Indexed OCR Text

Pages 41-60

فِيهِ اخْتِلاَلٌ؛ بِأَنْ يُقَالَ فِي صَاحِبِهِ: إِنَّهُ يَضْبِطُ تَارَةً وَلاَ يَضِْطُ أُخْرَى،
وَهَذَا شَرْطٌ فِي الصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ وَفِي الحَسَنِ لِذَاتِهِ (١).
: مَا يَثْبُتُ بِهِ الضَّبْطُ:
يَثْبُتُ ضَبْطُ الرَّاوِي بِمُوَافَقَةِ الثّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَلاَ تَضُرُّ مُخَالَفَتُهُ
النَّادِرَةُ، فَإِنْ كَثُرَتْ مُخَالَفَتُهُ لِلنَّقَاتِ وَنَدَرَتِ الْمُوَافَقَةُ: اخْتَلَّ ضَبْطُهُ وَلَمْ
يُحْتَجَّ بِهِ فِي حَدِيثِ(٢).
الشُّذُوذُ: وَأَمَّا الشُّذُوذُ فَهُوَ: مُخَالَفَةُ الثَّقَةِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ.
العِلَّةُ القَادِحَةُ: وَأَمَّ الِعِلَّةُ القَادِحَةُ فَهِيَ: كَإِرْسَالٍ فِي مَوْصُولٍ ، أَوْ
وَقْفٍ فِي مَرْفُوعٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَحْثِ المُعَلِّ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
* مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ:
تَتَفَاوَتُ رُتَبُ الصَّحِيحِ بِسَبَبٍ أَوْصَافِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَنَحْوِهِمَا
مِنَ الصِّفَاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّصْحِيحِ، فَمَا كَانَ رُوَاتُهُ فِي الدَّرَجَةِ العُلْيَا مِنَ
العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَسَائِرِ صِفَاتِ القَبُولِ كَانَ أَصَحَّ مِمَّا دُونَهُ(٣) .
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ صَنَّفَ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ مَرَاتِبَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
فِي الأَصَحِّيَّةِ وَالأَرْجَحِيَّةِ عَلَى الوَجْهِ التَّالِي:
المَرْتَبَةُ الأُولَى: مَا اتَفَقَ الشَّيْخَانِ - أَيْ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ - عَلَى
(١) انْظُرْ حَاشِيَةَ (لَقْطِ الدُّرَرِ) ص / ٤٠ / وَحَاشِيَّةَ الأَبْيَارِيِّ ص /٢٣/.
(٢) كَمَا فِي (التَّدْرِيبِ).
(٣) كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) وَغَيْرِهِ.
٤٠

تَخْرِيجِهِ وَيُقَالُ لَهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَا انْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيُّ.
المَرْتَبَةُ الثَّلِئَةُ: مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ.
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَ عَلَى شَرْطِهِمَا.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ عَلَى شَرْطِهِمَا: أَنْ يَكُونَ رِجَالُ
إِسْنَادِهِ فِي كِتَابَيْهِمَا - أَيْ: فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحٍ مُسْلِمٍ - لِأَنَّهُ
لَيْسَ لَهُمَا شَرْطٌ فِي كِتَابَيْهِمَا وَلاَ فِي غَيْرِهِمَا(٢) اهـ.
المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ: الصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ.
المُرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: الصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: صَحِيحٌ عِنْدَ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ المُعْتَبَرِينَ وَلَيْسَ
عَلَى شَرْطِهِمَا وَلاَ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا.
قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: وَقَدْ تَعْرِضُ لِلْمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائِقاً، كَأَنْ
(١) كَمَا ذَكَرَهُ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي (فَتْحِ المُغِيثِ) ص /١٦ / وَبَيَّنَ أَنَّ المُتَّفَقَ
عَلَيْهِ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَكَانَ المَثْنُ فِيهِ عَنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ ، وَنَقَلَ هَذَا
القَيْدَ عَنْ شَيْخِ ابْنِ حَجَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ - يَعْنِي: ابْن حَجَرٍ : إِنَّ فِي عَدِّ
المَتْنِ الَّذِي يُخَرِّجُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَحَابِيٌّ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَظَراً عَلَى طَرِيقَةِ
المُحَدِّثِينَ اهـ.
(٢) وَهَذَا أَحَدُ الأَقْوَالِ فِي بَيَانِ المُرَادِ بِقَوْلِهِمْ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ
أُخْرَى لِأَئِمَّةِ الحَدِيثِ فِي ذَلِكَ.
٤١

