Indexed OCR Text

Pages 201-220

أَيَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: البُخَارِيُّ مَتْرُوٌ؟! وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الصِّنَاعَةِ
وَمُقَدَّمُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ .
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ المُجَسِّمَةِ فِي أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ:
لَم يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ دِينٍ، نَحْنُ أَخْرَجْنَاهُ مِنْ سِجِسْتَانَ لأَنَّهُ أَنْكَرَ الحَدَّ
لله، فَيَالَيْتَ شِعْرِي مَنْ أَحَقُّ بِالإِخْرَاجِ: مَنْ يَجْعَلُ رَبَّهُ مَحْدُوداً أَوْ مَنْ
يُنَزِّهُهُ عَنِ الجِسْمِيَّةِ؟؟ وَأَمْثِلَهُ هَذَا تَكْفُرُ .
قَالَ: وَهَذَا شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى مِنْ هَذَا القَبِيلِ، لَهُ عِلْمٌ
وَدِيَانَةٌ وَعِنْدَهُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ تَحَامُلٌ مُفْرِطٌ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ
يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ - أَيْ: فِي طَغْنِهِ بِمَنْ يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ ..
فَكُلُّ طَعْنٍ نَشَأَ عَنْ عَصَبِيَّةٍ مَذْهَبِيَّةٍ، أَوِ اخْتِلاَفَاتِ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ
مُنَافَسَةٍ بَيْنَ الأَفْرَادِ ؛ لَ اعْتِبَارَ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
كَمَا جَاءَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدٍ بْنِ المُثَنَّى مِنْ كِتَابِ: (تَهْذِيبِ الْتَّهْذِيبِ):
سُئِلَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنَّى وَبُنَدَارَ؟ فَقَالَ: ثِقَتَانِ، يُقْبَلُ
مِنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ.
وَقَالٍ فِي شَرْحٍ (فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ) ١٥٤/٢:
فِائِدَةٌ: لاَبَّدَّ لِلْمُزَكِّي أَنْ يَكُونَ عَدْلاً، عَارِفاً بِأَسْبَابِ الجَرْحِ
وَالتَّعْدِيلِ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْصِفاً نَاصِحاً، لاَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَصِّباً وَمُعْجَباً
بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لاَ اعْتِدَادَ بِقَوْلِ المُتَعَصِّبِ، كَمَا قَدَحَ الدَّارَ قُطْنِيُّ فِي الإِمَامِ
الهُمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ، وَأَيُّ شَنَاعَةٍ
٢٠٠
م

فَوْقَ هَذَا؟! فَإِنَّهُ - يَعْنِي: أَبَا حَنِيفَةَ - إِمَامٌ وَرِعٌ، تَقِيُّ نَقِيٌّ، خَائِفٌ مِنَ الله
تَعَالَى، وَلَهُ كَرَامَاتٌ شَهِيرَةٌ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الضَّعْفُ؟.
فَتَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ مُشْتَغِلاً بِالفِقْهِ - أَيْ: فَلاَ خِبْرَةَ لَّهُ بِالحَدِيثِ ..
انْظُرْ بِالإِنْصَافِ أَيُّ قُبْحٍ فِيمَا قَالُوا، بَلِ الفَقِيهُ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ
الحَدِيثُ مِنْهُ - أَيْ: لأَنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهِ حُكْماً شَرْعِيّاً فَلاَبُلَّ مِنْ تُبُوتِهِ لَدَيْهِ ..
وَقَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُلاَقِ أَئِمََّ الحَدِيثِ، إِنَّمَا أَخَذَ مِنْ حَمَّادٍ
رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذَا أَيْضاً بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَئِمَّةِ
كَالإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ وَالأَعْمَشِ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ أَنَّ حَمَّاداً كَانَ وِعَاءً
لِلْعِلْمِ، فَالأَحْذُ مِنْهُ أَغْنَاهُ عَنِ الأَخْذِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَهَذَا أَيْضاً آَيَّةُ وَرَعِهِ وَكَمَالٍ عِلْمِهِ وَتَقْوَاهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُكْثِرِ الأَسَاتِذَةَ
لِئَلاَّ تَتَكَثَّرَ الحُقُوقُ فَيَخَافَ عَجْزَهُ عَنْ إِفَائِهَا.
وَثَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ القِيَاسِ وَالرَّأْيِ، وَكَانَ لَا
يَعْمَلُ بِالحَدِيثِ، حَتَّى وَضَعَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ رَحِمَهُ اللهِ فِي كِتَابِهِ
(المُصَنَّفِ) بَاباً لِلرَّدِّ عَلَيْهِ، وَتَرْجَمَهُ بِ بَابُ الرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا
أَيْضاً مِنَ التَّعَصُّبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ المَذْكُورِ تُبْذَةً فِيهَا مَثَارُ العَجَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا
حَنِيفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ فَبِالرَّأْسِ وَالعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَلاَ أَتْرُكُهُ، وَلَمْ يُخَصِّصْ
بِالْقِيَاسِ وَلاَ بِخَرِ الوَاحِدِ عَامَّ الكِتَابِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِالمَصَالِحِ المُرْسَلَةِ،
٢٠١

