Indexed OCR Text

Pages 201-220

- ٢٠١ -
دون الموضحة لا تبلغ حكومتها أرش الموضحة ، وإن قبح سينها ، وقال
سعيد بن المسيِّب : كل نافذة في عضو من الأعضاء ، ففيها ثلث دية
ذلك العضو . ولو قطع كفاً لا أصبع عليها ، ففيها الحكومة ، ولو
قطع يدأ صحيحة من الكوع ، فتدخل حكومة الكف في دية الأصابع .
وقال أبو عبيد بن حرب من أصحاب الشافعي : لا تجب في اليد نصف
الدية ما لم يقطعها من المنكب ، وعامة أهل العلم على خلافه ، وكذلك
لو قطع قدماً لا أصابع عليها ، ففيها الحكومة ، فإن كانت صحيحة ،
ففيها الدية وحكومة القدم تتبعها ، فإن قطع اليد من المرفق ، أو
الرّجل من الركبة، ففيها الدية مع حكومة للساعد والساق.
وروي عن عمر أنه قال : في اليد الشلاء ثلث الدية، وبه قال
مجاهد ، وإليه ذهب أحمد ، وإسحاق، وروي عن عمر أيضاً أنه قال :
في العين القائمة ثلث الدية ، وبه قال إسحاق .
وروي عن عمر أنه قضى في الترقوةِ بجمل، وفي الضلع بجمل (١).
وقد قيل : إن عمر أوجب ذلك على طريق الحكومة ، لا أن فيها
بدلاً مقدراً .
ودية أطراف المرأة على النصف من دية أطراف الرجل عند أكثر
(١) أخرجه مالك ٨٦/١/٢ في العقول: باب جامع عقل الإنسان من
حديث زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب ، عن أسلم مولى عمر أن عمر
قضى في الضرس بجمل ، وفي الترقوة بجمل، وفي الضلع بجمل .
وإسناده قوي، ورواه الشافعي ٢٧٢/٢، ٢٧٣ عن مالك . قال
الشافعي : أما في الترقوة والضلع ، فأنا أقول بقول عمر ، لأنه لم يخالفه
غيره من الصحابة فيما علمت، وأما الضرس ، ففيه خمس لما جاء عن النبي
صلى الله عليه وسلم .

- ٢٠٢ -
أهل العلم، وحكي عن سعيد بن المسيّب أنه قال: المرأة تُعاقل الرجل إلى
ثلث ديتها ، ومثلُه عن عروة بن الزبير، وبه قال الزهري ، فإذا بلغت
ثلث الدية، كانت المرأة فيها على النصف من الرجل حتى قالوا : في ثلاث
أصابع منها ثلاثون من الإبل، وفي أربع أصابع عشرون ، ويُروى
هذا عن عمر ، وعن زيد بن ثابت أنها سواء إلى الثلث ، فإذا زاد على
الثلث ، فعلى النصف .
وبدل أطراف العبد يعتبر بقيمة نفسه حتى لو قطع إحدى يديه
يجب فيها نصف قيمته ، وإن قطع بديه ، ففيها كمال قيمته ، وهو قول.
سعيد بن المسيّب ، وسلمان بن يسار ، وإليه ذهب الشافعي ، وأصحاب
الرأي ، وذهب قوم إلى أن فيها ما انتقص من قيمته كما في البهائم ،
وقال مالك : في موضحة العبد نصف عُشر ثمنه، وفي المنقِّلة عْشر
ونصف العُشر من منه، وفي المأمومة، والجائفة في كل واحدة منها
ثلث منه، وفيما سوى هذه الأربع مما يصاب من العبد قدر ما نقص
من ثمنه .
باب
دبْ أهل الكتاب
٢٥٤٢ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو
طاهر محمد بن محمد بن محميش الزيادي ، أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن
يحيى بن بلال ، نا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر بن منيع العبدي ، نه
يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي ، عن ابن إسحاق قال : فحدثني
محمرو بن شعيب ، عن أبيه