يَّفِقَ مَجِيءُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ يَبْلُغُ بِهَا التَّوَاتُرَ أَوِ الشُّهْرَةَ الْقَوِيَّةَ؟
وَيُوَافِقَهُ عَلَى تَخْرِيجِهِ مُشْتَرِطَو الصِّحَّةِ، فَهَذَا أَقْوَى مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ
مَعَ اتِّحَادِ مُخْرِجِهِ، وَكَذَا نَقُولُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اتَّفَقَا
عَلَيْهِ؛ بَلْ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الأَقْسَامِ المَفْضُولَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ إِذَا
انْضَمَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ. اهـ أَيْ: تَوَاتَرَ أَوِ اشْتَهَرَ شُهْرَةً قَوِيَّةٌ إلخ(١).
وَفَائِدَةُ تَرْتِيبٍ هَذِهِ المَرَاتِبِ تَظْهَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ ، وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا (٢).
(١) انْظُرْ (فَتْحَ المُغِيثِ) لِلسَّخَاوِيِّ ص /١٦ /.
(٢) وَبِسَبَبِ تَفَاؤُتِ صِفَاتِ القَبُولِ يُقَدَّمُ مَا كَانَ رُوَاتُهُ فِي الدَّرَجَةِ العُلْيَا مِنَ
العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَبَقِيَّةِ صِفَاتِ القَبُولِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأَئِمَّةِ
أَنَّهُ أَصَحُ الأَسَانِيدِ.
كَقَوْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ
أَبِيهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا.
وَكَقَوْلِ البُخَارِيِّ: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اله
عَنْهُمَا - وَهِيَ سِلْسِلَةُ الذّهَبِ ..
وَدُونَ ذَلِكَ فِي الرُّتْبَةِ مَا كَانَ كَرِوَايَةِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِالله بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ.
وَدُونَهُمَا فِي الرُّتْبَةِ مَا كَانَ كَرِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ.
فَجَمِيعُ هَؤُلاءِ شَمَلَتْهُمُ العَدَالَةُ وَالضَّبْطُ ، إِلَّ أَنَّ فِي الرّتْبَةِ الأُولَى مَا يَقْتَضِي
٠
تَقْدِيمَ رِوَايَتِهِمْ عَلَى الَّتِي تَلِيهَا، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا أَيْضاً مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهَا عَلَى
الثَّالِثَةِ، كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ).
٤١

وُجُوهُ أَرْجَحِيَّةٍ صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَلَى صَحِيحٍ مُسْلِمٍ:
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الجُمْهُورُ صَحِيحَ البُخَارِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ، لأَنَّ
الصِّفَاتِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ - وَهِيَ: اتِّصَالُ السَّنَدِ، وَتُبُوتُ العَدَالَةِ
وَالضَّبْطِ ، وَعَدَمُ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ القَادِحَةِ - هَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ فِي كِتَابٍ
البُخَارِيِّ أَكْمَلُ مِنْهَا فِي كِتَابٍ مُسْلِمٍ وَأَسَدُّ، وَشَرْطُ الْبُخَارِيِّ أَقْوَى وَأَشَدُّ.
أَمَّا رُجْحَانُ صَحِيح البُخَارِيِّ مِنْ حَيْثُ اتَّصَالُ السَّنَدِ: فَلأَنَّ
البُخَارِيَّ قَدِ اشْتَرَطَ فِي الَحَدِيثِ المُعَنْعَنِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لَهُ
لِقَاءُ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَلَوْ مَرَّةً(١)، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَاكْتَفَى بِمُطْلَقِ المُعَاصَرَةِ مَعَ
إِمْكَانِ اللّقِيِّ.
وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ العَدَالَةُ وَالضَّبْطُ: فَلَأَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ تُكُلُّمَ
فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ عَدَداً مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ
البُخَارِيِّ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ إِخْرَاجٍ حَدِيثِهِمْ، بَل غَالِبُهُمْ مِنْ
شُيُوخِهِ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ وَمَارَسَ حَدِيثَهُمْ، بِخِلاَفِ مُسْلِمٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ
تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِ مِمَّنْ تُكُلُّمَ فِيهِمْ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ فِيَ الزَّمَانِ. وَلاَ
شَكَّ أَنَّ المَرْءَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ مِنْ حَدِيثٍ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالَ الْبُخَارِيِّ هُمْ أَرْبَعُ مِنَّةٍ وَبِضْعٌ وَثَمَانُونَ، تُكُلِّمَ فِي
ثَمَانِينَ مِنْهُمْ بِالضَّعْفِ، وَأَمَّا رِجَالُ مُسْلِمٍ فَهُمْ سِتُّ مِئَّةٍ وَعِشْرُونَ تُكُلُّمَ
فِي مِئَّةٍ وَسِتِّينَ مِنْهُمْ(٢).
(١) كَمَا سَيَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي بَحْثِ المُعَنْعَنِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢) كَمَا فِي (لَقْطِ الدُّرَرِ) ص / ٤٥/.
٤٣

وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ الشُّذُوذُ وَالإِعْلَالُ: فَلأَنَّ مَا انْتُقِدَ عَلَى
البُخَارِيِّ مِنَ الأَحَادِيثِ أَقَلُّ عَدَداً مِمَّا انْتُقِدَ عَلَى مُسْلِمٍ.
عَلَى أَنَّ البُخَارِيَّ كَانَ أَجَلَّ مِنْ مُسْلِمٍ فِي العُلُومِ، وَأَعْرَفَ بِصِنَاعَةِ
الحَدِيثِ، وَأَنَّ مُسْلِماً تِلْمِيذُهُ وَخِرِّيجُهُ(١)، وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَغِيدُ مِنْهُ وَيَبَّعُ
آثَارَهُ، حَتَّى قَالَ الدَّارَ قُطْنِيُّ: لَوْلاَ البُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسْلِمٌ وَلاَ جَاءَ(٢) .
** أَنْوَاعُ الصَّحِيحِ:
الصَّحِيحُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ لِذَاتِهِ، وَصَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.
أَمَّا الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ فَهُوَ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْلَى صِفَاتِ القَبُولِ
- وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ ..
وَأَمَّا الصَّحِيحُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ: مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى أَعْلَى صِفَاتِ الْقَبُولِ:
بِأَنْ كَانَ الضَّبْطُ فِيهِ غَيْرَ تَامٌّ ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى تَتَجَّعُ عَلَيْهِ أَوْ
تُسَاوِيهِ أَوْ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى مُنْخَطَّةٍ عَنْهُ فِي الرَّتْبَةِ، وَأَقَلَّهَا طَرِيقَانٍ،
فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ صَحِيحًاً لِغَيْرِهِ.
فَالأَصْلُ فِي الصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ، ثُمَّ ارْتَقَى بِالمُتَابَعَةِ
وَالتَّقْوِيَةِ إِلَى دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، فَسُمِّيَ صَحِيحاً لِغَيْرِهِ.
(١) بِكَسْرِ الخَاءِ المُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ المُشَدَّدَةِ. أَيْ: كَثِيرُ التَّخْرِيجِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ
البُخَارِيِّ. اهـ (لَقْطُ الدُّرَرِ).
(٢) كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) وَإِنَّ بَحْثَ تَرْجِيحِ البُخَارِيِّ مُفَصَّلٌ فِي مُقَدِّمَةِ (فَتْحِ
الباري).
٤٤

مِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
W
قَالَ: (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ)) .
فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍوٍ وَإِنِ اشْتَهَرَ بِالصِّدْقِ وَالصِّيَانَةِ، وَوَتَّقَهُ بَعْضُهُمْ
لِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُثْقِناً، حَتَّى ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَلَمْ
يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّ مَقْرُوناً بِغَيْرِهِ، وَخَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي المُتَابَعَاتِ .
فَحَدِيثُهُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ، وَلَكِنْ بِمُتَابَعَةِ رَاوٍ آخَرَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ فِي شَيْخ
شَيْخِهِ - وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ - ارْتَقَى إِلَى الصِّحَّةِ.
فَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الأَعْرَجِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ.
فَحَدِيثُ: (لَوْلاَ أَنْ أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْنُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
صَلاَةٍ)) صَحِيحٌ لِذَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى طَرِيقِ الصَّحِيحَيْنِ، وَصَحِيحٌ لِغَيْرِهِ
بِالنَّظَرِ لِرِوَايَةِ التِّزْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو: لِمُتَابَعَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضاً: مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ
إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ
رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ)).
تَفَرَّدِ بِهِ عَامِرٌ، وَقَدْ قَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَلَيَّنَهُ ابْنُ مَعِينٍ
وَأَبُو حَاتِمِ، وَحَكَمَ البُخَارِيُّ - فِيمَا حَكَهُ التِّزْمِذِيُّ فِي العِلَلِ - بِأَّ
حَدِيثَهُ هَذَا حَسَنٌ، وَصَحَّحَهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ
وَغَيْرُهُمْ، وَذَلِكَ لِمَا عَضَدَهُ مِنَ الشَّوَاهِدِ:
٤٥

