إذا تعارض الوصل والإِرسال، أو الرفع والوقف بقوله :
مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ
وَقَدِِّ الرَّفْعَ كَالأَتِّصَالِ
(١) التقييد والإيضاح ص ٥٨ .
(٢) انظر النكت ج ٢ ص ٥٦٢، ٥٦٣ ونقلته بتصرف.

١٤٣
الجُزُءُ الأولُ
-
١٥١ - وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ،
وَقِيلَ : قَدِّمْ أَحْفَظًا وَالأَشْهَرُ
١٥٢ - عَلَيْه لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي
أَهْلِيَةِ الْوَاَصلِ وَالَّذِي يَفِي
وَقِيلَ : قَدِّمْ أَحْفَظًا وَالأَشْهَرُ
وَقِيلَ: عَكْسُهُ ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ،
أَهْلِيَةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي
عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي
(وقدم) أيها المحدث الطالب لأرجح الأقوال، ويحتمل أن يكون فعلاً ماضيًا مغير
الصيغة، وقوله: (الرفع) بالنصب مفعول به على الأول، أو بالرفع نائب فاعل على
الثاني، أي: قدم رواية الرفع على رواية الوقف إذا تعارضًّا، بأن رفع الحدیث بعض
الثقات، ووقفه بعضهم؛ لأن راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيًا فإن المثبت مقدم
عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه (كالاتصال) أي: كما يتقدم الاتصال إذا تعارض مع
الإِرسال، بأن وصله بعض الثقات وأرسله بعضهم، لما قدمنا.
(من ثقة) حال من الرفع والاتصال، أي: حال كونهما صادرين من ثقة ضابط، سواء
كان المخالف له واحدًا أو جماعة، أحفظ أو لا؟ وقوله: (للوقف) راجع للرفع واللام بمعنى
على، أو عليه (والإرسال) أي: عليه راجع للاتصال.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرفوعًا، وبعضهم
موقوفًا، أو بعضهم موصولاً، وبعضهم مرسلاً ففيه أربعة أقوال للعلماء:
الأول: وهو الصحيح عند أهل الحديث، والفقه، والأصول ما ذكره في هذا البيت،
وهو أن الحكم لمن رفعه أو وصله سواء كان المخالف له مثله في الحفظ والإتقان أو أكثر منه،
لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة.
وقد سئل البخاري عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» وهو حديث اختلف فيه على
أبي إسحاق السبيعي، فرواه شعبة والثوري عنه، عن أبي بردة، عن النبي ◌َّ مرسلاً،
ورواه إسرائيل بن يونس في آخرين، عن جده أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى
متصلاً، فحكم البخاري لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، هذا مع أن من أرسله
شعبة وسفيان، وهما جبلان في الحفظ والإتقان.
والقول الثاني: أن الحكم لمن وقف وأرسل، وإليه أشار بقوله وقيل: (عكسه) أي: المعتبر
عكس هذا الحكم، وهو تقديم الوقف والإرسال، قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين.

١٤٤
شَرَجُ نُنَةُ الشَّيُوطِى -
والقول الثالث: ما أشار إليه بقوله: (وقيل الأكثر) أي يقدم ما قاله الأكثر، من وقف
أو رفع، ووصل أو إرسال، وهذا القول نقله الحاكم في المدخل على أئمة الحديث؛ لأن
تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد.
والقول الرابع: ما أشار إليه بقوله: (وقيل قدم) فعل أمر من التقديم (أحفظًا) بالصرف
للوزن مفعول قدم، أي: ما قاله الأحفظ من رفع ووقف، أو وصل وإرسال، فهذه أربعة
أقوال في المسألة ذُكرت في النظم.
قال السخاوي رحمه الله: وبقي في المسألة قول خامس، وهو التساوي، قاله السبكي.
ومحل هذه الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح كما أشار إليه الحافظ، ومن تتبع آثار متقدمي
هذا الفن كابن مهدي، والقطان، والبخاري، وأحمد يظهر له أنهم لم يحكموا في هذه
المسألة بحكم كلي، بل جعلوا المعول في ذلك على المرجح، فمتی وجد كان الحكم له،
ولذلك تراهم يرجحون تارة الوصل، وتارة الإرسال، كما يرجحون تارة عدد الذوات على
الصفات، وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك، والحديث المذكور يعني
حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) لم يحكم له البخاري بالوصل لمجرد أن الواصل معه زيادة، بل
لما انضم لذلك من قرائن رجحته، ککون یونس بن أبي إسحاق، وابنیه إسرائیل، وعيسى،
رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم، لا سيما
وإسرائيل قال فيه ابن مهدي: إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد. ولذا قال
الدار قطني: يشبه أن يكون القول قوله. ووافقهم على الوصل عشرة من أصحاب أبي
إسحاق، ممن سمعه من لفظه، واختلفت مجالسهم في الأخذ عنه، وأما شعبة، والثوري
فكان أخذهما له عنه عرضًا في مجلس واحد. اهـ. كلام السخاوي بتصرف (١).
ثم إن مشينا على القول الأخير من أن المعتبر الأحفظ، فهل يقدح ذلك في أهلية غيره؟
فيه اختلاف، أشار إليه بقوله: (والأشهر) من قولي العلماء (عليه) أي: إذا مشينا على
القول الرابع، وكذا الثالث، كما أفاده في التنقيح، أنه (لا يقدح) أي: لا يجرح (هذا)
إشارة إلى ما ذكر من الوقف والإرسال (منه) أي: من الأحفظ (في أهلية الواصل) أي:
والرافع. يعني: أن ما ذكر من الوقف والإرسال إذا قدم الأحفظ فيه على غيره لا يلزم منه
القدح في عدالة من رفع، أو وصل، وضبطه إذا لم تكثر المخالفة، فقوله: الأشهر مبتدأ
(١) فتح ج ١ ص ٢٠٢، ٢٠٣.