- ٢٠٣ -
عَنْ جَدِّهٍ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللهِ عَلِ النَّاسَ عَامَ
الفَتْحِ ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إَنَّهُ لَا حِلْفَ في الإِسْلامِ،
وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِيُّ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ الإسْلامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّ
شِدَّةً، أُمُؤْمِنُونَ يَدُ عَلى مَنْ سِوَاهُمْ، يُحِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ،
وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَى فَعِيْدَتِهِمْ :
٧
لَا يُقْتَّلُ مُؤْمِنُ بِكَافِرٍ ، دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَّةِ الْمُسْلِ ،
لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤَخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّ فِي دُورِهِمْ"(١).
قوله: ((لا حلف في الإسلام)) قد صح عن جبير بن مُطعم قال :
قال رسول الله عَلَّم: ((لا حِلَّفَ في الإسلام، وأيُّما حلفٍ كان في
الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)) (٢).
قال الخطابي: ((لا حلفَ في الإسلام)) يريد على ما كانوا في الجاهلية ،
كانوا يتواضعون فيما بينهم بآرائهم . قال الإمام : كان ذلك في الجاهلية
بمعنى الأخوة يبنون عليها أشياء جاء الشرع بإبطالها ، والأخوة في الإسلام
(١) إسناده حسن ، وأخرجه أحمد (٦٦٩٢) وروى أبو داود (١٥٩١)
منه قوله ((لاجلب .. إلى آخره)) من حديث ابن إسحاق عن عمرو بن
شعيب ... وروى أيضاً (٤٥٣١) بعض معناه من طريق يحيى بن سعيد
عن عمرو بن شعيب ... وروى الترمذي (١٥٨٥) منه مسألة الحلف من
طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب ، وقال : حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٣٠) في الفضائل : باب مؤاخاة النبي صلى
الله عليه وسلم بين أصحابه، وأبو داود (٢٩٢٥) في الفرائض : باب في
الحلف .

- ٢٠٤ -
ثابتة على حكم الشرع، وقد رُوي عن أنس قال: حالف النبي ◌َله بين
قريش والأنصار في داري (١) . قال سفيان بن عيينة: معنى حالف،
أي : آخى، وإلا فلا حلفَ في الإسلام، كما جاء في الحديث ، قال
الإمام : يعني على ما كان من حكم الجاهلية .
واختلف أهل العلم في دية اليهودي ، والنصراني إذا كان ذمياً أو
معاهداً ، فذهب قوم إلى أن ديته مثل دية المسلم ، رُوي ذلك عن ابن
مسعود ، وبه قال الشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، وهو قول سفيان
الثوري ، وأصحاب الرأي ، وذهب جماعة إلى أن ديته نصف دية المسلم ،
روي ذلك عن عروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال مالك ،
وابن شبرمة ، وأحمد ، غير أن أحمد قال : إذا كان القتل خطأ ، فإن
كان عمداً، لم يُقد به، ويضاعف عليه باثني عشر ألفاً، وذهب جماعة إلى
أن ديته ثلث دية المسلم ، رُوي ذلك عن عمر ، وعثمان، وهو قول
(١) أخرجه البخاري ٣٨٧/٤، ٣٨٨ في الكفالة: باب قول الله عز وجل
( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) من حديث عاصم الأحوال
قال : قلت لأنس بن مالك : أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((لاحلف في الإسلام)) فقال: قد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم
بين قريش والأنصار في داري ، وأخرجه مسلم ( ٢٥٢٩ ) وأبو داود
(٢٩٢٦١) وزاد ((مرتين أو ثلاثا)) قال الطبري: ما استدل به أنس على
إثبات الحلف لاينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه ، فإن الإخاء المذكور
كان في أول الهجرة ، وكانوا يتوارثون به ، ثم نسخ من ذلك الميراث ،
وبقي ما لم يبطله القرآن وهو التعاون على الحق، والنصر ، والأخذ على
يد الظالم كما قال ابن عباس : إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصي له
وقد ذهب الميراث .

- ٢٠٥ -
سعيد بن المسيِّب ، والحسن ، وعكرمة، وإليه ذهب الشافعي ،
وإسحاق .
وُرُوي عن عمر أنه قال : دية اليهودي ، والنصراني أربعة آلاف ،
ودية المجوسي ثمانمئة (١) . وهذا قول سليمان بن يسار، وبه قال مالك،
إِن دية المجوسي ثمائة درهم ، وإليه ذهب الشافعي . قال الإمام : ودية
عبدة الأوثان إذا دخلوا إلينا بأمان مثل دية المجومي .
وقوله: ((لا جَلَبَ ولا جَنّبَ)) فالجلب يكون في شيئين: يكون
في سباق الخيل ، وهو أن يتبع الرجل فرسه ، ويجلب عليه ، ويزجره
الزجر الذي يزيد في شأوه، فنهي عن ذلك ، بل يجب أن يركضا فرسيها
بتحريك اللجام ، والاستحثاث بالضرب بالسوط من غير إِجلاب بالصوت .
وقيل معناه : أن يجتمع قوم ، فيصطفوا وقوفاً من الجانبين ، ويجلبوا
فنهوا عن ذلك ، وقد يكون الجلب في الصدقات ، وهو أن يقدم الساعي ،
فينزل موضعاً ، ثم يُرسل إلى أرباب المواشي ليجلبوا إليه مواشيهم ،
فيأخذ صدقتها ، فنُهي عن ذلك ، بل يحضر الساعي دورهم ، فإذا أوردوا
الماشية الماء ، أخذ صدقتها على مياهها ، وإذا جَزَأتِ الماشيةُ عن الماء
حضر بيوتهم ، فأخذها في أفنيتهم . وهو معنى قوله: ((ولا تؤخذ
صدقاتهم إلا في دورهم )).
وأما الجنب ، فيفسر أيضاً على وجهين ، أحدهما: هو أن يجنُّب فرساً
(١) أخرجه الشافعي ٢٧٥/٢ عن فضيل بن عياض ، عن منصور بن
المعتمر، عن ثابت بن الحداد، عن ابن المسيب أن عمر قضى في دية اليهودي
والنصراني بأربعة آلاف ، وفي دية المجوسي بثمانمئة درهم .

