Indexed OCR Text

Pages 321-340

ذلك كالوضع ، وقد يُفعلُ اختباراً لحفظ المحدِّث ، وهذا يفعلُهُ أهلُ الحديث كثيراً، وفي
جوازِهِ نظرٌ إلا أنّهُ إذا فعلَهُ أهلُ الحديث لا يستقرُّ حديثاً ، وإنّما يقصدُ اختبارُ حفظ
المحدّثِ بذلك، أو اختبارِهِ ، هل يقبل التَّلْقين، أم (١) لا؟ وثمَّنْ فعل ذلك شعبةُ وحمّادُ بنُ
سلمةَ . وقد أنكرَ حَرَمِيُّ على شعبةَ لَّا حدَّثَّهُ بهزّ أنَّ شعبةَ قلبَ أحاديثَ على أبانَ بنِ أبي
عَيّاشٍ. فقال حَرَمِيٌّ: يا بئسَ ما صنعَ، وهذا (٢) يحلُّ ! (٣) . فمما فعلَهُ أهلُ الحديث
للاختبارِ ، قِصّتُهم مع البخاريِّ ببغدادَ . أخبرني محمدُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الميدُومِيُّ ، قال
: أخبرنا أبو الفرجِ عبدُ اللطيفِ بنُ عبدِ المنعمِ بنُ عليٍّ الحرّانيّ، قال: أخبرنا أبو الفرج
عبدُ الرحمنِ بنُ عليٍّ بنِ محمدٍ بَنُ (٤) الجوزيِّ الحافظُ قراءةً عليه وأنا أسمعُ ببغدادَ ( ح)
وأخبرني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنُ محمد البنائيُ (٥) بقراءتي ، واللفظُ لَهُ ، قال: أخبرنا يوسفُ
بنُ يعقوبَ الشيبانيِّ كتابةً ، قال : أخبرنا أبو اليُمن الكنديُّ قالا (٦) : أخبرنا أبو (٧) منصور
القزّازُ ، قال : أخبرنا الخطيبُ (٨) ، قال: حدّثني محمدُ بنُ أبي الحسنِ السَّاحليُّ ، قال :
أخبرنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرازيُّ ، قال سمعتُ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ (٩) يقولُ: سمعتُ عدَّةً
مشايخَ يحكُونَ : أنّ محمدَ بنَ إسماعيلَ البخاريَّ قَدِمَ بغدادَ ، فسمعَ به أصحابُ الحديثِ ،
فاجتمعوا وعَمَدوا إلى مائةٍ حديثٍ فقلَبُوا متونَها، وأسانيدَها ، وجعلوا مَتْنَ هذا الإسناد ،
الإسنادٍ آخرَ ، وإِسنادَ هذا المتنِ لمتَنْ آخرَ . ودفعوا إلى عَشَرَةِ أَنفُسٍ ، إلى كُلِّ رجلٍ عَشَرَةً
أحاديثَ ، وأمرُوهم إذا حَضُروا المجلسَ يُلْقُون ذلك على البخاريِّ، وأخذوا الموعدَ
للمجلسِ، فحضرَ المجلسَ جماعةُ أصحابِ الحديثِ من الغرباءِ من أهل خُراسانَ ، وغيرِهم،
ومن البغداديينَ . فلما اطمأنٌ (١٠) المجلسُ بأهلِهِ انتدبَ إليه رجلٌ من العَشَرةِ ، فسأله عن
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: (( أو)).
(٢) في نسخة ص : ((فهذا)).
(٣) انظر: النكت الوفية ( ١٩٢ / أ).
(٤) كلمة : (( بن )) لم ترد في نسخة ق .
(٥) کذا في نسخة ن وص وس، وفي نسخة ق: ((البياني»، وفي ع وف: ((اليباني)».
(٦) كذا في نسخة س وص، وفي بقية النسخ: ((قال)).
(٧) كلمة: (( أبو)) سقطت من ع وف، وهي ثابتة في جميع النسخ الخطية.
(٨) تاريخ بغداد (٢ / ٢٠)، وانظر: البداية والنهاية (١ / ٢٥)، وهدي الساري : ٤٨٦، ووفيات
الأعيان ( ٤ / ١٨٩)، وسير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٠٨ ).
(٩) في جزء أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه ( ل ٢ - أ).
(١٠) في نسخة ن وص: ((أطمس))، وما أثبتناه من بقية النسخ وتاريخ بغداد وهدي الساري وغيرها.
٣٢١

حديثٍ من تلك الأحاديثِ ، فقال (١) البخاريُّ: لا أعرفُهُ. فسأله عن آخرَ ، فقال : لا
أعرفُهُ. فما زالَ يُلقي عليهِ واحداً بعدَ واحدٍ حتى فرغَ من عَشَرَتِهِ ، والبخاريُّ يقولُ : لا
أعرفُهُ. فكان الفهماءُ (٢) ◌َمنْ حضرَ المجلسَ يلتفتُ بعضُهم إلى بعضٍ . ويقولون : الرجلُ
فَهِمَ ، ومَنْ كان منهم غيرَ ذلكَ يقضي على البخاريّ بالعَجْزِ والتَّقْصِيِ وقِلّةِ الفَهْمِ ، ثم
انتدبَ رجلٌ آخرُ من العَشَرَةِ ، وسألَهُ عن حديثٍ من تلك الأحاديثِ المقلوبة ، فقال
البخاريُّ .: لا أعرفُهُ. فسألهُ عن آخرَ ، فقال: لا أعرفُهُ. فسألهُ عن آخرَ ، فقالَ: لا
أعرفُهُ. فلم يزلْ يُلقي عليه واحداً بعدَ آخرَ (٣)، حتى فرغَ من عَشَرَتِهِ ، والبخاريّ
يقولُ : لا أعرفُهُ . ثم انتدبَ له الثالثُ والرابعُ إلى تمام العَشَرةِ ، حتى فرغُوا كلُّهم من
الأحاديثِ المقلوبةِ ، والبخاريُ لا يَزِيدُهم على لا أعرفُه، فلمَّا عَلِمَ البخاريّ
أنَّهم قد فرغوا التفتَ إلى الأولِ منهم ، فقال: أمّا حديثُكَ الأولُ فهو كذا ، وحديثُكَ
الثاني فهو كذا ، والثالثُ والرابعُ على الولاءِ، حتى أتى على تمامِ العَشَرَةِ ، فردِّ كلّ متن
إلى إسنادِهِ ، وكلّ إسنادٍ إلى متنِهِ ، وفعلَ بالآخرينَ مثلَ ذلكَ ، وردّ متونَ الأحاديثِ كُلِّها
إلى أسانيدِها ، وأسانيدَها إلى متونِها، فأقرَّ له (٤) الناسُ بالحفظِ وأَذْعَنُوا له بالفضلِ (٥) .
نَحْوُ : (إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ ... )
وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ
٢٤٦.
حَجَّاجٌ ، اغْنِي : ابْنَ أَبِي عُثمَانِ
حَدَّثَهُ - فِي مَجْلِسِ البُنَاني :-
٢٤٧.
بَيََّهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ
فَظَنَّهُ -عَنْ ثَابِتٍ- جَرِئْرُ ،
٢٤٨.
أيْ : ومن أقسامِ المقلوبِ : ما انقلبَ على راويهِ ، ولم يقصدْ قلبَهُ . مثالُهُ : حديثٌ
رواهُ جريرُ بنُ حازمٍ ، عن ثابتِ البُنائيّ، عن أنسٍ ، قال: قال رسولُ اللهِلُ ◌ّ: ((إذا
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنِي )) . فهذا حديثٌ انقلبَ إسنادهُ على جريرِ بنِ حازمٍ.
وهذا الحديثُ مشهورٌ ليحيى بن أبي كَثِيرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قَنَادةً، عن أبيهِ، عن النِّ ◌َّ.
(١) في ع: ((قال)).
(٢) في ف وع: ((الفقهاء)) وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لتأريخ الخطيب.
(٣) في نسخة ن: ((بعد واحد)).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية وتاريخ بغداد، وفي ع وف: ((فأقرَّ الناس له)) بتأخير كلمة: (( له)) .
(٥) وقد حصل نحو هذا للعقيلي. ( أنظر: سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٣٧).
٣٢٢

