Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٣٠١ -
أما سائر الصلوات والجمعة، فلا يُحسّبُ أذانها قبل دخول أوقاتها ،
روي عن جابر بن سَمُرَةَ أن بلالاً كان يؤذّنُ الظهر إذا دَحَضّتِ
الشّمْسُ (١).
قال مالك : لم يزلِ الصبحُ يُنادى لها قبل الفجر ، فأما غيرها من
الصلوات ، فلم ترها يُنادى لها إلا بعد أن يَحُلَّ وقتها.
قلت : ويُستحبُ أن يكون مُؤْذِّنَانٍ، أحدهما يؤذَّن قبل الفجر ،
والآخر بعده، كما كان النبي مؤلفه، ويُذكرُ أن قوماً اختلفوا في الأذان،
وأقرع سعد بن أبي وقاص بينهم .
قلت : والفجرُ فجرانِ: الكاذبُ، والصادقُ، فالكاذبُ يطلع أولاً
مستطيلًا يَصْعَدُ إلى السماء، قسميه العرب: ذنبَ السِّرْحَانِ، فيطلوعه
لا يدخل وقتُ الصبح، ولا يجرمُ الطعامُ والشرابُ على الصائم ، ثم
يغيبُ ذلك، فيطلُعُ الصادق مستطيراً معترضاً ينتشيرُ في الأفق ، فيطلوعه
يدخل وقتُ صلاة الصبح ، ويحرم الطعامُ والشراب على الصائم .
وإذا أذن رجل ، فهو أولى بالإقامة ، وإذا أذن اثنان ، فأولهما أذاناً
أولاهما بالإقامة، ◌ُوي عن زياد بن الحارث الصُّدّائي قال: أمرني
رسول الله وَلَّمَ أن أُؤْذَّنَ في صلاة الفجر، فأذنت ، فأراد بلال أن
◌ُقيم"، فقال رسول الله وَعَ ((إِنَّ أَخا ◌ُدّاء "قَدْ أَذْنَ، وَمَنْ
(١) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٦٠٦) في المساجد: باب متى يقوم
الناس للصلاة، وتمامه: (( فلا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ،
فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه )) .
- ٣٠٢ -
أذَّنَ فهو يقيْمُ)) (١) وفي إسناده ضعف، والعمل عليه عند أكثر أهل
العلم أن مَنْ أَذَّنَ فهو أولى بالإقامة .
وُرُوي أن عبدَ الله بن زيد الذي أُرِيَ الأذانَ في المنام ، فقال له
رسول الله مواقع ((ألفِهِ عَلى بلالٍ)) فألقاه عليه، فأذن، فقال
عبد الله : أنا رأيتُه، وأنا كنتُ أريده، قال: فأقِمْ أنت (٢).
وقال مالك: إقامته وإقامة غيره سواء (٣).
(١) رواه أحمد ١٦٩/٤، وأبو داود (٥١٤) في الصلاة. باب في
الرجل يؤذن ويقيم آخر ، والترمذي ( ١٩٩ ) في الصلاة : باب ما جاء أن
من أذن فهو يقيم ، وابن ماجة ( ٧١٧ ) في الأذان : باب السنة في الأذان،
كلهم من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي ، وهو مختلف فيه ،
والأكثر على تضعيفه ، ومال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي
٧٦/١ و ٣٨٤ إلى توثيقه وتوهين قول من ضعفه، فراجعه إن شئت.
(٢) أخرجه أبو داود ( ٥١٢ ) في الصلاة: باب في الرجل يؤذن
ويقيم آخر ، وفي سنده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري ، وهو ضعيف
واختلف عليه فيه ، فقيل: عن محمد بن عبد الله ، وقيل : عبد الله بن محمد ،
ورواه الحاكم في ((المستدرك» والحازمي في «الناسخ والمنسوخ)»: ٢٤، والدار قطني ص:
٩٠، والطحاوي ص: ٨٥ من طريق أبي العميس، عن عبد الله بن محمد
ابن عبد الله بن زيد ، عن أبيه ، عن جده أنه حين أري الأذان أمر بلالاً
فأذن، ثم أمر عبد الله بن زيد، فأقام . وعبد الله بن محمد ، لم يوثقه غير
ابن حبان .
(٣) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٧٩/١: لا يستحب لمن أذن أن.
يقيم عندنا ( أي عند الحنفية ) وعند مالك ، وقال الشافعي وأحمد : يستحب.