- ٢٠٦ -
عرباً إلى فرسه الذي يُسابق عليه حتى إذا فتر المركوب ، تحول منه
إلى الجنوب ، يقال: جنبت الفرس أجنبه : إذا قدته ، وقد يكون في
الصدقة وهو أن أرباب الأموال لا يجنْبُون ، أي: لا يبعُدون عن
مواضعهم ، فيشق على المصدق اتباعهم وطلبهم .
ـاب
وْ الجنبى
٢٥٤٣ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا قتيبة ، حدثنا
الليث ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب
عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ أَنَّهُ قَضَى رَسُولُ اللهِ ﴾ِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ
مِنْ بَنِ يَخْيَانَ سَقَطَ مَيّاً بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ
الَّي قَضَى عَلَيْهَا بِالغُرَّةِ تُوَّفِيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ عَّ
بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالعَقْلُ عَلى عَصَبَتِهَا .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم أيضاً عن قتيبة
ابن سعيد .
(١) البخاري ٢٠/١٢ في الفرائض: باب ميراث المرأة والزوج مع
الولد وغيره، وفي الطب: باب الكهانة، وفي الديات : باب جنين المرأة،
ومسلم ( ١٦٨١) (٣٥) في القسامة: باب دية الجنين ..

- ٢٠٧ -
٢٥٤٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن
عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلِ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا
الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِيْنَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ
ـلايت
بِغُرَّةِ : عَبْدٍ، أَوْ وَلِيْدٍ .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
والغرة من كل شيء: أنفسه ، والمواد من الحديث : النسمة من الرقيق ،
ذكراً كان أو أنثى يكون ثمنها نصف عُشر الدية، وقال أبو عمرو بن
العلاء : الغرة: عبد أبيض، أو أمةٌ بيضاء ، وسمي غرة لبياضه،
وذهب إلى أنه لا يُقبَلُ فيه العبدُ الأسود، ولم يقُل به أحد .
وروي عن عمر أنه سأل عن إملاص المرأة ، فقال المغيرة بن شعبة :
قضى فيه رسول الله وَلقم بغرة (٢). وأراد بالإملاص: الجنين، سميّ
(١) ((الموطأ)) ٨٥٥/٢ في العقول: باب عقل الجنين، والبخاري ٢١٨/١٢
٢١٩ في الديات: باب جنين المرأة، ومسلم (١٦٨١) في القسامة: بابدية
الجنين .
(٢) أخرجه البخاري ١٢ / ٢٢١ في الديات: باب جنين المرأة، ومسلم
(١٦٨٩) في القسامة: باب دية الجنين أن عمر استشار الناس في إملاص
المرأة ، فقال المغيرة بن شعبة : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى
فيه بغرة: عبد أو أمة .. فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك، قال : فشهد
محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به .

