Indexed OCR Text

Pages 201-220

الخطيبَ رَوَى في " الكفاية " (١) من طريقِ موسى بنِ هارونَ الحمّالِ بسندِهِ، إِلَى حمّادِ بنِ
زيدٍ (٢)، عن أيوبَ، عن محمدٍ ، عن أبي هريرةَ ، قَالَ : قَالَ : الملائكةُ تصلّي عَلَّى
أحدِ كم ما دامَ في مُصَلاّهُ (٣) . قَالَ موسى بنُ هارونَ: إذا قَالَ حمّادُ بنُ زيدٍ والبصريون :
قالَ : قالَ ، فَهُوَ مرفوعٌ . قَالَ الخطيبُ: قلتُ للبَرْقانيّ: أحسبُ أنَّ موسى عَنيَ بهذا
القولِ أحاديثَ ابنِ سيرينَ خاصّةً ، فَقَالَ: كَذَا يجبُ (٤) . - قال الخطيبُ - : ويحقّقُ (٥)
قولَ موسى : ما (٦) قال محمدُ بنُ سيرين: كلِّ شيءٍ حدَّثتُ عن أبي هريرةَ ، فهو
مرفوعٌ (٧) . قلتُ : ووقعَ في الصحيحِ (٨) من ذلكَ ما رواهُ البخاريُّ (٩) في المناقب ،
حدّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ ، حدَّثنا حمادٌ ، عن أيوبَ ، عن محمدٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال :
قال: ((أسلمُ وغِفَارُ وشَيءٌ مِنْ مُزَيْنةَ، ... الحديث)). والحديثُ عند مسلمٍ (١٠) من
(١) الكفاية : ( ٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ ) .
(٢) قال البقاعي (١١٢ / ب): ((قال شيخنا - يعني: ابن حجر - ليس بين الحمال وبين حماد بن زيد
غير واحد فلو أبرزه الشيخ كان أولى مع عدم الإخلال بالاختصار لكن كأن الشيخ كتبه من حفظه فلم
يستحضر الواسطة )) .
(٣) أخرجه مسلم ( ٢ / ١٢٩ عقيب ٦٤٩) من طريق أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ،
ولفظه : (( إنّ الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، ما
لم يُحْدِثْ ، وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه)) .
(٤) في الكفاية: ((كذا تحسب)) .
(٥) في نسخة ص: (( وتحقق)) .
(٦) في نسخة س : (( أما )) .
(٧) الكفاية: (٥٨٩ ت، ٤١٨-٤١٩ هـ) وفي النقل تصرّف يسير؛ إذ حذف كلمة ((هذا)) وسند الخطيب.
(٨) في نسخة س : ((الصحيحين)).
(٩) صحيح البخاري ( ٤ / ٢٢٢ - ٢٢٣ عقيب ٣٥١٦) .
(١٠) صحيح مسلم (٧ / ١٧٩ عقيب ٢٥٢١) عن زهير بن حرب ويعقوب الدورقي ، كلاهما عن
إسماعيل بن علية ، وأخرجه أحمد ( ٢ / ٢٣٠) عن إسماعيل بن علية. وأخرجه أيضاً (٢ / ٤٢٠
و٤٢٢ ) عن عبد الرزاق - ( ١٩٨٧٧ ) - عن معمر عن أيوب، مصرح فيه بالرفع . وكذلك
أخرجه أبو يعلى (٦٠٥٤ )، والبغوي ( ٣٨٥٥) من طريق محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة .
٢٠١.

روايةِ ابنِ عُلَيَّةَ ، عن أيوبَ مصرحٌ فيه بالرفعِ . وأما الحديثُ (١) الذي رواهُ الخطيبُ فهو
عند النسائيِّ في " سننه الكبرى " (٢) من رواية ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنٍ سيرينَ (٢).
ومن روايةِ ابنِ عونٍ ، عن ابنِ سيرينَ أيضاً كذلك (٤).
الْمُرْسَلُ (٥)
١٢٠. مَرْفُوعُ تَابِعٍ عَلى المَشْهُوْرِ مُرْسَلَ اوْ قَيْدْهُ بِالكَبِيْرِ
١٢١. أوْ سَقْطُ رَاوِ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ وَالأوَّلُ الأَكْثَرُ في استِعْمَالِ
(١) مراده بذلك حديث: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه)) .
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من السنن الكبرى وهو في تحفة الأشراف (١٠ / ٣٣٠ حديث ١٤٤١١)،
وهو في كتاب الملائكة من السنن الكبرى ، وهذا الكتاب ليس من المطبوع ، ويضاف إليه كذلك كتاب
الرقاق ، والشروط ، والمواعظ .
(٣) في ع وف: ((محمد بن سيرين))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية.
(٤) ليس في المطبوع من الكبرى وهو في التحفة (١٠ / ٣٤٣ حديث ١٤٤٧٥) وجاءت في نسخة ق
تعليقة ، نصّها : (( بلغ شاكل هذا الكتاب مولانا العالم العامل والمتقن المدقق الفاضل الشيخ عبد العزيز
الوضيحي الحلبي ، قرأه عليَّ قراءة بحث وتحقق ، مع فهم دقيق ، وكتبه محمد ناصر الدين ، أواسط شهر
رمضان المعظم سنة ١٠٣٦ هـ )) .
(٥) انظر في المُرسَل: معرفة علوم الحديث: ٢٥، والكفاية: ٥٨، والتمهيد (١ /١٩)، وجامع الأصول
(١ /١١٥)، وعلوم الحديث: ٤٧، وإرشاد طلاب الحقائق (١ /١٦٧ - ١٧٩)، والمجموع
شرح المهذب (١ / ٦٠)، والاقتراح: ١٩٢، والتقريب: ٥٤ - ٥٧ ، والمنهل الروي : ٤٢،
والخلاصة: ٦٥، والموقظة: ٣٨، وجامع التحصيل: ٢٣ وما بعدها، واختصار علوم الحديث: ٤٧،
والبحر المحيط (٤٠٣/٤)، والتذكرة: ١٥، ومحاسن الاصطلاح: ١٣٠، والتقييد والإيضاح: ٧٠ ،
ونزهة النظر: ١٠٩ والنكت على كتاب ابن الصلاح (٥٤٠/٢)، والمختصر : ١٢٨، وفتح المغيث
(١٢٨/١)، وألفية السيوطي: ٢٥ - ٢٩، وتوضيح الأفكار (٢٨٣/١)، وظفر الأماني: ٣٤٣،
وقواعد التحديث : ١٣٣ .
وأصل المرسل: قيل مأخوذ من الإطلاق وعدم المنع كقوله تعالى: ﴿إِنَا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِيْنَ عَلَى
الكَافِرِيْنَ ﴾ فكأنّ الْمُرْسِلَ أطلق الإسناد .
وقيل : مأخوذ من قولهم : جاء القوم إرسالاً . أي : متفرقين ؛ لأن بعض الإسناد منقطع عن بقيته .
وقيل : مأخوذ من قولهم : (( ناقة مرسال )) أي : سريعة السير ، كأنّ الْمُرْسِلَ للحديث أسرع فيه
فحذف بعض إسناده. ينظر: جامع التحصيل: ٢٣-٢٤، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٥٤٢/٢ .
٢٠٢