١٤٥
الجُزْءُ الأُولُ
-
١٥٣ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِد تَعَارَضَا
فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى (*)
خبره جملة لا يقدح، وقوله: هذا فاعل يقدح، وقوله: منه حال من اسم الإشارة، أي:
حال كونه كائنًا من الأحفظ، وقوله: في أهلية الواصل متعلق بـ (يقدح)) (و) لا يقدح أيضًا
في الحديث (الذي يفي) بسنده، يعني الحديث الذي يرويه مسندًا، والمراد جنس الحديث
الذي رواه بسنده، لا الحديث المختلف فيه الذي هو محل النزاع، فإنه يقدح فيه بلا شك.
ثم إن قوله: والذي يفي تأكيد لما قبله، وإلا فقد يقال: إن التصريح بعدم القدح في عدالة
الراوي، وضبطه يغني عن التصريح بعدم القدح في مرويه، لا ستلزامهما ذلك غالبًا .
فإن قيل: كيف اجتمع الرد لمسنده هذا مع عدم القدح في عدالته، فالجواب أن الردَّ
للاحتياط، وعدم القدح فيه لإمكان إصابته، ووهم الأحفظ، وعلى تقدير تحقق خطئه مرة
لا يكون مجروحاً به كما صرح به الدار قطني أفاده السخاوي رحمه الله (١).
ومقابل الأشهر: قول من قال: إن ذلك يقدح، وعبارة ابن الصلاح: ومنهم من قال:
من أسند حديثًا قد أرسله الحفاظ، فإرسالهم له يقدح في مسنده وعدالته وأهلیته.
هذا كله فيما إذا كان التعارض من أكثر من واحد. فأما إذا كان من واحد فحكمه ما
أشار إليه بقوله:
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى
(١) فتح ج ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قد يروي الثقات الحديث الواحد من طريق واحد ثم يختلفون فيه: فبعضهم
يرويه مرسلاً وبعضهم موصولاً، أو يرويه بعضهم مرفوعًا وبعضهم موقوفًا.
فالقول الراجح في هذا، وهو الصحيح عند المحدثين والفقهاء والأصوليين: أن تقدم الرواية التي فيها الزيادة،
من الوصل والرفع لأن الزيادة من الثقة واجب قبولها، إذ إنه حفظ ما غاب عن غيره، ومن حفظ حجة على
من لم يحفظ .
وذهب بعضهم إلى تقديم الوقف والإرسال.
وذهب بعضهم إلى تقديم رواية الأكثر، كأن يرسله أو يقفه اثنان أو ثلاثة من الثقات ويصله أو يرفعه واحد.
وقيل: يقدم الأحفظ .
وهذه الأقوال ضعيفة، والصحيح الأول كما قلنا.
وعلى القول الأخير - قول من رأى تقديم الأحفظ - لا تقدح رواية الأحفظ في ضبطه الذي خالفه وفي
حفظه على القول الأشهر، وذهب بعضهم إلى أن ذلك قادح فيه، وهو ضعيف جدًّا.
وإذا روى الراوي الحديث واختلف على نفسه:
فرواه مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا.
=

١٤٦
يَرْجُ الفِيَةُ الشَّيُوطِيّ -
وإن يكن من راوٍ واحد تعارضا كل من الرفع والوقف، والوصل والإِرسال، فاسم يكن
ضمير الشأن، وقوله: من واحد متعلق بتعارض وهو فعل ماضٍ، والألف إطلاقية، والفاعل
ضمير يعود على المذكور من الرفع والوقف، والوصل والإِرسال، أي: إن يكن هو، أي الشأن
تعارض المذكور من الرفع والوقف، والوصل والإرسال (فاحكم) أيها المحدث. والجملة جواب
إن له أي لهذا المتعارض في المرتضى أي في القول المرضي الذي عليه الجمهور، وصرح ابن
الصلاح بتصحيحه (بما مضى) أي بالحكم الذي مرَّ قريبًا، وهو الحكم للرفع والوصل، فقوله له
والجاران بعده تتعلق بـ (احكم)، أو قوله في المرتضى خبر لمحذوف، أي ذلك في المرتضى. وفي
نسخة المحقق بالمرتضى بالباء بدل في، وعليها فالباء بمعنى في، ولو قال بدل هذا البيت:
فاحكم بما مضى بقول المهتدي
وإن يكن تعارض من واحد
لکان أوضح وخلا من التعقيد.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا وقع التعارض المذكور من راوٍ واحد بأن رواه مرة مرفوعًا
أو متصلاً، ومرة موقوفًا أو مرسلاً، فالذي عليه الجمهور وصححه ابن الصلاح أن الحكم
للرفع والوصل؛ لأن معه في حالة الرفع والوصل زيادة. قاله العراقي، هذا هو الراجح
عند أهل الحديث.
ومقابله قول من قال من الأصوليين: إن الاعتبار في المسألتين بما وقع منه أكثر، قال
السخاوي: وزعم بعضهم أن الراجح من قول المحدثين في كليهما التعارض، ونقل
الماوردي عن الشافعي رحمه الله: أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي، والمسند على
أنه روايته، يعني فلا تعارض.
لكن خص الحافظ هذا بأحاديث الأحكام، أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر،
ومحل الخلاف إذا اتحد السند، وأما إذا اختلف فلا يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة
جزمًا، كرواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: إذا اختلطوا
فإنما هو التكبير، والإِشارة بالرأس الحديث في صلاة الخوف ورواه ابن جريج أيضًا، عن
= أو مرة موصولاً ومرة مرسلاً .
فحكمه حكم ما إذا اختلف الراويان.
والخلاف فيه كالخلاف في ذاك، والصحيح تقديم الرواية الزائدة، إذ قد ينشط الشيخ فيأتي بالحديث على
وجهه، وقد يعرض له ما يدعوه إلى وقفه أو إرساله لمناسبة خاصة.
فلا يقدح النقص في الزيادة.

١٤٧
- الجُزْءُ الأولُ
المعلق
١٥٤ - مَا أَوَّلُ الإسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ
- وَلَوْ إِلَى آخرِهِ - مُعَلَّقُ
٠٠
ابن كثير، عن مجاهد من قوله: فلا يعدوا ذلك علة لاختلاف السندين فيه، بل المرفوع في
صحيح البخاري.
وللحافظ ((بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل)).
((ومزيد النفع، لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع)). اهـ. كلام السخاوي باختصار
وتغيير (١) .
(تتمة): الزيادة في هذا الباب قوله: في البيت الثاني الثلاثة وفي البيت الخامس أو قول
صاحب، أو الجمهور، أو قيس ــ وفي السابع: كنهي بيع اللحم إلخ ــ وفي الثامن:
((كسامع في كفره)) إلى آخر البيت التاسع، وفي العاشر: ((متصل)) ثم البيتان بعده. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ولما أنهى الكلام في المرسل شرع يبين المعلق، فقال:
المعلق
أي: هذا مبحثه، وهو النوع الثاني عشر من أنواع الحديث.
واعلم أن ابن الصلاح، وتبعه النووي فرَّق أحكام المعلق، فذكر بعضها هنا، وهو
حقيقته وبعضها في نوع الصحيح، وهو حكمه، وأحسن من صنيعهما صنيع العراقي إذ
جمعها في موضع واحد في نوع الصحيح، وأحسن من ذلك صنيع الناظم تبعًا لابن
جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا كما أفاده في التدريب(٢) .
قلت: والمناسبة بينه وبين المرسل ظاهرة، إذ في كل منهما حذف من السند. ولما كان
المرسل يحتج به أكثر الأئمة الأربعة بخلاف المعلق كان أحق بالتقديم.
مَا أَوَّلُ الإسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ - وَلَوْ إلَى آخره - مُعَلَّقُ
(ما) موصولة مبتدأ، أي الحديث الذي (أول الإسناد) من جهة الراوي، كشيخه، فمن فوقه،
وهو مبتدأ (منه) أي من ذلك الحديث متعلق بـ (يطلق) بالبناء للمفعول، أي يحذف، ويسقط، من
قولهم: أطلقت الأسير: إذا حللت أسره، وخليت عنه، والجملة خبر المبتدإ، والجملة صلة ما.
(١) فتح ج ١ ص ٢٠٦، ٢٠٧ .
(٢) تدريب ج ١ ص ١٩٣، ١٩٤ .