- ٢٠٨ -
إملاصاً ، لأن المرأة تُزلقُهُ قبل وقت الولادة ، وكل ما زلق من اليد
أو غيرها، فقد ملص يملَصُ. والعقل: هو الدية، قيل: سمي بذلك
من العقل الذي هو بمعنى الشد ، وذلك أن القاتل كان يأتي بالإبل فيعقلها ،
أي : يشدها بالعيقال في فناء المقتول، وبه سميت العصبة التي تحمل العقل
عاقلة، وقيل : سميت عاقلة من المنع ، والعقل: هو المنع، وبه سمي
العقل المركب في الإنسان ، لأنه يمنعه مما لا يحسنُ ، ولا يجمل ، فكأن
أهل القاتل يقومون بنصرته ، فيمنعون أولياء المقتول عنه بالسيف ، فجعل
الشرع ذلك المنع والنصرة بأداء الدية .
قال الإمام : إذا جني على امرأة حامل ، فألقت جنيناً ميناً يجب
على عاقلة الضارب غرةٌ: عبدٌ، أو أمةٌ من أي نوع كان من الأرقاء
سواء كان الجنين ذكراً، أو أنتى ، وإن سقط حياً، ثم مات ، فقيه
الدية كاملة ، وإن ألقت جنينين ميتين، فعليه غرتان ، ولمستحقها أن
لا يقبلها معيبة كالإبل في الدية ، وله أن لا يقبل دون سبع سنين ، أو
ثمان سنين. وقال أبو حنيفة : يجب قبول الطفل إذا كانت قيمتها
خمسمئة درهم . وإذا عدمت الغرة ، ففيه نصف عشر دية المسلم ، وهي
خمس من الإبل في قول الشافعي ، وقال مالك: ستمئة درهم ، وقال إبراهيم :
خمسمئة درهم ، وقال ربيعة : الغرة خمسون ديناراً ، أو ستمئة درهم،
عُشر دية الأم، وقال أبو حنيفة: عليه غرة أو خمسمئة درهم، أو
خمسون ديناراً، والأقاويل متقاربة من حيث إن كل واحد أوجب نصف
عشر الدية، والشافعي قول آخر : إن الغرة إذا عُدمت يجب قيمتها ،
وذهب بعضهم إلى أنه يجب عليه غرة عبد : أو أمة ، أو فرس ، أو
بغل ، لما روي عن عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو ، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله عَلَّم في الجنين بيغُرَّةٍ:

- ٢٠٩ -
عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغلٍ (١). ورواه حماد، وخالد
الواسطي عن محمد بن عمرو ، ولم يذكرا الفرس ، والبغل ، فقد قيل :
هذا وهمّ من عيسى بن يونس (٢). وروي عن طاووس، ومجاهد، وعروة
ابن الزبير أنهم قالوا: الغُرة: عبدٌ، أو أمة، أو فرس. وقال بعضهم:
عبدٌ، أو أمة، أو فرسٌّ، أو بغل، كما جاء في الحديث.
وعند الشافعي يجب في جنين النصرانية ثلثُ الغُرة، فإن كان الأبٌ
مسلماً ، ففيه كمال: الغرة، وإن كان أحدُ أبويه نصرانياً، لأنه مسلم
بإسلام الأب . وفي جنين المجوسية "خمسُ ثلث الغرة، وإن كان أحد
أبويه نصرانياً، والآخر مجوسياً ، فيعتبر بأكثرهما دية . وفي جنين
الأمة إن كان رقيقاً عُشر قيمة أمه ، وعند أبي حنيفة يعتبر قيمته بنفسه ،
فإن كان ذكراً، ففيه نصف عُشر قيمته، وإن كان أنثى، فعشر
قيمتها .
وفي الحديث دليل على أن ضمان الجنين على العاقلة ، وفيه دليل
على أنه لا يجب على ابن الجاني شيءٌ من الدية في قتل الخطأ ، أو شبه
العمد ، كما لا يجب على الجاني ، وكذلك لا يجب على أحد من آباء الجاني
إنما يجب على الإخوة وبنيهم ، والأعمام وبنيهم ، فإن لم يكن فيهم وفاء ،
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٧٩) في الديات: باب دية الجنين . وخرجه
الترمذي (١٤١٠)، وابن ماجة (٢٦٣٩) وليس في حديثهما ((أو فرس
أو بغل)) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) وهو يغلط أحياناً فيما يروي، وقال البيهقي: ذكر البغل
والفرس فيه غير محفوظ .
شرح السنة ج ١٠ جـ ١٤