اختلفَ في حدِّ الحديثِ المرسلِ. فالمشهورُ: أَنَّهُ مَا رَفَعَهُ التابعيُّ إلى السِّ ◌ِ ﴿ ..
سواءٌ كانَ مِنْ كبارِ (١) التابعينَ ، كعُبيدِ اللهِ بنِ عَدِيّ بنِ الخِيَارِ (٢) وقيسِ بن أبي حازمٍ ،
وسعيدِ بنِ المسِّيبِ ، وأمثالهم. أو من صغارِ التابعينَ، كالزهريّ (٣) وأبي حازمٍ، ويحيى
ابنِ سعيدٍ الأنصاريّ ، وأشباهِهِم (٤) .
والقولُ الثاني: أنّهُ ما رفَعَهُ التابعِيُّ الكبيرُ إلى النِّ ﴿، وهذا معنى قولِهِ: ( او
قيّدَهُ بالكبيرِ ) ، أي : بالكبير من التابعينَ ، فهذه الصورةُ لا خلافَ فيها ، كما قالَ ابنُ
الصلاحِ (٥) . أما مراسيلُ صغارِ التابعينَ ، فإنّها لا تسمّى مرسلةً على هذا القولِ ، بل هي
(١) جاءت في نسخة ق و: تعليقة مشتركة، نصّها: ((الكبير من التابعين: من لقي جماعة من الصحابة
وجالسهم )) .
(٢) هكذا مثّل به المصنف - رحمه الله - تبعاً لابن الصلاح في علوم الحديث : ٤٧، وتعقّبه ابن الملقن في
المقنع ( ١ / ١٢٩) فقال: ((عبيد الله هذا ذكره في الصحابة: ابن حبّان، وأبو عمر، وابن منده)).
قلنا : ذكره ابن حبّان في ثقاته في قسم الصحابة (٢٤٨/٣)، ولكنه أعاد ذكره في قسم التابعين
٦٤/٥، وكأنّه فعل ذلك ليدلل على الاختلاف الواقع فيه .
وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢ / ٤٣٦) (هامش الإصابة)، وقال الحافظ ابن حجر في
التقريب ( الترجمة ٤٣٢٠): ((قتل أبوه ببدر، وكان هو في الفتح مميزاً، فعد في الصحابة لذلك،
وعدّه العجلي وغيره في ثقات كبار التابعين)).
وذكره الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (١ / ٣٦٣ رقم ٣٨٦٥) ورمز له ( ب د ع ) بمعنى أنّه ذكره
كذلك ابن عبد البر ، وابن منده ، وأبو نُعيم .
(٣) جاءت في نسخة ص تعليقة لأحدهم، نصّها: ((ادّعى الحاكم أنّ الزهري من كبار التابعين، ولعله أراد
في العلم ، مؤلف )).
(٤) ما ذكره الإمام العراقي من حدِّ الحديث المرسل هو قول جمهور المحدّثين، وعليه جمعٌ من الأصوليين . وبه
قال الحاكم في " معرفة علوم الحديث": ٢٥، وابن عبد البر في " التمهيد" (١٩/١)، وأبو بكر بن
فورك ، وأبو نصر بن الصباغ ، وأبو المظفر السمعاني ، وابن برهان كما نقله عنهم العلائي في " جامع
التحصيل": ٢٩. وانظر: النكت على كتاب ابن الصلاح (٢ / ٥٤٣).
(٥) علوم الحديث : ٤٧ .
٢٠٣

منقطعةٌ (١). هكذا حكاهُ ابنُ عبد البرِّ (٢) عن قومٍ من أهلِ الحديثِ؛ لأنْ أكثرَ رواياتِهم
عن التابعينَ ولم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ والاثنين. قلتُ: هكذا مَثْلَ ابنُ الصلاح (٣)
صغارَ التابعينَ بالزهريِّ ومَنْ ذَكَرَ ، وذكرَ في التعليلِ أَنَّهم لم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ
والاثنينِ ، وليس ذلك بصحيحٍ بالنسبةِ إلى الزهريّ ، فقد لقي من الصحابةِ اثني (٤) عشرَ
فأكثرَ ، وهم : عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، وأنسُ بن مالكٍ ، وسهلُ بنُ سعدٍ ، وربيعةُ بنُ عِبادِ ،
وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، والسائبُ بنُ يزيدَ، وسُنَيْن(٥) أبو جَميلةَ، وعبدُ الله بنُ عامرٍ بنِ ربيعةً،
ء
وأبو الطَّفيلٍ، ومحمودُ بنُ الربيعِ، والمِسورُ بنُ مَخْرمة، وعبد الرحمن بنُ أزهر(٦). ولم يسمع
من عبدِ الله بنِ جعفر، بل رآه رؤيةً. وقيل: إنّه سمعَ من جابرٍ. وقد سمعَ من محمودٍ(٧) بنِ
لبيدٍ، وعبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، وثعلبةَ بنِ مالكِ القرظيِّ. وهم مختلفٌ في صحيتِهم .
وأنكرَ أحمدُ (٨) ويحيى (٤) سماعَهُ من ابنِ عمرَ، وأثبتَهُ عليُّ بنُ المدينيِّ (١٠).
(١) انظر: النكت الوفية (١١٤ / أ).
(٢) التمهيد ( ١ / ٢١). قال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (٢ /٥٤٣): ((ولم أرَ تقييده
بالكبير صريحاً عن أحد ، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم))، قال ابن الملقن في "المقنع" ( ١٢٩/١ ):
(( والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك))، وانظر: فتح المغيث ( ١ / ١٣٠).
(٣) علوم الحديث : ٤٨.
(٤) في نسخة ق وص: (( ثلاثة)).
(٥) بمهملة ونونين - مصغر - أبو جَميلة - بفتح الجيم - ابن فرقد السلمي ، ويقال : الضمري . أفاده
البقاعي في نكته ( ١١٥ / ب ) .
(٦) انظر في سماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر: النكت الوفية ( ١١٤ / ب) ويستدرك على المصنف :
أسعد بن سهل بن حنيف ، وعبد الله بن ثعلبة بن صعير ، وكثير بن العباس بن عبد المطلب ، ومالك بن
أوس بن الحدثان ، ورجل من " بلى " له صحبة كناه الذهبي بـ (أبي عمر). (ينظر: الإمام الزهري
وأثره في السنة : ٩٣ - ٩٨ ) .
(٧) تحرف في ع وف إلى: ((محمد)).
(٨) قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ((حدّثنا محمد بن حمويه بن الحسن، قال: سمعت أبا طالب أحمد بن حميد،
قال: قلت لأحمد بن حنبل، الزهري سمع من ابن عمر، قال: لا)) (المراسيل: ١٩٠ رقم ٦٩٩ ).
(٩) قال ابن الجنيد: ((قال رجل ليحيى بن معين، وأنا أسمع: الزهري سمع من ابن عمر؟ قال: لا، قال:"
فرآه رؤية؟ قال: يشبه)). ( سؤالاته الترجمة ١٧٧، نقلاً عن هامش تهذيب الكمال ٦ / ٥٠٨ ).
(١٠) قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ((حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: قال علي بن المديني: قد سمع
الزهري من ابن عمر حديثين فيما حدثنا به عبد الرزاق ... )). ( المراسيل: ١٩٠ رقم ٦٩٧ ).
٢٠٤

القولُ الثالثُ : إنّهُ ما سقطَ راوٍ من إسنادِهِ ، فأكثرُ ، من أيّ موضعٍ كان ، فعلى
هذا المرسلُ والمنقطعُ واحدٌ . قالَ ابنُ الصلاحِ: والمعروفُ في الفقهِ وأصولِهِ أنَّ ذلك (١)
يُسمّى مرسلاً (٢) . وبهِ قطعَ الخطيبُ ، قال الخطيبُ: إلا أنَّ أكثرَ ما يوصفُ بالإرسالِ
من حيثُ الاستعمالُ ما رواهُ التابعيُّ عن النِّمُ ﴿ّ(٣) . وقطعَ الحاكم (٤) وغيرُهُ من أهلِ
الحديثِ أنَّ الإرسالَ مخصوصٌ بالتابعينَ. وسيجيءُ في فصلِ التدليسِ: أنَّ ابنَ القطّانِ قال:
إنّ الإرسالَ : روايتُهُ عمَّنْ لم يسمع منه (٥) .
فعلى هذا مَنْ رَوَى عمَّنْ سمعَ منه ما لم يسمعْهُ منه ، بل بينَه وبينَه فيه واسطةٌ ،
ليس بإرسالٍ ، بل هو تدليسٌ ، وعلى هذا فيكونُ هذا قولاً رابعاً في حَدِّ المرسلِ (٦) .
وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَائُوْا
١٢٢. وَاحْتَجَّ (مَالِكٌ) كَذا (التُّعْمَانُ)
لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ فِي الإسْنَاد
١٢٣. وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ التَّقَّاد ؛
وَ(مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أَصَّلَهْ
١٢٤. وَصَاحِبُ التَّمهيدِ عَنهُمْ نَقَلَهْ
اختلفَ العلماءُ في الاحتجاجِ بالمرسلِ ، فذهبَ مالكُ بنُ أنسٍ (٧) وأبو حنيفةً
(١) في علوم الحديث: ((أن كل ذلك)).
(٢) علوم الحديث: ٤٨. وانظر: المستصفى ١٦٩/١، وإحكام الأحكام ١١٢/٢، وكشف الأسرار ٧٢٢/٣.
(٣) الكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ ).
(٤) معرفة علوم الحديث : ٢٥ .
(٥) بيان الوهم والإيهام (٥ / ١٠٥ عقيب ٢٣٥٧).
(٦) قال البقاعي (١١٦ / أ): ((ليس كذلك، بل التحقيق: أنه مقيد للقول الثالث؛ كأنه لما قالوا ما
سقط من إسناده راوٍ فأكثر ، قال : بشرط أن لا يكون تدليساً ، فيحمل ذلك الإطلاق على كلامه .
وإنما القول الرابع الذي لابد منه : قول مَن يسوي بين المرسل والمنقطع ... إلى آخر الكلام)).
(٧) هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني ، الفقيه ، إمام دار الهجرة ، رأس المتقنين ، وكبير
المتثبتين ، كان غاية في الأدب مع رسول الله:﴿ وحديثه، توفّى سنة (١٧٩ هـ). (تقدمة الجرح
والتعديل ١ / ١١ - ٣٢، والثقات ٧ / ٤٥٩، وتهذيب التهذيب ١٠ / ٥ - ٩).
٢٠٥