١٤٨
شَرْع الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ -
والمعنى: أن ما حذف من أول سنده شيء من رواته، سواء كان الساقط واحدًا، أم
أكثر، ولو لم يبق من رواته أحد، كما أشار إليه بقوله (ولو إلى آخره) أي ولو كان الحذف
من أول السند إلى آخره، بأن اقتصر على الرسول وَل في المرفوع، وعلى الصحابي في
الموقوف (معلق) خبر ((ما)) أي فهذا النوع يسمى معلقًا، أخذًا من تعليق الجدار والطلاق
ونحوه، لما يشترك فيه الجميع من قطع الاتصال، قال السخاوي: واستبعد شيخنا - يعني
الحافظ ابن حجر - أخذه من تعليق الجدار، وأنه من تعليق الطلاق وغيره أقرب، وشيخه
البلقيني على خلافه. اهـ(١).
فقوله: أول الإسناد، أخرج المرسل.
وقال الحافظ: وبينه وبين المعضل عموم وخصوص من وجه، فمن حيث تعريف
المعضل بأنه ما سقط منه اثنان، فصاعدًا، يجتمع مع بعض صور المعلق، ومن حيث تقیید
المعلق بأنه من تصرف المصنف من مبادئ السند يفترق منه، إذ هو أعم من ذلك. اهـ.
وحاصله: أنك إذا حذفت اثنين من أول السند يقال له معضل لحذف اثنين، ويقال له
معلق لأنك حذفت أول السند، وينفرد المعضل بحذف اثنين من وسط السند.
وينفرد المعلق فيما إذا حذف من أول السند واحد فقط، قال السخاوي رحمه الله:
وهل يلتحق بالمعلق ما يحذف فيه جميع الإِسناد مع عدم الإضافة لقائل، كقول البخاري
في صحيحه: وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل وكانت فقيهة، وهو عنده
في تاريخه الصغير، وعند غيره عن مكحول؟ الظاهر نعم. اهـ(٢).
وقال النووي في التقريب: ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم، كُيُروى عن
فلان كذا، ويقال عنه، ویذکر ویحکئ، وشبهها، بل خصوا به صيغة الجزم، كقال،
وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى. قاله ابن الصلاح.
وقال العراقي: وقد استعمله غير واحد من المتأخرين في غير المجزوم به، ومنهم الحافظ
أبو الحجاج المزي حيث أورد في الأطراف ما في البخاري من ذلك معلمًا عليه علامة التعليق.
قال في التدريب: بل النووي رحمه الله استعمله حيث أورد في الرياض حديث عائشة («أمرنا أن
ننزل الناس منازلهم))، قال: ذكره مسلم في صحيحه تعليقًا، فقال: وذكر عن عائشة (٣).
(١) فتح ج ١ ص ٦٣، ٦٤ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) تدريب ج ١ ص ١٩٢ .

١٤٩
الجُزُءُ الأولُ
-
١٥٥ - وَفِي الصِّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي
أُنِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذٍ
١٥٦- صحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنَّهُ
وَغَيْرَهُ ضَعَّفْ وَلَا تُوهِنْهُ
ثم إن حكم المعلق من غير ملتزمي الصحة الضعف للجهل بحال الساقط، إلا أن
يجيء مسمّى من وجه آخر، وأما إذا أتى من ملتزمي الصحة فقد ذكره بقوله:
أُنِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذ
وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ ، فَالَّذِي (١)
وَغَيْرَّهُ ضَعَّفْ وَلاَ تُوهِنْهُ
صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافَ عَنْهُ
(وفي الصحيح) أي صحيح البخاري لأنه المراد عند الإطلاق، متعلق ((بكثير)) (ذا) أي
التعليق، مبتدأ خبره قوله (کثیر) وقدم تقدم عند قوله:
ألفان والربع بلا تكرير
وعدة الأول بالتحرير
وفيهما التكرار جمَّا واف
ومسلم أربعة الآلاف
عدة معلقات البخاري، وأما مسلم: فله موضع واحد في التيمم فقط، وما سواه من
التعليقات فهو يذكره بعد ذكره موصولاً للاستشهاد (فالذي) الفاء فصيحية، والذي مبتدأ،
أي: إذا عرفت أن معلقات البخاري كثيرة، وأردت بيان حكمها، فأقول لك: المعلق الذي
(أتى به) أي المعلق، وفاعله ضمير يعود إلى الصحيح مجازًا؛ لأن الآتي هو صاحب
الصحيح، ويحتمل أن يكون ((أتى)) بصيغة المجهول، ونائب فاعله الجار والمجرور (بصيغة)
أي صورة (الجزم) والصيغة: أصلها الواو، مثل القيمة، وأصل الصيغة العمل والتقدير،
وهذا صوغ هذا: إذا كان على قدره، وصيغة القول كذا، أي مثاله، وصورته على التشبيه
بالعمل والتقدير، أفاده في المصباح، وأراد هنا صورة الجزم، كقال، وفعل، وأمر، وذكر
فلان. وخبر المبتدإ، جملة قوله: (خذ) أيها المحدث (صحته) أي: صحة ما أتى به مجزومًا
(عن المضاف عنه) أي: عن الشخص الذي أضيف الحديث إليه، فـ ((عن)) الأولى صلة
صحته، و((عن)) الثانية بمعنى إلى صلة المضاف.
وحاصل المعنى: أن ما في الصحيح من التعاليق بصيغة الجزم، كالأمثلة المتقدمة فهو
محکوم بصحته عن المضاف إليه؛ لأنه لا یستجیز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه.
وإنما قيد بقوله: عن المضاف إليه؛ لأنه لا يحكم بصحة الحديث مطلقًا، بل يتوقف على
(١) وفي نسخة المحقق والذي بالواو .