- ٢١٠ -
فيجب على المُعتق إن كان على الجاني ولاء ، وعلى عصبات المعتق ، ولا
يجب على أب المعتق ، ولا على ابنه كما في النسب .
رُوي أن امرأة أعتفت عبداً لها، ثم توفيت ، فتركت ابنها وأخاها،
ثم توفي مولاها، فجعل النبي مؤلفّم ميراثه لابن المرأة ، فقال أخوها :
يا رسول الله لو أنه جرّ جريرة على مَنْ كانت؟ قال: عليك (١).
وقضى عمر بن الخطاب على علي بن أبي طالب أن يَعقِل عن موالي
صفية بنت عبد المطلب ، وقضى الزبير بميرائهم ، لأنه ابنها ، وإنما تجب
على من كان منهم عاقلاً ، بالغاً ، واجداً .
ولا يحمل امرأة ، ولا صبي ، ولا مجنون ، ولا عبد ، ولا يعقل
الكافر من المسلم ، ولا المسلم من الكافر ، وتجب الدية على العاقلة في
ثلاث سنين، كذلك قضى رسولُ الله مَ ◌ٍّ . ولا يجب على من كان منهم
موصيراً في كل عام أكثر من نصف دينار ، وعلى كل متوسط أكثر من
ربع دينار ، والاعتبار في اليسار بآخر الحول ، فإن لم يكن في العاقلة
وفاء يكمل من بيت المال ، وكذلك إن لم يكن للقاتل الخطإ عاقلة ،
فالدية في بيت المال، لأنه روي عن النبي مَوِِّ: ((لا يُتركُ في الإسلام
مُفْرَجٌ . يروى هذا بالجيم، والحاء ، أما بالجيم، فقال محمد بن الحسن:
هو القتيل يوجد بأرض فلاة يودى من بيت المال ، ولا يبطل دمه .
قال أبو عبيدة : هو أن يُسْلِمّ الرجلُ، ولا يوالي أحداً، فإذا جنى جناية
(١) أخرجه الدارمي ٣٧٢/٢ في الفرائض: باب الولاء من حديث
محمد بن عيسى " عن معمر ، عن خصيف ، عن زياد أبي مريم وفيه
انقطاع .

- ٢١١ -
كانت على بيت المال ، لأنه لا عاقلة له ، وقال ابن الأعرابي: المُفرج:
الذي لا عشيرة له ، وأما بالحاء ، فهو الذي أنقله الدّين ، يقال : أفرحه ،
أي: أثقله، ويُروى: مفدوح بالدال ، ومعناه هذا، يقال : فدحه
الدين، أي : أنقله .
ودية الطرف إن بلغت دية النفس تحميله العاقلةُ في ثلاث سنين ، وإن
لم تزد على الثلث ، ففي سنة واحدة ، ولا يُضرب له أقل من سنة،
وإن كان شيئاً قليلًا ، وإن زاد على الثلث إلى الثلثين، ففي سنتين الثلث
في سنة، والباقي في سنة . وقال أبو عنيفة: لا تحمل العاقلة ما دون
أرش الموضحة .
وبدل العبد إذا قتل خطأ ، أو قطع طرف منه تحمله العاقلة على
قول الشافعي في الجديد ، وقال في القديم : يكون في ماله ، وبه قال
مالك كقيمة البهائم ، وقال أبو حنيفة : تحمل العاقلة بدل نفس العبد ،
ولا تحمل بدل طرفه .
بابـ
القمامة
٢٥٤٥ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي،
ومحمد بن أحمد العارف قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيريء ،
نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد الوهّاب بن
عبد المجيد الثقفي ، عن يحيى بن سعيد ، عن بُشير بن يسار

- ٢١٢ -
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُخْيِّصَةً
ابْنَّ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا لَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ
اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ أُخو المَفْتُولِ
وُخُوَ يُّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلى رَسُولِ اللهِ عَهِ، فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ
عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: ((تَحْلِفُونَ خْسينَ
◌َيْنَاً، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، أَوْ قَاتِلِكُمْ، فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ تَخْضُرْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَةٍ:
(( فَتُبْرِثُكُمْ بَهُودُ بِخَمْسِينَ يَيْنَاً)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ
فَكَيْفَ تَقْبَلُ أَيْمانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟! فَزَتَمَ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهُ عَقْلَهُ
مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهْلُ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي
(١)
فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الفَرَائِضِ فِي مِرْ بَدٍ لَنَا .
هذا حديث صحيح (٢) أخرجه مسلم عن محمد بن مُنْنى، عن عبد
الوهّاب الثقفي، وأخرجه من ◌ُطُرْقٍ أُخر عن يحيى بن سعيد.
٢٥٤٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد
الله النعيميُّ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، أنا سلمان بن
حرب ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن بُشير بن يسار
مولى الأنصار
(١) أي: رفستني .
(٢) الشافعي ٢٥٨/٢، ومسلم (١٦٦٩) (٢) في أول القسامة.

- ٢١٣ -
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَا
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّا خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا
في النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْنِ بْنُ
سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ عَ لَيْهِ، فَتَكَلَّمُوا
في أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمنِ وَكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ،
فَقَالَ لَهُ الَِّيُّ نَّهِ: ((كَبِرِ الكُبْرَ)»، قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي لِيَلِ
الكَلَمَ الْأَكْبَرُ .
فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َهِ:(( أَتَسْتَحِقُونَ
قَتِيلَكُمْ، أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ بِأَيمَانٍ خَمْسِينَ مِنْكُمُ ، فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قَالَ: ((فَتُبْرِ ثُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمانِ
خَمْسِينَ مِنْهُمْ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ كُفَّارُ ! فَقَدَأُهُمْ
رَسُولُ اللهِ عَّهِ مِنْ قِبَلَهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةٌ مِنْ
تِلْكَ الإِبلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدَاً لَهُمْ، فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِها .
هذا حديث متفق على صحته (١: أخرجه مسلم عن عبيد الله بن عمر
(١) البخاري ٤٤٣/١٠ في الأدب: باب إكرام الكبير، وفي الصلح:
جاب الصلح مع المشركين ، وفي الجهاد : باب الموادعة والمصالحة مع
المشركين بالمال وغيره ، وفي الديات : باب القسامة، وفي الأحكام: باب
كتاب الحاكم إلى عماله، والقاضي إلى أمنائه، ومسلم (١٦٦٩) (٢) في
أول القسامة .