هكذا رواهُ الأئمّةُ الخمسةُ (١) من طرقٍ عن يحيى. وهو عند مسلمٍ (٢) والنسائيِّ (٣) من
روايةٍ حجّاج بنِ أبي عثمانَ الصَّوَّافِ، عن يحيى. وجريرٌ إنّما سمعَهُ من حَجَّاجٍ بن أبي
عثمانَ الصَّاف ، فانقلبَ عليهِ . وقد بَيَّنَ ذلك حمّادُ بنُ زيدٍ فيما رواه أبو داودَ في
" المراسيلِ " (٤) عن أحمدَ بنِ صالحٍ ، عن يحيى بنِ حسَّنَ (٥)، عن حمّادِ بنِ زيدٍ قال :
كنتُ أنا وجريرُ بنُ حازمٍ عند ثابتٍ البُنائيّ ، فحدّثَ حجّاجُ بنُ أبي عثمانَ ، عن يحيى بن
أبي (٦) كثيرٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةً، عن أبيهِ ، عن النبيِّ ﴿، فذكَرَهُ. فظنَّ جريرٌ
أنّهُ إنّما حَدَّثَ به ثابتٌ ، عن أنسٍ . وهكذا قالَ إسحاقُ بنُ عيسى الطَُّاعُ : حدّثنا جريرُ
ابنُ حازمٍ بهذا ، فأتيتُ حمّادَ بنَ زيدٍ فسألتُهُ عن الحديثِ ، فقال: وَهِمَ (٧) أبو النَّضْرِ -
يعني: جريرُ بنُ حازمٍ - إنّما (٨) كُنَّا جميعاً في مجلسٍ ثابتٍ البنانيّ، فذكرَ نَحْوَ
ما تقدّمَ .
(١) اقتصار المؤلف على الخمسة فقط، فيه تقصير ؛ فَقَدْ أخرجه عَبْد الرزاق (١٩٣٢) والحميدي (٤٢٧)،
وابن أبي شيبة (١ /٤٠٥)، وأحمد (٢٩٦/٥ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٧ و٣٠٨ و ٣٠٩
و ٣١٠)، وعبد بن حميد (١٨٩)، والدارمي (١٢٦٤ و١٢٦٥)، وَهُوَ فِي صَحِيْحِ البُخَارِيّ
(١٦٤/١ حَدِيْث ٦٣٧، ٦٣٨ و٢ / ٩ حَدِيْث ٩٠٩)، وصحيح مُسْلِم (٢ / ١٠١ حَدِيْث
٦٠٤ )، وسنن أبي داود (٥٣٩ و٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي (٢ / ٣١ و٨١)،
وأخرجه ابن خزيمة (١٦٤٤)، وابن حبان (٢٢٢٣)، والبيهقي (٢٠/٢ )،
والبغوي (٤٤٠ ) كلهم من طريق يَحْثَى بن أبي كَثِيْر، عن عَبْد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن
النبي ◌َ﴾ .
(٢) صحيح مسلم ( ٢ / ١٠١ عقيب ٦٠٤ ).
(٣) المجتبى (٢ / ٨١)، وكذلك أخرجه من طريق حجاج أحمد (٥ / ٢٩٦ و ٣٠٣ و٣٠٤).
(٤) المراسيل (٩٤)، وانظر: العلل ومعرفة الرجال لأحمد ( ٢ / ١٧٢)، وجامع الترمذي عقيب
(٥١٧ )، وعلله الكبير: ٨٩، وضعفاء العقيلي (١ / ١٩٨).
(٥) في نسخة س: ((حبان)).
(٦) كلمة: (( أبي)) لم ترد في نسخة ق وس .
(٧) كذا في النسخ الخطية ، وفي ع وف: ((إنما وهم)) .
(٨) في ع وف: ((إنا)).
٣٢٣

تَنْبِيْهَاْتُ (١)
فَقُلْ : ضَعِيْفٌ ، أَيْ: بِهَذَا فَاقْصِدٍ
٢٤٩. وَإِنْ تَجدْ مَتْنَاً ضَعِيْفَ السَّنَدِ
عَلَى الطَّرِيْقِ ، إذْ لَعَلَّ جَاءا
٢٥٠. وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقَاً بِنَاء!(٢)
ذَاكَ عَلَى حُكْمٍ إِمَامٍ يَصِفُ
٢٥١. بسَنَدٍ مُجَوَّدٍ، بَلْ يَقِفُ
٠
فَالشَّيْخُ فِيمَا بَعْدَهُ حَقَّقَهُ
٢٥٢. بَيَانَ ضَعْفِهِ ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ
إذا وَجدْتَ حديثاً بإسنادٍ ضعيفٍ ، فلكَ أنْ تقولَ : هذا ضعيفٌ ، وتعني بذلكَ :
الإسنادَ . وليسَ لكَ أنْ تعني بذلك ضَعْفَهُ مطلقاً ، بناءً على ضَعْفِ ذلك الطريقِ ؛ إذ لعلّ
له إسناداً آخرَ صحيحاً ، يثبتُ (٣) بمثلِهِ الحديثُ ، بل يقفُ جوازُ إطلاقِ ضَعْفِهِ على حكمٍ
إمامٍ من أئمةِ الحديثِ ، بأنّهُ ليس لَهُ إسنادٌ يثبتُ به ، مع وصفِ ذلكَ الإمامِ لبيانٍ وجهِ
الضَّعْفِ مُفسَّراً ، فإنْ أطلقَ ذلكَ الإِمامُ ضَعْفَهُ ولم يفسِّرْهُ ففيهِ كلامٌ ذكرَهُ الشيخُ بعد
هذا، في النوعِ الثالثِ والعشرينَ من كتابهِ ، وسيأتي بعدَ هذا (٤) بتسعةَ (٥) عشرَ بيتاً .
يُشَكُّ فِيهِ لاَ بِإِسْنَادِهِمَا (٦)
وَإِنْ تُرِدْ تَقْلاً لِوَاهِ ، أَوْ لِمَا
٢٥٣.
بِنَقْلِ مَا صَحَّ كـ (قَالَ) فَاعْلَم (٧)
٢٥٤. فَأْتِ بِتَمْرِیضٍ كـ (يُرْوَى)،وَاجْزِمِ
أي (٨) إذا أردتَ نقلَ حديثٍ ضعيفٍ ، أو ما يُشكُّ في صحتِهِ وضعفِهِ يغيرِ إسنادٍ ،
(١) أي: إيضاحات لأشياء يُشعر بها ما قبل هنا من الأنواع التي حُكم بضعفها من المقلوب والموضوع
والمضطرب وغيرها إشعاراً خفياً . أفاده البقاعي ( ١٩٣ / أ).
(٢) في نسخة جـ من مَتْن الألفية: ((بناء)).
(٣) لذلك قالوا : لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن ، ولا من ضعفه ضعف المتن .
(٤) کلمة : (( هذا)) لم ترد في ق و ن و ع و ف .
(٥) في ق وس : (( تسعة عشر بيتاً)) .
(٦) كذا في جميع النسخ الخطية لمتن وشرح الألفية، وفي النفائس: ((بإسناديهما))، وقال البقاعي :
((الضمير فيه للواهي والذي يشك فيه أي : إذا نقلت الضعيف بغير سندٍ أو المشكوك في ضعفه بغير سند)).
النكت الوفية ( ١٩٣ / أ) ..
(٧) في نسخة ج من متن الألفية: ((واعلم)).
(٨) كلمة : « أي)) لم ترد في ق و س .
٣٢٤

فَلاَ تذكرُهُ بصيغةِ الجزمِ، كقالَ وفعلَ ، ونحوِ ذَلِكَ . وأتٍ بِهِ (١) بصيغةِ التمريضِ ،
كُيُرْوى، ورُوي ، ووردَ ، وجاءً ، وبلغنا، وروى بعضُهم، ونحوِ ذَلِكَ. أمّا إذا نقلتَ
حديثاً صحيحاً بغيرِ إسنادٍ فاذكرُهُ بصيغةِ الجزمِ ، كقالَ ، ونحوِها(٢) .
مِنْ غَيْرِ تَبِْينِ لِضَعْفٍ ، وَرَأَوْا
٢٥٥. وَسَهَّلُوا فِي غَيْرِ مَوْضُوْعِ رَوَوْا
عَنِ (ابْنِ مَهْدِي) وَغَيْرٍ وَاحِدٍ
٢٥٦. بَيَانَهُ فِي الْحُكْمِ وَالعَقَائِدِ
تقدّمَ أَنَّهُ لا يجوزُ ذكرُ الموضوعِ إلّ مَعَ البيانِ ، في أيّ نوعٍ كانَ. وأمّا غيرُ
الموضوعِ فجوّزوا التساهُل في إسنادِهِ (٣) وروايتِهِ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ
الأحكامِ والعقائدِ. بلْ في الترغيبِ والترهيبِ ، من المواعظِ والقصصِ ، وفضائلِ الأعمالِ،
ونحوها (٤) . أما إذا كانَ في الأحكامِ الشرعيةِ من الحلالِ والحرامِ وغيرِهما ، أو في العقائدِ
كصفاتِ اللهِ تَعَالَى ، وما يجوزُ ويستحيلُ عَلَيْهِ ، ونحوِ ذلكَ . فَلَمْ يَرَوا التساهلَ فِي ذَلِكَ .
وثَّنْ نصَّ عَلَى ذَلِكَ من الأئمةِ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديِّ (٥) ، وأحمدُ بنُ حنبل (٦)،
وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ (٧) ، وغيرُهُمْ. وقدْ عقدَ ابنُ عديّ في مقدّمةٍ " الكامل " (٨)،
والخطيبُ في " الكفاية " (٩) باباً لذلكَ. فقولي : (عَنِ ابنِ مَهْدِي )، خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ ، أي : هذا عن ابنٍ مهديٍّ .
(١) كلمة: ((به)) سقطت من ع وف ، وهي ثابتة في النسخ الخطية .
(٢) انظر: الإرشاد ( ١ / ٢٧١ - ٢٧٢)، وهدي الساري ص ١٩.
(٣) في نسخة ق: ((أسانيده)) .
(٤) في نسخة ص: ((ونحو ذلك)) .
(٥) نقله عنه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (٢ / ٩١ رقم ١٢٦٥ ).
(٦) نقله عنه الخطيب البغدادي في الكفاية ص (٢١٣ ت، ١٣٤ هـ)، والحاكم في الإكليل ( ٦ - ٧ ).
(٧) نقله عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢ / ٣٠ - ٣١).
(٨) الكامل (١ / ١٥ - ٦١، ط الفكر، ١ / ٨٥ وما بعدها، الطبعة العلمية).
(٩) الكفاية : ( ٦٠٢ - ٦٠٦ ت، ٤٢٩ - ٤٣٢ هــ ).
٣٢٥

