Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ - الجُزْءُ الأُولُ ينزل) أي إلى النزول (للمصدق) بفتح الدال، أي لتخريج أحاديث الرجل المنسوب إلى الصدق، كليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم، لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق (وإن يكن) ذلك المصدق (في حفظه) وإتقانه للحديث متعلق بقوله (لا يرتقي) إلى درجة أولئك النبلاء. وحاصل معنى البيتين أن الإمام مسلمًا رحمه الله ذكر في مقدمة صحيحه ما معناه: أنه لما كان النبلاء المتقنون لا يستوعبون كل الأحاديث الصحاح مع أنه يريد الاستكثار من الصحيح، ولا يبلغ ذلك ما أراده اقتضى ذلك أن ينزل إلى ذكر أحاديث رجال ليسوا في الإتقان مثل الأولين وإن كان اسم العدالة والصدق يشملهم، فقال المعترض (هلا قضى) ابن الصلاح (في) بمعنى ((على)) أي على أحاديث (الطبقات الثانية) وهي التي لا ترتقي في الحفظ إلى درجة النبلاء (بالحسن) متعلق بـ ((قضى)) (مثل ما قضى) (ما)» مصدرية. أو موصولة، أي مثل قضائه، أو الذي قضاه (فيه الماضيه) أي على الحالة الماضية، وهي التي سكت عنها أبو داود. وحاصل كلام المعترض أن عمل أبي داود شبيه بعمل مسلم، فهلا ألزم شيخ ابن الصلاح مسلمًا من ذلك ما ألزمه أبا داود لاتحاد معنى كلاميهما، فأجاب عنه الناظم وفاقًا للحافظ العراقي، فقال: (أجب) أيها المحدث الطالب للتخلص من المعضلات، وحل ما حل من المشكلات (بأن مسلمًا) رحمه الله (فيه) أي في كتابه متعلق بقوله (شرط) أي التزم تخريج (ما صح) من الحديث (فامنع) أيها النحرير، الطالب للتحرير (أن) بالفتح مصدرية (لذي الحسن) أي لدرجة حديث صاحب الحسن، متعلق بقوله (يحط) بالبناء للمفعول، من الحط، يقال: حط الرجل وغيره من باب قتل: أنزله من علو إلى سفل، كما في المصباح، وأن وصلتها في تأويل المصدر مفعول ((امنع)) أي امنع حط حديثه إلى درجة الحديث الحسن، لقصوره عن الصحيح، وهو شرط أن لا يخرج إلا الصحيح، بخلاف أبي داود، فإنه لم يشترط ذلك، فصح حمل کلامه عليه. وحاصل الجواب: أن مسلمًا التزم في كتابه تخريج الصحيح فقط، فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه أنه حسن عنده، لقصور الحسن عن الصحيح، بخلاف أبي داود، فإنه لم يلتزم ذلك، وقال: ما سكت عنه فهو صالح، والصالح يجوز أن يكون صحيحًا، وأن يكون حسنًا عند من يرى الحسن مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، ولم ينقل لنا عنه أنه يقول بذلك، أو يرى ما ليس بضعيف صحيحًا، فكان الأولى بل الصواب أن لا يرتفع ما سكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أن رأيه هو الثاني، ويحتاج إلى نقل. أفاده العراقي. ٨٢ شَرِجُ الْتَةُ السّيُوظِىّ - ٩١ - فإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ ضَعيفِهَا وَالْبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ ٩٢ - مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحسَانَ مَا فِي سُنَنِ ( قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى (*)) (تتمة) هذا البيت من زياداته. ثم ذكر اعتراضًا واردًا على الإمام البغوي في كتابه مصابيح السنة، والجواب عنه، فقال: ضَعِيفِهَا وَالْبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ مَا فِي سُنَنِ (قُلْنَا: اصْطِلَاحٌ يُنْتَمَى) مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحسَانَ (فإن يقل) بالبناء للمجهول، أي قال قائل اعتراضًا على صنيع البغوي (في السنن) الأربع وأشباهها (الصحاح) بكسر الصاد جمع صحيح، أي الأحاديث الصحيحة، وكذا الحسان (مع ضعيفها) أي الأحاديث، بل وفيها المنكر أيضًا (والبغوي) هو الحافظ محيي السنة الفقيه المجتهد أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء، نسبة إلى صنعة أبيه، لأنه كان يعمل الفراء ويبيعها، توفي البغوي بمدينة مرو الروذ، في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة . والبغوي نسبة إلى بلد من بلاد خراسان بين مرو وهراة، يقال له: بغ، وبغشور. قاله في اللباب ج١ ص ١٦٤ (قد جمع) كتابًا في الحديث سماه (مصابحًا) بحذف الياء تخفيفًا، لأنه جمع مصباح، وهو السراج، واسم الكتاب الكامل ((مصابيح السنة)) (و) قسم أحاديثه إلى صحاح وحسان فجعل الصحاح ما في الصحيحين، أو أحدهما، (وجعل الحسان ما) أي الأحاديث التي (في سنن) لأبي داود، والترمذي، وأشباههما، فاعترض عليه في ذلك، قال ابن الصلاح: هذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وقال النووي: إنه ليس بصواب، لما تقرر من اشتمال السنن على الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر. قال الناظم تبعًا لغيره في الجواب (قلنا) مجيبين عن هذا الاعتراض: إن هذا (الاصطلاح يُنتمى) بالبناء للمفعول أي ينسب إليه خاصة في هذا الكتاب، قال التاج التبريزي: ولا أزال أتعجب من الشيخين، يعني ابن الصلاح (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ألف البغوي كتاب ((مصابيح السنة)) وجعل كل باب منه قسمين: الصحاح والحسان، وأراد بالصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما، وبالحسان ما في أحد السنن الأربعة، وقد اعترضوا عليه في صنيعه هذا، لأنه اصطلاح لا يعرف عند أهل الحديث، فإن في السنن الصحيح والحسن والضعيف. وأجاب عنه المؤلف هنا بأن هذا اصطلاح خاص له. ولكن ضعف الجواب ظاهر؛ لأن هذا الاصطلاح يوهم الناظر في كتابه بأن ما سماه من الحسان ينطبق عليه تعريف الحسن عند المحدثين. ٨٣ - الجُزُءُ الأولُ ٩٣- يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ ثُمَّ الضَّعيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ ٩٤- وَالنَّسَإِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا الَّفَقُوا تَرْكَا لَهُ (وَالآخرُونَ الْحَقُوا والنووي، في اعتراضهما على البغوي، مع أن المقرر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، قال الناظم: وكذا مشى عليه علماء العجم آخرهم شيخنا العلامة الكافيجي في مختصره. اهـ. تدريب ج ١ ص ١٦٥ وما اعترض به العلامة أحمد بن محمد شاكر بضعف هذا الجواب أجبت عنه في الشرح