النعمانُ بنُ ثابتٍ (١) وأتباعُهُما في طائفةٍ إلى الاحتجاج به (٢) .
فقولُهُ: ( وتابعُوهما ) أي: التابعونَ لهما. (ودانوا) أي: جعلَوهُ ديناً يدينونَ به،
وذهب أكثرُ أهلِ الحديثِ إلى أنَّ المرسلَ ضعيفٌ لا يحتجُّ به (٣) . وحكاه ابنُ عبد البرِّ في
مقدّمة " التمهيد " (٤) عن جماعةٍ من أصحابِ الحديثِ . وقال مسلمٌ (٥) في صَدْرِ كتابهِ
" الصحيح" (٦): ((المرسلُ (٧) في أصلٍ قولِنا، وقولِ أهل العلمِ بالأخبارِ ليس بُحُجَّةٍ)).
هكذا أطلقَ ابنُ الصلاحِ نَقْلَهُ عن مسلمٍ (٨). ومسلمٌ إنّما ذكرَهُ في أثناءِ كلامٍ خَصْمِهِ
الذي رَدَّ عليهِ اشتراطَ ثبوتِ اللقاء ، فقال: ((فإِنْ قال: قُلْتُهُ لأَنِّي وَجَدْتُ رواةَ الأخبارِ
قديماً وحديثاً يَروي أحدُهُم عن الآخر الحديثَ ، ولَّا يُعاينْهُ، وما (٩) سَمِعَ منه شيئاً قَطُ ،
(١) هو الإمام الأعظم المبحّل ، فقيه العراق ، أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي ، مولاهم الكوفي ، ولد سنة
(٨٠ هـ)، رأى أنس بن مالك، كان إماماً عالماً عابداً، قال الشافعي : (( الناس في الفقه عيال على أبي
حنيفة))، توفي سنة (١٥٠ هـ ). (تاريخ بغداد ١٣ / ٣٢٣، وتذكرة الحفاظ ١ / ١٦٨، وسير
أعلام النبلاء ٦ / ٣٩٠ ) .
(٢) ينظر: الكفاية: ( ٥٤٧ ت، ٣٨٤ هـ )، والتمهيد (١ / ٣ - ٦)، وجاءت في حاشية نسخة ق
تعليقة لأحدهم ، نصّها :
(( قلت : عزا لأحمد بن حنبل
شيعته كذا احتجاجه بالمرسل
قاله شيخنا الشيخ برهان الدين أمتع الله به )) .
قلنا : وبرهان الدين ، هو سبط ابن العجمي ، تلميذ الإمام العراقي ، وظاهر التعليق يدلّ على أنّه كتب
في حياة البرهان ، وهذا يزيد الثقة بالنسخ التي بين أيدينا ، ويدلّ على قدمها . فالحمد لله على توفيقه .
(٣) انظر: النكت الوفية (١١٦ / ب ).
(٤) التمهيد ( ١ / ٥ - ٦).
(٥) قول مسلم إنما هو فيما سقط من إسناده راوٍ سواء كان بعد التابعي أو قبله ، فيعم المرسل والمنقطع . أفاده
البقاعي ( ١١٧ / أ) .
(٦) الجامع الصحيح (١ / ٢٤).
(٧) في صحيح مسلم : ((والمرسل من الروايات)).
(٨) علوم الحديث : ٤٩ - ٥٠ .
(٩) في ع وف: ((ولا)).
٢٠٦

فلمّا رأيتُهُم استجازُوا روايةَ الحديثِ بَينِهُم هكذا على الإرسالِ مِنْ غَيْرِ سماعٍ - والمرسلُ
من الرواياتِ في أصلٍ قولِنا ، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ، ليس بحجّةٍ - احتجتُ لما
وصفْتُ من العلّةِ إلى البحث(١) عن سماعٍ راوي كُلِّ خبرٍ عن راويه، إلى آخر كلامه))(٢).
فهذا كما تراهُ حكاهُ على لسانِ خَصْمِهِ ، ولكنَّهُ لَّا لم يرد هذا القدرَ منه حين رَدَّ
كلامَهُ (٣) ، كان كأنَّهُ قائلٌ به ، فلهذا نسبَهُ ابنُ الصلاحِ إليه .
وقولُهُ : ( للجهلِ بالساقطِ ) ، هو تعليلٌ لردِّ المرسلِ ، وذلك أنهُ تقدّمَ أنّ من
شرطِ الحديثِ الصحيحِ ثقةً رجالِهِ . والمرسلُ سقطَ منه رجلٌ لا نعلَمُ (٤) حالَه . فعدمُ
معرفةٍ عدالةِ بعض رواتِهِ ، وإِنِ اتفقَ أنّ الذي أرسلَهُ كان لا يَروي إلا عن ثقةٍ ، فالتوثيقُ
في الرجلِ المبهمِ غيرُ كافٍ ، كما (٥) سيأتي إن شاءَ الله تعالى .
بُسْتَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
١٢٥. لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ
نَقْبَلْهُ ، قُلْتُ : الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
١٢٦. مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأَوَّلِ
وَمَنْ رَوَى عَنِ الثّقَاتِ أَبَدَا
١٢٧. و (الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَدَا
وَافَقَهُمْ إِلّ بِنَقْصِ لَفْظِ (٦)
١٢٨. وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحَفْظِ
(١) تحرّف في المطبوع ع وف إلى: ((الحث)) وأثبتناها من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لما في صحيح
مسلم .
(٢) الجامع الصحيح (١ / ٢٤).
(٣) في ع: ((كلامهم)) .
(٤) في ع وف: ((يعلم)).
(٥) في ع وف: (( لما)).
(٦) قال البقاعي (١١٧ / ب): ((حكى عن شيخنا البرهان الحلبي أنه قال: بقي على شيخنا - يعني:
العراقي - في كلام الشافعي الذي ساقه في جواز العمل بالمرسل شرطان آخران وقد نظمتها فقلت :
أو کان قول واحد من صحب
أو كان فتوى جل أهل العلم
أي : أهمل المذكور وهو الشرطان المذكوران)).
خير الأنام عجم وعرب
وشيخنا أهمله في النظم
٢٠٧

هذا استدراكٌ ؛ لكون المرسلِ يُحتجُّ به إذا أُسندَ من وجهٍ آخرَ ، أو أرسلَهُ مَنْ أخذَ
العلمَ عن غيرِ رجالِ المُرسِلِ الأولِ .
وقولُهُ : ( نقبلْهُ) ، هو مجزومٌ جوابٌ للشرط على مذهب الكوفيينَ والأخفشِ
كقولِ الشاعرِ :
وإِذَا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فاصبرْ لَهَا وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ (١) فتحَمَّلٍ (٢)
وقولُهُ : ( قلتُ الشيخُ ) ، إلى آخر الأبياتِ (٣) الأربعةِ، من الزوائدِ على ابنِ
الصلاحِ، وهو اعتراضٌ عليهِ في حكايتِهِ لكلامِ الشافعيِّ ◌َظُهُ. قالَ ابنُ الصَّلَاحِ: اعلم
أنّ حكمَ المرسَلِ حكمُ الحديثِ الضعيفِ ، إلّ أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئهِ من وجهٍ آخرَ، كما
سبق بيانُهُ في نوعِ الحسن (٤) ، والذي ذكرَ أَنَّهُ سبقَ أنَّه حكى هناكَ نصَّ الشافعيِّ في
مراسيلِ التابعينَ أَنَّهُ يُقْبَلُ منها المرسلُ الذي جاءَ نحوَهُ مسنداً، وكذلك لو وافقَهُ مرسلٌ (٥)
آخرُ أرسلَهُ مَنْ أَخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ التابعيِّ الأولِ (٦) . في كلامٍ لهُ ذكرَ فيه وجوهاً
من الاستدلال على صحةٍ مخرجٍ المرسلِ بمجيئِهِ من وجهٍ آخرَ . انتهى كلامَ ابنِ الصلاحِ .
(١) الخصاصة: هي الفقر، وكذا الخصاص. البقاعي ( ١١٧ / أ).
(٢) هذا البيت عزاه محقق مغني اللبيب: ١٢٨ لعبد القيس بن خفاف، وقيل لحارثة بن بدر . ولكن أوله :
استغنِ ما أغناكَ رَبُّكَ بالغنى ... الخ .
فتجمل : أي : فأظهر الجميل ولا تشك حالك إلى غير الذي خلقك . البقاعي ( ١١٧ / ب ).
(٣) في نسخة ص: ((البيوت)) .
وقال البقاعي ( ١١٨ / ب): ((وقد أصلحه الشيخ بأن قال: الأبيات . قاله شيخنا البرهان)).
(٤) علوم الحديث : ٤٩ .
(٥) في ع وف: (( مسندُ)) خطأ محض .
(٦) وقد اعترض بعضهم أنّ المرسل - وهو ضعيف - كيف يتقوى بمرسل آخر ، وهو ضعيف أيضاً ، وقد
أجاب الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (٥٦٦/٢) على هذا الاعتراض فقال: ((إنّ
المجموع حجّة لا مجرد المرسل وحده ، ولا المنظم وحده ، فإنّ حالة الاجتماع تثير ظناً غالباً، وهذا شأن
لكلّ ضعيفين اجتمعا )).
٢٠٨