١٥٠
شِرْع الْغَة الشَّيُوطِىّ -
النظر فيمن أبرز من رجاله وذلك أقسام:
أحدها: ما يلتحق بشرطه، والسبب في عدم إيصاله إما الاستغناء بغيره عنه مع إفادة
الإِشارة إليه، وعدم إهماله بإيراده، معلقًا اختصارًا، وإما كونه لم يسمعه من شيخه، أو
سمعه مذاكرة، أو شك في سماعه فما رأى أن يسوقه مساق الأصول.
ومن أمثلته قوله في الو کالة: قال عثمان بن الھیثم: حدثنا عوف، حدثنا محمد بن سیرین،
عن أبي هريرة، قال: ((وكلني رسول الله وَ ل بزكاة رمضان)) الحديث، وأورده في فضائل
القرآن، وذكر إبليس، ولم يقل في موضع منها: حدثنا عثمان، فالظاهر عدم سماعه له منه.
الثاني: ما لا يلتحق بشرطه، ولكن صحيح على شرط غيره، كقوله في الطهارة:
وقالت عائشة: «وكان النبي ټ يذكر الله على كل أحيانه)) أخرجه مسلم في صحيحه.
الثالث: ما هو حسن صالح للحجية، کقوله فیه: وقال بهز بن حکیم، عن أبيه، عن
جده: ((الله أحق أن يستحي منه)) وهو حديث حسن مشهور أخرجه أصحاب السنن.
الرابع: ما هو ضعيف لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده
كقوله في الزكاة: قال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ((ائتوني بعرض ثياب)) الحديث
فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوسًا لم يسمع من معاذ. اهـ. تدريب باختصار(١).
(وغيره) مفعول مقدم لضعف، أي غير ما أتى به بصيغة الجزم بأن أتى به بصيغة
التمريض، كيروى، ويذكر، ويحكى، وذكر وحكي عن فلان، أو في الباب عنه وَّله
كما قال ابن الصلاح ضعف أي: أحكم بضعفه عن المضاف إليه، قال ابن الصلاح: لأن
مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضًا، وأشار بقوله: أيضًا، إلى أنه ربما
يورد ذلك فيما هو صحيح، إما لكونه رواه بالمعنى، كقوله في الطب: ويذكر عن ابن
عباس، عن النبي ◌َّ في الرقي بفاتحة الكتاب، فإنه أسنده في موضع آخر، أو ليس على
شرطه كقوله في الصلاة: ويذكر عن عبد الله بن السائب، قال: ((قرأ النبي ◌َّ (المؤمنون)
في صلاة الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أخذته سعلة، فركع )) وهو صحيح
أخرجه مسلم، إلا أن البخاري لم يخرج لبعض رواته.
أو لكونه ضم إليه ما لم يصح، فأتى بصيغة تستعمل فيهما كقوله في الطلاق: ويذكر
عن علي بن أبي طالب، وابن المسيب، وذكر نحواً من ثلاثة وعشرين تابعیًّا، وقد يورده
(١) ج ١ ص ٩٧، ٩٨ .

١٥١
-
الجُزْءُ الأولْ
أيضًا في الحسن كقوله في البيوع: ويذكر عن عثمان بن عفان أن النبي ◌َّ قال له: ((إذا بعت
فكل، وإذا ابتعت فاكتل)) رواه الدار قطني من طريق عبيد الله بن المغيرة، وهو صدوق، عن
منقذ مولى عثمان، وقد وُثق، عن عثمان، وتابعه سعيد بن المسيب، ومن طريقه أخرجه
أحمد في المسند، إلا أن في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث
عطاء، عن عثمان، وفيه انقطاع، والحديث حسن لما عضده من ذلك.
ومن الأمثلة: ما أورده من ذلك وهو ضعيف قوله في الوصايا: ويذكر عن النبي ◌َّ:
((أنه قضى بالدين قبل الوصية)) وقد رواه الترمذي موصولاً من طريق الحارث الأعور، عن
على، والحارث ضعيف.
وقوله في الصلاة: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه)) وقال عقبه:
ولم يصح، وهذه عادته في ضعيف لا عاضد له من موافقة إجماع أو نحوه على أنه فيه
قليل جدًّا، والحديث أخرجه أبو داود من طريق الليث بن أبي سليم، عن الحجاج بن
عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة، وليث ضعيف، وإبراهيم لا يعرف، وقد
اختلف عليه فيه. أفاده في التدريب(١).
ثم إن إيراد صاحب الصحيح للمعلق الضعيف كذلك في أثناء صحيحه مشعر بصحة
الأصل له إشعاراً يؤنس ويركن إليه، فلا ينبغي أن نحكم بكونه واهيًا، كما أشار إليه بقوله
(ولا) ناهية (توهنه) مضارع أوهنته إذا أضعفته، وفي نسخة الشارح (تهنه) مضارع (وهنته)
ثلاثيًّا، يقال: وهنته من باب وعدته: إذا أضعفته، ولكن الأجود أن يتعدى بالهمز كما في
النسخة الأولى أفاده في المصباح، أي لا تحكم على ما أورده بصيغة التمريض بأنه واهن
ساقط جدًّا، لإدخاله إياه في الكتاب الموسوم بالصحيح.
(تنبيهان): الأول: قال ابن الصلاح: إذا تقرر حكم التعاليق المذكورة فقول البخاري:
ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وقول الحافظ أبي نصر السجزي: أجمع الفقهاء وغيرهم
أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحیح قاله رسول الله ێ، لا شك
فیه، لم يحنث، محمول على مقاصد الكتاب وموضوعه، ومتون الأبواب المسندة، دون
التراجم ونحوها. قاله في التدريب (٢).
(١) ج ١ ص ١٠٠، ١٠١.
(٢) انظر ج ١ ص ١٠١، ١٠٢ .