الكبير، فانظره(١) . (تتمة) : هذا الشطر من زياداته. ثم أعاد الكلام على السنن فقال: يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ (يروي أبو داود) في سننه (أقوى ما وجد) بالبناء للفاعل أي أصح ما وجب قبوله من الأحاديث إذا وجده (ثم) يروي (الضعيف) منها من قبل سوء حفظ راويه ونحو ذلك كالمجهول عينًا أو حالاً، لا مطلق الضعيف الذي يشمل ما كان راويه متهمًا بالكذب أفاده السخاوي (٢) (حيث غيره) أي الضعيف (فقد) أي: حيث لم يجد الأقوى المذكور. وحاصل معنى البيت أن أبا داود يروي في سننه أقوى الأحاديث، ثم إذا لم يجده في الباب يخرج الحديث الضعيف لأنه عنده أقوى وأحب من آراء الرجال، وهو تابع في ذلك شيخه أحمد بن حنبل ولنعم ما قيل: [من الوافر] تجاري في ميادين الكفاح (٣) إذا جالت خيول النص يومًا تطير رؤوسهن مع الرياح غدت شبه القياسيين صرعى ثم ذكر شرط النسائي في الأصل: فقال: تَرْكَا لَهُ وَالآخرُونَ الْحَقُوا وَالنَّسَإِ مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا (١) وحاصل الاعتراض أن هذا الاصطلاح يوهم الناظر في كتابه بأن ما سماه من الحسان ينطبق عليه تعريف الحسن عند المحدثين . وحاصل الجواب: أنه لا يوهم الناظر، إذا الناظر في كتابه لابد له أن يطالع منهجه، واصطلاحه في مقدمة كتابه، فيتبين له اصطلاحه الخاص به . فلو قدرنا أنه لم يتكلم على اصطلاحه في المقدمة لاتجه الاعتراض، فتنبه . وبالله تعالى التوفيق . (٢) فتح المغيث ج ١ ص ٩٥ . (٣) الكفاح: المضاربة والمراد محل الحرب . ٨٤ شَرِجُ الفُِّ الشَّيُوطِّ .. ٩٥ - بالْخَمْسَة ابْنَ مَاجَة، قيلَ: وَمَنْ مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمْ وَهَنْ) مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَمَنْ) بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَة، قيلَ: وَمَنْ (و) الإمام الحافظ الحجّة أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني (النسئي) بتخفيف الياء للوزن نسبة إلى نسا كجبل، مهموز كما صرح به الإسنوي، وابن خلكان، والسبكي، وهي بلدة بخراسان. أفاده المرتضى في التاج في مادة نساء ج ١٠ ص ٣٦٥ . وعلى هذا نظم بعضهم فقال: مَدِينَةٌ في الْوَزْنِ مِثْلُ سَبَأٍ والنَّسَمْيُّ نِسبَةٌ لِنَسَأ وقال في اللباب: النسائي بفتح النون والسين وبعد الألف همزة وياء النسب، هذه النسبة إلى مدينة بخراسان، يقال لها: نسا، وينسب إليها نسوي. اهـ. ج ٣ ص ٣٠٨ . وقال في معجم البلدان: كان سبب تسميتها بهذا الاسم أن المسلمين لما وردوا خراسان قصدوها، فبلغ ذلك أهلها، فهربوا ولم يتخلف بها غير النساء، فلما أتاها المسلمون لم يروا بها رجلاً، فقالوا: هؤلاء نساء، والنساء لا يقاتلن، فننسأ أمرها الآن إلى أن يعود رجالهن، فتركوها ومضوا فسموها بذلك نساء، والنسبة الصحيحة إليها نسائي، وقيل نسوي أيضًا، وكان من الواجب كسر النون. اهـ. ج ٥ ص ٢٨١، ٢٨٢ قلت: والموافق للوزن ما في التاج، وكذا يوافق النسوي أيضًا، ولد رحمه الله سنة خمس عشرة ومائتين، وكان إمامًا حافظًا ثبتًا خرج من مصر في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودفن بالرملة، وفي سبب موته قصة مشهورة. كان رحمه الله لا يقتصر في التخريج على المتفق على قبولهم بل يخرج حديث (من لم یکونوا) أي أئمة الحديث (اتفقوا تر کًا له) منصوب بنزع الخافض، واللام زائدة أي علی ترکه. وحاصل المعنى أن الإمام النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، ومعنى ذلك كما قال الحافظ: إنه يريد إجماعًا خاصًّا، وذلك أن كل طبقه من طبقات الرجال، لا تخلو عن متشدد، ومتوسط فمن الأولى شعبة، وسفيان الثوري، وشعبة أشد من الثوري، ومن الثانية يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن، ومن الثالثة يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري، فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى ٨٥ الجُزْءُ الأولُ يجتمع الجميع على تركه. زاد السخاوي فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه القطان مثلاً، فإنه لا يترك لما عرف من تشدد يحيى، ومن هو مثله في النقد؟ اهـ (١). فظهر بهذا أن ما يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع لیس کذلك، فکم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي يجتنب النسائي إخراج حديثه، قاله الحافظ وزاد السخاوي بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين، حتى قال بعض الحفاظ: إن شرطه في الرجال أشد من شرطهما. اهـ (٢). ثم ذكر الأصل السادس المزيد على الخمسة، فقال: (والآخرون) بكسر الخاء أي: المحدثون المتأخرون عن زمان من جعل الأصول خمسة، ويحتمل أن يكون بفتح الخاء أي: المحدثون غير من عد الأصول خمسة، وهو مبتدأ خبره جملة (ألحقوا) (بـ) الأصول (الخمسة) الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي (ابن ماجة) مفعول ((ألحقوا)) بسكون الهاء وصلاً ووقفًا (٣) ونونه هنا للضرورة، أي سنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني الربعي صاحب السنن، والتفسير، والتاريخ، ولد سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين عن أربع وستين سنة، وأول من ألحقه بها أبو الفضل محمد بن طاهر حيث أدرجه معها في الأطراف، وكذا في شروط الأئمة الستة ثم الحافظ عبد الغني في كتابه ((الكمال في أسماء الرجال)) ، وسبب تقديم هؤلاء له على الموطأ كثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ. ثم ذكر حكم من تفرد بهم ابن ماجه، فقال: (قيل: ومن (٤) ماز بهم) أي الرواة الذي امتاز بهم ابن ماجه عن غيره، أي انفرد بإخراج أحاديثهم (فإن فيهم وهن) بفتحتين أي ضعفًا، وهو اسم إن مؤخرًا وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، ويحتمل أن تكون إن عملت في ضمير شأن محذوف تفسره الجملة بعده. (١) فتح ج ١ ص ٩٨ - ٩٩ . (٢) ج ١ ص ٩٩ . (٣) وأما ما اشتهر من قولهم: ابن ماجة بالتاء فغلط فاحش. قال في ((ق)) وشرحه: وماجه بسكون الهاء لقب والد محمد بن يزيد القزويني صاحب السنن، لا لقب جده كما زعمه بعضهم، وصحح جماعة أنه اسم لأمه . اهـ. ج٢ ص ١٠٢ باختصار . (٤) يحتمل