Indexed OCR Text

Pages 421-440

كذا، أو لِمَنْ قَرأَ عَلَيَّ قبلَ هذَا. وقالَ: فما أَحسَبُهُم اختلفوا في جَوَازِهِ ثَمَنْ تَصحُّ عندَهُ(١)
الإِجازةُ، ولا رأيتُ مَنْعَهُ لأَحدٍ؛ لأَنَّهُ محصورٌ موصوفٌ كقولهِ، لأولادٍ فلان، أو إخوةِ فلانٍ.
أو مَا أُجِيْزَ كَأَجَزْتُ أَزْفَلَةْ
٤٥٨. وَالرَّابِعُ: الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيْزَ لَةْ
كِتَاباً او(٢) شَخْصَاً وَقَدْ تَسَمَّى
٤٥٩. بَعْضَ سَمَاعِيّ، كَذَا إِنْ سَمَّى
مُرَادُهُ (٣) مِنْ ذَاكَ فَهْوَ لاَ يَصِحْ
٤٦٠. بهِ سِوَاهُ ثُمَّ لَمَّا يَتَّضِحْ
فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ
٤٦١. أَمَّا الْمُسَمَّوْنَ مَعَ الْبَيَان (٤)
مِنْ غَيْرِ عَدِّ وَتَصَفُّحٍ لَهُمْ
٤٦٢. وَتَنْبَغِي(٥) الصِّحَّةُ إِنْ جَمَلَهُمْ(٦)
والنوعُ الرابعُ من أنواعِ الإِجازةِ : الإِجَازَةُ للمجهولِ ، أو بالمجهولِ. فالأولُ كقولهِ :
أجزتُ لجماعةٍ من الناسِ مسموعاتي . والثاني كقولِهِ : أجزتُ لَكَ بعضَ مَسْمُوْعَاتِي . وقد
جمعْتُ مثالَ الْجَهْلِ فيهما في مثالٍ واحدٍ ، وهو : أجزتُ أَزْقَلَةُ بعضَ مَسْمُوْعَاتي (٧).
والأَزْفَلةُ - بفتحِ الهمزةِ وإِسكانِ الزاي وفتحِ الفاءِ -: الجماعةُ مِنَ الناسِ (٨). ومنه: أَنْ
عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أَرسَلَتْ إلَى أَزْفَلَةٍ (٩) من الناسِ ، وذلك في قِصَّةِ خُطبةٍ عائشةَ في
فضلٍ أبيها. ومِنْ أَمثلةِ هذا النوعِ: أَنْ يُسَمِّيَ شخصاً، وقد تَسَمَّى به غيرُ واحدٍ في ذلكَ
الوقتِ كأجزتُ لمحمدِ بنِ خالدِ الدِّمَشْقَيِّ - مثلاً - ويُسَمِّي (١٠) كتاباً ، كنحوٍ : أجزتُ
(١) في نسخة ص: ((عنه)) .
(٢) بالإدراج ؛ لضرورة الوزن .
(٣) في (النفائس): ((مراداه)) وهو خطأ.
(٤) في نسخة ( ب ) من متن الألفية: ((البياني)) وهو خطأ.
(٥) في نسخة ن وق وس: ((وينبغي)).
(٦) قال البقاعي في نكته الوفية ٢٥٦ / أ: أي: جَمَعَهُم، يقال: جَمَلَ الشيءَ إذا جَمَعَهُ، والحسابَ أي:
رده إلى الجملة. وينظر: لسان العرب ١١ / ٢٧ مادة (جمل).
(٧) في نسخة ص: ((سماعاتي)).
(٨) لسان العرب ١١ / ٣٠٥ مادة (زفل ).
(٩) انظر : النهاية في غريب الحديث ١ / ٤٦ .
(١٠) في نسخة ص ون: ((أو يسمى)).
٤٢١

لك أَنْ تَرويَ عَنِّي كتابَ السننِ وهُو يروي عدةٌ من السننِ المعروفةِ بذلك، ولم يَتْضحْ
مرادُهُ في المسألتينِ ، فإِنّ هذهِ الإِجازةَ غيرُ صحيحةٍ (١). أَمَّا إذا أَتَّضَحَ مرادُه بقرينةِ بأَنْ قِيلَ
لهُ : أجزتَ لمحمَّدِ بنِ خالدِ بنِ عليٍّ بنِ محمودِ الدمشقيِّ (٢) - مثلاً - فحيثُ (٣) لا يلتبسُ
فقالَ : أجزتُ لمحمدِ بنِ خالدِ الدِّمَشْقِيِّ، أوَّ قِيْلَ لَهُ : أجزْتَ لي روايةَ كتابِ السننِ لأبي
داودَ - مثلاً - فقالَ : أجزتُ لكَ روايةَ السُّنَنِ. فالظاهرُ صحَّةُ هذهِ الإِجازةِ ، وأَنّ
الجوابَ خَرَجَ عَلَى الْمَسْؤُوْلِ عنهُ. وكذلكَ إذا سُمِّيَ الشَّيخِ المسؤولِ منهُ المَجَازَ لهُ معَ
البيانِ المزيلِ للاشتباهِ ، ولكنَّ الشيخَ لا يعرفُ المسؤولَ لهُ بلِّ يجهلُ عينَهُ ، فلا يَضُرُّ ذلكَ ،
والإِجازةُ صحيحةٌ . كما لا يُشترَطُ معرفَهُ الشيخِ بِمَنْ (٤) سمعَ من الشَّيخِ، وإذا سُئِلَ
الشيخُ الإجازةَ لجماعةِ مُسمَّيْنَ مع البيانِ في استدعاءِ كما جرتْ بهِ العادةُ فأجازَ لهم مِنْ
غيرِ معرفةٍ بهم (٥) ، ولم يَعْرِفْ عددَهم ولا تصفّحَ أَسَمَاءَهُم واحداً واحداً. قال ابنُ
الصلاحِ: فينبغي أَنْ يَصحَّ ذلكَ أيضاً كما يصحُّ سماحُ مَنْ سمعَ منهُ على هذا الوصفِ (٦).
٤٦٣. وَالْخَامِسُ: التَّعْلِيْقُ فِي الإِجَازَةْ بِمَنْ يَشَاؤُهَا الذِّيِ أَجَازَةْ
أَكْثَرُ جَهْلاً، وَأَجَازَ الْكُلّ
٤٦٤. أو غَيْرُهُ مُعَيَّنَاً، وَالأُولَى
مَعَ (ابْنِ عُمْرُوْسٍ) وَقَالاَ: يَنْجَلِي
٤٦٥. مَعَاً (أبو يَعْلَى) الإِمَامُ الْحَنْبَلِيْ
بُطْلَئُهَا أَفْتَى بِذَاك (٧) (ِطَاهِرُ)
الْجَهْلُ إِذْ يَشَاؤُهَا، وَالظَّاهِرُ
٤٦٦.
٤٦٧. قُلْتُ: وَجَدْتُ (ابنَ أَبِي خَيْئَمَةِ)
وَإِنْ يَقُلْ : مَنْ شَاءَ يَرْوِي قَرُّبَا
٤٦٨.
٤٦٩. أَمَّا : أَجَزْتُ لِفُلاَنِ إِنْ يُرِدْ
أَجَازَ كَالَّثَانِيَةِ الْمُبْهَمَة
وَنَحْوَهُ (الأَرْدِي) مُجْزَاً كَتَبَا
فَالْأَظْهَرُ الأَقْوَى الْجَوَازُ فَاعْتَمِدْ
(١) انظر: النكت الوفية ٢٥٦ / أ.
(٢) لفظة : (( الدمشقي )) لم ترد في نسخة ن .
(٣) في نسخة ن وص : (( بحيث)) .
(٤) في نسخة ن: (( لمن)).
(٥) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((لهم)) .
(٦) علوم الحديث : ١٣٨.
(٧) كذا في النسخ كلها ، وفي النفائس : ((بذاك أفتى ... ))، ويصح الوزن به .
٤٢٢