- ٢١٤ -
القواريري ، عن حماد بن زيد، وقال : فجاء أخوه عبد الرحمن ، وابنا
محمه ◌ُوَيِّصة ومحيِّصَّة إلى النبي ◌ِلُ وساق إلى أن قال: فقال رسول
الله ◌ِلة: (( ◌ُقسِم خمسون منكُم على رجل منهم، فيدفع برُمْتِهِ (١).
٢٥٤٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن أبي ليلى بن (٢) عبد
الله بن عبد الرحمن بن سهل
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرَجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ
قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ وَنُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبِرَ مِنْ
جَهْدٍ أَصَابَهَا، فَأُتِيَ مُخَيِّصَةُ، فَأُخبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ
(( قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍِ، فَأَتَّى يُهُودَ، فَقَالَ:
أَنْتُمْ وَاللهِ قَدْ قَتْلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى
قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذْلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وأُخْوهُ
حُوَّيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ أُخْو
المَقْتُولِ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ،
(١) أي: يسلم إليكم بحبله الذي شد به لئلا يهرب، قال في ((المصباح))
الرمة : القطعة من الحبل ، وأخذت الشيء برمته ، أي : جميعه ، وأصله
أن رجلا باع بعيراً وفي عنقه حبل، فقيل : ادفعه برمته ، ثم صار كالمثل
في كل مالا ينقص ولا يؤخذ منه شيء .
(٢) في (ب) عن وهو خطأ، وقد سقطت لفظة ابن في صحيح مسلم
المطبوع ويقال : اسمه عبد الله.

- ٢١٥ -
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَ﴾: ((لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ)) يُريد
السّنَّ، فَتَكَلَّم ◌ُحُوَيْصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ حَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
عَلِ: ((إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ))
فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ عَّهِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا
وَاللهِ مَا قَبَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهْ لِحُوَّيِّصَةَ، وُحَيِّصَةَ،
وَعَبْدِ الرَّحْمنِ: ((أَتْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟)) قَالُوا:
لَا، قَالَ: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ)) قَالُوا: لَيْسُوا يُمُسْلِمِينَ؟!
فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ عَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ
نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارِ: قَالَ سَهْلُ: لَقَدْ رَكَضَتْي
مِنْهَا نَاقَةُ حْرَاءِ .
حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
وأخرجه مسلم عن إسحاق بن منصور ، عن بشر بن عُمَر، كلاهما عن
مالك .
قوله: ((وُطُرحَ في فقير)) أي : بئر، وفقير النخل: حفرة
تحفر للفسيلة إذا ◌ُحُوّت لتغرس فيها ، والفقير : فم القناة ،
١) ((الموطأ)) ٨٧٨٠٨٧٧/٢ في القسامة: باب تبرئة أهل الدم في
القسامة والبخاري ١٦٠/١٣ في الأحكام : باب كتاب الحاكم إلى عماله
:
والقاضي إلى أمنائه، ومسلم (١٦٦٩) (٦).