وَقَبِلَ المَرَاسِيلَ وَعَمِلَ بِهَا، وَقَدْ خَالَفَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَطْعَنُوا
فِيهِ بَلْ قَبِلُوا ذَلِكَ مِنْهُ. رَضِيَ الله عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
ثُمَّ قَالَ: وَالحَقُّ أَنَّ الأَقْوَالَ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُمْ فِي حَقِّ الإِمَامِ
الهُمَام مُقْتَدَى الأَنَامِ، كُلَّهَا صَدَرَتْ مِنَ التَّعَصُّبِ، لاَ تَسْتَحِقُّ أَنْ يُلْتَفَتَ
إِلَيْهَا ، وَلاَ يَنْطَفِىُّ نُورُ الله بِأَفْوَاهِهِمْ. فَاحْفَظْ وَتَنَّتْ.
وَسَبَبُ وُقُوعِهِمْ فِي هَذَا الأَمْرِ الفَطِيعِ أَنَّهُمْ كَانُوا سَيِِّي الفَهْمِ،
يَخْدُمُونَ ظَوَاهِرَ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَلَا يَرُومُونَ فَهْمَ بَوَاطِنِ المَعَانِي،
فَضْلاً عُنِ المَعَانِي الدَّقِيقَةِ الّتِي تَعْجِزُ عَنْهَا أَفْهَامُ المُتَوَسِّطِينَ، وَكَانَ هَذَا
النِّحْرِيرُ الإِمَامُ مُؤَيَّداً بِالتَّأْيِيدِ الإِلِهِيِّ، مُتَعَمِّقاً فِي بِحَارِ المَعَانِي. اهـ.
وَجَاءَ فِي كِتَابِ: (الرَّفْعِ وَالتَّكْمِيلِ) لِلإِمَامِ المُحَدِّثِ الشَّيْخِ
عَبْدِ الحَيِّ اللَّكْتَوِيِّ فِي أَبِي حَنِيفَةَ: وَقَالَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيُّ:
أَبُو حَنِيفَةَ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ المُبَارَكِ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَهِشَامٌ،
وَعَبَّادُ ابْنُ العَوَّامِ، وَوَكِيعٌ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ
٥
شُعْبَةُ حَسَنَ الرَّأَي فِهِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: أَصْحَابْنَا يُفَرِّطُونَ فِي أَبِي حَنِيفَةً وَأَصْحَابِهِ،
فَقِيلَ لَهُ: كَانَ يَكْذِبُ ؟ قَالَ: لَا .
فَالطَّعْنُ النَّاشِئُ عَنْ عَصَبِيَّةٍ خِلاَفِيَّاتِ المَذَاهِبِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا
تَأْثِيرَ، كَمَا وَأَنَّ الطَّعْنَ النَّاشِئَ عَنِ الاخْتِلاَفِ فِي المَفَاهِيمِ وَالمَشَارِبِ
السُّنِيَّةِ النََّوِيَّةِ لَا اغْتِبَارَ بِهِ.
٢٠٢

تَحَمُّلُ الحَدِيث وَأَدَاؤُهُ
: شُرُوطُ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ:
لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ المُحَدِِّينَ لِصِحَّةِ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ الْتُلُوغَ، وَلاَ
الإِسْلاَمَ وَلاَ العَدَالَةَ.
بَلْ صَحَّحُوا تَحَمُّلَ الصَّغِيرِ وَالفَاسِقِ وَالكَافِرِ؛ إِذَا أَدَّوْا مَا حَمَلُوهُ
بَعْدَ البُلُوعِ وَالإِسْلاَمِ وَالعَدَالَةِ .
وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ قَبُولَ رِوَايَةٍ مَا تَحَمَّلَهُ الصَّبِيُّ، وَخَطََّهُمُ الجُمْهُورُ.
وَاسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلَى صِحَّةٍ تَحَمُّلِ الصَّغِيرِ بِأَنَّ جَمَاهِيرَ المُسْلِمِينَ
قَبِلُوا رِوَايَةَ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، كَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، وَعَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَالمِسْوَرِ بْنِ
مَخْرَمَةً وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ حَالَةَ
الصِّغَرِ أَوْ بَعْدَ الْبُّلُوغِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ أَهْلُ العِلْمِ يُحْضِرُونَ الصِّبْيَانَ مَجَالِسَ الحَدِيثِ،
وَيَعْتَدُّونَ بِرِوَايَتِهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةٍ تَحَمُّلِ الكَافِرِ إِذَا أَدَّى بَعْدَ الإِسْلاَمِ
بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِ ﴿الطَّرِ﴾، وَكَانَ قَدْ جَاءَ
٢٠٣

فِي فِدَاءٍ أَسْرَى بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا
وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي.
وَإِذَا كَانَ تَحَمُّلُ الكَافِرِ مَقْتُولاً إِذَا أَدَّى مَا تَحَمَّلَهُ بَعْدَ الإِسْلاَمِ: قُبِلَ
مَا تَحَمَّلَهُ الفَاسِقُ إِذَا أَدَّاهُ بَعْدَ العَدَالَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
* السِّنُّ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا تَحَمُّلُ الصَّبِيِّ:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي السِّنِّ الَّتِي يَصْلُحُ فِيهَا الصَّبِيُّ لِلتَّحَمُّلِ، وَيُعْتَبرُ
سَمَاعُهُ فِيهَا صَحِيحًاً، فَقَلَ القَاضِي عِيَاضُ رَحِمَهُ اللهِ أَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ
حَدَّدُوا أَوَّلَ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهَا السَّمَاعُ بِخَمْسِ سِنِينَ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ العَمَلُ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ،
فَيَكْتُبُونَ لابْنِ خَمْسٍ فَصَاعِداً: سَمِعَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسً:َ حَضَرَ، أَوْ
أُخْضِرَ.
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ
الرَّبِيعِ رضي الله عنه قَالَ: (عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَبَّةً
مَجَّهَا فِي وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ: مَتَى
يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ سِنِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَشْرَ سِنِينَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلاَحِ: وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ التَّمِْيزِ، فَإِنْ فَهِمَ
الخِطَابَ وَرَدَّ الجَوَابَ كَانَ مُمَيِّزاً صَحِيحَ السَّمَاعِ؛ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْساً،
وَإِلَّ فَلاَ؛ وَإِنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ بَلِ ابْنَ خَمْسِينَ.
٢٠٤