النوعُ (١) الخامسُ من أنواع الإِجازة : الإِجازةُ المُعُلِّقةُ بالَشِيئةِ . ولم يُفردْ ابنُ
الصلاحِ هذا بنوعٍ وأدخلَهُ في النوعِ قبلَهُ (٢)، وقال: فيهِ جهالةٌ وتعليقٌ بشرط. وأفردتُهُ
بنوعٍ ، لأَنَّ بعضَ الأجائِ (٣) المعلِّقَةِ لا جهالةَ فيها كما ستقفُ عليهِ هنا؛ وذلك لأَنْ
التعليقَ قد يكونُ مع ◌ِبهام الُجَازِ ، أو مع تعيينِهِ ، وقد يُعَلَّقُ بمشيئةِ المُجازِ، وقد يُعَلِّقُ
بمشيئةٍ غيرِهِ مُعَّيناً، وقد يكونُ التعليقُ لنفسِ الإِجازةِ ، وقد يكونُ للروايةِ بالإجازة. فأمَّا
تعليقُها بمشيئةِ المجازِ مبهماً، كقولهِ : مَنْ شاءَ أَنْ أُجيزَ له فقدْ أَجزتُ له ، أَو أَجزتُ لمنْ
شاءَ فهو كتعليقِها بمشيئةٍ غيرِهِ ، وسيأتي حكمُهُ . قال ابنُ الصلاحِ: بلْ هَذِهِ أكثرُ جهالةٌ
وانتشاراً من حيثُ إنَّها معلقةٌ بمشيئةٍ من لا يُحَصرُ عددُهم بخلافِ تعليقِها بمشيئةٍ معيَّنٍ (٤).
وأما تعليقُها بمشيئةٍ غيرِ المجازِ : فإِنْ كان المُعَلَّقُ بمشيئتهِ مبهماً فهذه باطلةٌ قطعاً ، كقولهِ :
أَجَرْتُ لِمَنْ شاءَ بعضُ الناسِ أَنْ يرويَ عِّي ، وإِنَ كانَ مُّعَيناً، كقولهِ : مَنْ شاء فلانٌ أَنْ
أُجيزَهُ فقد أجزتُهُ ، أو أجزتُ لِمَنْ يشاءُ فلانٌ ونحوُ ذلك ؛ فقد حكى الخطيبُ في جزءٍ لهُ
في (( الإجازةِ للمعدومِ والمجهولِ)) (٥) عن أبي يعلى محمدِ بنِ الحسينِ بنِ الفراءِ الحنبليِ
وأبي الفَضْلِ محمّدِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمْرُوسٍ : أَنَّهُمَا أَجازًا ذلكَ واستُدِلٌّ لهما بأنَّ هذه
الجهالةَ ترتفعُ (٦) عندَ وجودِ المشيئةِ ، ويتعَّنُ الْمُحَازُ لهُ عندَها. قالَ ابنُ الصلاحِ:
والظاهرُ أَنَّه لا يصحُّ وبذلكَ أفتى القاضي أبو الطيبِ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ الطبريُّ إِذْ سألهُ
الخطيبُ عن ذلكَ (٧) وَعَلَّلَهُ: بأَنَّهُ إجازةٌ لمجهولِ ، كقولهِ: أجزتُ لبعضِ الناسِ (٨). قالَ
(١) في نسخة ن وق: ((والنوع)).
(٢) في نسخة ص: (( الذي قبله)) .
(٣) جمع (( إجازة)).
(٤) علوم الحديث : ١٣٩ .
(٥) ص ٨١ ، والإلماع: ١٠٢.
(٦) في نسخة ص: ((ترتفع عنه)) .
(٧) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠، والكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هــ).
(٨) علوم الْحَدِيْث : ١٣٨.
٤٢٣

ابنُ الصلاحِ : وقد يُعَلَّلُ أيضاً بما فيهِ مِنَ التَّعليقِ بالشرطِ فَإِنَّ ما يَفْسُدُ بالجهالةِ يَفْسُدُ
بالتعليقِ عندَ قومٍ (١). قلتُ : وقد وجدْتُ عن جماعةٍ من أئمةِ الحديثِ المتقدِّمِينَ
والمتأخِّرِينَ استعمالَ هذا. فمِنَ المتقدِّمِينَ: الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ زُهيرِ بنِ
حَرْبٍ (٢) صاحبِ يحيى بنِ معينٍ ، وصاحبِ " التاريخِ " . قالَ الإِمامُ أبو الحسنِ محمَّدُ بنُ
أبي الحسينِ بنِ الوزّانِ: أَلْفَيْتُ بخطِ أبي بكرِ ابنِ أبي (٣) خيثمةَ : قد أَحَرْتُ لأبي زكريا
يحيى بنٍ مَسْلَمَةَ أَنْ يرويَ عَنِّي ما أَحبَّ من كتابٍ " التاريخِ " الذي سمعَهُ مِنِّي أبو محمَّدٍ
القاسمُ ابنُ الأَصَبَغِ ، ومحمدُ بنُ عبدِ الأعلى، كما سمعاهُ مِنِّي . وأذنتُ له في ذلكَ ولِمَنْ
أحبَّ من أصحابهِ فإن أحبَّ أَنْ تكونَ الإِجازةُ لأحدٍ بعدَ هذا فأنا أجزتُ له ذلك بكتابي
هذا وكَتَبَ أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي خيثمةَ بِيدِهِ فِي شَوَّالِ منْ (٤) سنةٍ ستٍّ وسبعينَ ومائتين .
وكذلكَ أجازَ حفيدُ يعقوبَ بنِ شيبةَ ، وهذه نسختُها - فيما حكاهُ الخطيبُ (٥) - يقولُ
محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يعقوبَ بنِ شيبةَ : قد أجزتُ لعمرَ بنِ أحمدَ الخلاَّلِ وابِنِهِ عبدِ الرحمن بنٍ
عُمَرَ وَلِخَتَنِهِ (٦) عليٍّ بنِ الحسنِ جميعَ ما فاتَّهُ من حَدِيْثِي، مِمَّا لَمْ يُدْرِكْ سماعَهُ من الْمُسْنَدِ
وغيره، وقد أجزتُ ذلكَ لِمَنْ أَحَبَّ عمرُ فلْيَرْوُوهُ عَنِّي إِنْ شَاؤُوا. وكَتَبْتُ لهم ذلكَ
بخطّي فِي صَفَرِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وثلاثينَ وثلاثمائةٍ . قالَ الخطيبُ بعدَ حكايةِ هذا: ورأيتُ مثلَ
(١) علوم الحديث : ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد ابن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي ، كان ثقة متقنا كثير
التصنيف عالماً بأيام الناس راوية للأدب ، توفي سنة ٢٧٩ هـ. ( تاريخ بغداد ٤ / ١٦٢، وتذكرة
الخفاظ ٢ / ٥٩٦ ) .
(٣) لفظة: ((أبي)) لم ترد في نسخة ن .
(٤) لفظة: ((من)) لم ترد في نسخة ص .
(٥) الإجازة للمعدوم والمجهول ص ٨٣ .
(٦) قال في الصحاح ٥ / ٢١٠٧ مادة ( ختن ): الخَتَنُ - بالتحريك - كلُّ مَنْ كانَ مِنْ قِبَل المرأة ، مثل
الأب والأخ، وهم الأختانُ، هكذا عند العرب، وأمَّا عند العامَّة فخَتَنُ الرجلِ : زَوْجُ ابنَتِهِ . وانظر:
اللسان ١٣ / ١٣٨، والمعجم الوسيط : ٢١٨ .
٤٢٤

هذهِ الإجازةِ لبعضِ المتقدمينَ ، إلاَّ أَنَّ اسَمَهُ ذهبَ من حفظِي (١). انتهى. وكأَنَّه أرادَ
بذلكَ ابنَ أبي خيثمةَ ، والله أعلمُ. وأمَّا إذا كانَ الْمُعَلَّقُ هُوَ (٢) الروايةَ كقولهِ : أجزتُ
لمنْ شاءَ الروايةَ عِنِّي ، أَنْ يرويَ عنِّي ، فقالَ ابنُ الصَّلاحِ: هذا أَولى بالجوازِ من حيثُ إِنْ
مُقْتَضَى كُلّ إجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها إلى مشيئةِ المجازِلَهُ ، فكانَ هذا مَعَ كونِهِ بصيغةٍ
التعليقِ تصريحاً بما يقتضيهِ الإطلاقُ ، وحكايةً للحالِ ، لا تعليقاً في الحقيقةِ. قالَ: ولهذا
أجازَ بعضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِّيْنَ في البيعِ أن يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هذا بكذا إِن شئتَ، فيقولُ (٣).
قَبْتُ(٤). قُلْتُ : الفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَعْبِيْنُ الْمُبتاعِ هنا ، بخلافِهِ فِي الإِجازةِ، فإنَّهُ مُبْهَمٌ . نَعَمْ ..
وِزَانُهُ (٥) في الإجازةِ أَنْ يقولَ : أجزتُ لك أَنْ ترويَ عَنِّي إِنْ شئتَ الروايةَ عِنِّي. وأمَّا
المثالُ الذي ذكرهُ فالتعليقُ وإنْ لم يَضُرَّهُ فالجهالةُ مُبطِلةٌ لَهُ. وكذلكَ ما وُجِدَ بخطِ أبِي
الفتحِ الأَزْدِيِّ (٦): أجزتُ روايةَ ذلكَ لجميعِ مَنْ أَحبَّ أَنْ يرويَ ذلكَ عِنِّي . وأمَّا تعليقُ
الروايةِ مَعَ التصريحِ بالمجازِ لَه وتعيينِهِ ، كقولِهِ: أجزتُ لكَ كذا وكذا إنْ شئتَ روايتَهُ
عَنِّي ، أو أَجَزْتُ لكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ ترويَ عَنِّي ، أو أجرْتُ لفلانٍ إِنْ شَاءَ الروايةَ عَنِّي ،
ونحوَ ذلكَ ؛ فالأظهرُ الأقوى أَنَّ ذلك جائزٌ إذْ قد انتفتْ فيه الجَهالةُ ، وحقيقةُ التعليقِ ،
وَلَمْ يَبْقَ سوى صِيغتِهِ .
فقولي : ( إنْ يرد ) ، أي: إنْ يُرِدِ الروايةَ يَدُلُّ عليهِ قولي في البيتِ قبلَهُ : ( مَنْ شاءَ
يَرْوِي )، ويجوزُ أنْ يُرَادَ الأمران معاً، أي: إِنْ أرادَ الروايةَ، أو الإجازة . والظاهرُ: أَنَّهُ
لا فرقَ وإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ بتعليقِ الإِجازةِ فِي الْمُعَيَّنِ فتعليلُهُ وبعضُ أمثلِهِ يقتضي
الصحَّةَ فیه لعمومِهِ .
(١) الإجازة للمعدوم والمجهول : ٨٣.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية ، وقد سقطت من المطبوعة .
(٣) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: (( فنقول)).
(٤) علوم الحديث ص ١٣٩، وانظر: التقييد والإيضاح ١٨٥ .
(٥) أي: مِثْلُهُ، ونظيرُهُ وحذاؤهُ وقُبالتّهُ. انظر: اللسان ١٣ / ٤٤٨، ومتن اللغة ٥ / ٧٥٠ مادة (وزن).
(٦) علوم الحديث : ١٣٩ .
٤٢٥