١٥٢
الثاني: حاصل ما تقدم في تعاليق البخاري أنها على قسمين على ما حققه الحافظ في
هدي الساري، الأول: المعلق بصيغة الجزم، وينقسم إلى صحيح على شرطه وهذا في
الحقيقة معلق صورة لا حقيقة، وإلى حسن تقوم به الحجة، وإلى ضعيف بسبب انقطاع
يسير. والثاني: ما علقه بصيغة التمريض، فإنه قسمه إلى خمسة أقسام صحيح على
شرطه، صحيح على شرط غيره جزمًا، لا إمكانًا، ضعيف غير منجبر، ضعيف منجبر،
فهذه خمسة أقسام، هذا مجمل ما في الهدي .
قال الصنعاني: إذا عرفت هذا عرفت أن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على المروي منها
بشيء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص، عن حال ما علقه.
وقد بين الحافظ رحمه الله مجمل ما في الهدي في نكته على ابن الصلاح فقال:
الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه: منها ما يوجد في محل
آخر من كتابه موصولاً، ومنها ما لا يوجد إلا معلقًا، فأما الأول: فالسبب في تعليقه أن
البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئًا إلا لفائدة، وإذا كان المتن يشتمل على
أحكام كرره في الأبواب بحسبها، أو قطعه في الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من
الجملة الأخرى، ومع ذلك لا يكرر الإِسناد بل يغاير بين رجاله إما بشيوخه، أو بشيوخ
شيوخه، أو نحو ذلك، فإذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد، واشتمل
على أحكام، واحتاج إلى تكريرها، فإنه والحالة هذه، إما أن يختصر المتن، أو يختصر
الإسناد، وهذا أحد الأسباب في تعليقه للحديث الذي وصله في موضع آخر .
وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقًا فهو على صورتين: إما بصيغة الجزم، وإما
بصيغة التمريض.
فأما الأول: فهو صحيح إلى من علقه عنه، وبقي النظر فيمن أبرز من رجاله، فبعضه
يلتحق بشرطه، والسبب في تعليقه له إما لكونه لم يحصل له مسموعًا، وإنما أخذه على
طریق المذاكرة، أو الإجازة، أو کان قد خرج ما يقوم مقامه فاستغنی بذلك عن إيراد هذا
المعلق مستوفى السياق، أو لمعنى غير ذلك، أو لتقاعده(١) عن شرطه، وإن صححه غيره،
أو حسنه، وبعضه يكون ضعيفًا من جهة الانقطاع خاصة.
وأما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في مواضع أخر فلا يوجد فيه ما
(١) هكذا نقله الصنعاني في توضيحه، والذي في نسخة النكت المطبوعة: وبعضه يتقاعد عن شرطه.
٠٠

١٥٣
الجُزُءُ الأولُ
١٥٧ - وَمَا عَزَى لشَيْخه بقَالا
فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا
يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة، قد أوردها بهذه الصيغة، لكونه ذكرها بالمعنى، نعم فيه
ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه، إما لكونه لم يخرج لرجاله، أو لوجود علة فيه عنده،
ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف، وهو على قسمين:
(أحدهما): ما ينجبر بأمر آخر .
(وثانيهما): ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه یبین ضعفه،
ويصرح به حیث یورده في كتابه، ثم ذكر الحافظ أمثلة لذلك.
ثم قال: فقد لاح بهذه الأمثلة، واتضح أن الذي يتقاعد عن شرط البخاري من التعليق
الجازم جملة كثيرة، وأن الذي علقه بصيغة التمريض متى أورده في معرض الاحتجاج
والاستشهاد فهو صحيح، أو حسن، أو ضعيف منجبر، وإن أورده في موضع الرد فهو
ضعیف عنده، وقد بينا أنه یبین کونه ضعيفًا .
قال: وجميع ما ذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة، وأما الموقوفات فإنه يجزم بما صح عنده
منها، ولو لم يبلغ شرطه، ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع، وإذا علق عن شخصين وكان لهما
إسنادان مختلفان مما يصح أحدهما، ويضعف الآخر، فإنه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض.
وهذا كله فيما صرح بنسبته إلى النبي ◌َّ وإلى أصحابه، أما ما لم يصرح بإضافته إلى
قائل، وهي الأحاديث التي يوردها في تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث،
فمنها ما يكون صحيحاً وهو الأكثر، ومنها ما يكون ضعيفًا، كقوله: ((باب اثنان فما
فوقهما جماعة)) ولكن ليس شيء من ذلك ملتحقًا بأقسام التعليق التي قدمناها إذ لم يسقها
مساق الأحاديث، وهي قسم مستقل ينبغي الاعتناء بجمعه والكلام عليه، وبه وبالتعاليق
يظهر كثرة ما اشتمل عليه البخاري من الأحاديث، ويوضح سعة اطلاعه، ومعرفته
بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلاً. انتهى كلام الحافظ، باختصار (١).
ثم ذكر حكم ما يورده البخاري عن شيوخه بـ(( قال))، ونحوها، فقال:
فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ أَتِّصَالا
وَمَا عَزَى لِشَيْخه بقَالا
(وما) موصولة مبتدأ، أي الحديث الذي (عزا) أي نسبه صاحب الصحيح في كتابه
(لشيخه) أي إليه (بقالا) أي بهذه الكلمة، والألف للإطلاق، ونحوها كـ ((زاد))، و((ذكر)).
(١) النكت ج ١ ص ٣٢٥، ٣٢٦ .

١٥٤
شَرْعَ الْفِيَةُ السُّيُوطِىّ -
١٥٨ - وَمَا لَهَا لَدَى سوَهُ ضَابِطُ
فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ (*)
والجاران يتعلقان بـ ((عزا))، وذلك كقوله: قال فلان، وزاد فلان، وذكر فلان، ونحوها
(ففي الأصح) أي القول الأصح الذي جزم به ابن الصلاح، وصوبه العراقي، متعلق
بـ(احكم له) أي: لهذا المعزو لشيخه (اتصالا) منصوب بنزع الخافض على قلة، أي
باتصال، وجملة ((احكم)) خبر عن ((ما))، ودخلت الفاء لما في المبتدإ من معنى الشرط.
وحاصل معنى البيت: أن صاحب الصحيح إذا عزا الحديث إلى شيخه بصيغة قال
ونحوها فالأصح وفاقًا لابن الصلاح، والعراقي، والنووي أن له حكم المتصل بالعنعنة
بشرط لقاء الراوي لمن عنعن عنه، وسلامته من التدليس، فهو صحيح، وليس تعليقًا،
ومقابل الأصح قول الحميدي في مثله: إنه تعليق، وصوبه ابن دقيق العيد مع حكمه
بصحته عن قائله، ومشى المزي في أطرافه على كونه تعليقًا أيضًا، ولم يقل بانقطاعه،
ولكن حكم عبد الحق، وابن العربي بعدم اتصاله، وقال الذهبي: حكمه الانقطاع، ونحوه
قول أبي نعيم: أخرجه البخاري بلا رواية، وهو مقتضى كلام ابن منده حيث صرح بأن
قال: تدليس، قال العراقي: ولم يوافق عليه، وقال ابن حزم في المحلى في حديث المعازف
لقول البخاري: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة، إنه حديث منقطع بين البخاري
وصدقة بن خالد، ورد عليه الحذاق، انظر التنقيح والتوضيح (١).
ثم ذكر حكم قال لغير البخاري، فقال:
وَمَا لَهَا لَدَى سَوَاهُ ضَابِطُ
فَتَارَةً وَصْلٌّ وَأُخْرَى سَاقِطُ
(١) ج ١ ص ١٤٤، ١٤٥.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: المعلق: هو ما حذف أول إسناده، سواء كان المحذوف من الإسناد واحدًا أو
أكثر، ويشمل ما إذا حذف الإسناد جميعه.
كما إذا قال بعض المؤلفين: ((قال رسول اللـه عَ لَّم)) أو ((قال ابن عباس)) أو ((قال عطاء)) مثلاً، فكل هذا
معلق، لأنه حذف الإسناد من المؤلف إلى المروي عنه.
وهذا النوع كثير في صحيح البخاري، فتارة يأتي به بصيغة الجزم نحو ((قال فلان)) ويعطى حكم الصحيح؛
لأنه جزم بنسبته إلى قائله في كتاب التزم فيه الصحة.
وتارة يأتي بصيغة التمريض، نحو ((يذكر ويحكى ويقال)) فإذا جاء هكذا لم يحكم له بالصحة ولكن وروده في
أحد الصحیحین یجعل له أصلاً، فلا يحكم عليه بالوهن الشديد.
وأما ما يرويه أصحاب الكتب التي لا تلتزم الصحة بغير إسناد، فلا يحكم له بالصحة، سواء أجاء بصيغة
الجزم أم جاء بغيرها، بل يفحص عن إسناده أولاً .
=