وَقَالَ القَسْطَلَّنِيُّ فِي كِتَابِ (المَنْهَجِ): مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ هُوَ
التَّحْقِيقُ وَالمَذْهَبُ الصَّحِيحُ.
طُرُقُ تَحَمُّلُ الحَدِيثِ وَأَدَائِهِ:
الطَّرِيقَةُ الأُولَى: السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ إِمْلاَءَ، أَوْ تَحْدِيثاً مِنْ غَيْرِ
إِمْلاَءٍ، وَكُلُّ مِنْهُمَا مِنْ حِفْظِ الشَّيْخِ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ.
وَهَذَا أَعْلَى طُرُقِ النَّحَمُّلِ وَأَزْفَعُهَا.
و
صِيغَةُ الرِّوَايَةِ بِهَا: وَيَقُولُ السَّامِعُ فِي رِوَايَتِهِ: سَمِعْتُ، أَوْ أَخْبَرَنَا،
أَوْ حَدَّثَنَا، أَوْ أَنْبَنَا ، أَوْ سَمِعْتُ فُلاَنَاً، أَوْ قَالَ لَنَا فُلاَنٌ، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فُلاَنٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ هَذِهِ العِبَارَاتِ أَرْفَعُ؟ كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي (التَّقْرِيبِ)
وَشَرْحِهِ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ، وَيُسَمِّيْهَا أَكْثُرُ المُحَدِّثِينَ عَرْضاً
بِعْتِبَارِ أَنَّ القَارِئَ يَعْرُضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ، كَمَا يُعْرَضُ القُرْآنُ عَلَى
المُقْرِئِ.
سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ، أَوْ قَرَأَ غَيْرُهُ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ
يَسْمَعُ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ القِرَاءَةُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ مِنْ حَفْظٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ
حَفِظَ الشَّيْخِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحْفَظْ، بِشَرْطِ أَنْ يُمْسِكَ الشَّيْخُ أَصْلَهُ
أَوْ يُمْسِكَهُ ثِقَةٌ غَيْرُهُ بِهُضُورِهِ.
وَالرِّوَايَةُ بِالْقِرَاءَةِ إِذَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا السَّابِقَةَ: صَحِيحَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ
بَيْنَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ، وَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ ضِمَامٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ وَغَيْرُهُ.
٢٠٥

وَاخْتُلِفَ فِي مُسَاوَاتِهَا لِلسَّمَاءِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ كَمَا هُوَ فِي الطَّرِيقَةِ
الأُولَى، وَفِي الأَرْجَحِ مِنْهُمَا؟.
فَحُكِيَ القَوْلُ الأَوَّلُ بِالمُسَاوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَشْيَاخِهِ مِنْ
عُلَمَاءِ المَدِينَةِ، وَمُعْظَمْ عُلَمَاءِ الحِجَازِ وَالكُوفَةِ، وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ،
وَحَكَاهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ.
وَحُكِيَ القَوْلُ بِأَرْجَحِيَّةِ السَّمَاعِ عَلَى الِرَاءَةِ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ
المَشْرِقِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَحُكِيَ القَوْلُ بِتَرْجِيحِ القِرَاءَةِ عَلَى السَّمَاعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي
ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
صِيغَةُ الرِّوَايَةِ بِهَا: الأَخْوَطُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا أَنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ عَلَى
فُلاَنٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ عِبَارَاتُ السَّمَاعِ مُقَيِّدَةٌ بِالقِرَاءَةِ كَقَوْلِهِ:
سَمِعْتُ فُلاَنَاً قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، وَحَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيَ إِطْلاَقِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا؟ فَمَنَعَهُ ابْنُ المُبَارَكِ وَيَحْيَى
التَّمِيمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ وَغَيْرُهُمْ، وَجَوَّزَ الإِطْلاَقَ قَوْمٌ،
حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ، وَابْنِ عُبَيْنَةَ وَالْبُخَارِيِّ، وَمُعْظَمٍ
الحِجَازِيِّينَ وَالكُوفِيِّينَ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ إِطْلاَقَ حَدَّثَنَا، وَأَجَازَتْ إِطْلاَقَ أَخْبَرَنَا، قَالَ النَّوَوِيُّ:
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُسْلِمٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ المَشْرِقِ، وَصَارَ هُوَ الشَّائِعَ
الغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ .
٢٠٦

الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: الإِجَازَةُ، وَهِيَ - كَمَا قَالَ العَلَّمَةُ الشُّمُنِّيُّ -: إِذْنٌ
فِي الرِّوَايَةِ لَفْظاً أَوْ خَطاً، يُفِيدُ الإِخْبَارَ الإِجْمَالِيَّ عُرْفاً.
يَغْنِ: أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إِخْبَارَهُ بِمَا أَذِنَ لَهُ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: مُجِيزٌ، وَمُجَازٌ، وَمُجَارٌ بِهِ، وَإِجَازَةٌ.
وَهِيَ عَلَى أَنْوَاعٍ:
١- أَنْ يُجِيزَ مُعَيَّناً بِمُعَيَّنٍ: كَقَوْلِ المُجِيزِ: أَجَزْتُكَ الْبُخَارِيَّ، أَوْ مَا
اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فِهْرِسِي .
وَالرِّوَايَةُ بِهَا جَائِزَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، خِلاَفاً
لِبَعْضِ المُحَدِّئِينَ وَالفُقَهَاءِ، حَيْثُ مَنَعُوا ذَلِكَ كَتُعْبَةَ وَغَيْرِهِ.
٢ - أَنْ يُجِيَزَ مُعَيَّاً فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ: كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُكَ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي.
وَالجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِهَا، وَوُجُوبِ العَمَلِ بِهَا.
٣- أَنْ يُجِيزَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِصِيغَةِ العُمُومِ: كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ جَمِيعَ
المُسْلِمِينَ، أَوْ كُلَّ أَحَدٍ، أَوْ أَهْلَ زَمَانِي .
وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنْ قَيَّدَ الإِجَازَةَ العَامَّةَ بِوَصْفٍ
خَاصِرٍ، كَأَجَزْتُ طَلَبَةَ العِلْمِ بِلَدِ كَذَا: فَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الجَوَازِ مِنْ غَيْرِ
المُقَيَّدَةِ بِذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي (التَّدْرِيبِ) طَائِفَةً مِنْ أَئِمَّةِ العُلَمَاءِ القَائِلِينَ بِقَبُولِ هَذَا
النَّوْعِ مُطْلَقاً.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ اعْتَبَرَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الخُقَّاظِ وَالعُلَمَاءِ، فَمِمَّنْ
٢٠٧

جَوَّزَهَا الخَطِيبُ، وَنَقَلَهَا عَنْ شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَنَقَلَهَا
أَبُو بَكْرِ الحَازِمِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي العَلاَءِ الهَمَدَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُحَدِّئِي
المَغَارِبَةِ .
.
٤ - الإِجَازَةُ لِمُعَيَّنٍ بِمَجْهُولٍ مِنَ الكُتُبِ، أَوْ إِجَازَةٌ بِمُعَيَّنٍ مِنَ الكُتُبِ
لِمَجْهُولٍ مِنَ النَّاسِ.
فَمِثَالُ الأَوَّلِ: قَوْلُهُ: أَجَزْتُكَ كِتَابَ السُّنَنِ، وَهُوَ يَرْوِي كُباً عَدِيدَةً
فِي السُّنَنِ، وَأَجَزْتُكَ بَعْضَ مَسْمُوعَاتِ، بِدُونِ بَيَانٍ لَهَا.
وَمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: أَجَزْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ الدِّمَشْقِيِّ كِتَابَ كَذَا،
وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الاسْمِ، فَهَذِهِ الإِجَازَةُ بَاطِلَةٌ.
نَعَمْ إِنِ اتَّضَحَ المُرَادُ مِنَ المَجْهُولِ بِقَرِينَةٍ: فَالإِجَازَةُ صَحِيحَةٌ.
٥- الإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ: كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلاَنٍ.
قَالَ فِي (التَّقْرِيبِ): وَاخْتَفَ المُتَأَنِّرُونَ فِي صِخَّتِهَا؟ فَإِنْ عَطَفَهُ
عَلَى مَوْجُودٍ: كَأَجَزْتُ لِفُلاَنٍ وَمَنْ يُولَدُ لَهُ، أَوْ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مَا تَنَاسَلُوا:
فَأَوْلَى بِالجَوَازِ.
وَفَعَلَ الثَّانِيَ مِنَ المُحَدِّثِينَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَأَجَازَ الخَطِيبُ
الأَوَّلَ - أَيْ: وَالثَّانِيَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى ..
٦ - إِجَازَةُ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ المُجِيزُ بِوَجْهٍ مِنْ سَمَاعٍ أَوْ إِجَازَةٍ لِيَرْوِيَهُ
المُجَازُ إِذَا تَحَمَّلَهُ المُچِيزُ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَرَأَيْتُ بَعْضَ المُتَأَّخِّرِينَ
يَصْنَعُونَهُ، ثُمَّ صَحَّحَ القَوْلَ بِالمَنْعِ، قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
٢٠٨

٧ - الإِجَازَةُ بِالمُجَازِ: كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُكَ مُجَازَاتِي.
فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ جَوَازُهُ،
وَبِهِ قَطَعَ الخُفَّاظُ: الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عُقْدَةَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو الفَتْحِ نَصْرٌ
المَقْدِسِيُّ.
الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: المُنَاوَلَةُ وَهِيَ: مُنَاوَلَةُ الشَّيْخِ تِلْمِيذَهُ كِتَاباً مِنْ سَمَاعِهِ.
وَهِيَ نَوْعَانِ: مَقْرُونَةٌ بِالإِجَازَةِ، أَوْ مُجَرَّدَةٌ.
فَالمَقْرُونَةُ: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إِلَى الطَّالِبِ أَصْلَ سَمَاعِهِ، أَوْ فَرْعاً
مُقَابَلاً عَلَيْهِ، وَيَقُولَ لَهُ: هَذَا سَمَاعِي، أَوْ هَذَا رِوَايَتِي عَنْ فُلاَنٍ، فَارْوِهِ
عَنِّي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ عَنِّي، ثُمَّ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الكِتَابَ تَمْلِيكاً، أَوْ لِيَنْسَخَهُ
وَيُقَابِلَهُ ثم يَرُدَّهُ.
وَهُنَاكَ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِهَذَا النَّوْعِ مُفَصَّلَةٌ فِي المُطَوَّلاَتِ، وَهِيَ
مُنْخَطَّةٌ عَنِ السَّمَاءِ وَالِرَاءَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا فِي (التَّقْرِيبِ) وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُجَرَّدَةُ: فَهِيَ أَنْ يُنَاوِلَهُ الكِتَابَ مُقَتْصِراً عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا
سَمَاعِي أَوْ مِنْ حَدِيثِي، دُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: ارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ
رِوَايَتَهُ عَنِّي، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فَلاَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الفُقَهَاءُ
وَأَصْحَابُ الأُصُولِ، وَعَابُوا المُحَدِّقِينَ المُجَوِّزِينَ لَهَا أهـ.
وَقَدْ حَكَى الخَطِيبُ عَنْ طَائِقَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الرِّوَايَةَ
پِهَا .
٢٠٩

وَقَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: إِنَّ الرِّوَايَةَ بِهَا - أَي: المُنَاوَلَةِ المُجَرَّدَةِ - تَتَرَجَّعُ
عَلَى الرِّوَايَةِ بِمُجَرَّدٍ إِعْلَاَمِ الشَّيْخِ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُنَاوَلَةِ فَإِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ
إِشْعَارٍ بِالإِذْنِ فِي الرِّوَايَةِ اهـ. أَيْ: فَإِذَا كَانَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَجَازَ الرِّوَايَةَ
بِمُجَّدٍ إِعْلاَمِ الشَّيْخِ، فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ الرِّوَايَّةَ بِالمُنَاوَلَةِ
المُجَرَّدَةِ، كَمَا وَضَّحَ ذَلِكَ فِي (التَّدْرِيبِ).
صِيَغُ الأَدَاءِ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِالإِجَازَةِ وَالمُنَاوَلَةِ: حَكَى الإِمَامُ النَّوَوِيُّ
فِي (التَّقْرِيبِ) عَنِ الجُمْهُورِ وَأَهْلِ التَّحَرِّي أَنَّهُمْ مَنَعُوا إِطْلاَقَ قَوْلِ:
حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الإِجَازَةِ وَالمُنَاوَلَةِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ
تُبيِّنُ الوَاقِعَ، كَحَدَّثَنَا إِجَازَةً أَوْ مُنَاوَلَةً وَإِجَازَةً، وَأَخْبَرَنَا إِجَازَةً، أَوْ مُنَاوَلَةً
وَإِجَازَةً، أَوْ إِذْناً، أَوْ فِيمَا أَذِنَ لِي فِيهِ، أَوْ فِيمَا أَطْلَقَ لِي رِوَايَتَهُ، أَوْ فِيمَا
أَجَازَنِي، أَوْ أَجَازَ لِي، أَوْ نَاوَلَنِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الطَّرِيقَةُ الخَامِسَةُ: الكِتَابَةُ وَهِيَ: أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ مَسْمُوعَهُ لِخَاضِرٍ،
أَوْ غَائِبٍ عَنْهُ وَيُرْسِلَهُ، سَوَاءٌ كَتَبَهُ بِنَفْسِهِ أَمْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَكْتُبُهُ، وَيَكْفِي أَنْ
يَعْرِفَ المَكْتُوبُ لَهُ خَطَّ الشَّيْخِ، أَوْ خَطَّ الكَاتِبِ عَنِ الشَّيْخِ، وَيُشْتَرَطُ
فِي هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الكَاتِبَ ثِقَةُ.
وَالكِتَابَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالإِجَازَةِ، كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُكَ مَا كُتِبَ
لَكَ، أَوْ مَا كَبْتُ إِلَيْكَ، وَنَحْوِهِ مِنَ العِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الإِجَازَةِ، وَهِيَ
فِي الصِّحَّةِ وَالقُوَّةِ كَالمُنَاوَلَةِ المَقْرُونَةِ بِالإِجَازَةِ.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الكِتَابَةُ مُجَرَّدَةً عَنِ الإِجَازَةِ، كَقَوْلِهِمْ: كَتَبَ إِلَيَّ
فُلاَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ.
٢١٠

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا المُجَرَّدَةُ فَمَنَعَ الرِّوَايَةَ بِهَا قَوْمٌ، مِنْهُمُ القَاضِي
المَاوَرْدِيُّ الشَّافِيُّ فِي (الحَاوِي)، وَأَجَازَهَا كَثِيرُونَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ
وَالمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ المَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَيُوجَدُ
فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ: كَتَبَ إِلَيَّ فُلاَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ - وَالمُرَادُ بِهِ هَذَا، وَهُوَ
مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ مَعْدُودٌ فِي المَوْصُولِ، لِإِشْعَارِهِ بِمَعْنَى الإِجَازَةِ.
صِيغَةُ الأَدَاءِ بِهَا: قَالَ فِي (التَّقْرِيبِ): ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي
الرِّوَايَةِ بِهَا: كَتَبَ إِلَيَّ فُلاَنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ، أَوْ أَخْبَرَنِى فُلاَنٌ مُكَاتَبَةً،
أَوْ كِتَابَةً أَوْ نَحْوَهُ، كَقَوْلِهِ: حَدَّثَنَا كِتَابَةً.
قَالَ: وَلاَ يَجُوزُ إِطْلاَقُ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَجَوَّزَهُ اللَّيْثُ وَمَنْصُورٌ
وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ المُحَدِّثِينَ وَكِبَارِهِمْ اهـ.
الطَّرِيقَةُ السَّادِسَةُ: الإِعْلاَمُ وَهُوَ: إِعْلاَمُ الشَّيْخِ الطَّالِبَ أَنَّ هَذَا
الحدِيْثَ أَوِ الكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلاَنٍ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَأْذَنَ
لِلطَّالِبِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فَجَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ
وَالأُصُولِ وَالظَّاهِرِ - أَيْ: مِنْ غَيْرِ إِجَازَةٍ - ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ غَيْرُ
وَاحِدٍ مِنَ المُحَدِّئِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ، لَكِنْ يَجِبُ العَمَلُ
بِهِ) - أَيْ: بِمَا أَخْبَرَهُ الشَّيْخُ أَنَّهُ سَمِعَهُ إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ - اهـ.
الطَّرِيقَةُ السَّابِعَةُ: الوَصِيَّةُ وَهِيَ: أَنْ يُوصِيَ الشَّيْخُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ
سَفَرِهِ لِشَخْصِ بِكِتَابٍ يَرْوِيِهِ ذَلِكَ الشَّيْخُ.
٢١١