ووجهُ الاعتراضِ عليه أنَّهُ أطلقَ القولَ عن الشافعيِّ بأنَّهُ يقبلُ مطلقَ المرسلِ إذا تأكّدَ
بما ذكرَهُ الشافعيُّ (١) . والشافعيُّ إنّما يقبلُ مراسيلَ كِبارِ التابعينَ (٢)، إذا تأكدتْ مع
وجودِ الشرطينِ المذكورينِ في كَلامي ، كما نصَّ عليه في كتابٍ " الرسالة " (٣). وثمّنْ
روى كلامَ الشافعيِّ كذلك أبو بكرِ الخطيبُ في " الكفاية" (٤)، وأبو بكرِ البيهقيُّ في
"المدخل" (٥) بإسنادَيهما الصحيحينِ (٦) إليه، أنّهُ قالَ: ((والمنقطعُ مختلِفٌ. فَمَنْ شاهدَ
أصحابَ رسولِ الله وَّ مِن التابعينَ فحدَّثَ حديثاً منقطعاً عن النبيِّلَّاعتُبِرَ عليه بأمُورٍ ،
منها : أنْ يُنظرَ إلى ما أرسلَ من الحديثِ . فإنْ شَرِكَهُ فيه (٧) الحفّاظُ المأمونونَ فأسندوهُ
إلى رسولِ اللهِ ﴿ٌ، بمثلِ معنى ما روي؛ كانت هذه دلالةً على صحةٍ ما قَبلَ (٨) عنه
وحفْظَهُ. وإن انفردَ بإرسالِ حديثٍ لم يَشْرَكْهُ فِيه مَنْ يُسنِدُهُ قُبِلَ ما يَنفردُ به من ذلك .
ويُعتبرُ عليه بأنْ يُنظرَ : هل (٩) يوافقُهُ مُرْسِلٌ غيرُهُ ثَمّنْ قَبَلَ العلم من غيرِ رجالِهِ الذينَ
قَبلَ (١٠) عنهم ؟ فإنْ وُجدَ ذلك كانت دلالةً تُقَوِّي (١١) له مرسله، وهي أضعفُ من
(١) لم ترد في نسخة ص .
(٢) قال البقاعي (١١٨ / ب): (( الظاهر أن المعيار إنما هو كون جُلُّ رواية التابعي عن الصحابة ولو كان
صغيراً ، وأما إذا كان جل روايته عن التابعين فإنه لا يقبل مرسله ولو كان كبيرا ، وإلى ذلك يرشد
كلام الشافعي الآتي )) .
(٣) الرسالة : ٤٦١ - ٤٦٥ .
(٤) الكفاية : ( ٥٧٢ ت ، ٤٠٥ هـ ) .
(٥) لم تجده في المدخل ، ولعله مما سقط منه .
(٦) في ع وف: ((بإسنادهما الصحيح))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٧) لم ترد في نسخة ص .
(٨) في نسخة ص: ((قبله))، وفي ع وف: ((قيل))، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية وهو الموافق لما في
" الرسالة " للإمام الشافعي : ٤٦٢ .
(٩) في ع وف: ((فهل))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لما في " الرسالة" للإمام
الشافعي .
(١٠) في ع: ((قيل)) خطأ محض .
(١١) قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الرسالة: ((كلمة " يقوى " كتبت في الأصل " يقوا " بالألف
كعادته في أمثالها . ولغرابة التعبير تصرف فيها بعض قارئيه فضرب على الألف وكتب تحتها ياءاً ونقط
أول الفعل من فوق ، لتقرأ " تُقَوِّى ". وبذلك ثبتت في سائر النسخ)) .
٢٠٩

الأُولى ، وإنْ لم يُوجدْ ذلك نظَرَ إلى بعضِ ما يروى عن بعضِ أصحاب النبيِّمُ﴿ قولاً له ،
فإنْ وجدَ ما (١) يوافقُ ما روى عن رسولِ اللهِ وَ ◌ّ كانتْ في هذا(٢) دلالةٌ على أنَّهُ لم
يأخذْ مرسلَهُ إلا عن أصلٍ يصحُّ إن شاء الله تعالى (٣) ، وكذلك إنْ وُجدَ عوامُ مِنْ أهلِ
العلمِ يُفْتُونَ بمثلِ معنى ما روي عن رسول الله ﴿ّ، ثم يُعتبرُ عليهِ بأنْ يكونَ إذا سَمَّى مَنْ
رَوَى عنهُ لم يُسَمِّ مجهولاً، ولا مرغوباً عن الروايةِ عنه ، فُيُستدلُّ بذلك على صحتِهِ فيما
رَوَى عنه". ويكونُ إذا شَرِكَ (٤) أحداً من الحفّاظِ في حديثهِ لم يخالفْهُ ، فإن خالفَهُ بأنْ
وُجَدَ حديثُهُ أنقصَ ، كانت في هذهِ دلائلُ على صحةٍ مَخْرَجٍ حديثِهِ ومتى خالفَ ما
وصفتُ أَضَرَّ (٥) بحديثِهِ ، حتى لا يَسَعَ (٦) أحداً قبولُ مُرسَلِهِ . قال: وإذا وُجدت الدلائلُ
بصحةِ حديثهِ بما وصفتُ أحببنا أنْ نقبلَ مرسلَهُ . ثم قال : فأمّا مَنْ بعدَ كبارِ التابعينَ ،
فلا أعلمُ واحداً يُقْبَلُ مرسَلُهُ لأمورٍ: أحدُها: أنَّهُم أشدُّ تَحَوُّزاً فيمَنْ يَروُوْنَ عنه. والآخَرُ:
أنّهمُ وجدَ عليهم الدلائلُ فيما أرسلوا لضَعْفٍ (٧) مَخْرَجِهِ. والآخَرُ : كثرةُ الإِحالةِ (٨)
في الأخبارِ . وإذا كثرتِ الإحالةُ كانَ أمْكَنَ للوهمِ وضَعْفِ مَن يُقبلُ عنه (٩) . قال
البيهقيُّ : وقولُ الشافعيِّ: أحببنا أن نقبلَ مرسلَهُ . أرادَ به : اخترنا . انتهى .
(١) سقطت من ع وف . وليست في الرسالة .
(٢) هكذا في جميع النسخ الخطية ، وفي ع وف والرسالة: ((هذه)) .
(٣) سقطت من ع وف .
(٤) في نسخة س: ((أشرك)).
(٥) في ع وف: ((أخذ )) خطأ محضٌ ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية ، وهو الموافق لنص " الرسالة" .
(٦) في ع وف: ((لا يبلغ)) وهو تحريفٌ قبيحٌ .
(٧) في الرسالة : ((بضعف)) .
(٨) في نسخة س: ((الاجازات)).
(٩) قال البقاعي (١١٨ / ب): ((قال الشافعي - بعد هذا - : " ثم لا تنتهض الحجة به انتهاضها بالحديث
المسند " . وكان ينبغي للشيخ أن لا يحذف ذلك)) .
قلنا : الذي في مطبوع الرسالة : ٤٦٤ (١٢٧٥): ((ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها
بالمؤتصل )) .
٢١٠