كَقَوْلِهِ: أَجَرْتُ لِفُلاَن (١) مَعْ
٤٧٠. وَالسَّادِسُ : الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ
٤٧١. أَوْلاَدِه وَنَسْلِهِ وَعَقِهْ
٤٧٢. وَهْوَ أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ
٤٧٣. بالْوَقْفِ، لَكِن (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ
٤٧٤. كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقًا
حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ
(ابْنُ أَبِي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثَلاَ
كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ
عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبقًا
وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلَى اسْتِوَاءِ
٤٧٥. مِنِ(٢) ابْنِ عُمْرُوْسٍ(٣) مَعَ الْفَرَّاء
أَبَا حَنْفَةَ (٥) وَمَالِكاً مَعَا
٤٧٦. فِي الْوَقْفِ فِي صِحَّتِهِ (٤) مَنْ تَبِعَا
والنوعُ السادسُ من أنواعِ الإِجازة: الإِجازةُ للمعدومِ ، وهي على قسمينِ :
الأولُ : أَنْ يَعْطِفَ المعدومَ على الموجودِ ، كقولهِ : أجزتُ لفلانٍ ولولدهِ وعَقِبهِ(٦)
ما تَنَاسَلُوا ، أو أجزتُ لكَ ولمنْ يولدُ لكَ، ونحوِ ذلكَ. وقد فعلَهُ أبو بكرٍ عبدُ الله ابنُ
أبي داودَ السجستانيُّ (٧)، وقد سُئِلَ الإِجازةَ، فقالَ: قَدْ أجزتُ لكَ ولأولادكَ ولِحَبَلٍ
الْحَبَلَةِ (٨) ، يعني: الذينَ لَمْ يُؤْلَدُوا بَعْدُ .
(١) بلا تنوين؛ لضرورة الوزن، وقد دخل هذا الشطر الشكل وهو حذف الساكن السابع. وهو لا يدخل
بحر الرجز الذي كتبت عليه القصيدة .
(٢) بكسر النون لالتقاء الساكنين .
(٣) عُمْرُوْس: ضبطه السمعاني في الأنساب ٤ / ٢١٠ - بفتح العين، ومثله في فتح المغيث ٢ / ٨١ وفتح
الباقي ٢ / ٧٠، وضبطه الفيروزآبادي بضمّها، ثمّ قالَ: وفتحه من لحن الْمُحَدِّثين. انظر: القاموس
المحيط مع شرحه تاج العروس ١٦ / ٢٨١، وراجع ترجمة ابن عمروس في سير أعلام النبلاء ١٨ / ٧٣ .
(٤) كذا في النسخ كلها وفي النفائس : (( ... أي في صحة ... )) والوزن صحيح به أيضاً.
(٥) في فتح المغيث بالصرف لضرورة الوزن، وليس من ضرورة هنا؛ لأن الوزن مستقيم بلا صرف ،
والإبقاء على الأصل أولى ، فضلاً عن عدم وجود الضرورة أصلاً .
(٦) كذا في النسخ الخطية ، وفي ع وف: (( ولعقبه)).
(٧) هو الحافظ الثقة أبو بكر عبد الله ابن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، توفي سنة ٣١٦ هـ
( تاريخ بغداد ٩ / ٤٦٢، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٧٦٧ ).
(٨) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٧٩، والكفاية: (٤٦٥ ت، ٣٢٥ هـ)، والإلماع : ١٠٥.
٤٢٦

والقسمُ الثاني : أَنْ يُخصِّصَ المعدومَ بالإجازةِ من غَيْرِ عَطْفٍ على موجود ،
كقولهِ : أجزتُ لمنْ يُولدُ لفلانٍ ، وهو أضعفُ من القسمِ الأولِ والأولُ أُقربُ إلى الجوازِ ،
وقد شُّبِّهَ بالوقفِ على المعدومِ . وقد أجازهُ أصحابُ الشافعيِّ في القسمِ الأولِ دونَ الثاني،
وحَكَى الخطيبُ عن القاضي أبي الطيبِ الطبريِّ: أَنَّهُ منعَ صِحَّةَ الإِجازةِ للمعدومِ مطلقاً ،
قالَ: وقدْ كانَ قالَ لي قديماً: إِنَّه يَصحُ (١). وحكى ابنُ الصلاحِ عن أبي نَصْرِ بنِ
الصََّّاغِ : أنَّهُ بَّنَ بُطلانَها ، قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ هوَ الصحيحُ الذي لا ينبغي غيرُهُ ؛
لأَنَّ الإِجازةَ في حُكمِ الإِخبارِ جملةً بالُجازِ ، فكما لا يصحُّ الإخبارُ للمعدومِ ، لا تصحُ
الإِجازةُ لهُ(٢). وأَجازَ الخطيبُ(٣) الإجازةَ للمعدومِ مطلقاً، وحَكَاهُ عن أبي يعلى بنِ الفَرَّاءِ
وأبي الفَضْلِ بنِ عُمْرُوْسٍ (٤)، وقالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أجازهُ معظَمُ الشّيُوْخِ المتأخِّرِينَ . قالَ
وبهذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُهُمْ بَعدُ شرقاً وغرباً (٥). انتهى وحَكَى الخطيبُ (٦): أَنَّ أصحابَ أبي
حنيفةَ (٧) ومالكِ، قَدْ أَجَازُوا الوَقْفَ عَلَى المعدومِ ، وإِنْ لَمْ يكنْ أصلُهُ موجوداً حالَ
الإيقاف ، مثلَ أَنْ يقولَ: وقفتُ هَذَا عَلَى مَنْ يُولد لفلانٍ وإِن لَمْ يَكُنْ وَقَفَهُ عَلَى فلان .
للأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْلٍ
٤٧٧. وَالسَّابِعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ
رَأَى (أَبُو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ
٤٧٨. غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ
بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعلا
٤٧٩. وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ تَقْلاً ، بَلَى(٨)
(١) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
(٢) علوم الحديث : ١٤٠ - ١٤١ .
(٣) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ ).
(٤) الإجارة للمعدوم والمجهول : ٨١ .
(٥) الإلماع : ١٠٤ .
(٦) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٧١ ، وانظر : فتح العزيز ٥ / ٦٩.
(٧) انظر: التهذيب ٤ / ٥١٢ - ٥١٣ .
(٨) في ( ب): ((بلا)) وهو خطأ.
٤٢٧

وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى(١) فِعْلاَ
٤٨٠. وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضَاً نَقْلاً
قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ
٤٨١. وَ لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ
مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ(٢) فِيْهَا إِذْ فَعَلْ
٤٨٢. مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ
هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ (٣)
٤٨٣. وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا
والنوعُ السابعُ من أنواعِ الإجازةِ : الإجازةُ لمنْ ليسَ بأهلِ حِيْنَ الإِجازة للأَدَاءِ
والأخذِ عنهُ ، وذلكَ يشملُ صُوراً لَمْ يذكرِ ابنُ الصلاحِ (٤) مِنْهَا إلَّ الصيَّ، وَلَمْ يُفْرِدْهُ
بنوعٍ ، بلْ ذَكَرَهُ في آخرِ الكلامِ عَلَى الإجازةِ للمعدومِ ، وزدتُ عليهِ فِي النَّظْمِ الإِجازةَ
للكافرِ . فأمَّ الإِجازةُ للصِّ فَلاَ يخلوا إِمَّا أنْ يكونَ مُمَيَّزَاً أو لا ، فإنْ كَانَ مُمَيِّزاً فالإِجازةُ
لَهُ صحيحةٌ كسماعهِ ، وإن تَقَدَّمَ نقلُ خلاف ضعيفٍ في صحةِ سماعهِ فإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ .
وإِنْ كَانَ غيرَ مُمَيِّزٍ ، فاختُلِفَ فِيهِ . فَحَكَى الخطيبُ: أنْ بعضَ أصحابِنَا قالَ : لا تصحُّ
الإِجازةُ لمنْ لا يصحُّ السماعُ لهُ . قالَ : وسألتُ القاضيَ أبا الطيبِ الطبريِّ، هلْ يُعتبرُ في
صِحَّتِهَا سِنُّهُ أو تمييزُهُ كَمَا يعتبرُ ذلكَ في صحَّةٍ سماعِهِ؟ فقالَ : لا يُعتبرُ ذلكَ (٥). فذكرَ
له الخطيبُ قولَ بعضِ أصحابِنا المتقدّمِ فقالَ: يصحُّ أَنْ يُجيزَ للغائبِ ولا يصحُّ سماعُهُ (٦).
قالَ الخطيبُ: وعلى هذا رأينا كافةَ شيوخِنا يجيزونَ للأطفالِ الغَيَّبِ عنهم مِن غيرِ أَنْ
يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أسْنَانِهِم، وحَالِ تَميِيزِهِم (٧). واحْتَجَّ لذلكَ بأَنَّ الإِجازةَ إنَّما هيَ إباحةُ
المجيزِ للمُجَازِ لهُ، أَنْ يرويَ عنهُ، والإِبَاحةُ (٨) تصحُّ للعاقلِ ، وغيرِ العاقلِ وقالَ ابنُ
الصلاحِ : وكأَنَّهُم رَأَوا الطَّفْلَ أهْلاً لتحمُّلِ هذا النوعِ ليؤدّيَ بهِ بعدَ حصولِ أَهليتهِ لبقاءِ
(١) في (ب): ((أولا)) وَهُوَ خطأ .
(٢) في فى وع: ((الاسما))، وما أثبت هُوَ الصَّحِيْحِ وزناً.
(٣) قال البقاعي: أي: أنَّه يُعلم، أي: يُعَامل مُعاملة المعلوم. النكت الوفية ٢٥٨/ ب.
(٤) علوم الحديث : ١٤٠ .
(٥) الكفاية : (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ)، وانظر: النكت الوفية ٢٥٨ / ب.
(٦) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ ).
(٧) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٦ هـ ).
(٨) في نسخة س والمطبوع: ((والإجازة))، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية، وهو الموافق لما في علوم
الحديث . وانظر : النكت الوفية ٢٥٨ / ب .
٤٢٨