باب
الأذان للفائدة والاقامة لها
٤٣٦ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم' ( ح)، وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصّالحي ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن
الخيري ، نا أبو العباس الأصمُ ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن
أبي ◌ُفَدَيكٍ ، عن ابن أبي ذئب ، عن المَقْبُري ، عن عبد الرحمن بن
أبي سعيد الخدري
عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى
كانَّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ هُوِيََّ مِنَ اللّيْلِ حَتَّى كُفِيْنَا، وذَلِكَ قَولُ
اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (وكَفَى اللهُ الْمُؤْمِيْنَ الْقِتَالَ ، وكانَ
اللهُ قَوِياً عَزِيْزاً ) [ الأحزاب: ٢٥]، فَدَعَا رُسُولُ اللهِ
ونَ﴾ِ بَلَالاً، فَأَمَرَهُ، فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلََّهَا، فَأَحْسّنَ
صَلاَتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيْهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَ قَامَ الْعَصْرَ ، فَصَلََّهَا
كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءُ
فَصَلََّهَا أَيْضَاً كَذَلِك، قَالَ : وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلاةٍ
- ٣٠٤ -
الخَوْفِ (فَرِ جَالاً أَوْ رُكْبَانَاً) [البقرة: ٢٣٩](١).
قلتُ : ورُوي عن أبي عبيدة بن عبد الله قال: قال عبد الله:
إنّ المشركين تْغَلُوا رسول الله عَ لقل عن أربع صلوات يوم الخندق حتى
ذهب من الليل ما شاء اللهُ، فَأَمَرَ بلالاً، فأذَّن، ثم أقام.، فصلّى
الظهر ، ثم أَقام ، فصلّى العصرَ، ثم أقام ، فصلّى المغربَ، ثم أقام ،
فصلى العشاءَ (٢).
قال أبو عيسى: ليس بإسناده بأس ، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه .
٤٣٧ - أخبرنا أبو الحسن الشَّيْرَزِيءُ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصْعَب (٣) ، عن مالك، عن ابن شهاب
(١) الشافعي في ((المسند)) ٥٥/١، و«الأم» ٥٧/١، وأخرجه أحمد ٢٥/٣
و ٤٩ و ٦٧، والنسائي ١٧/٢ في الأذان: باب الأذان للفائت من الصلوات
والبيهقي ٤٠٢/١، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٨٥) وغيره .
(٢) رواه الترمذي ( ١٧٩) في الصلاة: باب ما جاء في الرجل تفوته
الصلوات بأيتمن يبدأ، وأحد ١ / ٣٧٥، ٤٢٣، والنسائي ١٧/٢، ورجاله
ثقات ، إلا أنه منقطع كما قال الترمذي ، ولكنه يتقوى ويعتضد بحديث أبي
سعيد الخدري قبله .
(٣) في ( أ ): معصب، وهو تحريف ، وأبو مصعب هذا: هو أحمد
ابن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري المدني الفقيه، مات سنة ٢٤٢، وقد نيف على التسعين ، وقد لازم
مالكاً، وروى عنه ((الموطأ))، وهو آخر الموطآت التي عرضت على مالك
وقد ذكر ابن حزم أن في نسخته زيادة على نسخ غيره نحو مائة حديث .
- ٣٠٥ -
عَنْ سَعِيْدٍ بِنِ الْمُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّهِ حِيْنَ قَفَلَ مِنْ
خَيْبَرَ أَشْرَى، حتى إذا كانَ مِنْ آخِرِ الَّيْلِ عَرَّسَ، وقَالَ لِلَالٍ:
إِكْلَأُ لَنَا الْسُبْحَ، وَامَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأَ
بِلَالْ مَاقُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إلى ◌َاِلَتِهِ وهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ ،
فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُ رَسُولُ اللهِ عَ ◌ٍّ، ولا بِلَالٌ،
ولا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَ بَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَفَرِعَ رَسُولُ
اللهِ عٍَّ، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، فَقَالَ بَلَالُ: يا رَسُولَ اللهِ
أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ:
((اقْتَادُوا) فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ، فَاقْتَادُوا شَيْئًاً، ثُمَّ أَمَرَ
وَُولُ اللهِّهِ بِلَالاً، فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَمَلَّى لَهُمُ الصُّبْحَ،
ثُمَّ قَالَ حِيْنَ قَضَى الصَّلاةَ: (( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذا
ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) .
قلت : هكذا رواه مالك في ((الموطأ)) (١) مرسلًا ، وكذلك رواه سفيان
ابن ◌ُعيَيْنة، عن الزهري، وكذلك رواه عبد الرزاق ، عن مَعْمَرٍ ،
(١) ١٣/١، ٠١٤
شرح السنة: ٢ - ٢٠ : ج ٢
- ٣٠٦ -
عن الزهري ◌ُرَسَلًا (١). ورواه أبَانُ العَطَّارُ، عن مَعْمَر مسنداً،
وقال : فأمرَ بلالاً فأذّن وأقام وصلّى (٢).