جعل ((من)) شرطية مبتدأ، جوابها جملة ((فإن فيهم وهن)) ويحتمل أن يكون جوابها محذوفًا: أي لا تقبل أحاديثهم، وجملة ((فإن فيهم وهن)) علة للجواب . ٨٦ شَرْجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِيُّ _ ٩٦ - تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا صَحِيحَةً (وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى(*)) والمعنى أن من انفرد بهم ابن ماجه من الرواة فهم ضعفاء، ولذا جرى كثير من القدماء على إضافة الموطأ، أو غيره إلى الخمسة. ثم ذكر تساهلٍ من أطلق على السنن الصحة، فقال: تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا صَحِيحَةٌ وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى (تساهل الذي) أي المحدث الذي (عليها) أي السنن كلها، أو بعضها وجعل الشارح الضمير لابن ماجه، وليس كذلك، لأنه ما أطلق عليها بانفرادها أحد أنها صحيحة (أطلقا) بألف الإطلاق (صحيحة) أي هذه الصيغة، كالحاكم، والخطيب، حيث أطلقا الصحة على الترمذي، وابن السكن على كتاب أبي داود والنسائي، والحاكم على أبي داود، وجماعة منهم أبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، والدارقطني، والخطيب، على كتاب النسائي حتى شذ بعض المغاربة ففضله على كتاب البخاري، بل ذكر أبو طاهر السلفي اتفاق علماء المشرق والمغرب على صحة الكتب الخمسة، فكل هذا تساهل صريح، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا، أو منكرًا ونحو ذلك من أوصاف الضعف (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصحة على كتاب الحافظ أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن (الدارمي) نسبة إلى دارم ابن مالك بطن كبير من تمیم، ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات يوم التروية، ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين، له مسند كبير ثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري، وفيه من المقطوع، والمعضل، والمنقطع، والمرسل، قال الحافظ: ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير، وبالغ بعضهم فسماه صحيحًا، ولم أر له سلفًا في تسميته، وأما تسميته بالمسند: فلكون أحاديثه مسندة، أي في الغالب، وهو مرتب على الأبواب. اهـ (١). (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصحيح على (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أما الدارمي فإنه يريد به كتاب السنن للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وقد اشتهر باسم ((مسند الدارمي)) وأظن ذلك خطأ، وأن المسند كتاب آخر له لم يوجد. وسنن الدارمي كتاب جيد، طبع في الهند مرارًا، قال الحافظ ابن حجر: ((ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير». أما المنتقى فهو للإمام أبي محمد عبد الله ابن علي بن الجارود النيسابوري، وهو كتاب جيد أيضًا، وقد طبع في الهند سنة ١٣٠٩ هـ ولو جعل سادس الكتب الستة - بدلاً من ابن ماجه - لكان أقرب إلى الصواب. (١) انظر التدريب ج ١ ص ١٧٤ . ٨٧ الجُزْءُ الأولُ - ٩٧ - وَدُونَهَا مَسَانِدٌ (وَالْمُعْتَلِيْ مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدِ وَالخَنْظَلِيُ (*)) كتاب الإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري المجاور بمكة، كان من العلماء المتقنين المجودين، توفي سنة سبع وثلاثمائة المسمى بـ (المنتقى) في الأحكام، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة هو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة في مجلد لطيف، وأحاديثه تبلغ نحو الثمانمائة، وتتبعت فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير، وله شرح يسمى بـ((المرتقى في شرح المنتقى))، لأبي عمرو الأندلسي. اهـ. ويحتمل عطف قوله والدارمي والمنتقى على قوله ابن ماجه أي ألحق بعض المتأخرين بالأصول الخمسة مسند الدارمي، والمنتقى، وهو الذي ذكره الشارح الترمسي لكن الأول أوضح. (فائدة): قال العلامة السخاوي: ما حاصله: كتاب النسائي أقلها بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ولذا قال ابن رشيد: إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا، وأحسنها ترصيفًا، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل، بل قال بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر: إنه أشرف المصنفات كلها، وما وضع في الإسلام مثله . ويقاربه كتاب أبي داود، بل قال الخطابي : إنه لم يصنف في علم الدين مثله، وهو أحسن وضعًا وأكثر فقهًا من الصحيحين ويقاربه كتاب الترمذي، بل كان أبو إسماعيل الهروي، يقول: هو عندي أنفع من كتابي البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وهو يصل إلى الفائدة منه كل أحد من الناس. وأما سنن ابن ماجه فإنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث مما حكم عليها بالبطلان أو السقوط أو النكارة. اهـ. كلام السخاوي (١). ولما أنهى الكلام على السنن شرع يبين درجة المسانيد، فقال: وَدُونَهَا مَسَانِدٌ وَ الْمُعْتَلِيْ مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَد وَالحَتْظَليْ (ودونها) أي الأصول الخمسة، وما ألحق بها من الرتبة، أي الصحة كما قال العراقي، أو رتبة الاحتجاج الذي هو أصل بقية المبوبين كما قاله السخاوي (مساند) جمع مسند؛ لأن (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يريد مسند الإمام أحمد بن حنبل ومسند الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه والثاني منهما لم يطبع، ويوجد منه قطعة مخطوطة أوراقها ٣٠٦ في دار الكتب المصرية. وأما مسند الإمام أحمد فإنه مطبوع، وقد شرعت منذ سنين في وضع فهارس منظمة له، على أحدث الطرق وأدقها، مع الكلام على أسانيده من جهة الصحة والضعف، وأسأل الله أن يوفقني لإكماله. إنه سميع الدعاء. (١) فتح ج ١ ص ١٠١، ١٠٢ . ٨٨ شَرُ الْفَيُ الشَّيُوطِى مفعلا يجمع على مفاعل، قال الصنعاني: والمعروف في التصريف جمع مفعل على مفاعل ولكن شاع جمعه مع الياء. اهـ. توضيح ج ١ ص ٢٦٦ . قلت: لكن في القاموس قال: المسند من الحديث ما أسند إلى قائله جمعه