مَعْرِفَةُ صِفَةٍ (١) مَنْ تُقَبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ (٢)
٢٥٧. أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ وَالْفِقْهِ فِي قَبُوْلِ نَاقِلِ الْخَبَـرْ
أيْ: يَقِظاً، وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلاَ
٢٥٨. بأنْ يَكُوْنَ ضَابِطاً مُعَدَّلاَ(٣)
كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ
٢٥٩. يَحْفَظُ إِنْ حَدَّثَ حِفْظً، يَحْويْ(٤)
إِنْ يَرْوِ بالْمَعْنَى ، وَفِي الْعَدَالَةْ
٢٦٠. يَعْلَمُ مَا فِي الَّلَفْظِ مِنْ إِحِالَهْ
قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيْمَ الفِعْلِ
بأنْ يَكُوْنَ مُسْلِمَاً ذَا عَقْلٍ
٢٦١.
زَكَّاهُ عَدَلاَن، فَعَدْلٌ مُؤْتَمَنْ
٢٦٢. مِنْ فِسْقِ اوْ (٥) خَرْمٍ مُرُوْءِةٍ وَمَنْ
٢٦٣. وَصُحِّحَ (٦) اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ جَرْحَاً وَتَعْدِيْلاً خِلاَفَ الشَّاهِدِ
قالَ ابنُ الصلاحِ : أجمعَ جماهيرُ أئمّةٍ (٧) الحديثِ والفقهِ، على أنَّهُ يشترطُ فيمَنْ
يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ أنْ يكونَ عدلاً(٨) ضابطً لما يرويهِ(٩)، ثمَّ فَصَّلَ شروطَ العدالةِ، ثُمَّ شروطَ(١٠)
الضبطِ . وقَدَّمْتُ شروطَ الضبطِ على العدالةِ ؛ لتقدمِ الضبطِ في النَّظْمِ .
(١) كلمة : (( صفة )) لم ترد في نسخة ن .
(٢) انظر في صفة مَن تقبل روايته ومَنْ تُرَدُّ :
علوم الحديث : ٩٤، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ٢٧٣ - ٣٣٣، والتقريب : ٩٠ - ١٠٠ ، والمنهل
الروي : ٦٣، والخلاصة: ٨٨، واختصار علوم الحديث: ٩٢ ، ومحاسن الاصطلاح: ٢١٨،
والتقييد والإيضاح: ١٣٦، ونزهة النظر: ١٨٥ - ١٩٩، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث
١ / ٢٦٢، وألفية السيوطي: ٩٦ - ١١٢، وتوضيح الأفكار ٢ / ١١٤، وظفر الأماني: ٧٨.
(٣) في ( النفائس ) : (( معتدلاً)).
(٤) في فتح المغيث: ((ويحوي)) ولم ترد في شيء من النسخ الخطية والمطبوعة .
(٥) بوصل همزة (( أو)) لإقامة الوزن .
(٦) في ( النفائس) والفتح المغيث: ((وصححوا)).
(٧) كذا في جميع النسخ الخطية وعلوم الحديث، وفي ع وف: (( أهل)).
(٨) كلمة: ((عدلاً )) لم ترد في نسخة ص.
(٩) علوم الحديث : ٩٤ .
(١٠) في ع وف: ((ثم فصل شروط ... ))، والأولى ما أثبتناه.
٣٢٦

فقولي : ( أي : يقظاً )، إلى قولي : ( وفي العدالةِ )، تفسيرٌ للضبطِ ؛ ويَقُظَ -
بضمِ القافِ وكسرِها - لغتان، حكاهما الجوهريُّ (١) وغيرُهُ . وقولي : ( يحوي كتابَهُ ) ،
أي : يحتوي عليه ، ويحفظُهُ من التبديلِ والتغييرِ. وقد نصَّ الشافعيُّ على اعتبارِ هذهِ
الأوصافِ فيمَنْ يحتجُّ بخبرِهِ ، فقالَ في كتابٍ " الرسالةِ " التي أرسلَ بها إلى عبدِ الرحمنِ بنِ
مهديّ : لا تقومُ الحجةُ بخبرِ الخاصّةِ (٢) حتّى يَجمعَ أموراً منها: أنْ يكونَ مَنْ حَدَّثَ به
ثقةً في دينِهِ ، معروفاً بالصدقِ في حديثِهِ ، عاقِلاً لما يُحدِّثُ به ، عالِماً بما يُحِيلُ مَعانِيَ
الحديثِ من اللفظِ ، أو يكونَ تَّنْ يُؤَدِّي الحديثَ بحروفِهِ، كما سمعَهُ ، لا يُحدِّثُ به على
المعنى ؛ لأَنَّهُ إذا حدَّثَ به على المعنى، وهو غيرُ عالٍ بما يحيلُ معناهُ، لم يَدْرِ لعَلَّهُ يُحيلُ
الحلالَ إلى الحرامِ . وإذا أدَّاهُ بحروفِهِ فلم يَبْقَ وجهٌ يُخافُ فيه إحالتُهُ الحديثَ ، حافظاً إِنْ
حدَّثَ مِنْ حفظِهِ ، حافظً لكتابِهِ إِنْ حدَّثَ مِن كتابِهِ ، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظِ في الحديثِ
وافَقَ حديثَهُم ، بريئاً (٣) من أنْ يكونَ مُدّساً، يُحَدِّثُ عمَّنْ لقيَ ما لم يَسْمَعْ منه،
ويحدِّثُ عن النبيِّلَّ بما يُحدِّثُ الثقاتُ خلافَهُ، ويكونُ هكذا مَنْ فوقَه ثَمنْ حدَّتَّهُ ، حتى
يُنْتَهَى بالحديثِ موصُولاً إلى النبيِّ ﴿، أو إلى مَنْ انْتُهيَ بهِ إليهِ دونَهُ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ
منهم مُتِّتٌ مَنْ حَدَّتَّهُ ومُثْبتٌ على مَن حَدَّثَ عنه ، فلا يُسْتَغَنَى في كلّ واحدٍ منهم عمّا
وصفْتُ (٤) . انتهى كلامُ الشافعيِّ ◌َُه .
وقولي : ( وفي العدالةِ ... )، إلى آخر قولي: ( أو خرم مروءة) ، بيانٌ لشروط
العدالةِ ، وهي خمسةٌ : الإِسلامُ، والبلوغُ ، والعقلُ، والسلامةُ من الفسق - وهو
ارتكابُ كبيرة ، أو إصرارٌ على صغيرة - والسلامةُ ممّا يخرمُ المروءة، ولم نذكرْ في
شروطِها الحريةَ ، وإنْ ذكرَه (٥) الفقهاءُ في الشهادات (٦)؛ لأنَّ العبدَ مقبولُ الروايةِ
(١) الصحاح (٣ / ١١٨١)، مادة: (يقظ)، وتاج العروس (٢٠ / ٢٩٢).
(٢) أي: خبر الواحد. أفاده البقاعي في النكت الوفية (١٩٥ / ب ).
(٣) في الرسالة: ((بَرِيّاً)) أي بتسهيل الهمزة وتشديد الياء ، وكلاهما جائزٌ.
(٤) الرسالة الفقرات ( ١٠٠٠ و١٠٠١ و ١٠٠٢ ).
(٥) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((ذكرها)).
(٦) انظر مثلاً: تبيين الحقائق (٤ / ٢٠٩).
٣٢٧٠

بالشروط المذكورة بالإجماع ، كما حكاه الخطيبُ (١) بخلاف الشهادة . على أنَّ جماعةً
من السلفِ أجازوا شهادةَ العبدِ العدلِ . وإنْ كان الجمهورُ على خلاف ذلك . وهذا مما
تفترقُ فيه الروايةُ والشهادةُ (٢) ، كما ذكرهُ القاضي أبو بكرٍ وغيرُهُ .
فهذه إذً شروطُ العدالةِ في الروايةِ . ومَنْ يقبلُ أيضاً روايةَ الصبيِّ المميّزِ الموثوقِ به ،
لم يشترطِ البلوغَ . وفي المسألةِ وجهان حكاهما البغويُّ (٣) والإِمامُ(٤) وتَبِعهَما الرَّافعيُّ(٥)
،
إلا أنّهُ قَّدَ الوجهينِ في التيمُّمِ بالمراهِقِ، وصحَّحَ عدمَ القبولِ، وتَبِعَهُ عليه النوويُّ (٦) ، وقَّدَهُ
في استقبال القبلةِ بالمميِّزِ ، وحكى عن الأكثرين عدمَ القبولِ(٧). وحكى النوويّ في "شرح
المهذِّب(٨) عن الجمهورِ قبولَ أخبارِ الصبيِّ المميِّزِ فيما طريقُهُ المشاهدةُ بخلاف ما طريقُهُ
النقلُ، كالافتاء(٩) ، ورواية الأخبارِ ، ونحوهِ وسبقَهُ إلى ذلك المُتَولِّي(١٠) فتبعَهُ، والله أعلمُ.
وقولي : ( ومَنْ زَكَّاهُ عدلانٍ )، إلى آخره، بيانٌ لما تثبتُ به العدالةُ . فمما تثبتُ
به تنصيصُ معدّلِينَ على عدالتِهِ ، كما في الشهادة .
واختلفوا هل تثبتُ العدالةُ والجرحُ بالنسبةِ إلى الروايةِ بتعديلٍ عدلٍ واحدٍ وجَرحِهِ ،
أو لا يثبتُ ذلك إلا باثنينِ ، كما في الجرحِ والتعديلِ في الشهادات (١١) ؛ على قولين .
وإذا جُمعتِ (١٢) الروايةُ مع الشهادةِ صارَ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالِ :
(١) الكفاية ص (١٦٣ ت، ٩٨ هــ ).
(٢) انظر : الفروق للقرافي (١ / ٥٠٤) .
(٣) التهذيب (١ / ٤١٤ ).
(٤) ينظر: البرهان (١ / ٥٥١).
(٥) فتح العزيز (٢ / ٢٧٥).
(٦) انظر: الروضة (١ / ١٠٣ ).
(٧) فتح العزيز ( ٣ / ٢٢٦).
(٨) ينظر: المجموع (٣ / ٢٠٠)، والروضة (١ / ٢١٧).
(٩) قال البقاعي : (( فيه نظر ، بل هو وإن كان إخباراً فله شبهةٌ بالاجتهاد من أجل احتياجه إلى علمٍ وفَهم
يُنزّلُ بِهِ الصورة المستفتى عَنْهَا عَلَى العمومات الَّتِي ذكرها الْعُلَمَاء)). النكت الوفية ( ١٩٧ / ب).
(١٠) هُوَ العلامة شيخ الشافعية أبو سعد، عَبْد الرحمن بن مأمون بن عَلِيّ النيسابوري المُتَولِّي، توفي سنة
(٤٧٨ هـ). (وفيات الأعيان ٣ / ١٣٣، وسير أعلام النبلاء ١٨ / ٥٨٥).
(١١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((الشهادة)).
(١٢) في نسخة س وص : ((اجتمعت)).
٣٢٨