فقولي : ( وَمَنْ رَوَى عَن الثقاتِ أبداً) أي: إذا أرسلَ وسَّى مَنْ أرسَلَ عنه لم
يسمِّ إلا ثقةً (١) ، فيكونُ المرادُ: ومَنْ رَوَى مَا أَرْسَلَهُ عنِ الثقاتِ. ويحتملُ: ومَنْ رَوَى
مطلقاً عن الثقات المراسيلَ وغيرَها . وعبارة الشافعيِّ محتمِلَةٌ للأمْرَيْنِ فليحملِ النَّظْمُ على
أرجحٍ محملَيْ كلامِ الشافعيِّ ◌َُّ(٢).
(١) قال البقاعي (١١٨ / ب): (( لا يقال كان ينبغي الاكتفاء بهذا الشرط ولا يحتاج إلى تقييد كونه من
كبار التابعين ، لأنا نقول إذا كان من صغارهم أو كثرت روايته عن التابعين - وإن كان كبيراً- غلب
على الظن أن بينه وبين الصحابة اثنان ، فإذا سلم لنا كون شيخه ثقة ، لم ندر ما حال شيخ شيخه .
قال شيخنا: لكن مع وجود الشرطين وهما: كونه إذا سمى لا يسمي إلا ثقة ، وكونه من كبار التابعين ،
ينبغي أن لا يحتاج إلى العاضد )) .
(٢) قال الإمام النوويّ: (( اشتهر عند فقهاء أصحابنا أنّ مرسل سعيد بن المسيّب حجّة عند الشافعيّ، حتى
أنّ كثيراً منهم لا يعرفون غير ذلك ، وليس الأمر على ذلك ، وإنّما قال الشافعي - رحمه الله - في
مختصر المُزني : وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حَسَنٌ ، فذكر صاحب المهذب وغيره من أصحابنا في
أصول الفقه في معنى كلامه وجهين لأصحابه .
منهم من قال : مراسيله حجة لأنّها فتشت فوجدت مسانيد .
ومنهم من قال : ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما نذكره، وإنّما رجّح الشافعي به ، والترجيح
بالمرسل صحيح . وحكى الخطيب أبو بكر هذين الوجهين لأصحاب الشافعي ، ثم قال : الصحيح من
القولين عندنا الثاني ؛ لأنّ في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسنداً بحال من وجهٍ يصحّ ، وقد جعل الشافعي
المراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد .
وروى البيهقي في مناقبه بإسناده عن الشافعي كلاماً طويلاً ، حاصله : أنّه يقبل مرسل التابعي إذا أسنده
حافظ غيره أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول أو كان يوافق قول بعض الصحابة ، أو أفتى عوام
أهل العلم بمعناه .
ثم قال البيهقي : فالشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها ، فإن لم ينضم إليها ما
يؤكدها لم يقبلها ، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره . قال : وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم
يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها ، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها .
قال : وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا أنّه أصحّ التابعين إرسالاً فيما زعم الحفّاظ فهذا كلام
الخطيب والبيهقي وإليهما المنتهى في التحقيق ومحلهما من العلم . بنصوص الشافعي ومذهبه وطريقته
معروف . وأما قول الإمام أبي بكر القفال المروزي في أول شرح التلخيص : قال الشافعي في الرهن
الصغير : مرسل ابن المسيب عندنا حجة . فهو محمول على ما ذكره البيهقي والخطيب)). انتهى كلام
الإمام النووي . =
٢١١

١٢٩. فَإِنْ يُقَلْ: فَالْمُسْنَدُ المُعْتَمَدُ فَقُلْ: دَلِيْلان بهِ يَعْتَضِدُ
أي : فإنْ قيلَ: قولُكم يُقبلُ المرسلُ إذا جاءَ مسنداً مِنْ وجهٍ آخرَ ، لا حاجةً حينئذٍ
إلى المرسلِ ، بلِ الاعتمادُ حينئذٍ على الحديثِ المُسنَدِ . والجوابُ أنّهُ بالمسنَدِ تبيَّنَا صحةَ
المرسلِ (١) ، وصارا دليلينِ يُرَجَّحُ بهما عندَ معارضةِ دلیلٍ واحد .
فقولُهُ : به ، أي : بالُسنَدِ يعتضدُ المرسلُ (٢) .
١٣٠. وَرَسَمُوا مُنْقَطِعَاً (عَنْ رَجُلٍ) وَفِي الأَصُوْلِ تَعْتُهُ: بِالمُرْسَلِ
أي : إذا قيلَ في إسنادٍ : عن رجلٍ ، أو عن شيخٍ، ونحو ذلك. فقالَ
الحاكمُ (٣): لا يُسَمَّى مرسلاً، بل منقطعاً. وكذا قالَ ابنُ القطّان في كتاب " بيان
الوهمِ والإيهامِ "(٤): إِنَّهُ منقطعٌ. وفي " البرهان " (٥) لإمام الحرمين قَالَ : وقولُ
الرَّاوِي : أَخْبَرَنِي رجلٌ ، أو عدلٌ موثوقٌ بِهِ ، من المرسلِ أيضاً. قَالَ: وَكَذَلِكَ كُتُبُ
= ولكن ! اعترض عليه العلائي في " جامع التحصيل" على قوله بالتسوية بين مراسيل سعيد بن المسيب
ومراسيل غيره، وتكلّم بكلام نفيس ، لا يسع المقال لنقله هنا ، فراجعه تجد فائدة - إن شاء الله تعالى - .
ينظر: الكفاية : ( ٥٧١ - ٥٧٢ ت ٤٠٤ - ٤٠٥ هـ )، ومناقب الشافعي ٢ / ٣١، ومختصر المزني
٧٨/٨ في آخر كتاب الأم للشافعي ، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٧٥ - ١٧٨، وتهذيب الأسماء
واللغات ١ / ٢٢١، وجامع التحصيل : ٤٦.
(١) انظر: النكت الوفية (١١٩ / ب).
(٢) انظر: (المدخل إلى السنن : ٩٣، والاعتبار: ٩ - ١٠، والمجموع ١ / ٦٢، وجامع التحصيل: ٤١،
والتقييد والإيضاح : ٨٦ ) .
(٣) معرفة علوم الحديث: ٢٨، وتابعه على ذلك تلميذه البيهقي. السنن الكبرى ٤ / ٥٤ و٧ / ١٣٤.
(٤) بيان الوهم والإيهام (٥ / ٢٠٨ عقيب ٢٤٢١)، فقد قال: ((فإنّ المرسل هو الذي طوي عنا من
إسناده من لو ذكره أمكن أن نعرفه ضعيفاً أو مجهولاً)) .
قلنا : والذي يبدو لنا من هذا النص عن ابن القطان ، أنه يطلق (المرسل) على كل انقطاع ، وهو المعنى
العام .
(٥) البرهان (٤٠٧/١ (٥٧٣))، وعبارته: (( ومن الصور أن يقول الراوي : أخبرني رجل عن رسول الله
## ، أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه )).
٢١٢

رسول اللهِ وَ﴿ التي لم يُسَمَّ حاملُها. وفي "المحصول" (١): أنَّ الراوي إذا ستّى الأصلَ
باسمٍ لا يُعرفُ به ، فهو كالمرسلِ (٢) . قلتُ : وفي كلامٍ غيرِ واحدٍ من أهلِ الحديثِ ،
أنَّهُ مَّصلٌ في إسناده مجهولٌ. وحكاهُ الرشيدُ العَطَّارُ في " الغُررِ المجموعةِ"(٣)
عن الأكثرينَ ، واختارَهُ شيخُنا الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ في كتابِ " جامعِ
التحصيلِ " (٤) .
١٣١. أمَّا الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلَى الصَّوَابِ
أي : أمّا مراسيلُ الصحابةِ فحكمُها حكمُ الموصولِ . قالَ ابنُ الصلاحِ: ثم إنا لم نعدَّ في
أنواعِ المرسلِ ، ونحوِه ، ما يسمَّى في أُصولِ الفِقهِ: مرسلُ الصحابيِّ. مثلُ ما يرويه ابنُ
عبّاسٍ، وغيرُهُ من أحداث (٥) الصحابةِ عن رسولِ اللهِ وَ﴾ٌ، ولم يسمعُوْهُ منه، لأنَّ ذلك
في حُكمِ الموصولِ المسنَدِ ؛ لأنَّ روايتَهُم عن الصحابةِ ، والجهالةُ بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ ؛
لأنَّ الصحابةَ كلَّهُم عدولٌ (٦) . قلتُ : قولُهُ : لأنَّ روايَتَهم عن الصحابةِ ، فيه نظرٌ .
والصوابُ أنْ يُقَالَ: لأنَّ غالبَ روايتِهِم ، إذ قد سمعَ جماعةٌ من الصحابةِ من بعض
(١) المحصول (٢٢٤/٢)، ومن طبعة العلواني (٢/ق ١: ٦٥٠ وما بعدها) ساقه بمعناه .
(٢) في نسخة ص: ((من المرسل)).
(٣) غرر الفوائد المجموعة: ١٣٠، والرشيد العطار، هو: أبو الحسين يحيى بن علي القرشي الأموي النابلسي ،
ثم المصري المالكي ، كان ثقة مأموناً، توفّى سنة ( ٦٦٢ هـ). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٤٢، والبداية
والنهاية ١٣ / ٢٤٣ .
(٤) جامع التحصيل : ٩٦ ، والعلائي، هو: الإمام الحافظ الحجة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن
كيكلدي بن عبد الله العلائي ، الدمشقي الشافعي ، صنيف في الرجال والعلل ، توفي بالقدس
(٧٦١ هـ). طبقات الشافعية الكبرى ١٠ / ٣٥، والأنس الجليل ٢ / ١٠٦، وطبقات المفسرين
١ / ١٦٩ .
(٥) كذا في نسخة ص و ع وف، وفي نسخة ق وس: ((أحاديث))، وما أثبتناه موافق لما في علوم
الحديث : ٥١ .
(٦) علوم الحديث : ٥٠ - ٥١ .
٢١٣