مساند، ومسانید. اهـ. فأفاد أنه يجمع بلا ياء أيضًا، وصرف للوزن، وسيأتي تفسيره، وإنما كانت دون السنن لأن شأن المسند أن يذكر فيه ما ورد عن ذلك الصحابي جميعه، فيجمع الضعيف وغيره، بخلافها، فإن مصنفيها لا يوردون إلا ما يصلح للاحتجاج به من الحديث المقبول. ولكن قال الحافظ السخاوي ما حاصله: اعترض بعضهم على ابن الصلاح في تفضيل السنن على مسند أحمد الذي هو أكثر هذه المسانید مطلقًا، وأحسنها سیاقًا، متمسكًا بكونه لم يدخل فیه إلا ما يحتج به، كما دل عليه عدم استيعاب ما عنده من أحاديث الصحابة فيه، وإنما انتقاه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث إلى أن قال: وبالجملة فسبيلُ من أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد واحدٌ (١) إذا جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة، ولا الحسن خاصة. وهذا المحتج إن كان متأهلاً لمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال سنده وحال رواته، كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المساند حتى يحيط علمًا بذلك، وإن كان غير متأهل لذلك فسبيله أن ينظر في كتب الحديث فإن وجدً أحداً من الأئمة صححه، أو حسنه، فله أن يقلده، وإن لم يجد ذلك فلا يقدم على الاحتجاج به، فیکون کحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر. اهـ. فتح ج ١ ص ١٠٥ . ثم إن المسانيد كثيرة: كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند أحمد بن حنبل، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأبي بكر البزار، وأبي القاسم البغوي، وغيرهم، ومن أوسعها مسند بَقِيِّ - بوزن عَلِيّ - ابن مخلد، ومسند الحافظ الحسن بن محمد الماسرجسي، قال الذهبي: فرغ منه مهذبًا معللاً في ثلاثة آلاف جزء، وهذه المسانيد هي التي يذكر فيها طرق الأحاديث، وما لها من المتابعات والشواهد التي اختصرها أهل الصحاح، تسهيلاً للطالبين، وهي متفاوتة الرتبة كما أشار إليه بقوله: (والمعتلي) مبتدأ، أي: المسند العالي رتبة (منها) من تلك المسانيد، متعلق بما قبله (الذي) خبر المبتدأ، أي المسند الذي (ل) لإمام الحجة أبي عبد الله (١) خبر قوله: فسبيل . ٠ ٨٩ - الجُزْءُ الأولْ (أحمد) صرف للضرورة ابن محمد بن حنبل الشيباني، تقدمت ترجمته، ومسنده هذا قال الهيثمي: أصح صحيحًا من غيره، وقال ابن كثير: لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته، وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدًّا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذي في الصحيحين قريبًا من مائتين، وقال الحسيني في كتابه ((التذكرة في رجال العشرة)): عدة أحاديث المسند أربعون ألفًا بالمكرر، وألف الحافظ في الذَّبِّ عن الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وعدتها أربعة وعشرون حديثًا، كتابًا سماه: ((القول المسدد، في الذب عن المسند))، وذيل الناظم ما فاته من الأحاديث المذكورة بجزء سماه ((الذيل الممهد))، مع الذب عنها، وعدتها أربعة عشر حديثًا، وقال الحافظ في ((تعجيل المنفعة في رجال الأربعة)): ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث ((عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة زحفًا))، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوًا، أو ضرب وكتب من تحت الضرب (و) المسند الذي للحافظ الحجة أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطرف المعروف بابن راهويه التميمي (الحنظلي) المروزي النيسابوري نزيلها وعالمها، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة، أملى المسند والتفسير من حفظه، ما كان يحدث إلا من حفظه، وكان يحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، ومسنده هذا في ست مجلدات، قال أبو زرعة: يخرج فيه أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي، وسئل لم قيل له: ابن راهويه؟ فقال: إن أبي ولد في الطريق، فقال المراوزة: (راهويه)، يعني: أنه ولد في الطريق. (خاتمة): لما ذكر الناظم هنا السنن والمسانيد، أحببت أن أبين معناهما مع بيان بعض ما اصطلحوا عليه من الجوامع والأجزاء والأطراف والمعاجم، فقلت: فمنها الجامع، وهو في اصطلاحهم ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث المجموعة في قولي : وَسَيْرًا وفتَنَا وأدَبًا الجَامِعُ الَّذي حَوَى مَنَاقِبًا والنَّامِنُ الأحْكَامُ خَذْ نلتَ الهُدَى تَفْسيراً الرِّقَاقَ والعقائدا ومنها السنن، وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، وليس فيها شيء من الموقوفات، لأن الموقوف لا يسمى عندهم سنة، ويسمى حديثًا، أفاده الكتاني(١). (١) الرسالة المستطرفة ص ٢٥. لكن في قوله: وليس فيها شيء من الموقوفات؛ نظر لا يخفي. ٩٠ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِ - ومنها المسانيد، وهي ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة رضي الله عنهم بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإِسلامية، أو يوافق شرافة النسب. ومنها المعاجم، وهي ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ سواء اعتبر تقدم وفاة الشيخ، أو توافق حروف التهجي، أو الفضيلة، أو التقدم في العلم والتقوى، ولكن الغالب هو الترتيب على حروف الهجاء، ومن هذا القسم المعاجم الثلاثة للطبراني. ومنها الأجزاء، وهو تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد سواء كان صحابيًّا، كجزء حديث أبي بكر، أو غيره كجزء حديث مالك، وقد يختارون مطلبًا من المطالب الثمانية المذكورة في معنى الجامع، كما صنف أبو بكر بن أبي الدنيا في باب: النية، وذم الدنيا، والآجري في باب: رؤية الله. ومنها المستخرجات، وقد مر تفسيرها في النظم. ومنها المستدركات، وهي كتب استدرك فيها ما فات من كتاب آخر على شريطته كمستدرك الحاكم. ومنها العلل: وهي الكتب التي تجمع فيها الأحاديث المعلولة مع بيان علله كعلل الدار قطني. ومنها كتب الأطراف، وهي التي يذكر فيها طرف الحديث الدال على بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعباً، أو مقيدًا بكتب مخصوصة، وتمام البحث في مقدمة تحفة الأحوذي والرسالة المستطرفة للكتاني. وبالله التوفيق. (تتمة) الزيادات في هذا الباب قوله: ((وليرتب مراتبًا))، وقوله: ((او إرسال، او تدليس او جهالة))، وقوله: ((يرقى عن الإنكار ... ))، إلى قوله: ((من مظنات الحسن))، وقوله: (مع جواز أنه وهن))، وقوله: ((قلنا احتياطًا حسنًا قد جعله))، وقوله: ((أجب بأن مسلمًا ... ))، البيت، وقوله: ((قلنا اصطلاح ينتمي))، وقوله: ((والآخرون ألحقوا ... )) إلى قوله: ((فإن فيهم وهن))، وقوله: ((والدارمي، والمنتقى)، وقوله: ((والمعتلي) ... البيت. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ٩١ - الجُزْءُ الأولُ مسألة ٩٨ - الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَ الْحُسْنِ(*) عَلَى مَتْنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا ٩٩ - فَقِيلَ: يَعْنِي اللُّغَوِي، وَيَلْزَمُ وَصْفُ الضَّعيف، وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ مسألة أي هذا مبحثها، في الكلام على الجمع بين صحيح وحسن في كلام الترمذي في حديث واحد وعلى ألفاظ مستعملة في المقبول. الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ عَلَى مَتْنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا (الحكم) مبتدأ خبره، قوله (على متن) إلخ (بالصّحة والحسن) متعلق به، وكذا الغرابة، وإنما لم يذكرها مع أنها واقعة أيضًا في كلامه حيث يقول: هذا حديث حسن صحيح غريب لأنها لا تنافي الصحة والحسن، وقوله (على متن) خبر المبتدأ، أي: كائن على متن إلخ. (رواه الترمذي) جملة في محل جر، صفة لـ (متن) (و) لكن هذا الاستعمال (استشكلا) فعل ونائب فاعله، والألف للإطلاق. ومعنى البيت: أن الحكم بالصحة والحسن واقع في كلام الإمام الترمذي في جامعه في حديث واحد، حيث يقول: هذا حديث حسن صحيح، وكذا وقع في كلام غيره كعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة وأبي علي الطوسي، والبخاري، وإنما خص الترمذي بالذكر ؛ لأنه أكثر استعمالاً لذلك، ولكن هذا الاستعمال مستشكل قديمًا وحديثًا، لأن الحسن قاصر عن حد الصحيح، كما قدمناه، فلا يمكن الجمع بين إثبات القصور ونفيه في حديث واحد، وقد اجتهد النظار في الجواب عنه، وذکر کل أنه أجود ما عنده، ثم تعقبه من جاء بعده، كما أشار إلى الأول بقوله: وَصْفُ الضَّعيف، وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ فَقِيلَ : يعْنِي اللُّغَوِي ، وَيَلْزَمُ (فقيل) في الجواب عنه (يعني) أي: يريد بالحسن معناه (اللغوي) وهو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب، وهذا القول للإمام ابن الصلاح. وحاصله أنه غير مستنكر أن بعض من قال ذلك عنى معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده (ويلزم) على هذا الجواب (وصف) الحديث (الضعيف) بل والموضوع إذا كان حسن اللفظ بأنه حسن (وهو) (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: مع حسن. ٩٢ شَرْع الْفِيَةُ السَّيُوطِىّ - ١٠٠ - وَقِيلَ : بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ وَفِيهِ شَيْءٌ، حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ ١٠١- وَقِيلَ : مَا تَلْقَهُ يَحْوِي العُلْيَا فَذَاكَ حَاوِ أَبَدًا لِالدُّنْيَا ١٠٢- كُلُّ صَحِيحِ حَسَنٌ لا يَنْعَکسْ (وَقِيلَ : هَذَا حَيثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ أي الوصف المذكور (نكر لهم) بضم، فسكون أي منكر عند المحدثين. وهذا الرد لابن دقيق العيد. وحاصله أنه يلزم وصف الحديث الضعيف والموضوع بالحسن إذا كان اللفظ حسنًا، وهذا لا يقوله أحد من المحدثين، إذا جروا على اصطلاحهم. لكن اعترض الحافظ على ابن دقيق العيد بأن هذا الإلزام عجيب، لأن ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يجتمع الوصفان الصحة والحسن فحكمه بالصحة يمنع كونه موضوعًا، وأشار إلى الثاني بقوله: وَقِيلَ : بِاعْتَبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ وَفِيهِ شَيْءٌ، حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ (وقيل) في الجواب أيضًا وهوَ لابن الصلاح أيضًا وتبعه النووي (باعتبار تعداد السند) أي الوصف بهذين الوصفين إنما يكون إذا تعدد السند، بأن روي بإسنادين أحدهما صحيح، والآخر حسن، فحينئذٍ يصح أن يقال فيه ذلك، أي: صحيح باعتبار إسناد، حسن باعتبار إسناد آخر (وفيه) أي: في هذا الجواب (شيء) من الاعتراض (حيث وصف) بالرفع مبتدأ مضاف إلى قوله (ما انفرد) و ((ما)) عبارة عن السند، موصولة، أو موصوفة، والخبر محذوف أي: موجود، والجملة مضاف إليه لـ( حيث). والمعنى: حيث وجد وصف الترمذي لسند منفرد. وحاصل معنى البيت أنه إنما يقول ذلك لتعدد سنده، لكن هذا معترض لأنه يقول ذلك في الأحاديث التي لا مخرج لها إلا واحد، كالحديث الذي أخرجه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضى الله عنه ((إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا)) وقال فيه: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. وأشار إلى الثالث بقوله : فَذَاكَ حَاوِ أَبَدًا للدُّنْيَا وَقِيلَ : مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلَيَا وَقِيلَ : هَذَا حَيْثُ رَأَيٌ يَلْتَبسْ كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكسُ (وقيل) في الجواب أيضًا، وهو للعلامة أبي الفتح ابن دقيق العيد (ما) مبتدأ، أي الحديث الذي (تلقاه) بالقاف من اللقي، أي تجده، أيها المحدث (يحوي) أي يجمع الدرجة (العليا) ٩٣ - الجُزْءُ الأولُ ١٠٣ - وَصَاحبُ النُّخْبَة: ذَا إِنْ انْفَرَدْ إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ) وهي الحفظ والإتقان، وهو معنى الصحة (فذاك) أي الحاوي للعليا، مبتدأ ثانٍ (حاو) أي جامع، خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، ودخلت الفاء فيه لما في ما من معنى العموم (أبدًا) متعلق بـ((حاو))، أي لا محالة (للدنيا) أي للدرجة الدنيا تأنيث الأدنى، وهي صفة الحسن التي هي كالصدق. وحاصل معنى البيت: أن الحديث الذي وجدت فيه الصفات العليا وجدت فيه الصفات الدنيا، إذ الحسن لا يشترط فيه القصور على الصحة إلا حيث انفرد