الإسناد (١). وأمَّا الإِجازةُ للكافر فلم أجدْ فيها نَقْلاً، وقد تَقَدَّمَ أَنْ سماعَهُ صحيحٌ ولم
أَجدْ عن أَحدٍ من المتقدِّمِيْنَ والمتأخِّرِينَ الإِجازةَ للكافرِ ، إلاَّ أنَّ شخصاً من الأطباءِ بدمشقَ
ممن رأيتُهُ بدمشقَ ولم أسمعْ عليهِ ، يُقالُ لهُ محمَّدُ بنُ عبدِ السيدِ بنِ الدَّيَّانِ ، سَمِعَ الحديثَ
في حالٍ يهوديتِهِ على أبي عبدِ اللهِ محمَّدٍ بنِ عبدِ المؤمنِ الصوريّ ، وكتبَ اسمُهُ في طبقةٍ
السماعِ معَ السامعينَ وأُجازَ ابنُ عبدِ المؤمن لمنْ سمعَ وهوَ من جملتهِم . وكَأْنَ السماعُ
والإِجازةَ بحضورِ الحافظِ أبي الحجاجِ يوسف بنِ عبدِ الرحمنِ المِزِّيّ، وبعضُ السماعِ
بقراءتهِ وذلكَ في غيرِ ما جزءٍ منها: "جزءُ ابنِ عتْرَةَ"(٢) فلولاً أنَّ المِرِّيِّ يرى جوازَ ذلكَ ما
أَقْرَّ عليهِ. ثُمَّ هَدَى اللهُ ابنَ عبدِ السيدِ المذكورِ للإِسلامِ وحَدَّثَ وسَمِعَ منهُ أصحابنا (٣).
ومن صُوَرِ الإِجازةِ لغير أهلِ الأداءِ الإِجازةُ للمَحْتُونِ ، وهيَ صحيحةٌ وقد تقدَّمَ ذكرُها
في كلامِ الخطيبِ. ومِنْ صُوَرِها الإِجازةُ للفاسقِ والمبتدعِ ، والظاهرُ جوازُها، وأولَى من
الكافرِ ، فإذا زالَ المانعُ من الأَداءِ صحَّ الأداءُ، كالسماعِ سواءٌ. وأمَّا الإِجازةُ للحَمْلِ فَلَمْ
أَجدْ فيها أيضاً نَقْلاً غيرَ أنَّ الخطيبَ (٤) قالَ: لَمْ أَرَهُم (٥) أجازُوا لمنْ لَمْ يكنْ مولوداً في
الحالِ ، ولم يَتَعَرَّضْ؛ لكونهِ إذا وقعَ تصحُ (٦) أو لا (٧)؟ ولا شكَّ أَنَّهُ أولى بالصِّحَّةِ مِنَ
المعدومِ . والخطيبُ يرى صحتَها للمعدومِ - كما تقدَّمَ - وقدْ رأيتُ بعضَ شيوخِنَا
المتأخِّرِينَ سُئِلَ (٨) الإِجازةَ لِحَمْلِ بعدَ ذِكْرٍ أبويهِ قبلَهُ وجماعةٍ معهُم ، فأجازَ فيها ، وهوَ
الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ . ورأيتُ بعضَ أهلِ الحديثِ قدْ احترزَ عنِ الإجازةِ لهُ ، بلْ عَمَّنْ
(١) علوم الحديث : ١٤٢ (بتصرف ).
(٢) في المطبوع: ((عثرة))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٣) جاء في الشذا الفياح ٣٠٥/١ بعد أن ذكر مثل هذا الكلام: ((والظاهر أنّه إنَّما سُمِّيَ محمداً بعد إسلامه)).
(٤) الكفاية: ( ٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ ) .
(٥) في نسخة ص: ((ولم نرهم)).
(٦) في نسخة ص: ((يصح)) .
(٧) قلنا : بل كلام الخطيب البغدادي صريح في جوازه ، فإنه قال بعد حكاية هذا :
((ولو فعله فاعل يصح لمقتضى القياس أياه، والله أعلم)) ( الكفاية: ٤٦٦ ت، ٣٢٦ هــ ).
(٨) قَالَ السخاوي في فتح المغيث ٨٨/٢: ((رأيت من كتب بهامش نسخته نقلاً عن المصنف: أنّه هُوَ السائل
العلائي، وأن الحمل هُوَ ولده أحمد، يعني: الولي أبا زرعة، وفيه نظر، فمولد أبي زرعة في ذي الحجة سنة اثنتين
وستين ، ووفاة العلائي في المحرم سنة إحدى ، اللهم إلاّ أن يكون مكث حملاً أزيد من المعتاد غالباً)).
٤٢٩

لَمْ يُسمَّ في الإجازةِ ، وإنْ كانَ موجوداً ، فكتبَ : أجزْتُ للمسمِّيْنَ فيهِ ، وهوَ المحدِّثُ
الثقةُ أبو الثناءِ محمودُ بنُ خَلَفٍ المنبحيُّ (١). ومَنْ عَمَّمَ الإِجازَةَ للحَمْلِ وغيرِهِ أَعْلَمُ وأَحفظُ
وأَتقنُ. إلا أنهُ قد يُقالُ: لعلَّهُ ما اصَّفْحَ (٢) أسماءَ الإِجازةِ حتى يَعلمَ هَلْ فيها حملٌ أم لا؟
فقدْ تقدَّمَ أَنَّ الإِجازةَ تصحُّ وإِنْ (٣) لَمْ يَتَصَفْحِ الشيخُ الْمُجيزُ أسماءَ الجماعةِ المسؤولِ لَهُمْ
الإجازةَ . إلاَّ أَنَّ الغالبَ أَنْ أَهْلَ الحديثِ لا يُجيزونَ إلاَّ بعدَ نَظَرِ المسؤولِ لَهُمْ، كَمَا
شاهدناهُ مِنْهُمْ . قلتُ : وينبغي بناءُ الحكم في الإجازةِ للحملِ عَلَّى الخلافِ في أَنَّ الحَمْلَ
هِلْ (٤) يُعْلَمُ أو لا؟ فإِن قلنا: إِنَّه لا يُعلمُ، فتكونُ (٥) كالإِجازَةِ للمعدومِ ويجري فيهِ
الخلافُ وإِن قُلنا: إِنَّهُ يُعْلَمُ - وَهو الأَصَحُّ كما صحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ - صَحَّتِ الإِجازةُ .
ومعنى قولِهِم: إِنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ ، أي: يُعامَلُ مُعامَلةَ المعلومِ وإِلاَّ فقدْ قالَ إِمامُ الحرمينِ : لا
خلافَ أَنَّهُ لا يُعلمُ (٦) وقد جزمَ بهِ الرافعيُّ بعد هذا بنحوِ صفحةٍ في أثناءِ فَرقِ ذَكَرَهُ .
وقولي : ( وَهَذَا أَظْهَرُ ) ، أي : في أَنَّ الحملَ يُعْلمُ ، وفي بناءِ الإِجازةِ للحملِ على هذا
الخلافِ ، ففيهِ ترجيحٌ للأَمرينِ (٧) معاً (٨).
(١) هو محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي الدمشقي - نسب هنا إلى جدّه- توفي سنة (٧٦٧ هــ)،
انظر : الدرر الكامنة ٤ / ٣٢٣.
(٢) قال البقاعي: أي: ما نظر فيهم ، صَفَحَ وَرَقَ الْمُصْحَفِ والكِتابِ : قلب أوراقهما والقومُ عَرَضَهُم
واحداً بعدَ واحدٍ ، والناس : نظر في وجوههم ، وفي الأمر نظر، كتصفّح ، وأصلها: ( تصفّح ) قُلبت
تاء ( تفعّل ) صاداً للتقارب في المخرج ، ثم أدغمت في فاء الفعل بعد إسكانها فاجتلبت همزة الوصل
للتوصل إلى النطق بها. النكت الوفية ٢٥٩ / أ، وانظر: اللسان ٣٤٧/٢، وتاج العروس ٦ / ٥٤١
(صفح).
(٣) في نسخة ص: (( ولو)).
(٤) لفظة: ((هل)) لم ترد في نسخة ص .
(٥) في نسخة ص : (( فيكون)).
(٦) البرهان ١ / ٤١٤ .
(٧) في نسخة ص : ((الأمرين)).
(٨) كتب ناسخ ن بلاغا مفاده بلوغ المقابلة ، وهذا يدل على جودة النسخة وضبطها وإتقانها .
٤٣٠

الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا تُبْطِلُهْ
٤٨٤. وَالثَّمِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ
وَ(ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَةْ
٤٨٥. وبعضُ عَصْرِيٍّ (١) عِيَاضِ بَذَلَهْ
أو سَيَصِحُّ ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ
وَإِنْ يَقُلْ : أَجَزَّتُهُ مَا صَحَّ لَهْ
٤٨٦.
يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ
(الدَّارَقُطْنِيْ) وَسِوَاهُ أُوحَذَفْ
٤٨٧.
والنوعُ الثامنُ من أنواعِ الإِجازةِ: إجازةُ ما سَيَحْمِلُهُ المُجيزُ مَمَا لم يسمعْهُ قبلَ ذلكَ ،
ولم يتحمَّلْهُ ، لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لهُ بعدَ أَنْ يتحمَّلَهُ المُجُميزُ ، قَالَ القاضي عياضٌ في "الإلماع"(٢):
(( فهذا لم أَرَ مَنْ تَكُلِّمَ فيهِ من المشايخِ )) ، قالَ: (( ورأيتُ بعضَ المتأخِرِينَ والعَصْرِيينَ
يَصْنَعُونَهُ ، إلاَّ أَنِّي قرأتُ في فهرسةٍ (٣) أبي مروانَ عبدِ الملكِ بنِ زيادةِ اللهِ الطُّبْبِيِّ، قالَ :
كنتُ عندَ القاضي بِقُرْطُبَةَ أبي الوليدِ يونسَ بنِ مُغيثٍ ، فجاءَّهُ إنسانٌ فسأَلَهُ الإِجازةَ لهُ
بجميع (٤) ما رواهُ إلى تاريخِها ، وما يرويهِ بَعْدُ ، فلمْ يُحِبُهُ إلى ذلكَ ، فغضبَ السائلُ ،
فنظرَ إليّ يونُسُ فقلتُ لهُ (٥): يا هذا يُعطيكَ ما لَمْ يأْخُذْ ؟ !! هذا محالٌ . فقالَ يُونُسُ :
هذا جوابي . قالَ القاضي عياضٌ: وهذا هو الصَّحيحُ فإنّ هذا يُخْبِرُ بما (٦) لا خَبَرَ عندهُ
منهُ ، ويأذنُ لهُ بالحديثِ (٧) بما لَمْ يحدَّثْ بِهِ بعدُ ويُبِيحُ ما لا (٨) يَعْلَمُ، هلْ يصحُّ لهُ
(١) في نسخةب من متن الألفية: ((عصرتي)).
(٢) ص ١٠٦ .
(٣) في ق وس وص: ((فهرسة)، وكذا في الإلماع والشذا الفياح ٣٠٧/١ وفي ن والمطبوع: ((فهرست)).
قال البقاعي : (( في فهرسة)) كذا رأيتها في النسخ بهاء مربوطة ، فقراءتها - بفتح السين - تأنيث
( فهرس) معرَّب ( فهرست ) ، وقد تقدم الكلام فيه قريباً ، ويجوز أن تكون التاء ممدودة مجروراً محلولة ،
وتكون منطوقاً على ما ينطق به العجم ، وتكون حينئذ ساكنة بعد سكون السين . النكت الوفية
٢٥٩ / ب .
(٤) كذا في النسخ الخطية ، وفي ع وف: ((لجميع)) .
(٥) كذا في النسخ الخطية، ولفظة: (( له )) سقطت من ع وف .
(٦) في س وص وق: ((يجيز ما))، وما أثبتناه من ن والمطبوعة.
(٧) كذا في النسخ الخطية ، ولفظة : (( بالحديث )) سقطت من ع وف .
(٨) في ع وف: ((لم)) وما أثبتناه من النسخ الخطية .
٤٣١

الإِذنُ فيه؟! فَمَنْعُهُ الصوابُ)) (١). وقالَ ابنُ الصلاحِ: (( ينبغي أنْ يُبنَى هذا على أَنْ
الإجازةَ في حُكمِ الإخبارِ بالمجازِ جملةً ، وهي إِذْنٌ . فإِنْ جُعِلَتْ في حُكمِ الإخبارِ لم يصحَّ،
إذْ كيفَ يخبرُ (٢) بما لا خَبرَ عندهُ منه ؟ وإنْ جُعَلَتْ إذناً اثْبَى على الإِذْن (٣) في الوكالة
فيما لم يملكْهُ الآذنُ بعدُ (٤). وأجازَ ذلكَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، قالَ : والصحيحُ
بطلانُ هذهِ الإِجازةِ (٥). وقالَ النوويُّ : إنَّهُ الصوابُ (٦). وعلى هذا يتعيّنُ على مَنْ يَرْوِي
عَنْ شيخٍ بالإجازةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذلكَ سمِعَه أو تحمَّلَهُ قَبْلَ الإِجازةِ له. وأمّا إذا قالَ : أجزتُ
له ما صحَّ ويصِحُّ عندَه من مَسْمُوْعَاتِي فهيَ إجازةٌ صحيحةٌ ، وفَعَلَهُ الدَّارقطِنُّ وغيرُهُ ولَهُ
أنْ يرويَ عنهُ ما صحَّ عندَهُ بعدَ الإِجازةِ أَنَّهُ سمعَهُ قبلَها (٧)، وكذلكَ لو لم يقلْ: ويصحُّ ،
فإنّ المرادَ بقوله: مَا صَحَّ، أي: حالةَ الرواية ، لا حالةَ الإِجازة .
فقولي : (جَازَ الكُلُّ) ، أي: ما عَرَفَ حالةَ الأداءِ أَنَّه سماعُهُ (٨).
وقولي: بذلَهُ بذالِ معجمةٍ، أي: أعطاهُ (٩) لِمَنْ سألَهُ (١٠).
لِشَيْخِهِ ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا
٤٨٨. وَالتَّاسِعُ : الإِذْنُ بِمَا أُجْزَا
عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ التَّقْدُ
٤٨٩. وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ
وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ
٤٩٠. أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ
(١) إلى هنا ينتهي كلام القاضي عياض .
(٢) في نسخة ق وس: ((يجيز))، وما أثبتناه من بقية النسخ، والمطبوعة، وهو الموافق لما جاء في علوم الحديث.
(٣) في علوم الحديث: ((على الخلاف في تصحيح الإذن)) وانظر: النكت الوفية ٢٥٩ / ب.
(٤) بعد هذا في علوم الحديث جملة: ((مثل أن يوكّل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه)).
(٥) علوم الحديث : ١٤٢ - ١٤٣ .
(٦) التقريب : ١١٣ .
(٧) علوم الحديث : ١٤٣ بتصرف .
(٨) أفاد البقاعي في نكته ٢٥٩ / ب: أي: سواء كان عرفانه لذلك حالة الإجازة أو بعدها .
(٩) انظر: الصحاح ٤ / ١٦٣٢، واللسان ١١ / ٥٠ (بذل ).
(١٠) كتب ناسخ ق بلاغاً مفاده بلوغ المقابلة ، وفيه دليل على جودة النسخة وإتقانها .
٤٣٢

رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ (١) يُعْتَمَدْ
٤٩١. وَلَى ثَلاَثَاً بإِجَازَة وَقَدْ
ء
فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ
٤٩٢. وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ
مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ
٤٩٣. بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ(٢)
والنوعُ التاسعُ من أنواعِ الإِجازةِ: إجازةُ الجَازِ، كقولِهِ: أجزتُ لكَ مُحَازَاتي ، ونحوَ
ذلكَ. فمَنَعَ جوازَ ذلكَ الحافظُ أبو البركاتِ عبدُ الوهابِ بنُ المباركِ بنِ الأنماطيِّ - أحدُ
شيوخِ ابنِ الجوزيّ- وصنَّفَ جزءاً في مَنْعِ ذلكَ(٣). وذلكَ أَنَّ الإِجازةَ ضعيفةٌ؛ فيقْوَى
الضَّعْفُ باجتماعٍ إجازتينِ ، وحكاهُ الحافظُ أبو عليِّ البَرَدَانِيُّ (٤) عن بعضٍ مُنتحلي
الحديثِ، وَلَمْ يُسمِّهِ، وقدْ أبهمَهُ ابنُ الصلاحِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بقولِهِ : بعضُ (٥) منْ لا يُعتدُّ بِهِ من
المتأخِّرِينَ، قالَ: والصحيحُ الَّذِي(٦) عليهِ العملُ أَنَّ ذلكَ جائزٌ، ولا يُشْبُهُ ذلكَ(٧) ما امتنعَ مِنْ
توكيلِ الوكيلِ بغيرِ إذنِ المُوكِّلِ(٨). وحَكَى الخطيبُ تجويزَهُ عن الدارقطنيِّ وأبي العباسِ بنِ
عُقْدَةً(٩)، وفعلَهُ الحاكمُ في "تأرْيَخِهِ"(١٠). قالَ ابنُ طاهرٍ: ولا يُعْرَفُ بين القائلينَ بالإِجازةَ
خلافٌ في العملِ بإجازةِ الإِجازةِ، وقال أبو نُعيم (١١): الإِجازةُ على الإجازة قويةٌ جائزةٌ .
(١) في نسخة ن والمطبوع: ((لخمس))، والمثبت من بقية النسخ الخطية، والنفائس، وفتح المغيث.
(٢) قال البقاعي : ((مضارع خطاه: تخطية، أي: لم يتعدّ ولم يتجاوز ما صحَّ عند شيخه ... )). النكت
الوفية ٢٥٩ / ب، وانظر : شرح السيوطي للألفية ٢٥٨ .
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠ / ١٣٥.
(٤) انظر ترجمته في السِّير ١٩ / ٢١٩.
(٥) كذا في النسخ الخطية ، ولفظة : ((بعض)) سقطت من ع وف .
(٦) في نسخة ق وس: ((والذي)) .
(٧) قال البقاعي : لأن الوكالة حقّ الموكل وهي تصرف في ماله ، ولذلك ينفذ عزله للوكيل بخلاف الإجازة
فإنها صارة مختصة بالمجاز له ، ولو رجع المجيز عنها لم يعمل برجوعه . النكت الوفية ٢٦٠ / أ.
(٨) علوم الحديث ص ١٤٣.
(٩) الكفاية ص ( ٥٠٠ ت، ٣٤٩ - ٣٥٠ هـ ) .
(١٠) وهو مما فقد من تراث هذه الأمة ، وله مختصر منقول عن ترجمة فارسية .
(١١) حكاه ابن الصلاح في علوم الحديث : ١٤٣ - ١٤٤ وجادةً عن أبي عمرو السفاقسي، قال: سمعت
أبا نعيم الحافظ الأصبهاني : يقول : فذكره ...
٤٣٣