وأخبرنا بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، أنا القاسم بن جعفر ، أنا
أبو علي اللُّؤْلُؤْيُ، نا أبو داود، نا أحمد بن صالح ، نا ابن وهب ،
أخبرني يونس، عن ابن شهاب ، عن ابن المُسَيِّب ، عن أبي هريرة
بمعنى مارواه مالك .
وهذا حديث صحيح (٣) أخرجه ◌ُلم قال: حدثني "حَرْمَلَةُ بنُ
يحيى، أنا ابنُ وَهُب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد
(١) قال الزرقاني في «شرح الموطأ» ٣١/١: وهذا مرسل عند جميع
وواة الموطأ ، وقد تبين وصله ، فأخرجه مسلم وأبو داود ، وابن ماجة من
طريق ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن
أبي هريرة ... ورواية الإرسال لا تضر في رواية من وصله، لأن يونس من
الثقات الحفاظ، احتج به الأئمة الستة، وقابعه الأوزاعي، وأبن إسحاق في
رواية ابن عبد البر، وتابع مالكاً على إرساله معمر في رواية عبد الرزاق
عنه ، وسفيان بن عيينة، ووصله في رواية أبان العطار عن معمر ، لكن
عبد الرزاق أثبت في معمر من أبان، ومحمد بن إسحاق في ((السيرة »، عن ابن
شهاب ، عن سعيد بن المسيب مرسلاً، فيحمل على أن الزهري حدث به
على الوجهين مرسلاً وموصولاً .
(٢) هو في «سنن أبي داود (٤٣٦) وإسناده صحيح .
(٣) أبو داود (٤٣٥) في الصلاة: باب في من نظام عن الصلاة،
ومسلم ( ٦٨٠) في المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، وأخرجه أحمد ٢٩٨/٥،
و ٣٠٢ و ٣٠٧، وابن ماجة ( ٦٩٧) في الصلاة: باب من قام عن الصلاة
أو نسيها .
- ٣٠٧ -
ابن المُسَيّب ، عن أبي هريرة بهذا ، ولم يذكر الأذان .
ورواه أبو حازمٍ، عن أبي هريرةٍ، وقال: ((ثم دعا بالماء فتّوضاً»
ثم صلى سجدتين، ثم أقيمَتِ الصلاةُ، فصلّى الغداة)) (١).
قال الخطابي: قوله ((مَرّسَ)) التّعريس: النُّزول لغير إقامة .
وقوله ((فَزِعَ رسول الله ◌ِو ◌َل) معناه: انتَبَه، يُقَالُ: أَفْزَعْتُ
الرّجلَ مِنْ نومه فقَزِعَ، أي: أنبَهْتُهُ فانتبه .
٤٣٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
الثُّعَيْمِيُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا عمران بن
"مَيْسَرَةَ، نا محمد بن فُضَيْلِ، نا ◌ُحصَيْنّ، عن عبد الله بن أبي قتادة
عَنْ أَبيِهِ قَالَ: سِرْنَا معَ النَّيِّ ◌ِّهِ لَيْلَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ
الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَخَافُ أَنْ
تَتَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، فَقَالَ بِلَالْ: أَنَا أُوِقِظُكُمْ ،
فَأْضْطَجَعُوا، وأَسْنَدَ بِلَالْ ظَهْرَهُ إلى رَاحِلَتِهِ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ
فَتَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّيِّ نِّهِ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ:
(يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْكَ» ؟ قَالَ : مَا أُلْقِيَتْ عَلِيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا
قَطُ ، قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ قَبَضَ أَزْ وَاحَكُمْ حِيْنَ شَاءَ، وَرَّدَهَا
عَلَيْكُمْ حِيْنَ شَاءَ ، يا بِلَالُ هُمْ فَأَذْنْ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ ،
(١) أخرجها مسلم ( ٦٨٠) ( ٣١٩).
- ٣٠٨ -
فَتَوَضَّأْ، فَلَمَا أر تَفَعَتِ الشَّمْسُ وابَيَاَضَتْ، قَامَ فَصَلَّى.
هذا حديثٌ صحيح (١).