فَجَوَّزَ بَعْضُ السَّلَفِ رِوَايَةَ المُوصَى لَهُ بِذَلِكَ الكِتَابِ عَنِ المُوصِي،
وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالمُنَاوَلَةِ وَبِالإِعْلاَمِ بِالرِّوَايَةِ.
وَانْتَصَرَ لِذَلِكَ القَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ فِي إِعْطَاءِ الوَصِيَّةِ لِلْمُوصَى لَهُ
نَوْعاً مِنَ الإِذْنِ، وَشَبَهاً مِنَ العَرْضِ وَالمُنَاوَلَةِ .
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: هَذَا بَعِيدٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اهـ.
الطَّرِيقَةُ النَّامِنَةُ: الوِجَادَةُ وَهِيَ: أَنْ يَقِفَ عَلَى أَحَادِيثَ بِخَطِّ شَخْصٍ
رَاوٍ ، مُعَاصِرٍ لَهُ أَوْ غَيْرِ مُعَاصِرٍ لَهُ، وَلَمْ يَسْمَعِ الوَاجِدُ تِلْكَ الأَحَادِيثَ
الخَاصَّةَ الّتِي وَجَدَهَا مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَلَيْسَتْ لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ فِيهَا،
فَيَقُولُ: وَجَدْتُ أَوْ قَرَأْتُ بِخَطَّ فُلاَذٍ كَذَا، ثُمَّ يَعْرُضُ الإِسْنَادَ وَالمَثْنَ إِنْ
وَثِقَ أَنَّهُ خَطَّهُ أَوْ كِتَابُهُ، وَإِلاَّ فَلْيَقُلْ: بَلَغَنِي عَنْ فُلاَنٍ، أَوْ وَجَدْتُ عَنْهُ،
وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ أَخْبَرَنِي فُلاَنٌ أَنَّهُ بِخَطِّ فُلاَنٍ، أَوْ ظَنَنْتُ
أَنَّهُ خَطُّ فُلاَنٍ، أَوْ تَصْنِفُ قُلاَنٍ، أَوْ قِيلَ: بِخَطِّ فُلاَنٍ، أَوْ تَصْنِيفِ فُلاَنٍ
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ العِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى المُسْتَنَدِ.
وَإِذَا نَقَلَ شَيْئاً مِنْ تَصْنِيفٍ فَلاَ يَقُلْ: قَالَ فُلاَنٌ بِصِيغَةِ الجَزْمِ، إِلَّا
إِذَا وَثِقَ بِصِخَّةِ النُّسْخَةِ؛ بِأَنْ قُوبِلَتْ عَلَى أَصْلِ المُصَنَّفِ، أَوْ عَلَى نُشْخَةٍ
مُقَابَلَةٍ بِالأَصْلِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ: بَلَغَنِي عَنْ فُلاَنٍ، أَوْ وَجَدْتُ
فِي نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ بِدُونِ جَزْمٍ .
٢١٢

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتَسَامَحَ أَكْتُرُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَعْصُّارِ بِالجَزْمِ فِي
ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ كَانَ المُطَالِعُ مُتْقِناً لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ السَّاقِطُ أَوِ المُغَيُّ: رَجَوْنَا
جَوَازَ الجَزْمِ لَهُ، وَإِلَى هَذَا اسْتَرْوَّحَ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنَّفِينَ فِي نَقْلِهِمْ اهـ.
- أَيْ: مِمَّا وَجَدُوا مِنْ كُبِ الْعُلَمَاءِ ..
وَفِي (مُسْنَدِ) الإِمَامِ أَحمَدَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ نَقَلَهَا عَنْهُ ابْنُّهُ عَبْدُ الله
يَقُولُ فِيهَا: وَجَدْتُ بِخَطٍّ أَبِي فِي كِتَابِهِ ثُمَّ يَسُوقُ الحَدِيثَ، وَلَمْ يَرْوِهَا
عَنْ أَبِيهِ بِتَحْدِيثٍ أَوْ إِخْبَارٍ ، وَلاَ بِصِيغَةِ (عَنْ) المُوهِمَةِ لِلسَّمَاعِ، مَعَ أَنَّ
عَبْدَالله هُوَ رَاوِيَةُ كُتُبٍ أَبِيهِ وَتِلْمِيذُهُ.
وَقَدْ تَسَاهَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَرَوَى مَا وَجَدَهُ بِخَطَ مَنْ يُعَاصِرُهُ، أَوْ
بِخَطِّ شَيْخِهِ بِقَوْلِهِ: عَنْ فُلاَنٍ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاَخِ: وَذَلِكَ تَدْلِيسٌ قَبِيحٌ إِذَا كَانَ يُوهِمُ سَمَاعَهُ مِنْهُ،
وَقَدْ جَازَفَ بَعْضُهُمْ فَنَقَلَ ذَلِكَ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أَوْ أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ،
وَأَنْكَرَ العُلَمَاءُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قَالَ الشُّيُوطِيُّ: وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَحَدٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حُكْمُ العَمَلِ بِالوِجَادَةِ: فَيُقِلَ عَنْ مُعْظَمِ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ
المَالِكِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَيُقِلَ عَنِ الشَّافِيِّ وَنُظَّارٍ أَصْحَابِهِ جَوَازُهُ .
وَقَطَعَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِهَا عِنْدَ
٢١٣