أحدُها : أَنّهُ لا يقبلُ في التزكيةِ إلا رجلان ، سواءٌ التزكيةُ للشهادة والروايةِ وهو
الذي حكاهُ القاضي (١) أبو بكر الباقلانيّ عن أكثرِ الفقهاءِ من أهلِ المدينةِ (٢) وغيرهم.
والثاني : الاكتفاءُ بواحدٍ في الشهادة والرواية معاً ، وهو اختيارُ القاضي أبي بكرٍ
المذكورِ ؛ لأنَّ التزكيةَ بمثابةِ الخبرِ . قال القاضي : والذي يوجبُهُ القياسُ (٣) وجوبُ قَبولِ
تزكيةِ كُلِّ عدلِ مَرْضِيٍّ ، ذكرٍ ، أو أنثى، حرِّ أو عبدٍ (٤) ، لشاهدٍ ومُخبرِ (٥) .
والثالثُ: التفرقةُ بين الشهادة والروايةِ ، فيشترطُ اثنانٍ في الشهادةِ ويُكتفى بواحدٍ في
الروايةِ. ورجَّحَهُ الإِمامُ فخرُ الدينِ(٦) ، والسيفُ الآمديُّ (٧) ونقلَهُ عن الأكثرينَ. وكذلك
نقلَهُ أبو عمرو بنُ الحاجبِ(٨) عن الأكثرينَ، وهو مخالفٌ (٩) لما نقلهُ القاضي عنهم . قال ابنُ
الصلاحِ: والصحيحُ الذي اختارهُ الخطيبُ (١٠) وغيرُهُ أَنَّهُ يثبتُ في الروايةِ بواحدٍ؛ لأنَّ العددَ
لَمْ يُشترطْ في قبولِ الخبرِ، فَلَمْ يشترطْ في جرحٍ راويهِ وتعديلِهِ بخلافٍ(١١) الشهادات(١٢).
وقولي: (بالواحدِ) أي : بالعدلِ الواحدِ ، فيدخلُ فيه تعديلُ المرأةِ العدلِ ، والعبدِ العدلِ .
وقد اختلفوا في تعديلِ المرأةِ ، فحكى القاضي أبو بكرٍ عن أكثرِ الفقهاءِ من أهلِ
المدينةِ وغيرِهم : أَنَّهُ لا يقبلُ في التعديلِ النساءُ ، لا في الروايةِ ، ولا في الشهادة . واختار
القاضي أنّهُ يُقبلُ تزكيةُ المرأة مطلقاً في الروايةِ والشهادة ؛ إلا تزكيتُها في الحكمِ الَّذِي لا
(١) كلمة : ((القاضي)) سقطت من ع وف .
(٢) الكفاية : ( ١٦٣ ت، ٩٨ هـ ).
(٣) زاد في التقييد: ١٤٣: ((وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف)). وانظر: النكت الوفية ( ١٩٧ / ب ).
(٤) في نسخة ن: ((حرا وعبد)).
(٥) الكفاية: ( ١٦٣ ت، ٩٨ هـ ) .
(٦) المحصول ( ٢ / ٢٠٠).
(٧) الإحكام ( ٢ / ١٢١) .
(٨) المختصر الأصولي ( ٢ / ٦٤) بشرح القاضي عضد الملة والدين .
(٩) قال البقاعي: (( ليس فيه مخالفة لأن النقل عن الأكثرين مطلقاً لا يخالف النقل عنهم بقيد كونهم فقهاء)).
النكت الوفية ( ١٩٨ / أ).
(١٠) الكفاية: ( ١٦١ ت، ٩٦ هـ ).
(١١) أي: لضيق الأمر فيها لكونها في حقوق العباد غالباً ولأنها محل الأغراض. النكت الوفية ( ١٩٨ / أ).
(١٢) علوم الحديث : ٩٩، وهذا الفصل اقتبسه اللكنوي في الرفع والتكميل: ٩٠ - ٩١ ط / ٢.
٣٢٩

تُقبلُ شهادتُها فِيْهِ (١) . وأطلق صاحبُ " المحصول " (٢) وغيرُهُ قبولَ تزكيةِ المرأةِ من غيرِ
تقييدٍ بما ذكرهُ القاضي .
وأما تزكيةُ العبدِ ، فقال القاضي أبو بكر : إنَّهُ يجبُ قبولُها في الخبرِ دونَ الشهادة ؛
لأنَّ خَبَرَهُ مقبولٌ ، وشهادَتَهُ مردودةٌ . قَالَ : والذي يوجبُهُ القياسُ وجوبُ قَبولِ تزكيةٍ
كلِّ عدلٍ مَرْضِيٍّ ، ذكرٍ ، أو أنثى، حرِّ ، أو عبدٍ لشاهدٍ ومُخِيرٍ (٣) . وهذا ما صرَّحَ بِهِ
صاحبُ " المحصولِ" وغيرُهُ. قَالَ الخطيبُ في " الكفايةِ " (٤) : الأصلُ فِي هَذَا الباب
سؤالُ النِّ ◌َ﴿َ بَرِيرَةَ في قِصَّةِ الإِفْكِ عن حالِ عائشةَ أَمِّ المؤمنينَ (٥) ، وجوابُها لَهُ .
٢٦٤. وَصَحَّحُوا (٦) اسْتِغْنَاءَ(٧) ذِي الشُّهْرَةِ عَنْ تَزَكِيَةٍ، كـ (مَالكِ) نَجْمِ السُّنَنْ
٢٦٥. و(لابنِ عَبْدِ الْبَرِّ) كُلُّ مَنْ عُنِي بِحَمْلِهِ العِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ
٢٦٦. فَإِنَّهُ (٨) عَدْلٌ بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى (يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ) لكِنْ خُوْلِفَا
أي: وثَمّ تثبتُ به العدالةُ: الاستفاضةُ والشهرةُ. فمن اشتهرتْ عدالتُهُ بين أهلِ
النقلِ ، أو (٩) نحوِهم من أهلِ العلمِ ، وشاعَ الثناءُ عليه بالثقةِ والأمانةِ استُغنيَ فيه بذلك
عن بينةٍ شاهدة بعدالتهِ تنصيصاً .
ء
قالَ ابنُ الصَّلاحِ : وهذا هو الصحيحُ في مذهبِ الشافعيِّ، وَعَلَيْهِ الاعتمادُ في
أصولِ الفقهِ. وثمّنْ ذكرَهُ من أهلِ الحديثِ؛ الخطيبُ (١٠) ، وَمَّثَلَ ذلك بمالكٍ، وشعبةَ ،
(١) الكفاية : ( ١٦٣ ت، ٩٨ هـ ).
(٢) المحصول (٢ / ٢٠٠)، وطبعة العلواني (٢ / ق ١ ص ٥٨٦ ).
(٣) شرح المحلي على جمع الجوامع (٢ / ١٩١)، والكفاية: (١٦٣ - ١٦٤ ت، ٩٨ هـ).
(٤) الكفاية : ( ١٦٢ ت، ٩٧ هــ ).
(٥) الحديث أخرجه أحمد ( ٦ / ١٩٤)، والبخاري (٥ / ١٤٨)، والنسائي في الكبرى (١١٣٦٠).
(٦) في نسخة ن: ((وصحح))، وأشار الناسخ في الحاشية إلى أن في نسخة: ((وصححوا))، وانظر
النكت الوفية ( ١٩٨ / أ ).
(٧) كذا في جميع النسخ الخطية لمتن وشرح الألفية وف والنفائس، وفي ع: ((باستغناء)) وهو تحريفٌ قبيحٌ :
(٨) كذا في جميع النسخ الخطية لمتن وشرح الألفية وف والنفائس، وفي ع: ((فان)).
(٩) في نسخة ص: ((ونحوهم)).
(١٠) الكفاية : ( ١٤٧ ت، ٨٦ - ٨٧ هـ ).
٣٣٠