وقولي : ( وَنَصْرٌ) هو مبتدأٌ، خبرُه: ( وَالَى ثلاثاً ) ، أي: بينَ ثلاثِ أجائزَ ،
ويجوز أنْ يكونَ نصرٌ (١) معطوفاً على الدارقطنيِّ، فإنّ فِعْلَ نصرٍ (٢) له دالٌ على جوازهِ
عندَهُ، وهوَ الفقيهُ: نصرُ (٣) بنُ إبراهيمَ المقدسيُّ (٤)، قالَ محمدُ بنُ طاهرِ : سمعتُه ببيتِ
المقدسِ يروي بالإجازة عنِ الإجازةِ ، وربَّما تابعَ بين ثلاثٍ منها . وذكرَ أبو الفضلِ محمدُ
ابنُ ناصرِ الحافظُ ، أَنَّ أَبا الفتحِ ابنَ أبي الفوارسِ ، حدَّثَ بجزءٍ من العِلِلِ لأَحمدَ بإجازته
من أبي عليٍّ بنِ الصَّوَّافِ ، بإجازتِهِ من عبدِ الله بنِ أحمدَ ، بإجازتِهِ من أبيهِ . قلتُ : وقد
رأيتُ في كلامٍ غيرٍ واحدٍ مِنْ الأَئمة وأَهلِ الحديثِ ، الزيادةَ على ثلاثٍ أجائزَ ، فرَوْوا
بأربعٍ أجائزَ متواليةٍ ، وخمسٍ ، وقدْ روى الحافظُ أبو محمد عبدُ الكريمِ الحليُّ في " تاريخ
مصرَ " عن عبد الغنيِّ بنِ سعيدِ الأزديِّ بخمسٍ أجائزَ متواليةٍ في عدَّةِ مواضعَ. وينبغي لِمَنْ
يروِي بالإِجازةِ عن الإِجازَةِ ، أَنْ يَتَأَمَّلَ كيفيةَ إجازةٍ شيخ شيخه لشيخه ، ومُقْتَضَاهَا
حَتَّى لا يروي بها ما لم يندرجْ تحتها ، فربما فَيَّدَهَا بعضُهم بما صحَّ عند المجازِ ، أو بما سمعهُ
المجيزُ فقط، أو بما حدَّثَ به من مَسْمُوْعَاتِهِ أو غيرِ ذلكَ. فإنْ كان أجازَهُ بلفظ: أجزتُ له
ما صحَّ عندَهُ من سماعاتي (*)؛ فليسِ للمجازِ الثاني أَنْ يروي عن المجازِ الأولِ إلّ ما علمَ
أَنَّهُ صحَّ عنده أنَّهُ مِن سماعٍ شيخِهِ الأَعْلَى. ولا يَكتَفي بمجرَّدٍ صحة الإجازة)) (٦)،
وكذلك إنْ قَّدَها بسماعهِ ، لم يتعدَّ إلى مجازاتهِ .
وقد غلطَ غيرُ واحدٍ من الأئمة، وعَثَرَ بسببِ هذا . فمِنْ ذَلِكَ : أَنَّ الإِمامَ أبا عبد الله
محمدَ بنَ أحمدَ بنِ محمدِ الأَنْدَرَشِيَّ ، المعروفَ بابنِ الْيَتْمِ (٧)، - أحَد مَنْ رحلَ وجَالَ
(١) كذا في النسخ الخطية وف، وتحرف في ع إلى: ((نصير))، وهو تحريف، وانظر: النكت الوفية ٢٦٠/أ.
(٢) كسابقه .
(٣) كسابقه .
(٤) حكاه عنه ابن الصلاح في علوم الحديث ص ١٤٤.
(٥) في نسخة ص : (( مسموعاتي)).
(٦) نقل هذا الكلام من علوم الحديث لابن الصلاح : ١٤٤ . بتصرف .
(٧) هو الإمام المحدِّث الجوال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن اليتيم الأندلسي الأنصاري ،
توفي سنة ٦٢١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٥٠.
٤٣٤

في البلادِ ، وسمعَ ببلادِ المغربِ ، ومصرَ ، والشامٍ ، والعراقٍ ، وخراسانَ ، وأخذَ
عن السِّفيِّ وابنِ عساكرَ والسهيليِّ وابنِ بَشْكَوالَ وعبدِ الحقِّ الإشبيليِّ وخلقٍ - ذكرَ
إسنادُهُ في (١) الترمذيّ عن أبي طاهرِ السِّلفيِّ عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ سعيدٍ
الحدَّادِ ، عن إسماعيلَ بنِ يَنَالَ (٢) الْمَحْبُوْبِيِّ، عن أبي العباسِ الْمَحْبُوْبِيِّ، عن الترمذيّ ،
هكذا ذكرَ (٣) الحافظُ أبو جعفرِ بنُ النَّرْسِيِّ (٤): أَنَّهُ وجدَهُ بخطِ ابنِ اليتيمِ .
وَوَجْهُ الْغَلَطِ فيهِ : أَنَّ فِيهِ إجازتِينِ: إحداهما: أنَّ ابنَ يَنَالَ أجازَ للحدَّادِ ، ولم
يسمعْهُ منهُ. والثانيةُ : أَنَّ الحدَّدَ أجازَ للسِّلَفيِّ (٥) ما سمعَهُ فقطْ (٦)، فلم يُدْخِلْ الترمذيُ
في إجازتِهِ (٧) للسِّلَفيِّ. وذكرَ النَّرْسِيُّ (٨): أنَّ السِّلَفِيَّ وَهِمَ في ذلكَ قديماً ثم تذكرَ ورجعَ
عن هذا السندِ ، قالَ: ومنْ هُنا تكُلِّمَ أبو جعفرِ بنُ الباذشِ فِي السِّلَفِيِّ، وعذرَ الناسَ
السِّلَفِيِّ، فقدْ رجعَ عنهُ . قالَ (٩): وتكلّمَ الناسُ في ابنِ اليتيمِ : قالَ : وما أظنُّ الباعثَ
لذلكَ إلاّ ما ذكرتُهُ. انتهى. وقدْ بَيَّنَ السِّلَفِيُّ صورةَ إجازةِ الحدَّادِ له في " فهْرستِهِ" (١٠)
فيما أخبرني به محمدُ بنُ محمدِ بنِ يحيى القرشيُّ ، قالَ : أخبرنا عيسى بنُ يحيى السببُّ ،
قالَ: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ المجيدِ الصفراويُّ ، أخبرني أبو طاهر السِّلَفيُّ ، قال: كلنَ
أبو الفرجِ الحدَّادُ يرويهِ، أي: كتابَ الترمذيّ، قالَ: ولم يُجِزْ لي ما أُجيزَ لهُ ، بلْ ما
سمعَهُ (١١) فقطْ، قال : كتبَ إليّ إسماعيلُ بنُ يَنَالَ المحُبُوْبِيُّ من مَرْو. انتهى.
(١) في نسخة ص: ((إلى)).
(٢) قال البقاعي: ((هو بنون ولام وزن مضارع (نال) المبني للفاعل)). النكت الوفية ٢٦٠ / أ، وانظر
ترجمته في : السِّير ١٧ / ٣٧٦ .
(٣) في نسخة ص : ((ذكره)) .
(٤) في نسخة س: ((الرسي))، وفي ع وف: ((الترسي )) بالتاء ، خطأ.
(٥) في نسخة ص: ((السلفي)).
(٦) بعد هذا في نسخة س جملة: ((ولم يجز ما أجيز له)).
(٧) بعد هذا في نسخة س: ((ولم يسمعه )).
(٨) راجع هامش (٣) .
(٩) كلمة : ((قال)) لم ترد في نسخة ن .
(١٠) قال البقاعي: بفتح السين إنْ نُطِقَ به معرَّباً، وبإسكانها إن كان على ما تنطق به العجم كما تقدم .
النكت الوفية ٢٦٠ / ب .
(١١) في نسخة ق: ((سمعته)).
٤٣٥