١٥٥
- الجُزْءُ الأولُ
(وما) نافية (لها) أي لـ ((قال)) (لدى سواه): أي عند غير البخاري من المحدثين: وهو متعلق
بـ (ضابط) وهو مبتدأ وخبره الجار والمجرور المتقدم، أو الخبر الظرف والجار متعلق به .
والمعنى أنه ليس لهذه الكلمة عند غیر البخاري ضابط يرجع إلیه کما کان له ذلك فيما
تقدم بل اصطلاحهم مختلف، فمنهم من يستعملها في السماع دائمًا، كحججاج بن موسى
المصيصي(١) الأعور، وإليه أشار بقوله: (فتارة وصل) خبر لمحذوف على حذف مضاف،
أي هي ذات وصل بمعنى أنها مستعملة في الوصل، ومنهم من عكس فاستعملها فيما لم
يسمعه دائمًا وأشار بقوله: (وأخرى) أي تارة أخرى هي (ساقط) أي ساقط ما دخلت فيه،
فوصفها بالسقوط مجازًا، يعني أن ما استعملت فيه ليس موصولاً بالسماع.
وحاصل معنى البيت: أن قال في استعمال غير البخاري لا ضابط لها، فتارة تستعمل
في الموصول، وتارة تستعمل في غيره، هذا حاصل معنى كلامه.
لكن هذا الاستعمال ليس لشخص واحد، بل لأكثر كما يتبين فيما بعدُ، وعلى هذا
فمن استعملها للوصل فموصولة، ومن استعملها للانقطاع فمنقطعة، وهذا هو معنى
الضبط، وسيجيء عن الخطيب ما يوضح ذلك.
وإيضاح المسألة ما ذكره في التدريب، ونصه: أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه
بقوله: قال فلان وزاد فلان، ونحو ذلك فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن
فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم
به ابن الصلاح، قال: وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسمًا من التعليق
ثانيًا وأضاف إليه قول البخاري وقال لي فلان وزادنا فلان، فوسم كل ذلك بالتعليق.
قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح ههنا هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع الصحيح
فجعل من أمثلة التعليق قول البخاري: قال عفان كذا، وقال القعنبي كذا، وهما من شيوخ
البخاري، والذي عليه عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد والمزي أن لذلك حكم العنعنة .
= واعلم أن البخاري كثيرًا ما يذكر حديثًا عن شيوخه بصيغة التعليق فيقول: ((قال عفان)) أو ((قال القعنبي)) فهذا
من البخاري محمول على الاتصال؛ لأن حكمه حكم العنعنة، لثبوت اللقاء بين البخاري وبين شيخه، ولأن
البخاري ليس مدلسًا .
وأما غير البخاري فليس لعلمه ضابط معروف في ذلك، فلا يحكم له بالاتصال، بل يفحص عنه من الطرق
الأخرى، ويحكم له بما يظهر من صحة أو ضعف.
(١) ضبطه في اللب بكسر الميم، والمهملة المشددة، نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر . ١ هـ. ج ٢ ص
٢٦١. وضبطه في ((ق)) كسفينة، قال: ولا تشدد، بلد بالشام. اهـ. ص ٨١٤.

١٥٦
شَرْعُ الفِيَة السَّيُوطِىّ -
قال ابن الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري، وهو أعرف
بالبخاري: كل ما قال البخاري: قال لي فلان، أو قال لنا، فهو عرض ومناولة (١).
وقال غيره: المعتمد في ذلك ما حققه الخطيب من أن قال ليست كـ ((عن))، فإن
الاصطلاح فيها مختلف، فبعضهم يستعملها في السماع دائمًا كحجاج بن موسى
المصيصي الأعور، وبعضهم بالعكس لا يستعملها إلا فيما لم يسمعه دائمًا، وبعضهم تارة
كذا، وتارة كذا، كالبخاري فلا يحكم عليها بحكم مطرد. اهـ. ما في التدريب (٢).
فظهر بهذا أن استعمالها تارة في الموصول، وتارة في غيره هو للبخاري، لا لغيره،
وأما غيره فبعضهم يستعملها في الموصول، وبعضهم في عكسه كما يفيده كلام الخطيب،
فقول الناظم: وما لها لدى سواه إلخ، قلب للمسألة، وكذا ما قرر به المحقق في تعليقه غير
محرر، فتنبه لذلك.
والحاصل: أن قال عند البخاري: يحكم لها بالاتصال على رأي ابن الصلاح وكثيرين
كما تقدم في قوله: وما عزا لشيخه إلخ وهو الأصح.
ولا يحكم لها بحكم مطرد على رأي الخطيب كما ذكرنا آنفا، وأما غير البخاري فله
حكم مطرد لاطراد استعماله، فمن استعملها في الموصول كحجاج بن موسى حكم له
بالاتصال، ومن استعملها في غيره حكم له بالانقطاع. هذا ما ظهر للعاجز الفقير عفا الله
عنه في التقصير. ولو قال بدل هذا البيت:
للوصول والبعض لقطع يفعل
ومن سواه بعضهم يستعمل
لكان موضحًا لاصطلاح البخاري واصطلاح غيره.
(فائدة): قال في التدريب: ومثل ((قال)) ((ذكر)) استعملها أبو قرة في سننه في
السماع، لم يذكر سواها فيما سمعه من شيوخه في جميع الكتاب. اهـ (٣).
(تتمة)) الزيادة هنا هذا البيت فقط.
٠٠
(١) رد الحافظ رحمه الله ما قاله أبو جعفر هذا في الفتح، والنكت، والتغليق، فقال في الفتح ج ١١/ ٢٥٦ :
والذي ظهر لي بالاستقراء من صنيع البخاري أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في
أصل موضوع كتابه، كأن يكون ظاهره الوقف، أو في سنده من ليس على شرطه في الاحتجاج .
(٢) ج ١ ص ١٩٢، ١٩٣ .
(٣) ص ١٩٣ .