الحسن، أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة، تبعًا للصحة، فعلى هذا يلزم أن يقال (كل صحيح حسن) و (لا ينعكس) ذلك، فلا يقال: كل حسن صحيح. ثم أشار إلى الرابع بقوله (وقيل) في الجواب، وهو للحافظ ابن كثير (هذا) أي وصفه بالوصفين (حيث رأي) للمجتهد (يلتبس) عليه، فالجمع بينهما درجة متوسطة، وعلى هذا فما يقول فيه: حسن صحيح أعلى رتبة من الحسن، ودون الصحيح. وحاصل هذا الجواب أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله، هل اجتمعت فيه شروط الصحة، أو قصر عنها اقتضى للمجتهد أن لا یصفه بأحد الوصفین، فیقال فیه، حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحیح باعتبار وصفه عند قوم آخرين، و غاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول حسن، أو صحيح، أفاده في شرح النخبة(١). ثم أشار إلى الخامس بقوله: إِسْنَادُهُ ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ وَصَاحِبُ النَّخْبَةِ : ذَا إِنْ انْفَرَدْ (و) الإمام الحافظ (صاحب النخبة) مبتدأ خبره محذوف، أي قائل يعني : أن صاحب (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر))، قال(٢) متوسطًا بين كلامي ابن الصلاح، وابن كثير (ذا) مبتدأ خبره جملة الشرط وجوابه، والجملة مقول للخبر المقدر، أي جواب ابن كثير (إن انفرد إسناده) أي إسناد الحديث، إذ لا يتمشئ إلا عليه (و) ذلك (الثان) بحذف الياء للضرورة مبتدأ خبره الظرف، أي الجواب الثاني، وهو الذي ذكره بقوله: وقيل باعتبار تعداد السند، وهو الجواب الثاني من جوابي ابن الصلاح (حيث ذو عدد) أي: حیث رواه ذو تعدد، اثنان فصاعدًا، إذ لا يتمشئ إلا عليه، وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ما قيل فيه: صحيح فقط . (١) انظر: شرح النخبة بحاشية لقط الدرر ص ٥٨ . (٢) ص ٥٧ ، ٥٨ . ٩٤ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِي - ١٠٤ - وَقَدْ بَدَاَ لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ لَمْ يُوَجَدَا لِأَهْلِ هَذَا الشَّانِ ١٠٥ - أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ لَغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا النَّرْجِيحُ ١٠٦ - أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِي بِهُ يُحَدْ وَهُوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ (*) وحاصل معنى البيت أن صاحب النخبة قال: إن جواب ابن كثير إنما يتمشئ إذا انفرد إسناد الحديث، وجواب ابن الصلاح الثاني إذا تعدد إسناده. ثم أشار إلى جواب سادس كما في نسخه المحقق أحمد محمد شاكر بقوله : لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّان وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَان لِغَيْرِهِ ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحیحُ وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِي بِهُ يُحَدْ (وقد بدا) أي ظهر (لي فيه) أي: فيما يقول فيه الترمذي وغيره حسن صحيح (معنيان) يكونان جوابًا لما استشكل (لم يوجدا) هذان المعنيان (لأهل هذا الشان) ممن تكلم في هذا الموضوع، ثم فسرهما بقوله (أي حسن لذاته) أي: الحديث الذي قيل فيه ذلك حسن لذاته على الحد الذي مر بيانه، لكون رجاله رجال الحسن وهو (صحيح لغيره) لوجود ما يرقيه إلى درجة الصحيح، كما أشار إليه بقوله (لما) بفتح اللام وتشديد الميم أي حين بدا أي ظهر (الترجيح) أي المرجح، بمعنى المقوي، فالظرف يتعلق بصحيح، ويحتمل أن تكون اللام جارة و ((ما)) فالظرف يتعلق بصحيح، ويحتمل أن تكون اللام جارة و ((ما)) مصدرية، أي ثبتت له الصحة حين ظهر المرجح، أو لظهور المرجح. وحاصل المعنى: أن الحديث الذي قيل فيه حسن صحيح لما وجدت فيه شروط الحسن سماه حسنًا، ولما وجد مقويًا عاضدًا، كأن تعددت طرقه سماه صحيحًا، فهو جامع للوصفين، وهذا المعنى يتمشى إذا تعددت الطرق (أو) للتقسيم (حسن) أي الحديث المذكور حسن (على) المعنى (الذي به) أي: الحديث الموصوف بالحسن (أصح) أي أقوى (ما) أي: (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الذي أراه أن كل هذه الأجوبة عن قول الترمذي: ((حسن صحيح)) عقب أحاديث كثيرة في سننه: فيها تكلف ظاهر، وتقييد له باصطلاح لعله لم يتقيد به، وما أظنه يريد بهذا إلا تأكيد صحة الحديث: بالترقي به من الحسن إلى الصحة. والله أعلم بالصواب. ٩٥ الجُزْءُ الأولْ ١٠٧ - وَالْحُكْمُ بِالصَّحِّة للإِسْنَاد وَالْحُسْنِ دُونَ الَتْنِ لِلنَّقَّاد ١٠٨ - (لعلَّةٌ أَوْ لشُذُوذ) وَأَحْكُمٍ ے لِلْمَتْنِ إِنْ أُطْلَقَ ذُو حِفْظِ نُمِي الحديث الذي (هناك) أي في ذلك الباب الذي قيل فيه ذلك (وقد ورد) أي جاء وروي. وحاصل المعنى: أن الحديث الذي قيل فيه صحيح حسن، حسن لوجود أوصاف الحسن، وهو أقوى ما روي في ذلك الباب، فكل ما روي سواه لا يقوى قوته، وهذا یتمشى على ما لم تتعدد طرقه. والحاصل: أن الناظم رحمه الله قسّم قول الترمذي حسن صحيح إلى قسمين: قسم تعددت طرقه فأجاب عنه بأن حسن لذاته صحيح لغيره، وقسم لم تتعدد طرقه، فأجاب عنه بأنه حسن لوجود أو صافه وهو أصح ما روي في ذلك الباب. قلت: أقوى الأجوبة عندي ما قاله بعض المحققين ممن أدركه الحافظ كما في نكته ج ١ ص ٤٧٨ أن اللفظين مترادفان، فيكون إتيانه بالثاني بعد الأول على سبيل التأكيد، كما يقال: صحيح ثابت، أو جيد قوي، أو غير ذلك. كما وجد ذلك في عبارة الدار قطني وغيره. والاعتراض بأن التأسيس خير من التأكيد مندفع بوجود القرينة الدالة على ذلك، كما قاله الحافظ في النكت. والله ولي التوفيق (١) . ولما كان أهل الحديث تارة يحكمون بالصحة، والحسن، والضعف على الإِسناد، دون المتن، لعدم التلازم بينهما في ذلك بيَّن ذلك بقوله: وَالْحُكْمُ بِالصَّحِّة للإسْنَاد وَالْحُسْنِ دُونَ الَتْنِ لِلنُّغَّادِ لِلْمَتْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظِ نُمِي لعلَّة أَوْ لِشُذُودِ وَاحْكُمٍ (والحكم) مبتدأ (بالصحة) متعلق به، وكذا قوله (للإسناد) أي حكم بعض الحفاظ لأي إسناد کان بأنه صحیح کقوله: هذا حديث صحيح الإسناد والحسن عطف على الصحة، كقولهم: هذا حديث حسن الإِسناد، وكذا الضعف (دون المتن) الظرف حال من الإسناد، أي حال كون الحكم للإِسناد متجاوزاً المتن. (١) قد كنت رجحت في الطبعة الأولى رأي ابن دقيق العيد تبعًا للحافظ في نكته، وهو قريب من هذا الرأي أيضًا لكن هذا أوضح، وأبعد من التكلف . ٩٦ شَرْعَ الْفِيَةُ السُّوطِيّ - ١٠٩- (وَلَلْقَبُول يُطْلِقُونَ جَيِّدَاً وَالثَّابتَ الصَّالِحَ وَالْمُجَوَّدَا ١١٠ - وَهَذه بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالْحَسَنْ وَقَرِّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ ١١١ - وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ؟ نِزَاعٌ ثَابِتُ) وقوله: (للناقد) خبر المبتدأ، أي للبصراء بعلل الحديث، جمع ناقد، تشبيهًا بالصيرفي الناقد للدراهم والدنانير. وحاصل معنى البيت: أن النقاد يحكمون على الإسناد بالصحة والحسن، وكذا الضعف، وهو كثير في كلام الدار قطني، والحاكم، وذلك کقولهم: هذا حديث إسناده صحيح أو حسن، أو ضعيف من غير أن يحكموا بذلك للمتن، لأنه لا تلازم بينهما، إذ قد يصح الإسناد أو يحسن، لاستجماع شروطه من الاتصال، والعدالة، والضبط، دون المتن (لعلة أو الشذوذ) أي: لأجل وجود علة قادحة في ذلك المتن، أو لوجود شذوذ فيه ولا يخدش في عدم التلازم ما تقدم من أن قولهم: هذا حديث صحيح مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر، لا قطعًا، لعدم استلزامه الحكم لكل فرد من أسانيد ذلك الحديث، وعلى كل حال فالتقييد بالإسناد ليس صريحًا في صحة المتن ولا ضعفه، بل هو على الاحتمال إن صدر ممن لم يطرد له عمل فيه، أو اطرد فيما لم تظهر له صحة متنه، ولذلك كان منحط الرتبة عن الحكم للحديث (و) لكن (احكم) أيها المحدث العزيز، إن كنت من ذوي التمييز بما حكم به النقاد للإِسناد من الصحة والحسن (للمتن) أيضًا (إن أطلق) الحكم للإِسناد بواحد منهما (ذو حفظ مي) بالبناء للمفعول أي نسب إلى الحفظ، وهو إشارة إلى أن ذلك الحافظ مشهور معتمد عليه في التصحيح والتحسين، ممن عرف بعدم التفرقة بين اللفظين خصوصًا إن كان في مقام الاحتجاج. وحاصل المعنی: أنه إن أطلق ذلك ولم یذکر له علة ولم يقدح فیه، فلك أن تحكم على المتن أيضًا؛ لأن الأصل والظاهر هو عدم العلة . ولما كانت ألفاظ متداولة بين المحدثين يستعملونها في مقبول الحديث ذكر ذلك بقوله : وَلَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا (وَلَلْقَبُولِ يُطْلقُونَ جَيِّدَاً وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ وَهَذهَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ) وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ ٩٧ - الجُزْءُ الأولُ (وللقبول) أي: الحديث المقبول في الأحكام وغيرها من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، أو باقٍ على مصدريته، أي: الدلالة على قبول الحديث، متعلق بقوله (يطلقون) أي يستعمل المحدثون ألفاظًا، منها: ما ذكره بقوله: (جيداً، والثابت، الصالح، والمجودا) بفتح الواو المشددة، ومنها القوي، والمعروف، والمحفوظ، والمشبه. فأما الجيد: فقال الحافظ في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد ابن حنبل أن أصحها الزهري، عن سالم، عن أبيه: عبارة أحمد: أجود الأسانيد، كذا أخرجه الحاكم، قال: وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح، ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة، وفي جامع الترمذي في الطب هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم، إلا أن الجهبذ(١) منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي. وأما الصالح: فقد تقدم في شأن سنن أبي داود أنه شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضًا في ضعيف يصلح للاختبار. وأما المعروف: فهو مقابل المنكر، والمحفوظ: مقابل الشاذ وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما. والمجود، والثابت: يشملان أيضًا الصحيح على خلاف في الثابت يأتي (وهذه) الألفاظ المذكورة دائرة (بين الصحيح والحسن) فتستعمل فيهما، وكذا القوي، وأما المشبه فذكره بقوله (وقربوا مشبهات) أي جعلوها قريبة (من) درجة (حسن) فهي بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح، فتطلق على الحسن، وما يقاربه. ولما اختلفوا في لفظ الثابت ذكره، بقوله (وهل يخص بـ) الحديث (الصحيح الثابت) أي لفظه، يعني أنهم إذا قالوا: هذا حديث ثابت هل هو مختص بالصحيح؟ فالباء داخلة على المقصور عليه، وهو جائز إلا أن الغالب دخولها على المقصور (أو يشمل الحسن) أيضًا فيه (نزاع ثابت) بين المحققين، وجزم في التدريب بالشمول. (تتمة): الزيادات في هذا الباب: قوله: ((وقيل هذا حيث رأي يلتبس)) إلى آخر البيتين، وقوله: ((وقد بدا لي فيه معنيان)» (١) الجهبذ - بالكسر -: النَّقَّادُ الخبير . اهـ . ق. ٩٨ شَرْعُ الْفِيَةُ السَّيُظِيُّ - الضعيف ١١٢ - هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الْحُسْنِ خَلا (وَهُوَ عَلَى مَرَاتِب قَدْ جُعلا) ١١٣ - وَأَبْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْديدُ إِلَى كَثِيرِ (وَهْوَ لا يُفِيدُ) إلى آخر البيت الثالث، وقوله: ((لعلة أو الشذوذ)). والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على القسم الثاني من الأقسام الثلاثة، وهو الحسن أتبعه بالقسم الثالث، وهو الضعيف، فقال: الضعيف أي هذا مبحثه، وهو النوع الثالث من أنواع علوم الحديث: (وَهْوَ عَلَى مَرَاتب قَدْ جُعلا) هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الْحُسْنِ خَلا إِلَى كَثِير (وَهَّوَ لا يُفْيَدُ) وَأَبْنُ الصَّلاَحِ فَلَّهُ تَعَدِيدُ (هو) أي الضعيف مشتق من الضعف بفتح الضاد وضمها، وهو لغة ضد القوة، واصطلاحًا: هو الحديث (الذي عن صفة) الحديث ذي (الحسن) من الصفات المتقدمة (خلا) سندًا أو متنا، ولا يحتاج لضم الصحيح إليه كما ضمه ابن الصلاح، والنووي، لأنه إذا قصر عن الحسن كان أقصر عن الصحيح، وإن قلنا بتباينهما (وهو) أي الضعيف (على مراتب) بالصرف للضرورة متفاوتة (قد جعلا) بألف الإطلاق بحسب شدة ضعف رواته وخفته كما تفاوتت صحة الصحيح، وفيه إشارة إلى أن