قلتُ : وكانَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ دقيقِ العيدِ ، لا يُجيزُ روايةَ سماعِهِ كُلِّهِ بِلْ يُقَيِّدُهُ
بما حَدَّثَ بِهِ مِنْ مَسْمُوْعَاتِهِ ، هكذا رأيتُهُ بخطّهِ فِي عِدَّةِ إجازاتٍ، ولم أَرَ لهُ إجازةً تَشملُ
مسموعَهُ ؛ وذلك أَنَّهُ كَأنَ شكَّ في بعضِ سماعاتِهِ فَلَمْ يُحدِّثْ بِهِ وَلَمْ يُحِزْهُ، وَهُوَ سماعُهُ
عَلَى ابْنِ الْمُقِيَّرِ ، فمَنْ حدَّثَ عنهُ بإجازِهِ مِنْهُ بشيءٍ مِمَّ حَدَّثَ بِهِ من مَسْمُوْعَاتِهِ فَهُوَ
غيرُ صحيحٍ ، وينبغي التنبهُ لهذا وأمثالِهِ (١).
لَفْظُ الإِجَازَةِ ، وَشَرْطُهَا
وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ
٤٩٤. أَجَزْتُهُ ( ابْنُ فَارِسٍ ) قَدْ نَقَلَهْ
قالَ أبو الحُسينِ أحمدُ بنُ فارسِ : (( معنى الإجازةِ في كلامِ العربِ مأخوذٌ مِنْ جوازِ
الماء الذي يُسْقَاهُ المالُ من الماشيةِ والْخَرْثِ، يُقالُ منهُ : استجزتُ فلاناً (٢) فأجازني، إذا
سَقَّاكَ (٣) ماءً لأرضِكَ أو ماشيتِكَ، كذلكَ طالبُ العلمِ يسألُ العالِمَ أنْ يجيزَهُ عِلْمَهُ (٤)،
(١) كتب ناسخ ق بلاغاً مفاده بلوغ المقابلة ، وهذا يدل على إتقان النسخة وضبطها .
(١) (( أي: طلبت منه أن يجيزَ إليّ الماء، أي: ينفذه ويمضيه)). النكت الوفية ٢٦٠/ ب.
(٢) هكذا في النسخ الخطية والمطبوعة ، وفي علوم الحديث: ١٤٥: ((إذا أسقاك))، ومثله في الكفاية، (وفي
حاشية الكفاية إشارة إلى أنه في نسخة سقاك )، ومقاييس اللغة ١ / ٤٩٤، وفتح المغيث ٢ / ٩٥،
وتدريب الراوي ٢ /٢٥.
قال البقاعي في النكت الوفية ٢٦٠ / ب ((قوله: ((سقاك ماءٌ)) هكذا في نسخ الشرح، وهي في ابن
الصلاح : (( أسقاك)) بألف وهو أحسن، قال في القاموس: سَقَاهُ وسَقَّاهُ وأسْقَاهُ، أو سَقَاهُ وسَقَّاهُ
بالشَّفَةِ ، وأسْقَاهُ: دَلَّهُ على الماء، أو سَقَى ماشيته أو أرضهُ أو كلاهما، أي: سقى وأسقى جعل له
ماءً؛ ولذلك كتَبَ فوقَ الألف صورة (( صح)) في نسخة قرئت على المؤلف مرتين ، فهذا هو المعتمد
ولا التفات إلى ما في أكثر النسخ، ثم راجعت نسخة من المجمل لابن فارس قديمة معتمدة فإذا هي : ((
أسقاك)) بالهمزة مثل ما في كتاب ابن الصلاح. أ. هـ)). انظر: مجمل اللغة ٢٠٢/١ والأفعال
١٦٥/٢ لابن القطاع، ولسان العرب ٣٩٢/١٤ .
(٤) قال البقاعي: (( أي: يجيز إليه عِلْمه ليرويه عنه، هذا هو الأصل؛ وذلك كَمَا يجيز الماء للسقي فيروي بهِ
الأرض أو غيرها ، وكل ذَلِكَ بمعنى التخفيف والتيسير والإنفاذ والإمضاء)). النكت الوفية
٢٦٠/ب .
٤٣٦

فيجيزَهُ إِيَّهُ ) (١). قال ابنُ الصلاحِ: فللمجيزِ - على هذا - أنْ يقولَ : أجزتُ فلاناً
مَسْمُوْعَاتِي(٢)، أو مَرْوِيَاتِي، فُيُعَدِّيهِ بغيرِ حرفِ جرٍ ، من غيرِ حاجةٍ إلى ذِكْرِ لفظِ الروايةِ،
أو نحوِ ذلكَ . ويحتاجُ إلى ذلكَ مَنْ يجعلُ الإِجازةُ بمعنى التسويغِ والإذنِ والإِباحةِ ، قالَ:
وذلكَ هو المعروفُ. فيقولُ : أجزتُ له روايةَ مَسْمُوْعَاتِي مثلاً. قالَ : وَمَنْ يقولُ :
أجزتُ له مَسْمُوْعَاتي فعلى سبيلِ الحذفِ الذي لا يَخْفَى نظيرُهُ (٣).
مِنْ عَالِمٍ بِهِ (٤)، وَمَنْ أَجَازَهْ
٤٩٥. وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ
عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطَاً وَعَنْ (أَبِي عُمَرْ)
طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ
٤٩٦.
إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ
٤٩٧. أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ
أو دُوْنَ لَفْظٍ (٥) فَانْوٍ وَهْوَ أَدْوَنُ
٤٩٨. وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ
هذا بيانٌ لشرط صحةِ الإِجازة عند بعضهمٍ على الخلافِ المذكورِ . قال ابنُ
الصلاحِ: إِنَّمَا تُستَحْسَنُ الإِجازةُ (٦) إذا كانَ الْمُجيزُ عالماً بما يُجيزُ ، والمجازُ لهُ مِنْ أهلِ
العلمِ ؛ لأَنَّها تَوَسُّعٌ وترخيصٌ ، يتأَهلُ لَهُ أهلُ العلمِ لِمسيسِ حاجتِهِم إليها. قَالَ : وبالغَ
بعضُهم فِي ذَلِكَ فجعَلَه شرطاً فِيْهَا ، وحكاهُ الوليدُ بنُ بكرِ المالكيُّ عن مالكٍ ، وَقَالَ أبو
عمرَ بنُ عبدِ البِّ (٧): الصحيحُ أَنَّها لا تجوزُ إلّ لماهرِ بالصناعةِ، وفي شيءٍ مُعَيَّنٍ لا
(١) النص في معجم مقاييس اللغة ٤٩٤/١ بحروفه إلى قوله: (( أو ماشيتك))، وقد أسنده عنه الخطيب
بتمامه في الكفاية ص(٤٤٦-٤٤٧ ت، ٣١١-٣١٢ هـ) ويبدو أن هذا النص بهذا السياق في كتاب
آخر لابن فارس كما أشار إلى ذلك السخاوي في فتح المغيث ٢ / ٩٥ وسَّاه : مآخذ العلم ..
(٢) قال البقاعي : (( أي: جعلته جائزاً إليها، أو جعلتها جائزة ، أي: مباحة له بمعنى أنه يرويها كما أرويها
أنا )) . النكت الوفية ٢٦٢ / ب .
(٣) علوم الحديث ص ١٤٥ ، وقوله : على سبيل الحذف ، يريد به : أنه على حذف المضاف وإقامة المضاف
إليه مقامه ، وأصل العبارة: أجزتُ له رواية مسموعاتي. كما في حاشية توضيح الأفكار ٢ / ٣١١ .
(٤) في (أ) والنفائس: ((بها)) والمثبت من بقية النسخ الخطية وأشار في فتح الباقي إلى ذلك الاختلاف ٨٧/٢.
(٥) بعد هذا في مطبوعتيّ ع وف كلمة: ((قالوا))، وهي زيادة يختل معها الوزن .
(٦) من قوله : ((عند بعضهم)) إلى هنا سقط كله من نسخة ص .
(٧) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٨٠ .
٤٣٧

يُشْكلُ إسنادُهُ (١). ثُمَّ الإِجازةُ قد تكونُ بلفظِ الشيخ وقد تكونُ بالخطِ ، سواءٌ أجازَ
١
ابتداءٌ أَمْ (٢) كتبَ بهِ على سؤالِ الإِجازةِ ؟ كما جرتِ العادةُ . فإنْ كانت الإِجازةُ بالخطّ
فالأحسنُ والأَولى أن يتلفّظَ بالإجازةِ أيضاً ، فإن اقتصرَ على الكتابةِ ولم يتلفظُ بالإجازةِ
أيضاً(٣)، صحتْ إذا اقترنتِ الكتابةُ بقصدِ (٤)الإجازةِ؛ لأنّ الكتابةَ كتابةٌ وهذه (٥) دون
الإجازةِ الملفوظِ بها في المرتبةِ . فإنْ لم يقصدِ الإجازةَ فالظاهرُ عدمُ الصحةِ . قالَ ابنُ
الصلاحِ : وغيرُ مستبَعدٍ تصحيحُ ذلك بمجردِ هذهِ الكتابةِ في بابِ الروايةِ التي جُعلتْ فيه
القراءةُ على الشيخِ ، مع أنَّهُ لم يلفظْ بما قُرِئَ عليه اخبارًا منه بذلك (٦).
الرَّبِعُ : الْمُنَاوَلَةُ
بِالإِذْنِ أَوْ لاَ ، فَالَّتِي فِيْهَا إِذِنْ
٤٩٩. ثُمَّ الْمُنَاولاَتُ (٧) إِمَّا تَقْتَرِنْ
أَغْطَاهُ مِنْكَاً فَإِعَارَةً كَذَا
٥٠٠. أَعْلَى الإِجَازَاتِ، وَأَعْلَهَا إذا
عَرْضاً وَهَذَا الْعَرْضُ لِلْمُنَاوَلَهْ
٥٠١. أَنْ يَحْصُرَ الطَّالِبُ بِالْكِتَابِ لَهْ
ثُمَّ يُنَاولَ (٩) الْكِتَابَ مُحْضِرَهْ
٥٠٢. وَالشَّيْخُ ذُوْ مَعْرِفَةٍ فَيَظُرَةْ (٨)
وَقَدْ حَكَوْا عَنْ (مَالِكِ) وَنَحْوِهِ
٥٠٣. يقول: هَذَا مِنْ حَدِيْثِي(١٠) فارْوِهِ
(١) علوم الحديث : ١٤٦ .
(٢) في نسخة ن وق وص: (( أو))، وفي بقية النسخ: ((أم)) وهو الذي أثبتناه ، وهو الراجح. والله أعلم.
(٣) لفظة : (( بالإجازة أيضا )) لم ترد في نسخة ن وق .
(٤) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((بالكتابة لقصد)) .
(٥) في نسخة ن: ((وهي)).
(٦) علوم الحديث ص ١٤٦ .
(٧) في نسخة س من شرح الألفية: ((المناولة)).
(٨) و (٩) (ينظره) و (يناول) منصوبة عطفاً على يحضر في البيت السابق .
(١٠) في نسخة ب من متن الألفية: ((من سماعي)).
٤٣٨