- ٢١٦ -
وقيل : سُمي سيفُ رسول الله وَ لَّمَ ذا الفقار، لأنه كانت فيه مُحُفر
صغار حسان .
وقوله: ((كبّر كبّر)، فيه إرشاد إلى أن الأكبر أحق بالإكرام
وبالبداية بالكلام .
قال الإمام : صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل ، وادَّعى وليُّه
على رجل ، أو على جماعة ، وعليهم لوث ظاهر ، واللوث : ما يغلب
على القلب صدقُ المدعي بأنه وُجِدَ فيما بين قوم أعداء لهم لا يخالطهم
غيرهم ، كقتيل خير وُجِدَ بينهم ، والعداوة بين الأنصار ، وبين أهل
خيبر ظاهرة ، أو اجتمع جماعة في بيت ، أو صحراء ، وتفرقوا عن
قتيل ، أو وُجد في ناحية قتيل، وَثمّ رجلٌّ مختضِبٌ بدمه، أو شهد
عدل واحد على أن فلاناً قتله ، أو قاله جماعة من العبيد والنسوان ، جاؤوا
متفرقين بحيث يُؤْمَنُ تواطُؤْهُم ونحو ذلك من أنواع اللوث ، فيبدأ
بيمين المدعي، فيحلف خمسين يميناً ، ويستحق دعواه ، وإن لم يكن
هناك لوث ، فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه ، كما في سائر الدعاوى ،
ثم يَحلِفِ يِيناً واحداً، أم خمسين يميناً؟ فيه قولان، أقيسهما: يحلف يميناً
واحداً .
وممن ذهب إلى البداية بيمين المدعي : مالك ، والشافعي ، وأحمد
قولاً بظاهر الحديث ، وإذا بدأنا بيمين المدعي وهم جماعة ، توزع الأيمان
الخمسون عليهم على قدر مواريثهم على أصح القولين ، ويُحبَر الكسر ،
والقول الثاني: يحلف كل واحد منهم خمسين يميناً ، فإن نكل المدعي
عن اليمين ، رُدت إلى المدعى عليه، فيحلف خمسين يميناً على نفي القتل ،
فإن كانوا جماعة تُوزع عليهم على عدد رؤوسهم على أصح القولين .

- ٢١٧ -
وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لا يُبدأ بيمين المدعي، بل يُحلّف
المدعى عليه، وقالوا: إذا وُجِدَ قتيل في محلة يختار الإمامُ خمسين رجلاً
من صلحاء أهلها ، ويحلّفُهُم على أنهم: ما قتلوه ، ولا عرفوا له قائلًا، ثم
يأخذ الدبة من أصحاب الخطة ، فإن لم يعرفوا، فمن سكانها ، وليس في
شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة
أو الاستحقاق على مذهب من يرى رد اليمين على المدعي ، أو يحكم في
المال باليمين مع الشاهد .
واختلف أهل العلم في وجوب القصاص بالقسامة ، فذهب قوم إلى
وجوب القصاص فيها، لقوله: (( تحلفون وتستحقون دم صاحبكم)).
روي ذلك عن ابن الزبير ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب
مالك ، وأحمد ، وأبو ثور ، هذا كمالو لم يكن هناك لوث ، ونكتل
المدعى عليه عن اليمين يحلف المدّعي ، ويستحق القود .
وذهب جماعة إلى أنه لا يجب به القود ، بل تجب الدية مغلظة في
ماله ، ◌ُوي ذلك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن البصري ، والنخعي ،
وهو قول الثوري ، وقول الشافعي في الجديد ، وأصحاب الرأي ،
وإسحاق، وتأولوا قوله : ((دم صاحبكم)) أي: ديته، وقد روي
من طريق آخر: ((إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يُؤذنوا بجرب)، أما
إذا ادّعى قتل خطإ، أو شبه محمد، وحلف، فالدية على العاقلة وكان الحكم (١)
لا يرى القَسامة شيئاً .
(١) هو الحكم بن عتيبة الثقة الثبت الفقيه من الطبقة الخامسة مات
سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها وله نيف وستون سنة أخرج له الجماعة
وقوله هذا أخرجه ابن أبي شيبة عنه كما ذكر الحافظ في («الفتح»٢٠٣/١٢

- ٢١٨ -
وفي الحديث دليل على ثبوت رد اليمين إذا نكل مَن تُوجه عليه
اليمين حتى لو ادّعى على رجلٍ حقاً ، فأنكر ونكل عن اليمين ، لا يُقضى
عليه بالنكول ، بل يرد اليمين على المدعي ، فإن حلف ، استحق دعواه ،
وهو قول الشافعي ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن اليمين لا تُرد ، بل
◌ُقضى بالنكول على المدعى عليه. وفيه أن الحكم بين أهل الذمة كالحكم
بين المسلمين في أنهم يحلفون إذا توجه عليهم اليمين، وإذا حلفوا، برئوا ،
وذهب مالك إلى أن أيمان أهل الكتاب لا تُقبل على المسلمين، كما لا تقبلُ
شهادتهم، وفيه أنهم لما لم يرضوا بأيمان الكفار، وداهُ النبي ◌ِّ من عنده
إذ كان من سُننه أن لا يترك دماً حراماً هدراً ، وهو على المسلمين ،
وَوَلِيٍّ أمرهم. وتثبُت القسامة في قتل العبيد على قول الشافعي في الجديد ،
وهو الأصح ، فيحلف سيِّده خمسين يميناً إذا كان "ثمْ لوث، وتستحق
قيمته على من يدعي عليه ، ولا قسامة في الأطراف ، بل القول فيه قول
المدَّعى عليه مع يمينه ، سواء كان "ثمّ لوث أو لم يكن .
وُرُوي عن سعيد بن عبيد الطائي عن بُشير بن يسار في قتيل خيبر
أن النبي ◌َِّقُّ قال لهم: ((تأتوني بالبينة على من قتل)) قالوا : ما لنا
بيّنةٌ، قال: ((فيحلفون لكم(١))). وعن رافع بن خديج أن النبي
وقد ذكر القاضي عياض ان القسامة أخذ بها كافة الائمة والسلف من
الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين
والكوفيين وإن اختلفوا في صورة الأخذ بها ، وروي التوقف عن الاخذ
بها عن طائفة ، فلم يروها شيئاً ، ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا
مذهب الحكم بن عتيبة ، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن
يسار وقتادة، ومسلم بن خالد ، وإبراهيم بن علية .
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه)) ٢٠٣/١٢، ٢٠٦ في الديات:
باب القسامة .