كَحَدِيثِ أَبِي المَلِحِ الرَّفِّيِّ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ زَوْرَانَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ
الله عَنْهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ(١).
وَقَدْ تَابَعَ الوَلِيدَ عَلَى رِوَايَةٍ هَذَا الحَدِيثِ ثَابِتُّ الْنَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
رَضِيَ الله عَنْهُ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ فِي (الكَبِيرِ).
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ - أَيْ: لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ رَضِيَ الله عَنْهُ،
أَنَّ النَِّيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ((كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ)) - شَوَاهِدُ أُخْرَى،
وَبِمَجْمُوعٍ ذَلِكَ حَكَمُوا عَلَى أَصْلِ الحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ، وَكُلُّ طَرِيقٍ مِنْهَا
بِمُفْرَدهَا لَ يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ(٢).
حُكْمُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ حَيْثُ الاحْتِجَاجُ بهِ:
اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى: أَنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ حُبَّةٌ فِي مُخْتَلَفِ الأَحْكَامِ
الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ: عِبَادَاتٍ أَوْ مُعَامَلاَتٍ أَوْ نَحْوَهُمَا، وَعَلَى أَنَّهِ
مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ بِهِ.
و
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي (النُّخْبَةِ): إِنَّ العُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى
وُجُوبِ العَمَلِ بِكُلِّ مَا صَحَّ وَلَوْ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ اهـ.
وَيُحْتَجُّ بِهِ فِي العَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ إِذَا كَانَ يُفِيدُ القَطْعَ، بِأَنْ بَلَغَ حَدَّ
التَّوَاتُرِ . كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كُتُبِ الأُصُولِ.
(١) لأَنَّ الوَلِيدَ بْنَ زَوْرَانَ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّنَ وَلَمْ يُضَعَّفْهُ أَحَدٌ، كَمَا فِي (فَتْحِ
المُغِيثِ) لِلسَّخَاوِيِّ.
(٢) كَمَا فِي شَرْحِ السَّخَاوِيِّ عَلَى أَلْفِيَّةِ العِرَاقِيِّ ص /٢٨/.
٤٦

* أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي أَنَّ صِحَّةَ الحَدِيثِ تُوجِبُ:
القَطْعَ أَوِ الظَّنَّ القَوِيَّ:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَنَّ صِحَّةَ الحَدِيثِ أَهِيَ تُوجِبُ القَطْعَ بِهِ، أَمِ
الظَّنَّ القَوِيّ؟ وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ :
القَوْلُ الأَوَّلُ: إِنَّ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِخَّتِهِ،
وَأَمَّا مَا صَحَّحَهُ غَيْرُهُمَا فَهُوَ مَظْنُونُ الصِّحَّةِ - وَاخْتَارَ هَذَا القَوْلَ ابْنُ
الصَّلاَحِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تَلَقِّي كِتَابَيِ الصَّحِيحَيْنِ
بِالقَبُولِ، وَهَذَا يُفِيدُ عِلْماً يَقِينِيّاً نَظَرِيّاً، لأَنَّ ظَنَّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ عَنِ
الخَطَأٍ لاَ يُخْطِئُ، وَهَذِهِ الأُمَّهُ مَعْصُومَةٌ فِي إِجْمَاعِهَا عَنِ الخَطَّأَّ،
لِلْحَدِيثِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الله لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ
الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ)).
وَلِذَلِكَ قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ أَنَّ مَا فِي
الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا حَكَمَا بِصِخَّتِهِ، هُوَ مِنْ قَوْلِ الشَِّيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ لَمَا أَلْزَثْتُهُ الطَّلاَقَ، لِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ عَلَى صِخَتِهِ.
قَالَ العَلَّمَةُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَأَنَا مَعَ ابْنِ الصَّلاَحِ فِيمَا عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ (التَّذْرِيبِ) أَيْضاً قَوْلَ ابْنِ الصَّلاَحِ ثُمَّ قَالَ: وَاسْتَثْنَى
ابْنُ الصَّلاَحِ مِنَ المَقْطُوعِ بِصِخَّتِهِ فِيهِمَا مَا تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَحَادِيثِهِمَا.
٤٧