والسفياتَيْنِ ، والأوزاعيِّ ، والليثِ ، وابنِ المباركِ ، ووكيعٍ ، وأحمدَ ، وابنِ معينٍ ، وابنٍ
المدينيِّ ، ومَنْ حرى مجراهم في نَباهةِ الذكرِ واستقامة (١) الأمرِ ، فلا يُسألُ عن عدالةٍ
هؤلاءِ ، وأمثالهِمٍ، وإنّما يُسأل عن عدالةٍ مَنْ حَفِيَ أمرُهُ على الطالبينَ (٢) . انتهى. وقد
سُئِلَ أحمدُ بنُ حنبلٍ عن إسحاقَ بنِ راهويهِ ، فقال: مثلُ إسحاقَ يُسألُ عنه؟! (٣) وسُئِلَ
ابنُ معينٍ عن أبي عُبيدٍ ، فقال : مثلي يُسألُ عن أبي عبيد؟! أبو عُبيدٍ يُسألُ عن الناسِ (٤)
وقال القاضي أبو بكرِ الباقلانيُّ : الشاهدُ والْمُخبرُ إنّا يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا
مشهورينِ بالعدالةِ والرِّضا، وكان أمرُهما مُشْكِلاً مُلتبسَاً، ومُجوَّزاً فيه العدالةُ وغيرُها .
قال : والدليلُ على ذلك أنَّ العلمَ بظهورِ سِتْرِهما (٥) . واشتهارُ عدالتهِما أقوى في النفوسِ
من تعديلٍ واحدٍ واثنينِ يجوز عليهما الكذبُ والمحاباةُ في تعديلِهِ ، وأغراضٌ داعيةٌ لهما إلى
وصفِهِ بغيرِ صفتِهِ ، إلى آخر كلامِهِ (٦) .
وقولي في وصف مالكٍ : ( نجمِ السننِ ) ، اقتداءٌ بالشافعيِّ حيث يقولُ: إذا ذُكِرَ
الأثرُ فمالكٌ النَّحْمُ (٧) .
وقالَ ابنُ عبد البِّ : كلّ حاملٍ علمٍ معروفِ العِنايةِ به ، فهو عدلٌ محمولٌ في أمره
أبدًا (٨) على العدالةِ، حتى يتبينَ (٩) جَرْحُهُ (١٠) . واستدلَّ على ذلك بحديثٍ
(١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((واستفاضة)).
(٢) علوم الحديث : ٩٥ .
(٣) أسنده الخطيب في تاريخه (٣٥٠/٦)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٣٨٢/٢).
(٤) أسنده الخطيب في تاريخه (٤١٤/١٢)، واقتبسه المزي في تهذيب الكمال (٣٥٨/٢٣).
(٥) المثبت من ق ون وهو الموافق لما في الكفاية، وفي بقية النسخ المطبوعة والخطية: ((سترتهِما)) خطأ.
(٦) كما أسنده الخطيب في الكفاية : ( ١٤٨ ت، ٨٧ هـ ).
(٧) أسندهُ أبو نعيم في الحلية ( ٦ / ٣١٨) بهذا اللفظ، وأسنده أيضاً في ( ٩ / ٧٠) بلفظ: ((إذا جاء
مالك فمالك كالنجم )) .
وباللفظ الأول : نقله الذهبي في تذكرة الحفاظ ( ١ / ٢٠٨ )، والسيوطي في مقدّمة " تنوير الحوالك"
(١ /٣)، وفي طبقات الحفاظ ، له ص ٩٦ .
:
(٨) كلمة: (( أبداً)) ثابتة في جميع النسخ الخطية والتمهيد ، وسقطت من ع وف .
(٩) في ع : ((يبين)) .
(١٠) التمهيد (١ / ٢٨).
٣٣١

رواهُ (١) من طريقٍ أبي جعفرِ العُقيليِّ (٢) من روايةٍ مُعَان بنِ رِفَاعةَ السَّلاَمِيِّ ، عن إبراهيمَ
ابنِ عبدِ الرحمنِ العُذريِّ، قال: قال النبيُّ ◌َ﴿هُ: « يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفِ عُدُولُهُ،
يَنْفُونَ عنه تحريفَ الغالينَ (٣)، وانتحالَ المُبْطِلينَ ، وتأويلَ الجاهلينَ)). أوردَهُ العُقيليُّ في
"الضُّعفاءِ" في ترجمةِ مُعَانِ بنِ رِفَاعةَ، وقال: لا يُعرفُ إلا به. ورواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في
مقدّمةِ " الجرحِ والتعديلِ "(٤)، وابنٍ عَدِيٍّ في مقدّمةِ " الكاملِ "(٥) ، وهو مرسلٌ أو(٦)
معضلٌ ضعيفٌ . وإبراهيمُ الذي أرسلَهُ قالَ فيه ابنُ القطّانِ : لا نعرفُهُ البتةَ في شيءٍ من
العلمِ غيرَ هذا (٧) . وفي كتاب " العلل " للخَلاَّلِ: أنَّ أحمدَ سُئلَ عن هذا الحديثِ ، فقيلَ
له : كأنَّهُ كلامٌ موضوعٌ؟ فقالَ: لا. هُوَ صحيحٌ. فقيل لَهُ: فَمّنْ سمعتُهُ ؟ قال : من غيرِ
واحدٍ . قيل له : مَنْ هُم؟ قال : حدّثْني به مِسْكِينٌ، إلاّ أنّهُ يقولُ عن مُعَانٍ ، عن القاسمِ
(١) التمهيد ( ١ / ٥٩).
(٢) الضعفاء الكبير (٤ / ٢٥٦)، وأخرجه ابن حبان في الثقات (٤ / ١٠)، والخطيب في شرف
أصحاب الحديث (٥٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١ / ٥٩ ) من طريق حمّاد بن زيد، قال:
حدّثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثنا معان بن رفاعة ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ، به ، وأخرجه ابن
وضاح في " البدع " ص ١ - ٢ ، وابن قتيبة الدِّينَوَري في " عيون الأخبار " (٢ / ١١٩) وابن أبي
حاتم في الجرح والتعديل (١٧/٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٥٩/١) من طرق عن معان بن رفاعة
السلامي ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ، به .
(٣) في ف وع: ((الضالين)).
(٤) الجرح والتعديل (٢ / ١٧ ).
(٥) الكامل ( ١ / ٢٤٩).
(٦) في نسخة ن وس وف وع: ((ومعضل)).
قال البقاعي : (( أمّا احتمال كونه مرسلاً فلكون إبراهيم تابعياً وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال :
يروي المراسيل ، وساق حديثه هذا ، من طريق حماد بن زيد ، عن بقية ، عن معان ، عنه .
وأما احتمال كونه معضلاً فلكونه قال في بعض الروايات : حدّثنا الثقة من أصحابنا ومرةً قال : من
مشايخنا . فغلب على الظنّ أنّ من حدّثه غير صحابي لكونه لم يعبر بما يدلّ على أنّ من حدّثه صحابيّ
بدل ما يدلّ على أنّه صاحب له أو شيخ .
وأما كونه ضعيفاً فلأنّ الذهبي وصف إبراهيم بأنّه: مقلّ، واهي، لا يدرى من هو)). النكت الوفية
(١٩٩/أ). ينظر: الثقات (٤ /١٠)، وعبارة الذهبي في الميزان (١ / ٤٥): (( ما علمته واهياً)).
(٧) بيان الوهم والإيهام ( ٣ / ٤٠ عقيب ٦٩١ ).
٣٣٢