التابعينَ (١) . وسيأتي في كلامٍ ابنِ الصلاحِ في روايةِ الأكابرِ عن الأصاغر ، أنَّ ابنَ عباسٍ ،
وبقّةَ العبادلةِ رَوَوْا عن كعب الأحبار ، وهو من التابعينَ ، وروى كعبٌ (٢) أيضاً عن
التابعينَ ، ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ خلافاً في مُرْسَلِ الصحابيِّ ، وفي بعضِ كُتُبِ الأصولِ
للحنفيَّةِ (٣) أَنَّهُ لا خلافَ في الاحتجاجِ به ، وليسَ بحيِّدٍ .
فقد قال الأستاذُ أبو إسحاق الاسفراييُّ: إنَّهُ لا يحتجُّ به (٤) ، والصوابُ
ما تقدّم .
(١) وقد جمعها المصنف في كتابه " التقييد والإيضاح" : ٧٦ - ٧٩ . فانظرها.
(٢) هو كعب بن ماتع الحميري ، وانظرلزاماً كتابنا : ( كشف الإيهام ) ( ٤٣٧ ).
(٣) أصول السرخسي: ٣٥٩، وأصول البزدوي (٢ / ٤)، وقال السرخسي: ((لا خلاف بين العلماء في
مراسيل الصحابة - رضي الله عنهم - أنّها حجّة )) .
وقال الحافظ ابن حجر في " هدي الساري": ٣٥٠: ((وقد اتفق المحدّثون على أنّ مرسل الصحلي في
حكم الموصول)). وقال في : ٣٧٨: ((وقد اتّفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك إلا مَنْ شذّ ممن تأخّر
عصره عنهم فلا يعتدّ بمخالفته )) .
(٤) لم ينفرد أبو إسحاق بهذا، بل قال به القاضي أبو الطيب الباقلاني - إلا أن يخبر أنّه لا يروي
إلا عن الصحابة - واختاره الغزالي في المستصفى ، ونقله ابن بطّال عن الشافعي ، وصحّحه ابن
برهان ، وقال القاضي عبد الوهاب أنّه الظاهر من مذهب الشافعي ، وإليه ذهب أبو طالب والحسن
الرصاص من أئمة الزيدية ، وقال المنصور بالله - منهم - : إنّ عنعنة الصحابي محتملة
للاتصال والانقطاع. ( ينظر : التبصرة في أصول الفقه: ٣٢٦، والمستصفى ١ / ١٦٩ - ١٧٠،
وجامع التحصيل: ٣٦، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٥٤٧/٢، وتوضيح الأفكار
٣٣٥/١ ) .
٢١٤

الْقَطِعُ (١) والمُعْضَلُ (٢)
وَسَمِّ بِالْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ
١٣٢.
بأنَّهُ الأَقْرَبُ لا استِعمَالا
وَقِيْلَ : مَا لَمْ يَتَّصِلْ ، وَقَالا:
١٣٢.
فَصَاعِداً ، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ
وَالْمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَان
١٣٤.
وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا
حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا
١٣٥.
اخْتُلِفَ في صورةِ الحديثِ المنقطعِ. فالمشهورُ: أنّهُ ما سقطَ من رواتِهِ راوٍ (٣)
واحدٌ غيرُ الصحابيِّ . وحكى ابنُ الصلاحِ (٤) عن الحاكمِ (٥) وغيرِهِ من أهلِ الحديثِ: أنَّهُ
ما سقطَ منه قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ شخصٌ واحدٌ ، وإن كان أكثر من واحدٍ سّي :
معضلاً. ويسمّى أيضاً : منقطعاً .
(١) انظر في المنقطع: معرفة علوم الحديث: ٢٧ - ٢٩، والكفاية: ٥٨، والتمهيد (١ / ٢١)، وعلوم
الحديث: ٥١ - ٥٤، وإرشاد طلاب الحقائق (١ / ١٨٠ - ١٨٢)، والتقريب: ٥٨، والاقتراح:
١٩٢ - ١٩٣، والمنهل الروي : ٤٦ - ٤٧، والخلاصة : ٦٨ - ٦٩، والموقظة: ٤٠، وجامع
التحصيل: ٣١، واختصار علوم الحديث: ٥٠ - ٥١، والتذكرة: ١٥ - ١٦، ومحاسن الاصطلاح:
١٤٤ - ١٤٧، والتقييد والإيضاح: ٨١، ونزهة النظر: ١١٢، والنكت على كتاب ابن الصلاح
(٢ / ٥٧٢)، والمختصر: ١٣١ - ١٣٢، وفتح المغيث (١ / ١٤٩)، وألفية السيوطي: ٢٤،
وتوضيح الأفكار (١ /٣٢٣)، وظفر الأماني: ٣٥٤ - ٣٥٥، وقواعد التحديث : ١٣٠.
(٢) انظر في المعضل: معرفة علوم الحديث: ٣٦، والكفاية: ٥٨، وعلوم الحديث: ٥٤ ، وإرشاد طلاب
الحقائق (١ /١٨٣)، والتقريب: ٥٩، والاقتراح: ١٩٢، والمنهل الروي : ٤٧، والخلاصة : ٦٨،
والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل : ٣٢ - ٩٦، واختصار علوم الحديث: ٥١، والتذكرة: ١٥ -
١٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٤٧، والتقييد والإيضاح: ٨١، ونزهة النظر: ١١٢، والنكت على
كتاب ابن الصلاح (٥٧٥/٢)، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث (١ / ١٤٩)، وألفية السيوطي:
٢٤، وتوضيح الأفكار (١ /٣٢٣)، وظفر الأماني: ٣٥٥، وقواعد التحديث: ١٣٠.
(٣) كذا في نسخة ق وص ون ، وفي نسخة س: (( ما سقط من روايته واحد))، وفي ع وف: (( ما
سقط من رواته الواحد )) .
(٤) علوم الحديث : ٥٢ .
(٥) معرفة علوم الحديث : ٢٨.
٢١٥