٤٣٩ - أخبرنا عمر بن عبد العزيز الفاساني'، أنا القاسم بن جعفر
الهاشميُ، أنا أبو علي محمد بن أحمد اللُّؤْامُؤْيُ ، نا أبو داود ، نا مومى
ابن إسماعيل، نا ◌ّحمّاد، عن ثابتٍ البُنَانِيّ، عن عبد الله بن رَبَاحٍ
الأنصاري
نا أَبِو قَتَادَةَ أَنَّ النَّيَّ بِّهِ كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ، قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّةِ، وَمِلْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ((انْظُرْ، فَقُلْتُ: هَذّا
وَاكِبْ ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤلاءِ ثَلاثَةٌ، حَتَّى صِرْ نَا سَبْعَةً،
فَقَالَ: ((احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا ، يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَضُرِبَ
عَلى آذَانِهِمْ ، فَا أَ يْقَظَهُمْ إِلا حَرُ الشَّمْسِ، فَقَامُوا، فَسَارُوا
هُنَيَّةَ، ثُمَّ نَزَلُوا، فَتَوَّؤْوا، وَأَذِّنَ بِلالْ، فَصَلَّوْا رَكْعَتِي
الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَوْا اٌلْفَجْرَ وَكِبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ
فَرَّطْنَا فِي صَلاتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهٍِّ: ((إنَّهُ لا تَفْرِيطَ
في الثَّوْمِ إِنَّا التَّغْرِ يطُ فِي الْيَقَظَةِ ، فَإِذَا ◌َهَا أَحَدُ كُمْ عَنْ صَلاةٍ
فَلْيُصَلَّهَا حِيْنَ يَذْكُرُهَا، ومِنَ الْغَدِ الوَقْتِ ».
(١) رواه البخاري ٥٤/٢ في المواقيت: باب الأذان بعد ذهاب الوقت
وفي التوحيد : باب في المشيئة والإرادة، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
- ٣٠٩ -
هذا حديث صحيح ١٠) أخرجه مسلم، عن ◌َشْبَانَ بنٍ فَرُوخٍ ،
عن سليمان بن المُغيرَة ، عن ثابتٍ .
قوله: ((ومن الغَّدِ للوقت)).
قال الخطابي : لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بها وُجوباً، وُيُشبِهُ
أن يكون الأمرُ بها استحباباً ليَحوز فضيلةً الوقت في القضاء ، والله أعلم .
قلت: "يُحتملُ أن يكون معنى قوله: ((ومن الغَّد للوقت)) أي:
لِيُصَلّ صلاة الغد في وقتها، معناه: أن ما بعدَ الوقت عند النوم وقتٌ"
لهذه الصلاة دون صلاة الغد، فلْيُصَلِّ صلاة الغد في وقتها المشروع .
وقوله: ((فَضُرِبَ على آذانِهِم)) كلمة" فصيحة" من كلام العرب
معناه: أنه ◌ُحُجِبَ الصَّوْتُ والِحِسُ أن يَدخُلا آذانَهُم فِيَنْتَّبِهوا،
ومنه قوله سبحانه وتعالى: ( فضَرَبْنا على آذانهم في الكَهْفِ سنين
عَدداً ) [ الكهف: ١١].
قلتُ: الأذانُ والإقامة مشروعان للفرائض الخمس إذا أُدْيَتْ في
أوقاتها ، والأذانُ من شعار دين الإسلام ، فلو اجتمع أهلُ بلدٍ على
تركه كان السُلطان قِتَاهُمْ عليه، لما رُوي عن أنس أن النبي مَ لّ كان
إذا "مزا قوماً لم يَكُنْ يُغِيرُ عليهم حتى يُصِيحَ فِيَنْظُرَ، فإن سمِعَ
(١) أبو داود (٤٣٧) في الصلاة: باب في من تام عن الصلاة أو
نسيها، وأخرجه مسلم (٦٨١ ) في المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة ،.
واستحباب تعجيل قضائها بنحوه أتمّ منه .
- ٣١٠ -
أَذاناً كفّ عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم (١).
وإذا صَلَّى بلا أذان ولا إقامة حضراً أو سفراً، فلا إعادةَ عليه
عند أكثر أهل العلم، وقال عطاء ومجاهد فيمن نسِيَ الإقامة: إنه
يُعيدُ الصلاةَ، وقال الأوزاعيُ: من نَسِيَهُما، فإن كان في الوقتِ
أعاد ، وإلا فلا .
قلت : اختلف أهل العلم في الأذانِ للفائتّة مع اتفاقهم على أنه
◌ُقيمُ لها، فأَظهَرُ أقوالِ الشافعي أنه يُقيمُ لها، وإذا فاتته صلواتٌ ،
وقضاًهُنَّ على التّوالي، أقام لكلّ واحدةٍ منها، لحديث أبي سعيد الخدري.
وقال قومٌ: يُؤْذَّنُ الفائتة ويُقيم، وبه قال أحمد، وأصحابُ
الرأي ، لحديث أبي قتادة .
وإذا فاتَّتْهُ صلواتٌ، فَقَضاً منّ على التّوالي، أذَّنَ وأَقامَ الأولى ،
وأقام للأخريات.
وفي حديث أبي سعيدٍ دليلٌ على أن الفوائتَ تُقْضِ مَرَتْبَةُ،
واختلف فيه أهلُ العلم ، فذهب قوم إلى أنه لا يجب الترتيبُ في قضائها
وهو قول الشافعي .