ابنِ عبدِ الرحمنِ ، قال أحمدُ: ومُعَانٌ لا بأسَ بهِ (١). ووثّقَهُ (٢) ابنُ المدينيِّ (٣) أيضاً. قال
ابنُ القطّان: وخَفِيَ(٤) على أحمدَ من أمرهِ ما علمَهُ غيرُهُ(٥) ، ثم ذكرَ تضعيفَهُ عن ابنِ
معينٍ (٦) وأبي حاتِمٍ (٧)، والسَّعْديّ (٨) وابنٍ عَدِيٌّ (٩)، وابن حبانَ (١٠) . انتهى . وقد
وردَ هذا الحديثُ مرفوعاً مسنداً من حديثٍ (١١) أبي هريرةَ (١٢)، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو (١٣)،
وعليٍّ بنِ أبي طالبٍ (١٤)، وابنِ عُمرَ (١٥)، وأبي أمامةً (١٦)، وجابرِ بنِ سَمُرَةَ (١٧) ◌َ﴾
(١) نقل هذا الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص ٢٩ رقم ( ٥٦) .
(٢) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((وثقه)) بواو واحدة .
(٣) الميزان ٤ / ١٣٤ (٨٦١٩ ) .
(٤) في ع وف: ((خفي)) بلا واوٍ ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية وهو الموافق لما في بيان الوهم والإيهام.
(٥) بيان الوهم والإيهام ( ٣ / ٤٠ عقيب ٦٩١ ).
(٦) تأريخه ٤ / ٤٢٩ (٥١٣٤ ) .
(٧) الجرح والتعديل ( ٨ / ٤٢١ ).
(٨) هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق السَّعدي الجوزجاني توفي (٢٥٩ هـ) انظر: (تاريخ
دمشق ٧ / ٢٧٨، وشذرات الذهب ٢ / ١٣٩)، ونقل كلامه ابن عدي في الكامل ( ٨ / ٣٧).
(٩) الكامل ( ٨ / ٣٧).
(١٠) لفظة: ((وابن حبان)) لم ترد في نسخة ص، وانظر: المصدر السابق، وكلامه في المجروحين (٣٦/٣).
(١١) في نسخة ق: ((مرفوعاً من مسند حديث أبي هريرة ... )).
(١٢) عند ابن عدي في الكامل (١٥٢/١-١٥٣)، ومن طريقه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٢).
(١٣) عند العقيلي في الضعفاء (١ / ٩)، والبزار ( ١٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١ / ٥٩).
(١٤) عند ابن عدي في الكامل ( ١ / ١٥٢ ط دار الفكر و١ / ٢٤٧ الطبعة العلمية ).
(١٥) عند ابن عدي في الكامل (١ / ١٥٢ ط دار الفكر و١ / ٢٤٨ الطبعة العلمية).
(١٦) عند ابن عدي في الكامل ( ١ / ١٥٣ ط دار الفكر و١ / ٢٤٩ الطبعة العلمية).
(١٧) لم نقف عليه من رواية جابر بن سمرة. ويستدرك على المصنف الطرق الآتية إلى الصَّحَابَة، فَقَدْ ورد من
حديث :
١ - حديث أبي الدرداء ، عند الطحاوي في شرح المشكل (٣٨٨٤).
٢ - حديث أسامة بن زيد، عند الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٣). وقال البقاعي: ((وقد بقي
عليه أسامة بن زيد فقد قرأت بخطّ بعض الفضلاء من أصحابنا أورد الحافظ صلاح الدين=
العلائي هذا الحديث عن أسامة بن زيد مرفوعاً وقال فيه : حديث حسنٌ غريب وصحّحه ابن
حبّان)). النكت الوفية ( ١٩٩ / أ).
٣ - حديث ابن مسعود ، عند الخطيب في شرف أصحاب الحديث ( ٥٤ ).
٤ - حديث معاذ بن جبل ، عند الخطيب في شرف أصحاب الحديث ( ١٤ ).
٣٣٣

وكلُّها ضعيفةٌ (١) . قال ابنُ عَدِيٍّ : ورواهُ الثقاتُ عن الوليدِ بنِ مسلمٍ ، عن إبراهيمَ بنِ
عبدِ الرحمنِ العذريّ، قال: حدّثنا الثقةُ من أصحابنا أنَّ رسولَ اللهٌَّ قال(٢): فَذَكَرَهُ.
وَمَّنْ وافقَ ابنَ عبدِ البِّ على قولِهِ هذا من المتأخّرِينَ : أبو عبدِ اللهِ بنُ الموَّاقِ ، فقال في
كتابهِ " بُغيةِ النُّقادِ" : وأهلُ (٣) العلمِ محمولونَ على العدالةِ حتى يظهرَ منهم خلافُ
ذلكَ (٤).
وقولُهُ : ( لكنْ خُولفا ) ، أي : خُولفَ ابنُ عبدِ البِرِّ في اختيارِهِ هذا وفي استدلالهِ
بهذا الحديثِ ، أما اختيارُهُ فقالَ ابنُ الصلاحِ: فيما قالَهُ اتّساعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ (٥) . وأما
استدلالُهُ بهذا الحديثِ ، فلا يصحُّ من وجهينٍ (٦):
(١) قال العراقي في نكته بعد هذا: ((لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوّي المرسل المذكور)). التقييد
والإيضاح : ١٣٩.
(٢) الكامل (١ / ١٥٣ ط دار الفكر و١ / ٢٤٩ الطبعة العلمية). وجميع الطرق المسندة ضعيفة لا يصحّ
منها شيء ، وأمثلها هذا المرسل ، ويكفي في الحكم عليه قول المصنف في التقييد والإيضاح : ١٣٩ :
(( وهذا إما مرسل وإما معضل ، وإبراهيم هذا الذي أرسله لا يعرف في شيء من العلم غير هذا)).
وضعّفه كذلك البلقيني في محاسن الاصطلاح ص ٢١٩ ، وقال ابن كثير في اختصار علوم الحديث : ٩٤
: (( في صحته نظر قوي والأغلب عدم صحته))، وأشار ابن عبد البر إلى أنها مضطربة غير مستقيمة .
وقد جاء الحديث في الجرح والتعديل (٢ / ١٧ ) من حديث ابن عبد الرحمن العذري، والكامل
(١ / ٢٤٧) علمية، من حديث علي بن أبي طالب، وشرح المشكل بصيغة الأمر: (( ليحمل هذا
العلم ٠٠٠ )) .
(٣) في نسخة س وق: ((أهل)) بلا واوٍ.
(٤) وقال السخاوي: ((وقال ابن الجزري: إنّ ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإنّ ردّه بعضهم ،
وسبقه المزّي ، فقال: هو في زماننا مرضيّ ، بل ربّما يتعين . ونحوه قول ابن سيد الناس : لست أراه إلا
مرضياً ، وكذا قال الذهبي: إنّه الحق)). ( ينظر: فتح المغيث ١ / ٣٢٦ - ٣٢٧ ، وتوضيح الأفكار
٢ / ١٢٦ - ١٣٣) .
(٥) علوم الحديث : ٩٥ .
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية ١٩٩ / ب: ((قد أبديت ثالثاً: وهو أنّه لو كان خبراً لم يُسمع الجرح
أصلاً فيبقى قوله : حتى يتبين حَرَّحه مناقضاً لاستدلاله)) .
٣٣٤

أحدُهما : إرسالُهُ وضعفُهُ .
والثاني: أنَّهُ إنّما يصحُّ الاستدلالُ بهِ ، أنْ لو كان خبراً ، ولا يصحُّ حملُهُ على الخبرِ
الوجودٍ من يحملُ العلمَ ، وهو غيرُ عدلٍ ، وغيرُ ثقةٍ ، فلم يبقَ له محملٌ إلا على الأمرِ .
ومعناهُ أنَّهُ أمرَ النّقاتِ بحملِ العلمِ ؛ لأنَّ العلمَ إنّما يُقبلُ عن الثقاتِ . والدليلُ عَلَى أَنَّه
للأمرِ : أنَّ في بعضِ طُرقِ أبي حاتِمٍ (١): ((لِيَحْمِلْ هَذَا العلمَ)) ، بلامٍ للأمْرِ (٢).
٢٦٧. وَمَنْ يُوَافِقْ غَالِباً ذا الضَّبْطِ فَضَابِطٌ، أَوْ نَادِراً فَمُخْطِيْ (٣)
لّا تقدّمَ أنّهُ لا يقبلُ إلاّ العدلُ الضابطُ ، احتيجَ أنْ يذكرَ ما الذي يُعرفُ به ضبطُ
الراوي، وذلك بأنْ يُعتَبَرَ حديثُهُ بحديثِ الثقاتِ الضابطينَ، فإنْ وافقَهم في روايتهم في اللفظِ،
أو في المعنى ، ولو في الغالب ، عرفنا حينئذٍ كونَّهُ ضابطً ، وإن كانَ الغالبُ على حديثِهِ
المخالفةَ لهم ، وإنْ وافقَهم فنادرٌ، عرفنا حينئذٍ خطأهُ، وعدمَ ضبطِهِ ، ولم يحتَجَّ بحديثهِ(٤).
ذِكْرٍ لِأسْبَابِ لَهُ ، أنْ تَثْقُلاَ (٥)
٢٦٨. وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلِ بِلاَ
لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ، وَرُبَّمَا
٢٦٩. وَلَمْ يَرَوْا قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا؛
فَسَّرَهُ (شُعْبَةُ) بِالرَّكْضِ، فَمَا
٢٧٠. اسْتُفْسِرَ الْجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ ، كَمَا
كـ (شَيْخَي الصَّحِيْحِ) مَعْ أهْلِ النَّظَرْ
٢٧١. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأثَرْ
اختُلِفَ في التعديلِ والجرحِ ، هل يقبلانِ ، أو أحدُهما من غيرِ ذكرٍ أسبابِهِما ، أم لا
يقبلان إلّ مُفسّرَينٍ (٦) ؟ على أربعةِ أقوالِ :
(١) الجرح والتعديل (٢ / ١٧)، وقد سبقت الإشارة في تخريج هذه الرواية .
(٢) في نسخة ق وس: ((بلام الأمر)).
(٣) في نسخة أ من متن الألفية: ((فخطي))، والصواب ما أثبت .
(٤) قال الإِمام الشافعي : ((ومن كثر غلطه من المحدّثين ، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه ،
كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته)). ( الرسالة الفقرة ١٠٤٤ ).
(٥) في نسخة أو ب من متن الألفية: ((يثقلا)) .
(٦) في النسخ الخطية: ((مفسراً)). قال البقاعي: ((أي: كلّ منهما وكأنّه حذفه لوضوحه ، ثم رأيتها في
نسخة قرأت على المصنف أصلحت ( مُفسّرين))). النكت الوفية (٢٠٠ / أ). والمثبت ما أصلحه
المصنف وهو الموافق لما جاء في ع وف .
٣٣٥