١٥٧
الجُزْءُ الأولُ
-
المعنعن
١٥٩ - وَمَنْ رَوَى بـ ((عَنْ)) وَ«أَنَّ) فَاحْكُم
بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ بُعْلَمٍ
١٦٠ - وَلَمْ يَكُنْ مُدلِّسَا، وَقِيلَ: لا
وَقِيلَ ((أَنَّ) اقْطَعْ وَأَمَّا ((عَنْ)) صلا
مے
المعنعن
أي: وما أحق به من ((المؤنن)).
أي: هذا مبحثه، وهو النوع الثالث عشر من أنواع علوم الحديث.
والعنعنة مصدر عنعن الحديث: إذا رواه بعن من غير بيان للتحديث؛ أو الإخبار، أو
السماع.
قال الصنعاني: أي مصدر جعلي، مأخوذ من لفظ عن فلان، کأخذهم حوقل،
وحولق من قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) وسبحل من قول: ((سبحان الله)) والمناسبة
بينه وبين المعلق من حيث إن بعض المعنعن، وهو الذي لم يستوف الشروط حكمه الانقطاع
كالمعلق الذي ليس في الصحيح، أو فيه ولم يكن بصيغة الجزم(١) وقدم المعلق لمناسبته
للأبواب السابقة من حیث الحذف قال رحمه الله :
وَمَنْ رَوَى بـ (( عَنْ)) وَأَنَّ) فَاحْكُمِ
بِوَصْله إن اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
وَقِيلَ ((أَنَّ) اقْطَعَ وَأَمَّا (عَنْ)) صلا
وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسَا ، وَقِيلَ : لاَ
(ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ (روى) الحديث عن شيخه (ب) صيغة (عن) كأن
يقول: عن فلان من غير تصريح بالتحديث، أو الإخبار، أو السماع (و) بصيغة ((أن)))
بفتح الهمزة، وتكسر، وتشديد النون كأن يقول: حدثنا فلان أن فلانًا قال كذا، ونحو
ذلك، وجواب ((من))، أو خبر المبتدإ قوله: (فاحكم) بكسر الميم للوزن، أيها المحدث على
حديثه (بوصله) أي بكونه موصولاً مسندًا أتى عن رواة مسمين معروفين، إلا أن يتبين
خلاف ذلك، لكن هذا مشروط بشرطين ذكرهما بقوله :
(إن اللقاء) أي لقاء المعنعن بكسر العين الثانية والمعنعن عنه بفتحها، وكذا في المؤنن،
فقوله: اللقاء نائب فاعل لفعل محذوف، وهو فعل الشرط يفسره قوله: (يعلم) بكسر الميم
للروي، أي إن يعلم اللقاء المذكور المكني به عن السماع، بأن يثبت ذلك، ولو مرة، وهذا
(١) أي: بعض أنواعه، كما تقدم تفصيله في قوله: وغيره ضعف ولا توهنه.

١٥٨
شَرِجُ الْفَيُ السَّيُوطِيّ .
هو الشرط الأول (ولم يكن) المعنعن بالكسر، وكذا المؤنن (مدلسًا) اسم فاعل من
التدليس، وهو كما سيأتي أن يروي المحدث عمن عاصره، ولم يلقه، أو لقيه ولم يأخذ منه
موهمًا أنه سمعه كأن يقول: قال فلان، أو عن فلان، وهذا هو الشرط الثاني.
وحاصل معنى الكلام: أن من روى الحديث معنعنًا، أو مؤنًا يحكم لإِسناده بالاتصال إذا
ثبت لقاء الراوي لمن روى عنه، وسلم من التدليس، وزاد ابن عبد البر شرطًا ثالثًا، وهو عدالة
المخبرين، وهذا القول الصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث
والفقه والأصول، قال ابن الصلاح: ولذا أودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم.
وقد ادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل عليه، وكذا ابن عبد البر في مقدمة التمهيد،
والحاكم، والخطيب، قال السخاوي: وخدش في دعوى الإجماع قول الحارث المحاسبي -
وهو من أئمة الحديث والكلام - ما حاصله: اختلف أهل العلم فيما يثبت به الحديث على ثلاثة
أقوال، أولها: أنه لابد أن يقول كل عدل في الإِسناد: حدثني، أو سمعت إلى أن ينتهي إلى
النبي ◌َّ فإن لم يقولوا، أو بعضهم ذلك فلا، لما عرف من روايتهم بالعنعنة فيما لم يسمعوه.
إلا أن يقال: إن الإجماع راجع إلى ما استقر عليه الأمر بعد انقراض الخلاف السابق،
فيتخرج على المسألة الأصولية في ثبوت الوفاق بعد الخلاف. اهـ (١).
وممن صرح باشتراط اللقاء علي بن المديني، والبخاري وجعلاه شرطًا في أصل
الصحة، وإن زعم بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعة فقط، وكذا عزا اللقاء
للمحققين النووي بل هو مقتضى كلام الشافعي كما قال الحافظ، واقتضاه ما في شرح
الرسالة لأبي بكر الصيرفي. أفادة السخاوي(٢)، ومقابل الأصح ما أشار إليه بقوله:
(وقيل) إن المعنعن والمؤنن (لا) يحكم باتصالهما بل هما منقطعان، سواء وصف
الراوي بالتدلیس أم لا ، حتی یتبین اتصاله بمجيئه من طريق الراوي نفسه بالتحديث ونحوه.
وهذا القول عزاه الرامهرمزي في المحدث الفاصل إلى بعض المتأخرين من الفقهاء ووجهه
بعضهم بأن ((عن)) لا إشعار لها بشيء من أنواع التحمل، ويصح وقوعها فيما هو منقطع، كما
إذا قال الواحد منا مثلاً عن رسول الله وَثير، أو عن أنس، أو نحوه أفاده السخاوي (٣).
قلت: لا يخفى ضعف هذا التعليل إذ المسألة مفروضة في المتلاقين وغير المدلس.
(١) فتح ج ١ ص ١٩١.
(٢) فتح ج ١ ص ١٩١ .
(٣) المصدر السابق ص ١٩٣ .