منه أضعف كما أن في الصحيح أصح؛ ثم من الضعيف ما له لقب خاص كالموضوع والشاذ وغيرهما، وسيأتي، ومنه ما لا لقب له، وهو الأكثر (و) أما الحافظ العلامة أبو عمرو (ابن الصلاح فله تعديد) لأنواع الضعيف في مقدمته (إلى كثير) من الأنواع، وذلك باعتبار فقد صفة من صفات القبول الستة وهي الاتصال، والعدالة، والضبط، والمتابعة في المستور، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وباعتبار فقد صفة مع صفة أخرى تليها أولاً، أو مع أكثر من صفة إلى أن تفقد الستة، فبلغت فيما ذكره العراقي، في شرح الألفية اثنين وأربعين قسمًا، وأوصله غيره إلى ثلاثة وستين، وجمع في ذلك قاضي القضاة شرف الدين المناوي كراسة، ونوع ما فقد الاتصال إلى ما سقط منه الصحابي، أو واحد غيره، أو اثنان، وما فقد العدالة إلى ما في ٩٩ الجُزْءُ الأولُ - ١١٤ - ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّةْ صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَد عَنْ مُرَّهُ (*) سنده ضعيف، أو مجهول، وقسمها بهذا الاعتبار إلى مائة وتسعة وعشرين قسمًا باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وقوعها، قال الحافظ : إن ذلك تعب، ليس وراءه أرب، فإنه لا يخلو: إما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضعيف، وما كان منها أضعف، أو لا، فإن كان الأول، فلا يخلو من أن يكون لأجل أن یعرف أن ما فقد من الشروط أکثر أضعف أو لا ، فإن كان الأول فلیس کذلك، لأن لنا ما يفقد شرطًا واحدًا ويكون أضعف مما يفقد الشروط الخمسة الباقية، وهو ما فقد الصدق، وإن كان الثاني فما هو؟ وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف، فإن كان لتخصيص كل قسم باسم فليس كذلك، فإنهم لم يسموا منها إلا القليل، كالمعضل، والمرسل، ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسمًا بالبسط؟ فهذه ثمرة مرة، أو لغير ذلك فما هو؟ انتهى (١). وإلى ما ذكره الحافظ أشار بقوله: (وهو لا يفيد) يعني أن هذا التقسيم لا فائدة فيه. ثم تكلم على بعض أوهى الأسانيد على نمط ما تقدم في الصحيح تبعًا للحاكم فقال: صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَد عَنْ مُرَّةْ ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهُ (ثم) بعد أن عرفت تعريف الضعيف وتفاوت مراتبه وانقسامه إلى كثير، فاعرف بعض أوهى الأسانيد، فمنها (عن) أبي بكر الصديق رضي الله عنه متعلق بما بعده (الاوهى) أي السند الأضعف (كره) بفتح الكاف وتشديد الراء المفتوحة بوزن ((مرة)) ومعناها، فقوله: (الاوهى)) خبر مقدم، وقوله (صدقة) بالصرف للضرورة، مبتدأ مؤخر، ويحتمل العكس، وهو صدقة بن موسى الدقيقي، أبو المغيرة البصري، يروي عن أبي عمران الجوني، وثابت، وعنه يزيد بن هارون، ومسلم بن إبراهيم، ضعفه النسائي. اهـ. ((خلاصة)). ص ١٧٣ . حال كونه راويًا (عن فرقد) هو ابن يعقوب السبخي، بفتح المهملة والموحدة، وبخاء معجمة، أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لين الحديث، كثير الخطأ، مات سنة (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أوهى الأسانيد عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه: ما رواه صدقة بن موسى الدقيقي عن أبي يعقوب فرقد بن يعقوب السبخي - بسين مهملة وباء موحدة مفتوحتين وكسر الخاء المعجمة - عن مرة الطيب بن شراحيل الهمداني عن أبي بكر، وضعف الإسناد من أجل الكلام في صدقة وفرقد، ولم يحسن المؤلف في هذا، إذ أنه يوهم أن الإسناد من أوهى الأسانيد، مع أن ضعفهما محتمل، بل قد وثقهما بعض الأئمة. (١)انظر التدريب ج ١ ص ١٧٩ . ١٠٠ شَرْج الُيُالشّيُطِيّ ١١٥ - وَالْبَيْتِ عَمْرُوْ ذَا عَنِ الْجُعْفِيِّ عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلىّ (*) إحدى وثلاثين ومائة، حال كونه راويًا (عن مرّه) بن شراحيل، يقال: مرة الطيب، وتقدمت ترجمته. وذكر في الميزان متن هذا السند مرفوعًا ((لا يدخل الجنة خب ولا بخيل، ولا سيئ الملكة)) . قال المحقق أبو الأشبال أحمد محمد شاكر في تعليقه: وضعف هذا الإسناد من أجل الكلام في صدقة، وفرقد، ولم يحسن المؤلف في هذا، إذ يوهم أن هذا الإسناد من أوهى الأسانيد، مع أن ضعفهما محتمل، بل قد وثقهما بعض الأئمة. اهـ. ص ٢٠ . عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ وَالْبَيْتِ عَمْرُوْ ذَا عَنِ الْجُمْفِيِّ (والبيت) بالجر عطف على الصديق، أي أوهى الأسانيد لأهل البيت (عمرو) بالرفع عطفًا على ((صدقة)) عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور، وهو عمرو بن شمر الجعفي الشيعي، قال البخاري: منكر الحديث، وروى عباس، عن يحيى، ليس بشيء، وقال الجوزجاني: زائغ كذاب، قال ابن حبان: رافضي یشتم الصحابة، ويروي الموضوعات عن الثقات. وقال یحیى: لا یکتب حديثه، وقال الدار قطني: متروك الحديث، قاله في الميزان، ج ٣ ص ٢٦٨ (ذا) أي عمرو يروي (عن) جابر بن يزيد (الجعفي) الكوفي، من علماء الشيعة. قال ابن مهدي عن سفيان: كان جابر الجعفي ورعًا في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث، وقال شعبة، صدوق، إذا قال: أخبرنا، وحدثنا، وسمعت، فهو من أوثق الناس، وقال وكيع: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه ترك يحيى القطان جابرًا الجعفي، وتركه عبد الرحمن، ويحيى بأخرة(١) . وقال النسائي وغيره: متروك. وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه. قاله في الميزان. ج ١ ص ٢٧٩، ٢٨٠. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر الجعفي الشيعي عن جابر بن يزيد الجعفي عن الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني عن علي عليه السلام، وأشدهم ضعفًا عمرو بن شمر، فإنه رافضي كذاب يشتم الصحابة، وأما جابر والحارث ففيهما خلاف قديم معروف. وللشيعة أسانيد أوهى من هذا جدًّا، يراها من يقرأ في كتبهم ويعجب منها. (١) قوله: بأخرة بهمزة وخاء وراء مفتوحات ثم مثناة مربوطة، والوقف عليها بالهاء بوزن ثمرة: أي اختل ضبطه في آخر عمره، وآخر أمره، ويقال أيضًا بآخرة: بمد الهمزة وبالتاء المربوطة، وأيضًا بالهاء ضمير الغائب. أفاده بعض المحققين .