حُصُولِ الثَّقَةِ بِمَا يَجِدُهُ القَارِئُ - أَيْ: بِأَنْ وَثِقَ أَنَّ هَذَا الخَبَرَ أَوِ الحَدِيثَ
بِخَطِّ الشَّيْخِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، أَوْ يَثِقَ بِنِسْبَةِ الكِتَابِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ، وَكَانَ
المُؤَلَفُ ثِقَةً، وَإِسْنَادُ خَبَرِهِ صَحِيحًاً أَوْ حَسَناً، فَيَجِبُّ العَمَلُ بِهِ -.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ
الأَزْمَانِ غَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ العَمَلُ فِيهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لِأَنْسَدًّ
بَابُ العَمَلِ بِالمَنْقُولِ؛ لِتَعَدُّرِ شُرُوطِهَا.
وَقَدِ احْتَجَّ الحَافِظَ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ لِلْعَمَلِ بِالوِجَادَةِ بِالحَدِيثِ
الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ - وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ - أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إِيمَاناً))؟.
قَالُوا: المَلائِكَةُ.
قَالَ: ((وَكَيْفَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ))؟.
قَالُوا: الأَنْبِيَاءُ.
قَالَ: (وَكَيْفَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ يَأْتِيهِمُ الوَحْيُ))؟.
قَالُوا: نَحْنُ.
فَقَالَ: ((وَكَيْفَ لاَ تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ))؟.
قَالُوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ الله؟.
قَالَ: ((قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدُونَ صُحُفاً يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا)).
قَالَ الْبُلْقِيُّ: وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ.
٢١٤

طُرُقُ دِرَاسَةِ الحَدِيثِ
دِرَاسَةُ الحَدِيثِ لَهَا ثَلاَثُ طُرُقٍ عِنْدَ العُلَمَاءِ:
الأُولَى: السَّرْدُ.
وَهُوَ: أَنْ يَثْلُوَ الشَّيْخُ أَوِ القَارِئُ عَلَى الشَّيْخِ كِتَاباً مِنْ كُبِ الحَدِيثِ،
بِلاَ تَعَرُّضٍ لِمَبَاحِثِ اللَّغَوِيَّةِ وَالفِقْهِيَّةِ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّانِيَة: طَرِيقُ الحَلِّ وَالْبَحْثِ.
وَهُوَ: أَنْ يَقِفَ بَعْدَ تِلاَوَةِ الحَدِيثِ عَلَى لَفْظِهِ الغَرِيبِ، وَتَفَهُّم
تَرَاكِيبِهِ، وَالأَسْمَاءِ النَّادِرَةِ، وَوُقُوعِهَا فِي الإِسْنَادِ، وَسُؤَالٍ ظَاهِرِ الوُرُودِ،
وَيَحُلَّ الإِشْكَالَ بِكَلاَمٍ مُتَوَسِّطٍ ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى فِرَاءَةِ الحَدِيثِ.
الثَّالِئَةُ: طَرِيقُ الإِمْعَانِ.
وَهُوَ: أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ بِمَا لَهَا وَمَا
عَلَيْهَا، كَمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الكَلِمَاتِ الغَرِبَةِ وَالتَّرَّاكِيبِ العَوِيِصَةِ، وَيَأْتِيَ
بِالشَّوَاهِدِ الشِّعْرِيَّةِ، وَيُبَيِّنَ تَرَاكِيبَ الاشْتِقَاقِ، وَيَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِ
الرِّجَالِ، وَيُخَرِّجَ المَسَائِلَ الفِقْهِيََّ عَلَى المَسَائِلِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي
الحَديث .
حُكْمُ تَجْوِيدِ قِرَاءَةِ الحَدِيثِ:
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُدَيْرِيُّ الدِّمْيَاطِيُّ: وَأَمَّا فِرَاءَةُ
٢١٥

الحَدِيثِ مُجَوَّدَةً كَتَجْوِيدِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ أَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ
وَالتَّنْوِينِ وَالمَدِّ وَالقَصْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
لَكِنْ سَأَلْتُ شَيْخِيَ خَاتِمَةَ المُحَقِّقِينَ الشَّيْخَ عَلِيّاً الشَّبْرَامُلِّسِّيَّ
- تَغَمَّدَهُ الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ - حَالَ قِرَاءَتِي عَلَيْهِ صَحِيحَ البُخَارِيِّ عَنْ ذَلِكَ
فَأَجَابَنِي بِالوُجُوبٍ، وَذَكَرَ لِي أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مَنْقُولاً فِي كِتَابٍ يُقَالُ لَهُ:
(الَّقْوَالُ الشَّارِحَةُ فِي تَفْسِيرِ الفَاتِحَةِ).
وَعَلَّلَ الشَّيْخُ حِينَئِذٍ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّجْوِيدَ مِنْ مَحَاسِنِ الكَلامِ، وَمِنْ
لُغَةِ العَرَبِ، وَمِنْ فَصَاحَةِ المُتَكَلِّمِ، وَهَذِهِ المَعَانِي مَجْمُوعَةٌ فِيهِ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِحَدِيثِهِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَةُ مَا نَطَقَ بِهِ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ(١))هـ.
(١) كَمَا فِي (لَقْطِ الدُّرِرِ).
٢١٦