فقولُ الحاكمِ : قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ ، ليس بحيّدٍ . فإِنَّهُ لو سقط التابعيُّ كان
منقطعاً أيضاً، فالأولى أنْ يعبرَ بما قلناهُ: قبل الصحابيِّ. وقالَ ابنُ عبد البِّ (١) : المنقطعُ
ما لم يتصلْ إسنادُهُ ، والمرسلُ مخصوصٌ بالتابعينَ . فالمنقطعُ أعمُّ . وحكى ابنُ الصلاحِ (٢)
عن بعضِهِم أنّ المنقطعَ مثلُ المرسلِ ، وكلاهما شاملٌ لكلّ ما لا يتصلُ إسنادُه . - قال - :
وهذا المذهبُ أقربُ ، صارَ إليه طوائفُ من الفقهاءِ وغيرِهم . وهو الذي ذكرَهُ الخطيبُ
في " كَفَايَتِهِ" (٣) إلا أنَّ أكثرَ ما يوصفُ بالإرسالِ من حيثُ الاستعمالُ ما رواهُ التابعِيُّ
عن النبيِّ لَ﴿، وأكثرُ ما يوصفُ بالانقطاعِ ما رواهُ مَنْ دون التابعينَ عن الصحابةِ. مثلُ :
مالكٍ ، عن ابنِ عمر ، ونحوِ ذلك . انتهى (٤) .
والمعضلُ (٥) : ما سقطَ من إسناده اثنان فصاعداً من أي موضع كان. سواءٌ سقطَ
الصحابيُّ والتابعيُّ ، أو التابعيُّ وتابعُهُ ، أو اثنانِ قبلَهُما ، لكن بشرطِ أنْ يكونَ سقوطُهُما
من موضعٍ واحدٍ . أمّا إذا سقطَ واحدٌ من بين رجلين ، ثم سقطَ من موضعٍ آخرَ من
الإسنادٍ واحدٌ آخرُ فهو منقطعٌ في موضعينٍ . ولم أجدْ في كلامِهم إطلاقَ المعضلِ عليه ،
وإنْ كان ابنُ الصلاحِ (٦) أطلقَ عليه سقوطَ اثنينِ فصاعداً ، فهو محمولٌ على هذا . وأما
(١) التمهيد (١ / ٢١)، بمعناه، وهو الذي صحّحه النووي في " التقريب" : ٥٨.
(٢) علوم الحديث: ٥٣، وينظر كلام الحافظ ابن حجر في "النزهة": ٨١-٨٢ في التفريق بين المرسل والمنقطع.
(٣) الكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ).
قُلْنَا: إطلاق كلمة الإرسال بالمعنى العام عَلَى كلّ ما حصل فِيْهِ انقطاع سواء في أول السند، أو في آخره، أو
في وسطه هُوَ اصطلاح المتقدّمين وبعض المتأخّرين، وَهُوَ اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ، لَكِنْ استقر
الشأن في كتب المتأخرين واستعمالاتهم تلقيب كُلّ سقط بلقبه الخاصّ ◌ِهِ، وهو أضبط للقواعد من اختلاط
بعضها ببعض ، أو دخول الوهم بسبب ذلك على الناس، ولا سيما عند من لم يتمرس بصنعة الحديث.
(٤) والمصنف العراقي - رحمه الله - لم يتعرض لحكم المنقطع، وهو مقلدٌ في هذا لابن الصلاح وقد تعقّب
تلميذ المصنف الحافظ ابنُ حجر ابنَ الصلاح في عدم ذكره حكم المنقطع فقال في النكت (٥٧٣/٢):
(( ثم إنّ المصنف لم يتعرض لحكم المنقطع كما تعرض لحكم المرسل، وحكاية الخلاف في قبوله ورده )).
قلنا : والمنقطع ضعيف لفقده شرط الاتصال ، وللجهالة بحال الساقط .
(٥) قال الجورقاني في مقدمة الأباطيل (١ / ١٢): ((المعضل أسوأ حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً
من المرسل ، والمرسل لا تقوم به حجة))، وانظر: النكت (٢ / ٥٨١).
(٦) علوم الحديث : ٥٤ .
٢١٦

اشتقاقُ لفظهِ ، فقالَ ابنُ الصلاحِ: أهلُ (١) الحديثِ يقولون: أعضَلَهُ فهو مُعْضَلٌ - بفتح
الضّادِ - ، وهو اصطلاحٌ مُشِكلُ المأخَذِ من حيث اللغةُ(٢)، وبحثتُ فَوَحَدْتُ له قولَهُمْ: أمرٌ
عَضِيْلٌ، أيْ: مستغلقٌ شديدٌ(٣). ولا التفاتَ في ذلك إلى مُعْضِلِ - بكسرِ الضادِ-(٤) وإنْ
كانَ مثلَ عَضِيلٍ في المعنى (٥). ومَثْلَ أبو نصرِ السِّجزِيُّ(٦) المعضَلَ بقولِ مالكٍ: بَلَغني(٧)
عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ اللهِ ﴿، قال: (المملوكِ طعامُهُ وكِسْتُهُ، ... الحديث)) (٨).
(١) في علوم الحديث: (( أصحاب)) .
(٢) انظر لتمام الفائدة : ( محاسن الاصطلاح ص ١٤٧، والنكت الوفية ١٢٦ / أ).
(٣) الصحاح (٥ / ١٧٦٦)، مادة: ((عضل)).
(٤) يطلق ( مُعْضِل) - بضم الميم وكسر الضاد - ويراد به الحديث المشكل. (ينظر: النكت على ابن
الصلاح ٢ / ٥٨٠، وقارن بـ ( علوم الإسْنَاد من السنن الكبرى: ٦٠ ).
(٥) علوم الْحَدِيْث : ٥٤ .
(٦) هو الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد الوائلي البكري السجستاني
( ت ٤٤٤ هـ ). ترجمته في السير ( ١٧ / ٦٥٤ ).
(٧) جاءت في حاشية نسخة ص تعليقة لأحدهم ، نصّها: ((قلت: يجوز أن يكون الساقط بين مالك وأبي
هريرة واحداً ، فإنّ مالكاً قد سمع من جماعة عن أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن
المنكدر فلو حكمت عليه بأنّه معضل مع جواز هذا الاحتمال . قلت : وصل مالك هذا الحديث خارج
الموطّأ ، فرواه عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فعرفنا أنه سقط منه اثنان فلذلك سميناه
معضلاً ، ذكر هذا الفصل الدارقطني في غرائبه ، والخطيب في كفايته )) .
(٨) هذا البلاغ في الموطأ (رواية يحيى الليثي ٢٨٠٦، ورواية أبي مصعب الزهري ٢٠٦٤، ورواية سويد بن سعيد
٧٧٩، وهو في موطأ عبد الله بن مسلمة القعني كما أسنده إليه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧ ).
قلنا : وقد روي موصولاً عن مالك : رواه إبراهيم بن طهمان ، والنعمان بن عبد السلام .
ورواية ابن طهمان : عند الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧، والخليلي في الإرشاد (١٦٤/١ ).
ورواية النعمان: عند الخليلي في الإرشاد (١٦٤/١-١٦٥)؛ كلاهما (إبراهيم بن طهمان والنعمان بن
عبد السلام) عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُ﴾ ... الحديث.
وقد خولف فيه مالك فقد أسنده عن محمد بن عجلان : سفيان الثوري ، عند الحميدي ( ١١٥٥ )،
وأحمد ( ٢ / ٢٤٧)، ووهيب بن خالد عند أحمد (٢ / ٣٤٢)، وسعيد بن أبي أيوب عند البخاري
في الأدب المفرد (١١٩٢)، والليث بن سعد عند البخاري في الأدب المفرد (١٩٣)، والبيهقي في
الكبرى (٨ /٦)، وسفيان بن عيينة عند البغوي (٢٤٠٣)، لكن هؤلاء (سفيان الثوري ،
ووهيب ، وسعيد بن أبي أيوب ، والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ) رووه عن ابن عجلان، عن بكير
بن عبد الله الأشج ، عن العجلان ، عن أبي هريرة وروايتهم أصحّ . فقد توبع محمد بن عجلان على
روايته ، كما في رواية الجمع ، فقد أخرجه مسلم ( ٥ / ٩٣ حديث ١٦٦٢) من طريق عمرو بن
الحارث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن العجلان .=
٢١٧