الأولُ : وهو الصحيحُ المشهورُ : التفرقةُ بين التعديلِ والجرحِ ، فيقبلُ التعديلُ من
غيرِ ذكرٍ سببهٍ (١) ؛ لأنَّ أسبابَهُ كثيرةٌ ، فتنقلُ ويشُقُّ ذكرُها؛ لأنَّ ذلكَ يُحوِجُ المُعدِّلَ إلى
أنْ يقولَ ليسَ يفعلُ كذا ولا كذا ، وَيَعُدُّ ما يجبُ عليه تركُهُ . ويفعلُ كذا وكذا ، فيعدُّ
ما يجبُ عليهِ فِعْلُهُ. فيشقُّ ذلك، ويطُولُ تفصيلُهُ. وأما الجرحُ فإنَّهُ لا يُقبلُ إلا مفسَّراً
مُبَيَّنَ السببِ ؛ لأنَّ الجرحَ يحصلُ بأمرٍ واحدٍ ، فلا يشقُّ ذِكْرُهُ ؛ ولأنّ الناسَ مختلفونَ في
أسبابِ الجرحِ. فيطلقُ أحدُهم الجرحَ بناءً على ما اعتقدَهُ جرحاً ، وليس بجرحٍ في نفسٍ
الأمرِ ، فلا بدَّ من بيانٍ سبِهِ ، لَيَظْهرَ أهو قادحٌ أم لا؟
ويدلُّ على أنَّ الجرحَ لا يُقبلُ غيرَ مُفَسَّرِ، أَنّهُ ربَّما استُفْسِرَ الجارحُ ، فذكرَ ما ليس
جرحٍ (٢).
فقد روى الخطيبُ (٣) بإسناده إلى محمدِ بنِ جعفرِ المدائنيِّ، قال: قيل لشعبةً: لِمَ تركتَ
حديثَ فلان؟ قَالَ : رأيتُهُ يركُضُ عَلَى بِرْذَوْنِ (٤) ، فتركتُ حديثَهُ .
ء
وقولي في آخرِ البيتِ: ( فما )، أي: فماذا يلزمُ من ركضِهِ على برذونٍ . وروى بنُ
أبي حاتِمٍ (٥) ، عن يحيى بن سعيدٍ ، قالَ: أتى شعبةُ المِنْهالَ بنَ عمرٍو ، فسمِعَ صوتاً
(١) وهذا ما صوّبه الخطيب البغدادي في كفايته ص (١٦٥ ت، ٩٩ هـ)، وصحّحه الزركشي في البحر
المحيط (٢٩٣/٤-٢٩٤) وقال: ((هو المنصوص للشافعي)).
(٢) لكن قال السبكي في قاعدته التي في الجرح والتعديل ص ٥٠ - ٥١ : ((إنّ قولهم: الجرح مقدّم، إنّما
يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل ، فإذا تعارضا لأمرٍ من جهة الترجيح قدمنا الجرح ، لما فيه من
زيادة العلم . وتعارضهما هو استواء الظن عندهما ، لأن هذا شأن المتعارضين ، أما إذا لم يقع استواء
الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل . وما نحن فيه لم يتعارضا ، لأن
غلبة الظن بالعدالة قائمة . وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعاً لأنّه لا تعارض
والحالة هذه . ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل ، لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره .
وعبارتنا في كتابنا " جمع الجوامع " - وهو مختصر جمعناه في الأصلين، جَمَعَ فأوعى -: والجرح
مقدّم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعاً ، وكذا إن تساويا ، أو كان الجرح أقل . وقال ابن
شعبان: يطلب الترجيح ... إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدماً)).
(٣) الكفاية: (١٨٢ ت، ١١٠ - ١١١ هـ).
(٤) يطلق عَلَى غَيْر العربي من الخيل والبغال، يعرف باسم (الكديش ). انظر: ( معجم مَتْن اللغة
١ / ٢٦٩، والمعجم الوسيط : ٤٨ ).
(٥) الجرح والتعديل (١ / ١٥٣ و٨ / ٣٥٧).
٣٣٦

فترَكَهُ . قال بنُ أبي حاتِمٍ : سمعتُ أبي يقولُ: يعني أنّهُ سَمِعَ قراءةً بألحانٍ فَكَرِهَ السماعَ
منه من أجلِ ذلك (١) . هكذا قالَ أبو حاتِمٍ في تفسيرِ الصوتِ. وقد روى الخطيبُ (٢)
بإسنادِهِ إلى وَهْبِ بنِ جريرٍ ، قالَ: قالَ شعبةُ : أتيتُ منزلَ المِنْهالِ بنِ عَمْرِو فسمعتُ
منه صوتَ الطَنْبُورِ، فرجعتُ . فقيلَ له : فهلاً سألتَ عنه أنْ لا يَعْلَمَ هو (٣). وروينا عن
شعبةَ قال : قلتُ للحكمِ بنِ عُتَيْبةَ: لِمَّ لَمْ تروِ عن زَاذانَ ؟ قال : كانَ كثيرَ الكلامِ (٤) .
وقال محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ : حدّثنا جريرٌ قال : رأيتُ سِمَاكَ بنَ حَرْبٍ يبولُ قائماً ،
فلم أكتبْ عنه (٥) . وقد عقدَ الخطيبُ لهذا باباً في " الكفاية " (٦) .
والقولُ الثاني : عكسُ القولِ الأولِ ، أَنَّهُ يجبُ بيانُ سببِ العدالةِ ، ولا يجبُ بيانُ
سببِ الجرحِ ؛ لأنّ أسبابَ العدالةِ يكثرُ التَّصُّعُ فِيْهَا ، فيبني المُعدُّلُونَ عَلَى الظاهرِ . حكاهُ
صاحبُ " المحصولِ " (٧)، وغيرُهُ. ونقلَهُ إمامُ الحرمينِ في " البرهان " (٨) ، والغزاليُّ في
(١) الجرح والتعديل (١ / ١٥٣).
(٢) الكفاية: ( ١٨٣ ت، ١١٢ هـ)، والضعفاء (٤ / ٢٣٧) من طريق محمود بن غيلان ، قال:
حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، فذكره .
وأخرجها ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣٥٧/٨) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه ...
تنبيه : تحرف اسم محمود إلى محمد في ضعفاء العقيلي ، وفي الكتاب من التصحيف والتحريف والسقط
ما لا يخفى على أدنى باحث .
(٣) قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام" (٣ / ٣٦٣ عقيب ١١٠٧) - معقّباً على ابن أبي حاتم -
بعد أن ذكر كلامه: (( هذا ليس بجَرحة، إلا أن يتجاوز إلى حدّ يحرم، ولم يذكر ذلك في الحكاية، ولا أيضاً
فيما بشع من هذه الحكاية، وذلك ما ذكر العقيلي عن وهب قال : سمعت شعبة يقول : أتيت منهال ...
فهذا - كما ترى - التعسف فيه ظاهر، ولا أعلم هذا الحديث علة غير ما ذكرت ، فاعلمه)) انتهى.
وقال البقاعي في النكت (٢٠٠/ب): (( والورع ما فعل شعبةُ لأنّ الطنبور لا يضرب في بيت أحد إلا
بعلمه أو بأن يَعرف أهله منه السماح فيما يقارب ذلك من خوارم المروءة إن لم يكن مفسقاً ... الخ)).
(٤) الكفاية : ( ١٨٣ ت، ١١٢ هـ ).
(٥) أسنده الْخَطِيْب في الكفاية: (١٨٢ ت، ١١١ هـ).
(٦) الكفاية: (١٨١ - ١٨٦ ت، ١١٠ - ١١٤ هـ ).
(٧) المحصول ( ٢ / ٢٠١)، وطبعة العلواني (٢ / ق ١ ص ٥٨٧ ).
(٨) البرهان (١ / ٤٠٠)، ونص عبارته: ((وقال القاضي مته: إطلاق الجرح كاف فإنّه يحرم الثقة ، وهي
المعتبرة، وإطلاق التعديل لا يُحَصِّلُ الثقة حتى يستند إلى أسباب ومباحثات)).
٣٣٧