- ٢١٩ -
وَالمُ قال: ((لَكُم شاهدان؟)) قالوا: لم يكن ثمْ أحدٌ من المسلمين
قال: (( فاختاروا منهم خمسين فاستحلفهم (١))) والروايات الصحيحة ما سبق
من البداية بأيمان المدّعين.
٢٥٤٨ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله
الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف، قالا : أنا أبو بكر الخيري ،
نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن ◌ُيينة ، عن
عمرو بن دينار
عَنْ طَاؤُوسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َظَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ
◌ِمِيّةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحِجَارَةٍ، أَوْ جْدٍ بِالسَّوْطِ، أَوْ ضَرْبٍ
بِعَصَا، فَهُوَ خَطَأْ، عَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عْدَاً، فَهُوَ
قَوَدُ يَدِهِ ، فَمَنْ حَالَ دُونَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ، لَا يَقْبَلُ
مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلُ (*)
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٢٤) في الديات: باب ترك القود بالقسامة
وإسناده صحيح لولا تدليس هشيم، وقال صاحب ((الجوهر النقي))
١٢٠/٨ سنده حسن، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن القاسم
ابن عبد الرحمن الهذلي الكوفي قال : انطلق رجلان من أهل الكوفة الى
عمر بن الخطاب، فرجها: قد صدر عن البيت، فقال: إن ابن عم لنا قتل،
ونحن اليه شرع سواء في الدم وهو ساكت عنهما. فقال : شاهدان ذوا
عدل يحثان به على من قتله ، فنقيدكم منه .
(٣) الشافعي ٢/ ٢٦٤، وأخرجه أبو داود (٤٥٣٩) و ٤٥٤٠١) و (٥٩١])

- ٢٢٠ -
هذا حديث مرسل ، ورُوي عن سلمان بن كثير ، عن عمرو بن
دينار، عن طاووس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله مؤلم :
وذكر معنى حديث سفيان .
وقوله: ((عميّة)) فعلية من ((العمى)) ومعناه : أن يترامى القوم ،
فيوجد بينهم قتيل لا يُدرى من قاتِلُهُ، ويعمى أمرُهُ ، ففيه الدية .
واختلف أهل العلم فيمن يلزمه دية هذا القتيل ، قال مالك : ديته
على الذين نازعوهم ، وقال أحمد ، وإسحاق : ديته على عواقل الآخرين ،
وقال الأوزاعي : عقلُه على الفريقين جميعاً إلا أن تقوم بيِّنّة من غير
الفريقين أن فلاناً قتله، فعليه القصاص، وقال ابنُ أبي ليلى ، وأبو
يوسف : ديته على عاقلة الفريقين ، وقال أبو حنيفة : على عاقلة القبيلة
التي وُجد فيهم إذا لم يدَّع أولياءُ القتيل على غيرهم، وقال الشافعي :
هو قسامة إن ادّعوه على رجل بعينه ، أو على طائفة بعينها ، وإلا فلا
عقل ولا قود ، وكان علي إذا أتي بالقتيل قُتل بين الفريقين ، حمله على
أصقب القريتين إليه ، يعني : على أقربها منه .
٢٥٤٩ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد
الله الثُّعيميّ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل . ناعبد الرحمن
ابن المبارك ، نا حماد بن زيد ، نا أبوب ، ويونس ، عن الحسن
عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهْبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجلَ،
فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُريدُ ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا
مرسلا وموصولا، ووصله النسائي ٣٩/٨، ٤٠ في القسامة : باب من قتل
بحجر أو سوط، وابن ماجة (٢٦٣٥) في الديات. باب من حال بين ولي
المقتول وبين القود أو الدية وإسناده حسن .