وذهب قوم إلى أنه يجب الترتيب ، وهو قول أصحاب الرأي .
(١) رواه أحمد ١٥٩/٣ وأخرجه البخاري ٧٣/٢ في الأذان، باب ما يحقن بالأذان
من الدماء، ومسلم (٣٨٢) ولفظه: كان يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان
فإذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر، الله أكبر
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « على الفطرة)» ثم قال: أشهد أن
لا إله إلا الله، فقال: «خرجت من النار» فنظروا فإذا هو راعي معزى.
- ٣١١ -
وفي خبر أبي هريرة دليل على أن من فاتتهُ حلاةٌ من غير تفريطٍ
منه جاز تأخيرُ قضائها، لأن النبي ◌ِوَمِ أَمْوَهُمْ أن يقتادوا عن
مَوْضِعِ الْقَوْتِ .
واختلفوا في معنى مُفارّقةٍ ذلك المكانِ، فمن لم يُجَوِّزْ قضاء الفائتة
في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، قال: إنما فعل ذلك لتّرْتُفِعَ الشّمْسُ،
فيَّخْرُجٌ" وقتُ الكرامية، ومَنْ يُجَوِّز" - وعليه الأكثرون - قال: معناه:
أنه أراد أن يتحوّل عن المكان الذي أصابتهُم فيه هذه القَفْلةُ والنِّسيانُ.
وقدٍ رَوِى أَبَنُ العَطَّارُ، عن مَعْمَرٍ ، عن الزهري في الحديث قال
وحولْهِ له ◌ِِّ: (("تحوّلُوا عن مكانِكُم الذي أصابَتْكُمْ فيه هَذِهٍ
الغفلة"» (١) .
وفي رواية أبي حازم، عن أبي هريرة ((لِيَأخذ" كلّ واحدٍ برأسٍ
راحاتَتِه ، فإنّ هذا مَنْزِلٌ حَضَرَنا فيه الشَّيْطَانُ)) (٢).
قلتُ: ولا أذان ولا إقامة" لشيءٍ من الصّلوات سوى الفرائض
٦ خمسٍ، لأنه لم يُؤذُّفْ على عهد رسول الله عَ ل لغيرها.
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٦) في الصلاة: باب في من نام عن الصلاة.
أو فيها ، وإسناده قوي .
(٣) أخرجه النسائي ٢٩٨/١ في المواقيت: باب، كيف يقضي الفائت من
الصلاة : وإسناده صحيح .
باب
فى بقيم المؤذن ومتى يقوم القوم
٤٤٠ - أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضّبِّيء، أنا أبو محمد
عبد الجبّار بن محمد الجرّاحِيُ، نا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي،
نا أبو عيسى التَّوْمِذِيُ، نا أحمد بن محمد ، أنا عبد الله بن المبارك ،
أنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة
عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِذا أُقِيْمَتِ
الصَّلاَةُ فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْ نِ خَرَجْتُ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد، عن أبي نعيم ، عن
ثيْبانَ، وأخرجه مُسلم عن أبي بكر بن أبي تَنْيْبةَ ، عن معاوية بن
هشام، عن تشيْبانَ، وعن أبي بكر ، عن سفيان ، عن مَعْمَرٍ ،
كُلُّهُمْ عن يحيى بن أبي كثير .
قلتُ : هذا يدُلُ على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام ، ثم
يُنتَظرُ خروجه.
(١) الترمذي (٥٩٢)، والبخاري ١٠٠/٢ في الأذان: باب لا يقوم
إلى الصلاة مستعجلً ، وليقم إليها بالسكينة والوقار ، وباب مق يقوم الناس
إذا رأوا الإمام عند الإقامة، وفي الجمعة: باب المشي إلى الجمعة، ومسلم
(٦٠٤ ) في المساجد : باب متى يقوم الناس للصلاة.
٠
- ٣١٣ -
قلتُ: وَرُوي عن جابر بنٍ سَمْرَةَ: كان بلال يؤذن إذا دَحَضَتْ،
ولا يُقيمُ حتى يَجْرُجَ النبي ◌ِطَ (١).
وعن هذا قال بعض أهل العلم: إن المؤذِّنَ أُملَكُ بالأذانِ،
والإمام أملكُ بالإقامة، وقد كره قومٌ من أهل العلم أن ينتظر الناس*
الإمامَ وهم قيام .
قال إبراهيم النّخَعِيّ: كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمامَ قياماً،
ولكن قُعوداً ، ويقولون : ذلك السُّمودُ، والسُّمودُ: هو الغَفْلَةُ،
والذّهابُ عن الشيء، قال الله سبحانه وتعالى: (وأنتُمْ سَامِدُون )
[ النجم: ٦١] أي: لاهون" ساهون.