" المنخولِ " (١) تَبَعاً له ؛ عن القاضي أبي بكرٍ . والظاهرُ أنّهُ وَهْمٌّ منهما، والمعروفُ عنه
أَنَّهُ لا يجبُ ذكرُ أسبابهما معاً ، كما سيأتي .
والقولُ الثالثُ: أَنَّهُ لابدَّ من ذكرٍ أسبابِ العدالةِ والجرح معاً. حكاهُ الخطيبُ(٢)،
والأصوليونَ (٣) ، قالوا: وكما قد يجرحُ الجارحُ بما لا يَقْدِحُ، كذلك قد يوثّقُ المُعَدِّلُ بما
لا يقتضي العدالةَ. كما روى يعقوبُ الفَسَويُّ في " تاريخه " (٤) ، قال: سمعتُ إنساناً
يقولُ لأحمدَ بنِ يونسَ : عبدُ الله العمريُّ ضعيفٌ. قال: إنّما يضعّفُهُ رافضيٌّ مبغِضٌ
لآبائِهِ، لو رأيتَ لحينَهُ، وخِضابَهُ، وهيئتَهُ ؛ لعرفتَ أَنْهُ ثقةٌ . فاستدلَّ أحمدُ بنُ يونسَ على
ثقتِهِ بما ليسَ بحجّة (٥) ، لأنَّ حُسنَ الهيئةِ يشتركُ فيه العَدْلُ والمجروحُ .
والقولُ الرابعُ : عكسُهُ : أَنَّهُ لا يجبُ ذكرُ سببٍ واحدٍ منهما ، إذا كانَ الجارحُ
والمعدّلُ عالماً بصيراً. وهو اختيارُ القاضي أبي بكرٍ ، ونقلَهُ عن الجمهورِ فقال: قالَ
الجمهورُ من أهلِ العلمِ: إذا جَرَحَ مَنْ لا يعرفُ الْجَرْحَ، يجبُ الكشفُ عن ذلكَ . ولم
يوجبوا ذلك على أهلِ العلمِ بهذا الشأن . قال: والذي يقوِّي (٦) عندنا تركُ الكشفِ عن
ذلك ، إذا كان الجارحُ عالماً، كما لا يجبُ استفسارُ المعدِّلِ عمّا بِهِ صارَ عندَهُ المزكّى
عدلاً ، إلى آخرِ كلامِهِ. وتَمن حكاهُ عن القاضي أبي بكرٍ، الغزاليُّ في "المستصفى"(٧)
خلافَ ما حكاهُ عنه في " المنخول " (٨) . وما ذَكَرَهُ (٩) عنه في " المستصفى " هو الذي
حكاهُ صاحبُ " المحصول " (١٠)، والآمديُّ (١١)، وهو المعروفُ عن القاضي ، كما رواهُ
(١) المنخول : ٢٦٢ .
(٢) الكفاية : ( ١٧٩ - ١٨٠ ت، ١٠٨ - ١٠٩ هـ ).
(٣) انظر: البحر المحيط ( ٤ / ٢٩٤).
(٤) المعرفة والتاريخ (٢ / ٦٦٥)، وانظر: الكفاية ص (١٦٥ ت، ٩٩ هـ ).
(٥) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((ليس حجة)).
(٦) في ع وف: ((والذي يقوي ذلك عندنا)) بزيادة كلمة: ((ذلك)).
(٧) المستصفى ( ١ / ١٦٢ ).
(٨) لم نجده في المنخول .
(٩) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((ذَكَرَ)) .
(١٠) المحصول (٢ / ٢٠١)، وطبعة العلواني (ح٢ / ق ١ ص ٥٨٧ ).
(١١) الأحكام (٢ / ٣١٧).
٣٣٨

عنه (١) الخطيبُ في " الكفاية" (٢).
والقولُ الأولُ هو الذي نصَّ عليه الشافعيُّ. وقالَ الخطيبُ: هو الصوابُ عندنا(٣).
وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنّهُ الصحيحُ المشهورُ (٤). وحكى الخطيبُ أنَّهُ ذهبَ ١ الأئمةُ من
حفّاظ الحديثِ ونقّاده، مثلُ البخاريّ، ومسلمٍ ، وغيرهما ، إلى أنّ الجرحَ لا يُقبلُ إلا
مفسَّراً (٥) . قال ابنُ الصلاحِ : وهو ظاهرٌ مقررٌ في الفقِهِ وأُصولِهِ (٦) .
٢٧٢. فَإِنْ يُقَلْ: (قَلِّ بَيَانُ مَنْ جَرَحْ) كَذَا إِذَا قَالُوا(٢): (لِمَْنٍ لَمْ يَصِحْ)
أنْ يَجِبَ الوَقْفُ إذا اسْتَرَابا
٢٧٣. وَأَبْهَمُوا، فَالشَّيْخُ قَدْ أَجَابَا
كَمَنْ أُوْلُو الصَّحِيْحِ خَرَّجُوا لَهْ
٢٧٤. حَتَّى يُبْنَ بَحْتُهُ قَبُوْلَةْ
٢٧٥. فَفي (الْبُخَارِيِّ) احْتِجَاجاً (ِكْرِمَه) مَعَ(٨) (ابْنِ مَرْزُوْقٍ)، وَغَيْرُ تَرْجَمَهْ
٢٧٦. وَاحْتَجَّ (مُسْلِمٌ) بِمَنْ قَدْ ضُعَّفَا نَحْوَ (سُوَيْدٍ) إذْ بِجَرْحٍ مَا اكْتَفَى
٢٧٧. قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ (أَبُو الْمَعَالِيْ)، واخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ ( الغَزَانِيْ)
٢٧٨. و(ابْنُ الخَطِيْبِ): الْحَقُّ أَنْ يُحْكَمْ بِمَد أَطْلَقَهُ العَالِمْ (٩) بِأَسْبَابِهِمَا
هذا سؤالٌ أوردَهُ ابنُ الصلاحِ على قولِهِم : إنَّ الجرحَ لا يُقبلُ إلا مفسَّرَاً. وكذلك
تضعيفُ الحديثِ ، فقال : ولقائلِ أنْ يقولَ : إنّما يعتمدُ الناسُ في جرحِ الرواةِ ، ورد
حديثِهِم ، على الكُتُبِ التي صنَّفَها أئمةُ الحديثِ في الجرحِ ، أو في الجرحِ والتعديلِ .
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((رواه الخطيب عنه)).
(٢) الكفاية: ( ١٧٩ ت، ١٠٨ هـ ).
(٣) الكفاية: (١٦٥ ت، ٩٩ هـ) و (١٧٩ ، ١٠٨ هـ ).
(٤) علوم الحديث : ٩٦ .
(٥) في س: ((ذهبت))، وفي ن: ((مذهب)، ومثله في علوم الْحَدِيْث.
(٦) الكفاية: ( ١٧٩ ت، ١٠٨ هـ ).
(٧) علوم الْحَدِيْث : ٩٦ .
(٨) في نسخة ب من متن الألفية: ((إذا قيل)).
(٩) في ع وف: ((عن))، وما أثبتناه من نسخة أو ب وجـ والنفائس من متن الألفية
(١٠) سُكن لضرورة الوزن .
٣٣٩

وقلَّما يتعرضونَ فيها لبيانِ السبب، بل يقتصرونَ على مجردٍ قولِهِم: فلانٌ ضعيفٌ، وفلانٌ ليس
بشيءٍ، ونحوُ ذلك. وهذا حديثٌ ضعيفٌ ، وهذا حديثٌ(١) غيرُ ثابتٍ، ونحوُ ذلكَ. فاشتراطُ
بيان السببِ، يُفضِي إلى تعطيلِ ذلكَ، وسدِّ بابِ الجرحِ في الأغلبِ الأكثرِ. قال: وجوابُهُ أنَّ(٢)
ذلكَ وإنْ لم نعتمدُهُ في إثباتِ الجرحِ، والحكمِ بِهِ، فقد اعتمدناهُ في أنْ توقَّعنا عن قبول
حديثٍ مَنْ قالوا فيه مثلَ ذلك، بناءً على أنَّ ذلك أوقعَ عندنا فيهم رِيبةً قويةً، يوجبُ مثلُها
التوقُّفَ . ثم مَنِ انزاحتْ عنه الريبةُ منهم ، ببحثٍ (٣) عن حالِهِ ، أَوْجَبَ الثقةَ بعد التِهِ ؛
قبلنا حديثَه ، ولم نتوقّفْ. كالذينَ احتجَّ بهم صاحِبًا " الصحيحينِ " ، وغيرُهما تَمّنْ مسَّهم
مثلُ هذا الجرحِ من غيرِهم . فافْهَمْ ذلك فإنهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ (٤). ولما نقلَ الخطيبُ(٥) عن
أئمّة الحديثِ: أنَّ الجرحَ لا يُقبلُ إلا مفسَّرَاً، قال: فإنَّ البخاريِّ احتجَّ بجماعةٍ سبقَ من
غيرِهِ الطعنُ فيهم، والجرحُ لهم، كعِكْرِمَةَ(٦) مولى ابنِ عبّاسٍ في التابعينَ، وكإسماعيلٌ(٧) بنِ أبي
أويسٍ (٨)، وعاصمٍ بِنِ عليّ (٩)، وعمرٍو بنِ مَرْزوقٍ (١٠) في المتأخّرِينَ.
(١) جملة: ((وهذا حديث)) الثانية ثابتة في جميع النسخ الخطية وف، وسقطت من ع.
(٢) كلمة: (( أنّ)) تحرفت في ع إلى: ((من)) .
(٣) تصحف في ع وف إلى: ((يبحث)).
(٤) علوم الحديث : ٩٨ .
(٥) الكفاية : ( ١٧٩ ت، ١٠٨ - ١٠٩ هـ ).
(٦) هو عكرمة بن عبد الله البربري ، مولى ابن عباس ، تابعيّ أحد أوعية العلم ، تكلّموا فيه من أجل ما نسب
إليه من الرأي ، توفّى سنة (١٠٧ هـ)، وقيل غيرها. ( الجرح والتعديل ٧/٧، وتذكرة الحفاظ ٩٥/١ ،
وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص ٢٧٠ ) .
(٧) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: ((وإسماعيل)).
(٨) هو أبو عبد الله إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني ، ابن اخت الإمام مالك مكثر فيه لين وله
أخطاء، أفحش النسائي القول فيه ، توفي سنة (٢٢٦ هــ) (الكامل ١ / ٥٢٥، وتذكرة الحفاظ
١ / ٤٠٩، والتقريب ٤٦٠ ).
(٩) هو أبو الحسين عاصم بن علي الواسطي ، عالم صاحب حديث من أئمة السنة ، صدوق ربّما وهم ، توفي
سنة (٢٢١ هـ). (تاريخ بغداد ٢٤٧/١٢، وميزان الاعتدال ٣٥٤/٢، والتقريب الترجمة ٣٠٦٧ ).
(١٠) هو أبو عثمان عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، ثقة له أوهام، أثنى عليه أبو حاتم وغيره، توفي سنة
(٢٢٤ هـ). (الجرح والتعديل ٢٦٣/٦، والكاشف ٨٨/٢ (٤٢٢٨)، والتقريب الترجمة ٥١١٠).
٣٤٠