آدَابُ الْمُحَدِّثِ وَالسَّامِعِ
لَمَّا كَانَ مَقَامُ التَّحْدِيثِ مَقَاماً رَفِيعاً مَهِيباً، لِمَا فِيهِ مِنَ الخِلاَفَةِ فِي
التَّحْدِيثِ عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ العُلَمَاءُ
عَلَى آدَابٍ خَاصَّةٍ، تَتَعَلّقُ بِالمُحَدِّثِ وَبِطَالِبِ الحَدِيثِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ
أَطْرَافاً مِنْ تِلْكَ الآدَابِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
* آدَابُ المُحَدِّثِ:
تَصْحِيحُ نِيَّتِهِ، وَتَطْهِيرُ قَلْبِهِ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا وَأَدْنَاسِهَا، وَأَغْرَاضِ
النّفْسِ وَرُعُونَاتِهَا، كَحُبِّ الرِّئَاسَةِ وَالسُّمْعَةِ.
وَأَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ نَشْرَ الحَدِيثِ، وَالتَّبْلِيغَ عَنْ رَسُولِ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، مُحْتَسِباً بِذَلِكَ أَجْرَهُ عِنْدَ الله تَعَالَى، لاَ يُرِيدُ
بِذَلِكَ عَرَضاً دُنْيَوِيّاً، فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّّاتِ.
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: قُلْتُ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: حَدِّثْنَا.
قَالَ: حَتَّى تَجِيءَ النَّةُ.
وَقِيلَ لَّبِي الأَخْوَصِ سَلاَّمِ بْنِ سَلِيمٍ: حَدِّثْنَا.
فَقَالَ: لَيْسَ لِي نِيَّةٌ.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ تُؤْجَرُ.
فَقَالَ:
نَجَوْتُ كَفَافاً لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِيَا
يُمَنُّونَنِيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ وَلَيْتَنِي
٢١٧

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السِّنِّ الَّذِي يَتَصَدَّى فِيهِ
لإِسْمَاعِ الحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَتَّى احْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُ جَلَس لَهُ فِي أَيِّ
سِنِّ كَانَ.
وَيَتْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنِ النَّحْدِيثِ إِذَا خَشِيَ التَّخْلِيطَ بِهَرَمٍ أَوْ خَرَفٍ
أَوْ عَمِىَّ؛ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ اهـ.
وَيَنْبُغِي أَنْ يَكُونَ المُحَدِّثُ: جَمِيلَ الأَخْلاَقِ، حَسَنَ الطَّرِيقَةِ وَالشِّيمَةِ .
وَالأَوْلَى أَنْ لاَ يُحَدِّثَ بِحَضْرَةٍ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ لِسِنِّهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ
غَيْرِ ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ إِذَا أَرَادَ حُضُورَ مَجْلِسِ التَّحْدِيثِ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِوُضُوءٍ أَوْ
بِغُسْل، وَيَتَتَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ، وَيَسْتَاكَ، وَيُسَرِّحَ لِحْيَتَهُ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ جُلُوسِهِ
بِوَقَارٍ وَهَيْبَةٍ.
كَمَا أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا فَقِيلَ لَهُ؟.
فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ، وَلاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ عَلَى طَهَارَةٍ مُتَمَكِّناً.
وَكَانَ يَكْرُهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ هُوَ قَائِمٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّحْدِيثَ
. عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ .
وَعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فِي مَرَضِهِ،
فَجَلَسَ وَحَدَّثَ بِهِ.
٢١٨
٠
.

فَقِيلَ لَهُ: وَدِدْتُ لَكَ أَنَّكَ لَمْ تَتَعَنَّ !.
فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
وَأَنَّا مُضْطَجِعٌ.
وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَجَالِسُ العِلْمِ تُخْتَضَرُ بِالخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ
وَالوَقَارِ .
وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ لأَحَدٍ ، فَقَدْ قِيلَ: إِذَا قَامَ قَارِئُ الحَدِيثِ لأَحَدٍ فَإِنَّهُ
يُكْتَبُ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
وَيَنْبَغِي الإِنْصَاتُ وَالسَّكِينَةُ فِي مَجْلِسِ الحَدِيثِ، فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ
صَوْتَهُ فَإِنَّ المُحَدِّثَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزْجُرَهُ، كَمَا كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ يَفْعَلُ
ذَلِكَ وَيَقُولُ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِ﴾ فَمَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ حَدِيثِهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ فَكَأَنَّمَا
رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَيَنبُغِي لِلْمَحَدِّثِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الحَاضِرِينَ كُلِّهِمْ، وَيَفْتَحَ مَجْلِسَهُ
وَيَخْتِمَهُ بِحَمْدِ الله تَعَالَى، وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ، وَدُعَاءٍ يَلِيقُ بِالحَالِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فِرَاءَةٍ قَارِئٍ حَسَنِ الصَّوْتِ شَيْئاً
مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.
فَقَدْ رَوَى الحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ
رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَمَعُوا تَذَاكَرُوا العِلْمَ وَقَرَؤُوا
سُورَةً.
٢١٩