وقال قوم : إذا كان الإمام في المسجد ، وأقيمت الصلاةُ يقومون إذا
قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، وهو قول ابن المبارك .
و ◌ُسْلَ مالك: متى يقومُ الناس حين تُقامُ الصلاة ؟ قال: لم أسمع
فيه يجَدّ ◌ُقامُ له، ولكنْ أرى ذلك على قَدْر طاقة الناس، فإن منهم
الحقيفَ والثّقِيلَ .
وقيل : يقومون عند قوله: حَيّ على الصلاة، فإذا قال: قد
قامت الصلاة " كَبْرَ الإمام.
رُوي عن ◌ُوَيْدٍ بِنِ عْفَلَةَ أنه كان إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة
كَبْرَ ، فسُئِل عن صلاته فقال : كذا كانت صلاة عمر .
ورُوي عن أبي هريرة أن الصلاة كانت تُقامٌ فيأخذ الناس مَصافَّهُم
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٦٠٦) في المساجد: باب متى
يقوم الناس للصلاة .
- ٣١٤ -
قبل أن يقومَ النبي ◌ِّ مَقاته (١).
قلت : معنى هذا - والله أعلم - أن الإمام إذا خرج يُقيمُ المؤذنُ
والناس يأخذون مصافّهُم إلى أن ينتهيَ الإمام إلى مُصَْلاه، فأما إذا
خرج الإمام بعذر بعد الإقامة، فانتظروه قياماً إلى أن يعود فحّسَنّ،
لما ◌ُوي عن أبي هريرة قال : أقيمت الصلاةُ فقمنا فعدُّلنا الصُّفُوفَ قبل
أن يخرج إلينا رسولُ اللهِ، فأتى رسولُ الله ◌َّ، حتى إذا قام في
مُصَلاَه قبل أن يُكبِّرَ ذَكَرَ أنه ◌ُجُنُبٌ، فانصرفَ، وقال لنا:
مكانَكُمْ، فلم تَزَلْ قياماً ننتظِرُهُ حتى خرج إلينا وقد اغتسل
يَنْطِفُ رأسه ماء، فكبّر وصلّ.
قلت : هذا حديث متفق على صحته (٢).
وفيه دليل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام، وأن الخروج
عن المسجد بعد الإقامة بعدّة طهارةٍ أو عُذرٍ جائز، فأما من غير عذر
فيُكره الخروجُ عن المسجد بعد الأذان عند عامة أهل العلم ، لما ◌ُرُوي
عن أبي الشّعْنَاء قال : خرج رجل من المسجد بعدما أذّن فيه بالعصر ،
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٦٠٥) (١٥٩) في المساجد:
باب متى يقوم الناس الصلاة .
(٢) أخرجه البخاري ١٠١/٢ في الأذان: باب هل يخرح من المسجد
لعلة، وباب إذا قال الإمام: مكانكم ثم رجع انتظروه ، وفي الغسل : باب
إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ، ولا يتيمم ، ومسلم ( ٦٠٥ )
في المساجد : باب متى يقوم الناس للصلاة .
- ٣١٥ -
فقال أبو هريرة : أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم (١) .
وُمثل مالك عن تسليم المؤذن على الإمام ودُعائِه إياه إلى الصلاة ؟
قال : لم يَبْلُغْني أن التسليم كان في الزمان الأول ، قال الشافعي :
وأكرَهُ الأذانَ بالصلاة للولاةِ.
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه)) ( ٦٥٥) في المساجد: باب النهي
عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن ، قال القرطبي : وهذا محمول على أنه
حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل نسبته إليه، وكأنه
سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان ، فأطلق لفظ المعصية
عليه، وأخرج أحمد ٢ / ٥٣٧ من حديث أبي هريرة قال : أمرنا رسول الله
صلى اله عليه وسلم « إذا كنتم في المسجد، فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم
حق صلي ؟» قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) ٥٣/٢: والحديثان بدلان
وتحريم الخروج من المسجد بعد سماع الأذان لغير الوضوء، وقضاء الحاجة ،
وحيا تدعو الضرورة إليه حنى يصلي فيه تلك الصلاة، لأن ذلك المسجد تعين
لك الصلاة .