١٥٩
- الجُزْءُ الأولْ
١٦١ - وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ
وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ
ء
١٦٢ - وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذ عَنْ (*)
وَأَسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنُ (*)
وما أشار إليه بقوله: (وقيل أن) مفعول مقدم، أو مبتدأ، لقصد لفظه، وخبره جملة
(اقطع) والجملة مقول القول، أي احكم أيها المحدث بانقطاع ما روي بـ ((أن)) حتى يتبين
السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى (وأما عن صلا) عطف على مقول القول،
فـ((عن)) مبتدأ وجملة صلا خبره، وحذف الفاء بعد أما، في النظم كثير، وأما في النثر
فقليل إذا لم يكن مع القول، كما قال ابن مالك:
لم يك قول معها قد نبذا
وحذف ذي الفا قل في نشر إذا
والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة.
والمعنى: أنك تحكم باتصال ما روي بعن بالشرطين السابقين.
وحاصل هذا القول أنه يرى التفرقة بين اللفظين فيحكم على أن بالانقطاع وعلى عن
بالاتصال، وهذا القول للحافظ أبي بكر البرديجي(١) حكاه ابن عبد البر، وقال: وعندي أنه لا
(١) بفتح الباء نسبة لبرديج بكسر الباء وقيل بفتحها: بلد بأذربيجان، اهـ. ق وتاج. وهو أبو بكر أحمد بن
هارون بن روح الحافظ النيسابوري المتوفى سنة ٣٠١ هـ .
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا قال الراوي: ((عن فلان)) أو ((أن فلانًا قال كذا)) فإن كان يروي ذلك عن
شخص لم يعاصره، أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه أصلاً: ((جزمنا بأن روايته منقطعة. وإن كان معاصرًا له))
ولم نعلم إن كان لقيه أو لا، أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوي مدلسًا -: توقفنا في روايته، ولم نحكم لها
بالاتصال، إلا إن ثبت أنه لقي من روى عنه وحدثه به. وإن كان الراوي غير مدلس: فالصحيح الراجح أنه
يحكم لروايته بالاتصال وإن لم نعلم أنه لقي من روى عنه، فلعله لقيه ولم ينقل إلينا. وهذا هو الذي انتصر
له مسلم بن الحجاج في صحيحه، ورد على من خالفه أشد رد وأقواه. وذهب ابن المديني والبخاري وغيرهما
إلى اشترط اللقاء. وقيل: إن البخاري لا يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وإنما التزمه في الجامع
الصحيح فقط. وهناك أقوال أخرى في هذا غير جيدة: فبعضهم حكم بعدم الاتصال مطلقًا. وبعضهم حكم
بأن ((عن)) للاتصال، و((أن)) لغير الاتصال. وبعضهم شرط طول صحبة الراوي لشيخه. وبعضهم شرط أن
یکون معروفًا بالرواية عن شيخه.
وهذه أقوال لا دليل عليها، ولا تثبت تحت التمحيص.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الذي سبق من حكم ((عن)) و((أن)) هو في روايات المتقدمين، وأما
المتأخرون فقد كثر استعمالهم لهما في الرواية بالإجازة، والرواية بالإجازة محمولة على الاتصال عند العلماء.
ونقل المؤلف في التدريب أن هذا استعمال المشارقة، وأما المغاربة فيستعملونها في السماع وفي الإجازة سواء.

١٦٠
شَرِجَ الْفِيَةُ السَّيُوطِّ -
معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه الصحابي: قال رسول الله
وَل*، أو ((أن))، أو ((عن))، أو ((سمعت)) فكله عند العلماء سواء انتهى. ورد عليه بأن للصحابي
مزية حيث يعمل بمرسله بخلاف غيره، على أن البرديجي لم ينفرد بذلك، بل قال أبو الحسن
الحصار نحوه، وقال الذهبي بعد قول البرديجي: إنه قوي. وما تقدم من اشتراط اللقاء هو الذي
عليه المحققون، على ما قيل، وخالف في ذلك مسلم رحمه الله، كما أشار إليه بقوله:
وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ
وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ
وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ
(و) الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين (مسلم) بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح، فقوله:
(مسلم) مبتدأ خبره جملة (يشترط) من بابي ضرب، وقتل، سكن طاؤه، فأدغم في التاء بعده،
وهو جائز في سعة الكلام، ويتعين هنا للوزن (تعاصرًا) مفعول ((بشرط)) (فقط) أي فحسب.
والمعنى: أن مسلمًا رحمه الله تعالى اكتفى في الحكم على الحديث المعنعن بالاتصال
بالمعاصرة، أي كون المعنعن بالكسر، والمعنعن عنه بالفتح في عصر واحد، وإن لم يعلم اجتماعهما
في خبر قط تحسينًا للظن بالثقة، وقد أطال الرد والتهجين على من شرط اللقاء في مقدمة
صحیحه، إلا أن المحققین کما قال النووي أنکروا عليه ذلك، وقالوا: إنه ضعيف والذي رده هو
الصحيح المختار الذي عليه أئمة هذا الفن علي ابن المدني والبخاري وغيرهما، هكذا قيل.
قلت: عندي أن الراجح هو ما قاله مسلم رحمه الله، لقوة مدركه، والله أعلم.
ومن العلماء من شدد في هذا الباب، فاشترط طول الصحبة، أو عرفانه بالأخذ، كما
أشار إليه بقوله:
·· (وبعضهم) أي بعض العلماء، وهو أبو المظفر بن السمعاني الشافعي، وهو مبتدأ خبره
جملة ((شرط)) وقوله (طول صحابة) مفعول مقدم لـ (شرط) والصحابة بالكسر، والفتح:
مصدر صحبه، والمعنى أن بعض العلماء شرط زيادة على اللقاء طول صحبه المعنعن للمعنعن
عنه، ولم يكتف بثبوت اللقاء (وبعضهم) مبتدأ، خبره محذوف لدلالة ما قبله، أي شرط
(عرفانه) بكسر فسكون، مصدر عرف، مفعول به لـ ((شرط )) المقدر، أي شرط كون الراوي
معروفًا(بالأخذ) أي الرواية(عن) أي عمن روى عنه، وحذف مجرور ((عن )) ضرورة.
والمعنى: أن بعضهم شرط لقبول العنعنة ونحوها زيادة على ما تقدم كونه معروفًا
بالأخذ عمن عنعن عنه .