وَقَدْ أَبَى الْمُفْتُوْنَ ذَا امْتِنَاعَا
٥٠٤. بأَنَّهَا تُعَادِلُ السَّمَاعَا
وَالشَّافِعِيْ وَ أحْمَدُ الشَّيَْانِيْ
٥٠٥. إِسْحَاقُ وَالنُّوْرِيْ مَعَ النُّعْمَانِ
بِأَنَّهَا أَنْقَصُ ، قُلْتُ : قَدْ حَكَوْا
٥٠٦. وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) وَغَيْرُهُمْ رَأَوْا
مُعْتَمَداً ، وَإِنْ تَكُنْ مَرْجُوْحَةْ
٥٠٧. إِجْمَاعَهُمْ بِأَنَّهَا صَحِيْحَةْ
القسمُ الرابعُ من أقسامِ الأَخذِ والتحمُّلِ : المناولةُ ، وهي على نوعين : الأولُ:
المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ ، وهي أَعلى أنواعِ الإجازةِ على الإطلاقِ .
ثُمَّ لهذهِ المناولةِ العاليةِ صورٌ ، أعلاها أنْ يُناولَهُ شيئاً من سماعِهِ، أصلاً أو فرعاً
مقابلاً به ، ويقولَ : هَذا مِنْ سَمَاعِي، أو رِوَايَتِي عن فلانٍ فاروهِ عِّي ، ونحو ذلكَ .
وكذا لو لم يذكرْ شيخَهُ وكان اسمُ شيخِهِ في الكتابِ الُنَاول، وفيهِ بيانُ سماعِهِ منهُ ، أو
إجازتِهِ منهُ، ونحوِ ذلكَ ، ويُمَلِّكُهُ الشيخُ لهُ ، أو يقولُ له : خُذْهُ وانتسخْهُ ، وقابلْ به ، ثم
رُدّهُ إليّ، ونحو ذلك. ومنها أَنْ يناولَهُ له ثُمَّ يَرْتَجِعَهُ منهُ في الحالِ ، وسيأتي حكمُ هذهِ
الصورةِ في الأبياتِ التي تلي هذه ، ومنها أَنْ يُحضِرَ الطالبُ الكتابَ - أَصْلَ الشيخِ أو
فرعَهُ الْمُقابلَ بِهِ - فيعرضَهُ عليهِ ، وسَمَّهُ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ عَرْضًاً ، فيكونُ هذا عَرْضَ
المناولة ، وقد تقَدَّمَ عَرْضُ السَّمَاعِ. فإذا عَرَضَ الطالبُ الكتابَ على الشَّيْخِ ، تَأَمَّلَهُ
الشَّيْخُ، وهوَ عارفٌ مُتَيَقّظٌ ، ثمْ يُنَاوَلُهُ للطالبِ ، ويقولُ: هَوَ روايتي عن فلانٍ أو عمَّنْ
ذُكِرَ فيه ، أو نحوَ ذلك ، فاروِهِ عِنِّي ، ونحوَ ذلكَ . ولم يتعرضِ ابنُ الصلاحِ لكونٍ
الصورةِ الأُوْلى من صُوَرِ المناولةِ أعلى، ولكنَّهُ قَدَّمَها في الذِّكْرِ (١)، وقالَ القاضي عياضٌ:
أَرفَعُها أَنْ يدفعَ الشَّيْخُ كتابَهُ للطالبِ (٢) فيقولَ: هذهِ روايتي فارْوِها عِنِّي، ويدفَعَها إليهٍ (٣)،
أو يقولَ له : خذْها فَانْسَخْهَا، وقابلْ بها ثمَّ اصْرِفْهَا إليّ، أو يأتيهِ الطالبُ بنسخةٍ
(١) علوم الحديث : ١٤٦.
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي نسخة ق: (( للطالب كتابه)). بالتقديم والتأخير.
(٣) بَيَّنَ ناسخ ص معنى هذا فقال: ((أي: على سبيل الملك)).
٤٣٩

صحيحةٍ إلى آخرِ كلامِهِ (١). وهذه (٢) المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ حَالَّةٌ محلّ السَّماعِ عندَ
بعضهم ، كما حكاهُ الحاكمُ عن ابنٍ شهابٍ ، وربيعةَ الرأي ، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاري،
ومالكٍ في آخرينَ مِن أهلِ المدينةِ، ومَكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشامِ ومصرَ وخُراسلنَ (٢).
وفي كلامِهِ بعضُ تخليطٍ ؛ إذْ خلطَ عَرْضَ المناولةِ بعرْضِ السَّمَاعِ ، وقالَ الحاكمُ في هذا
العرضِ : أما فقهاءُ الإسلامِ الذين أَفتوْا في الحلالِ والحرامِ فإِنَّهم لم يَرَوْهُ سماعاً ، وبِهِ قالَ
الشافعيُّ والأوزاعيُّ والبويطيُّ وَالْمُزَنِيُّ وأبو حنيفةَ وسفيانُ الثوريُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ وابنُ
المباركِ ويحيى بنُ يحيى وابنُ راهويهِ. قالَ: وعليهِ عَهِدْنَا أَثْمَتَنا، وإليهِ ذهبوا، وإليهِ تَذْهَبُ(٤).
وقالَ ابنُ الصلاحِ: إِنَّهُ الصحيحُ وإنّ هذا مُنْحَطٍّ عن التَّحْدِيثِ والإخبارِ (٥) .
وقولي : ( قُلتُ: قَدْ حَكَوَا إجماعَهُمْ )، أي : أجماعَ أهلِ النقلِ ، وإنما زدْتُ نَقْلَ
اتفاقِهم هنا؛ لانّ الشيخَ حكى الخلافَ المتقدِّمَ في الإجازةِ ، ولم يحكِ هنا إلاّ كونَها
مُوازيةً (٦) للسَّمَاعِ أولا ، فأردْتُ نَقْلَ اتفاقِهِم على صَحَّتِهَا ، وقد حكاهُ القاضي عياضٌ
في " الإِلماعِ " بعد أنْ قالَ: وهي روايةٌ صحيحةٌ عند معظمِ الأَثَمةِ والمحدِّثينَ (٧)، وسَمَّى
جماعةٌ، ثُمَّ قالَ : وهو قولُ كافةِ أهلِ النقلِ والأَداءِ والتحقيقِ من أهلِ النَّظَرِ (٨). انتهى.
وقولي : ( مُعتَمَداً )، هو بفتحِ الميمٍ ، وهو تمييزٌ، أي: صحيحةً اعتماداً (٩).
(١) الإلماع : ٧٩ . وفي النقل تصرف واختصار .
(٢) في نسخة ص: ((فهذه)) .
(٣) معرفة علوم الحديث : ٢٥٧ .
(٤) معرفة علوم الحديث : ٢٥٩ - ٢٦٠ بتصرف، وانظر: التقييد والإيضاح: ١٩٢.
(٥) علوم الحديث : ١٤٨ وقد ذكره المصنف بالمعنى .
(٦) أي : مساوية .
(٧) الإلماع : ٨٠ .
(٨) المصدر السابق .
(٩) وَقَالَ السيوطي: ((ويجوز كونه حالاً مؤكدة، أي: معتمداً عَلَيْهَا فِي الرِّوَايَة). قلنا: فأما قوله: ((معتمداً))
فعلى رأي النَّاظِم - الحَافِظ العراقي - وغيره كالبقاعي (النكت الوفية ٢٦٤/أ) فيكون تفسيراً لـ
(صحيحة) بمعنى: ((صحيحة اعتماداً) - كَمَا قَالَ النَّاظِم - وعلى رأي السيوطي تَكُوْن حالاً مؤكدة ،
وذلك أن الاعتماد تتضمنه الصحة ، فالتصريح بهِ تأكيد بأحد متضمنات الصحة ، وما جوزه أقرب إِلَى
الصواب. والله أعلم . وانظر: التعليق عَلَى شرح ألفية العراقي للسيوطي: ٢٨٨ هامش (٦) .
٤٤٠