باب
من لا يسرع بعد الاقامة
٤٤١ - أخبرنا الامام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، وأحمد بن
عبد الله الصَّالحيّ، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيريء،
أنا محمد بن أحمد بن محمد بن مَعْقِل الميدانيّ، نا محمد بن يحيى ، ناعبد
الرزاق، أنا مَعْمَرٌ، عن الزهريّ، عن ابن المُسَيِّبِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عِيمِ : • إذا
أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ فَلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَلَكِنْ اِنْتُوْهَا تَمْشُونَ،
وَعَلَيْكُمُ السّكِيْنَةُ، فَا أَدَرَكُتْ، فَصَلُوا، وَمَا فَاتَكُمْ
فَأَتُوا » .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن أبي اليمان ،
عن ◌ُثْعَيْب، عن الزهري، عن أبي سلمةَ، وأخرجه مُسلم عن أبي
بكر بن أبي كئيبة وغيره ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد.
٤٤٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّرَزي، أخبرنا زاهر بن أحمد.، أنا
(١) البخاري ٣٢٤/٢ في الجمعة: باب المشي إلى الجمعة، وفي الأذان:
باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار. ومسلم ( ٦٠٢ ) في
المساجد : باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعياً .
- ٣١٧ -
أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب، عن مالك ، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه وإسحاق أبي عبد الله ، أنها أخبراه أنها سمعا أبا
هويرة يقول :
قَالَ رَسُولُ اللهِ فِلهِ: ((إذا تُوْبَ بالصَّلاةِ فَلا تَأْتُوهَا
وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وانْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِيْنَةُ، فَا أَدْرَكُتُمْ
فَصَلُوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتْهُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ في صَلاةٍ مَا كانَ
يَعْمِدُ إلى الصَّلاةِ».
هذا حديث صحيح، أخرجه مُسلم (١) عن قُتِيْبة وابن حُجْر وغيرهما
عن إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه .
وقوله: ((إذا ثُوَّب بالصلاة) أرادَ الاقامَة، وكلُّ داعٍ مُنْوِّبٌ))
قلت : المراد من السّعي المذكور في الحديث الإسراع ، وأما قوله
سبحانه وتعالى في الجمعة: ( فاسْعوا إلى ذِكْر الله ) فالمراد منه :
الفِعْلُ.
◌ُرُوي أن مالكاً سأل ابن شهاب عن قول الله عزّ وجلّ (يا أيها
الذين آمنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجمعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ)
[ الجمعة: ٩] قال ابنُ يشهَابٍ: كان عمر بن الخطاب يقرؤها
( فامضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ ) (٢) قال مالك: وإنما السعي في كتاب
(١) (٦٠٢) (١٥٢) وهو في ((الموطأ)» ٦٨/١، ٦٩ في الصلاة:
١
باب ما جاء في النداء للصلاة .
(٢) هو في ((الموطأ)» ١٠٦/١ في الجمعة: باب ما جاء في السعي يوم -
- ٣١٨ -
الله : العمل والفعل ، لا السعيُ على الأقدام ، يقول الله سبحانه وتعالى ( وإذا
تَوَّى مَعَى فِي الأرْضِ) [ البقرة: ٢٠] (إِنْ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)
[ الليل: ٤] والسعي قد يكون مشياً، كقوله ( فاسعوا إلى ذكر
اللهِ)) وقد يكون عدواً، كقوله تبارك وتعالى (وجاء رجلٌ من أقصى
المدِينةِ يَسْعَى) [ القصص: ٢٠] أي: يشتد ويَعْدُو ، ويكون
عملًا كقوله: ( وأن لَيْسَ للإنسان إلا ما سَعَى) [النجم: ٣٩] أي:
حمل، ويكون تصرفاً، كقوله سبحانه وتعالى ( فلما بلغ معه السّعيّ )
[ الصافات: ١٠٢] أي: أدرك التصرف في الأمور .
- الجمعة، والزهرى لم يدرك عمر، لكن وصله عبد بن حميد في تفسيره ، أخبرنا
عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : لقد توفي
عمر ، وما يقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا (فامضوا إلى ذكر الله )
وهذا إسناد صحيح، وقد علقه البخاري في «صحيحه)) ٤٩٢/٨، وقال
الحافظ: وروى الطبري ٦٥/٢٨ عن عبد الحميد بن بيان ، عن سفيان ،
عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرؤها
قط إلا ( فامضوا )، ومن طريق مغيرة عن إبراهيم قال: قيل لعمر :
إن أبي بن كعب يقرؤها ( فاسعوا ) قال : أما إنه أعلمنا وأفرؤنا للمنسوخ ،
وإنما هي ( فامضوا ) وأخرجه سعيد بن منصور، فبين الواسطة بين إبراهيم
وعمر ، وأنه خرشة بن الحر ، فصح الإسناد ، وأخرجا ( أي : الطبري
وسعيد بن منصور ) أيضاً من طريق إبراهيم ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان
يقرؤها ( فامضوا )، ويقول: لو كان ( فاسعوا) لعبت حتى يسقط ردائي،
وأخرجه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، وللطبراني أيضاً من طريق
قتادة قال : هي في حرف ابن مسعود ( فامضوا ) مال ، وهي كقوله :
( إن سعيكم لشتى) وقال أبو عبيدة: عسى {فاسعوا) أجيبوا، وليس
من العدو .