وقالَ أصحابُ الحديثِ يسمُّونَه المعضلَ. قال ابنُ الصلاح: وقولُ المُصَنِّفِين (١) : قال
رسولُ اللهِ ﴿ كذا (٢)، من قَبِيلِ المعضَلِ (٣).
وقولُهُ : ( ومنه قسمٌ ثانٍ ) (٤) ، أي: ومن المعضَلِ قسمٌ ثانٍ ، وهو أنْ يُروِيَ تابعُ
التابعيِّ عن التابعيِّ حديثاً موقوفاً عليه، وهو حديثٌ متصلٌ مسندٌ إلى رسولِ اللهِّ،
كما روى الأعمشُ عن الشَّعبيِّ ، قال: يُقالُ للرجلِ في القيامةِ عَمِلْتَ كذا وكذا ، فيقولُ
ما عَمِلْتُهُ. فُيُخْتَمُ على فِيْهِ ، الحديثَ (٥). فقد (٦) جعلَهُ الحاكمُ نوعاً من المعضَلِ،
أَعضَلَهُ الأعمشُ ، ووصَلَهُ فُضَيلُ بنُ عمرٍو ، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ ، قال : كنا عند
النبيِّ ◌َ﴿وَ فِضَحِكَ. فقال: هل تَدُرُونَ مِمَّ أضحَكُ ؟ قلنا: الله ورسولُهُ أعلمُ ، فقال : من
مخاطبةِ العبدِ ربَّهُ، يقولُ: يا ربِّ ! ألم تُجِرْنِي من الظُّلمِ؟ فيقولُ: بَلَى. وذكرَ الحديثَ.
رواه مسلمٌ (٧). قالَ ابنُ الصلاحِ: هذا (٨) جيّدٌ حسنٌ؛ لأنَّ هذا الانقطاعَ بواحدٍ
مضموماً إلى الوقفِ يشْتَمِلُ على الانقطاعِ باثنينِ: الصحابيِّ، ورسول اللهُّ فذلك
باستحقاقِ اسمِ الإعضالِ أولَى (٩) .
=فلعل هذا هو السبب الذي جعل الإمام مالك يذكره بلاغاً في موطئه ؛ لأنّه لم يضبطه جيداً ، ومن
عجب أنّ الدكتور بشار عوّاد لم يتنبه إلى ذلك في تعليقه على موطّأ مالك في روايتيه ( رواية أبي مصعب
ورواية يحيى الليثي ) بل لم يشر أبداً إلى الرواية الموصولة من طريق مالك .
(١) بعد هذا في علوم الحديث: ((من الفقهاء وغيرهم)).
(٢) بعد هذا في علوم الحديث: ((وكذا ونحو ذلك)).
(٣) علوم الحديث : ٥٥ .
(٤) هناك شرطان آخران لصحة تسمية هذا القسم: معضلاً. فانظر: ( النكت الوفية ١٢٧ / ب، وشرح
السيوطي على ألفية العراقي : ١٦٤ - ١٦٥ مع تعليق المحقق ) .
(٥) معرفة علوم الحديث ص ٣٨ وتمام الحديث : (( فينطق جوارحه ، أو قال : ينطق لسانه فيقول لجوارحه :
أبعد كن الله، ما خاصمت إلا فيكن)) .
(٦) في نسخة ن: ((وقد)).
(٧) صحيح مسلم ( ٨ / ٢١٧ رقم ٢٩٦٩)، والنسائي في الكبرى (٦ / ٥٠٨ رقم ١١٦٥٣) من طريق
سفيان الثوري ، عن عُبيد المُكْتِب ، عن فُضيل ، عن الشعبي ، عن أنس ، فذكره .
(٨) في نسخة ص : ((هذا حديث جيد ... )).
(٩) علوم الحديث : ٥٦ وانظر: المقنع ( ١ / ١٤٨ ).
٢١٨

العَنْعَنَةُ (١)
١٣٦. وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنِ سَلِمْ
١٣٧. وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجماعًا
١٣٨. لكِنْ تَعَاصُرَاً، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ
١٣٩. مَعْرِفَةَ الرَّاوِي(٢) بِالاخْذِ عَنْهُ،
١٤٠. مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ،
مِنْ دُلْسَةٍ رَاوِيْهِ ، وَالِلّقَا عُلِمْ
و( مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجْتِمَاعَا
طُوْلُ صَحَابَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ
وَقِيْلَ : كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ
وَحُكْمُ ( أَنَّ) حُكُمُ (عَنْ ) فَالجُلُّ
١٤١. سَوَّوْا، وَللقَطْعِ تَحَا (البَرْدِيْجِيْ)
حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ فِي التَّخْرِيجِ
العَنْعَنةُ : مصدرُ عنعنَ الحديثَ ، إذا رواه بلفظِ : عَنْ ، مِنْ غيرِ بيانِ للتحديثِ ،
والإخبارِ ، والسماعِ .
واختلفوا في حكمِ الإسنادِ المعنعنِ ، فالصحيحُ الذي عليهِ العملُ ، وذهبَ إليهِ
الجماهيرُ من أئمة الحديثِ وغيرِهم ، أنَّهُ من قبيلِ الإسنادِ المتصلِ بشرطِ (٣) سلامةِ الراوي
الذي رواهُ بالعنعنةِ من التدليسِ . وبشرطِ (٤) ثبوتِ ملاقاتِهِ لَمنْ رواهُ عنه بالعنعنةِ . قالَ
ابنُ الصلاحِ: (( وكادَ ابنُ عبد البرِّ يَدَّعي إجماعَ أئمةِ الحديثِ على ذلك))(٥) . قلتُ : لا
(١) ينظر في العنعنة: المحدث الفاصل: ٤٥٠، والتمهيد (١ / ١٢)، وإكمال المعلم (١ /١٦٤)،
والاقتراح: ٢٠٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٥٥، والتكت على كتاب ابن الصلاح (٢ / ٥٨٣) ،
والنكت الوفية ( ١٢٨ / ب ).
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية ( ١٢٨ / أ - ب): ((قوله: معرفة الراوي بالأخذ عنه لا يطابق قوله في
الشرح أنْ يكون معروفاً بالرواية عنه ؛ فإن الأخذ أخصُّ من الرواية، فالأخذ عن الشخص التلقي منه بلا
واسطة، والرواية عنه النقل عنه سواء كان بواسطة أم لا ؛ فالعبارة المساوية لما في الشرح أن يقال : معرفة
الراوي بنقل عنه )) .
(٣) في ع وف: (( فشرط)) .
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية ، وفي ع وف: ((ويشترط)) .
(٥) علوم الحديث : ٥٦ .
٢١٩

حاجةً لقولِهِ (١): كاد ، فقد(٢) ادّعاهُ (٣). وادّعى أبو عَمْرو الدائيُّ (٤) إجماعَ أهلِ النقلِ
على ذلكَ ، لكنَّهُ اشترطَ أنْ يكونَ معروفاً بالروايةِ عنه ، كما سيأتي في موضعه (٥). لكن
قد يظهرُ عدمُ اتّصالِهِ بوجهٍ آخرَ ، كما في الإرسالِ الخفيِّ ، على ما سيأتي في موضعِهِ ،
وما ذكرناهُ من اشتراطِ ثبوتِ اللقاءِ هو مذهبُ عليٍّ بنِ المدينيِّ، والبخاريّ (٦) وغيرهما
من أئمة هذا العلمِ (٧) .
(١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((إلى قوله)).
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٢٩ / ب): ((قوله: فقد ادعاه، فيه نظر، فإن ابن عبد البر لم يصرح
بذلك إنما ادعى الإجماع على قبوله كما في التمهيد لكن يلزم من ذلك أن يكون متصلاً)).
(٣) فقد قال في التمهيد (١ / ١٣): ((وقد أعلمتك أنّ المتأخّرين من أئمة الحديث، والمشترطين في
تصنيفهم الصحيح ، قد أجمعوا على ما ذكرت لك . وهو قول مالك وعامّة أهل العلم - والحمد لله -
إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس ، فلا يقبل حديثه ، حتى يقول : حدثنا ، أو سمعت ، فهذا ما لا
أعلم فيه أيضاً خلافاً)) .
وقال في (١ / ١٢): (( اعلمْ وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من
اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه ، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن ، لا خلاف
بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة ، وهي : عدالة المحدّثين في أحوالهم ، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة
ومشاهدة، وأن يكونوا براء من التدليس)) وانظر: ( معرفة علوم الحديث للحاكم: ٣٤، والكفاية: ٤٢١).
(٤) نقله عنه ابن الصلاح في علوم الحديث ص ٦٠ والمصنف - رحمه الله - مقلدٌ لابن الصلاح في هذا. وقد
عقّب على ابن الصلاح تلميذ المصنف الحافظ ابن حجر فقال في نكته ( ٢ / ٥٨٣): ((إنّما أخذه
الداني من كلام الحاكم، ولا شك أنّ نقله عنه أولى ؛ لأنّه من أئمة الحديث ، وقد صنّف في علومه)) .
قلنا : الحق مع ابن حجر ، وانظر : معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٣٤ ، وكلام الداني قاله في كتاب
" القراءات" له كما ذكر ذلك البقاعي في النكت الوفية ( ١٢٩ / ب ).
(٥) ((في موضعه)) : زيادة من نسخة ن، واخل بها سواها.
(٦) ينظر: إكمال المعلم ( ١ / ١٦٤ ).
(٧) وقد عزاه الإمام النووي في التقريب: ٦٠، إلى المحقّقين، وقال في شرحه لصحيح مسلم (١ / ٢٥):
(( والصحيح الذي عليه وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنّه متّصلٌ ... )).
وقال ابن حجر في النكت ( ٢ / ٥٩٥): ((وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي څ)) . وبه قال
ابن عبد البر، كما في التمهيد (٢٦/١)، وانظر الرسالة، للإمام الشَّافِعِيّ: ٣٧٨ - ٣٧٩ (١٠٣٢).
٢٢٠