- ٣١٩ -
واختلف أهل العلم فيمن يخاف فوتَ التكبيرة الأولى ، منهم من
قال : يسرع، حتى قال بعضهم: يُرْوِلُ، رُوي عن ابن عمر أنه سمع الإقامة
وهو بالبقيع ، فأسرع المشي إلى المسجد ، وقال إبراهيم : رأيت الأسود
ابن يزيد ◌ُهَرْوِلُ إلى المسجد .
ومنهم من كَرِهَ الإسراعَ ، واختار أن يمشيّ على وقارٍ ، وبه قال
أحمد وإسحاق ، لحديث أبي هريرة ، وروي عن إسحاق : لا بأس أن
يُسْرِعَ إِن خاف فوتَ التكبيرة الأولى.
وقوله: ((وَمَا فاتكم فَأْتِمُوا)) هكذا روى الزبيدي (١)، وابن
أبي ذئب، وإبراهيم بن سَعْدٍ، وُثْعَيْبُ بن أبي حَمْزَةَ، عن الزهري،
كما رواه مَعْمرٌ، وكذا رواه الأعرج، عن أبي هريرة ، وكذا
رواه ابن مَسْعُودٍ، وأبو قتادة (٢)، وأنس عن النبي ◌ِّ((فَأْتِمُوا)).
وقال ابن عيينة، عن الزهري وحده ((فاقضُوا)) (٣).
(١) هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الخمصي ، قال ابن سعد: كان
ثقة أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث ، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة،
ولم أقف على من وصل رواية الزبيدي ، وأما ابن أبي ذئب فروايته عند
البخاري، وإبراهيم بن سعد روايته عند ابن ماجة ، ومعمر بن راشد روايته
عند مسلم، وشعيب بن أبي حمزة روايته عند البخاري في الجمعة .
(٢) قال الحافظ: رواية الجمهور في حديث أبي قتادة ((فأتموا)) ووقع
لمعاوية بن هشام عن سفيان ((فاقضوا)) عند ابن أبي شيبة عنه .
(٣) أخرجها عنه الطحاوي ٢٣١/١، والنسائي ٩١٤/٢، ١١٥ في
الإجابة : باب السعي إلى الصلاة، ودعوى المصنف أن ابن عبينة نفرد عن
الزهري بلفظ: ((فاقضوا)» لا نسا له، فقد روى الطحاوي ٣٣١/١ من -
- ٣٢٠ -
وفيه دليل على أن الذي يُدرِ كُهُ المسبوقُ من صلاة إمامه هو أولُ
صلاته، وإن كان آخِرَ صلاةِ الإمامِ، لأن الإتمامَ يقع على باقي شيء
تقدّم أوله ، وهو مذهب علي، وأبي الدرداء، وبه قال سعيد بن المسيب ،
والحسن البصريُ، وَمَكْحَولٌ، وعطاءُ، وإليه ذهب الزهريُ ،
والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق .
وذهب مجاهد وابن سيرين إلى أن الذي أدرك آخِرُ صلاته،
وما يقضيه بعده أوُّلها ، وبه قال سفيان الثوري ، وأحمد ، وأصحاب
الرأي، واحتجوا بما رُوي في هذا الحديث ((وَمَا فاتكَمُ فاقضُوا))
وأكثر الرواة على ما قلنا .
ومن روى ((فاقضُوا)) فقد يكون القضاء بمعنى الأداء والإتمام ،
كقوله سبحانه وتعالى: ( فإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانقَشِيروا) [الجمعة: ١٠]
وكقوله عزّ وجلّ: (فإذا قضّيْتُم مناسكَكُمْ) [ البقرة: ٢٠٠]
وليس المرادُ منه قضاءَ شيءٍ فائتٍ، فكذلك المرادُ من قوله: ((فاقضُوا))
أي أُدُوهُ في تمامٍ .
- حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة ، عن
أبي هريرة، وفيه: ((وما فاتكم فاقضوا)»، وروى أحمد ٣١٨/٢ من حديث
عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فقال: ((فاقضوا))
وروى أبو داود ( ٥٧٣ ) من حديث سعد بن ابراهيم ، عن أبي سلمة ، عن
أبي هريرة، فقال: ((فصلوا ما أدركتم، وأقضوا ما سبقكم)) وروى مسلم
(٦٠٢) (١٥٤) من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة، وفيه: ((صل ما أدركت
واقض ما سبقك » .