وَهِيَ الأَحَادِيثُ الَّتِي انْتَقَدَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ - كَمَا قَالَ
الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ - مِئَتَانِ وَعَشَرَةُ أَحَادِيثَ، اشْتَرَكَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي
اثْنَيْنٍ وَثَلاَئِينَ مِنْهَا، وَاخْتَصَّ الْبُخَارِيُّ بِثَمَانِينَ إِلَّ اثْنَيْنِ، وَمُسْلِمٌ بِمِنَةٍ(١).
وَقَدْ أَجَابَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَمَّا تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ
فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ.
كَمَا أَجَابَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ عَمَّا تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ فِي
شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِهِ.
القَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الحَدِيثَ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ يُفِيدُ الظَّنَّ
القَوِيَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ غَيْرُ هُمَا.
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ تُعْتَبُرُ مِنَ الْآحَادِ
مَا لَمْ تَتَوَاتَرْ. وَخَرُ الآَحَادِ الصَّحِيحُ يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ.
وَأَجَابُوا عَنْ تَلَقِّي الأُمَّةِ لِمَا أَسْنَدَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِالْقَبُولِ:
بِأَنَّ هَذَا التََّقِّيَ يُفِيدُ وُجُوبَ العَمَلِ بِمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ
عَلَى النَّظَرِ فِيهِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِمَا فَلاَ يُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِهِ، وَنُوجَدَ فِهِ
شُرُوطُ الصِّحَّةِ - وَهَذَا القَوْلُ صَحَّحَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ، وَحَكَاهُ فِي (التَّقْرِيبِ)
عَنِ الْمُحَفِّقِينَ وَالأَكْثَرِينَ.
القَوْلُ الثَّالِثُ: إِيجَابُ القَطْعِ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ إِذَا كَانَ وَارِداً فِي
(١) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ٧٢٪.
٤٨

الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ كَانَ مَشْهُوراً لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّوَاةِ
وَالعِلَلِ، أَوْ كَانَ مُسَلْسَلاً بِالأَئِمَّةِ الخُفَّاظِ المُثْقِنِينَ حَيْثُ لاَ يَكُونُ غَرِيباً،
وَذَلِكَ كَالحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ مَثَلاً، وَيُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ عَنِ
الشَّافِعِيِّ، وَيُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ - وَهَذَا القَوْلُ هُوَ
الَّذِي أَيَّدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ (١).
أَحْكَامُ التَّصْحِيحِ وَالتَّحْسِينِ وَالتَّضْعِيفِ:
اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ فِي شَأْنِ النَّصْحِيحِ وَالتَّحْسِينِ وَالتَّضْعِيفِ،
هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لأَهْلِ العُصُورِ المُتَأَّرَةِ؟ أَمْ لِأَبَّدَّ مِنَ الرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ
إِلَى تَنْصِيصٍ مِنَ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ؟
فَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ الصَّلاَحِ: مَنْ رَأَى فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ - يَعْنِي:
زَمَانَهُ(٢) فَمَا بَعْدُ - حَدِيثاً صَحِيحَ الإِسْنَادِ(٣) فِي كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ، لَمْ يَنُصَّ
عَلَى صِحَّتِهِ حَافِظٌ مُعْتَمٌَ، فَلاَ يَحْكُمُ بِصِخَتِهِ؛ لِضَعْفِ أَهْلِيَّةِ هَذِهِ الأَزْمَانِ.
(١) كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ)، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لاَ يَحْصُلُ العِلْمُ
بِصِدْقِ الخَبَرِ مِنْهَا إِلَّ لِلْعَالِمِ بِالحَدِيثِ، المُتَبَخِّرِ فِيهِ، العَارِفِ بِأَحْوَالٍ
الرُّوَاةِ، المُطَلِعِ عَلَى العِلَلِ، وَكَوْنُ غَيْرِهِ - أَيْ: غَيْرِ العَالِمِ بِالحَدِيثِ - لاَ
يَحْصُلُ لَهُ العِلْمُ بِصِدْقِ ذَلِكَ - لِقُصُورِهِ عَنِ الأَوْصَافِ المَذْكُورَةِ - لاَ يَنْفِي
حُصُولَ العِلْمِ لِلمُتَبَخِّرِ المَذْكُورِ اهـ.
(٢) وَتُوُفِّيَ ابْنُ الصَّلاَحِ سَنَةً / ٦٤٣/ هـ.
(٣) أَيْ: صَحِيحَ الإِسْنَادِ لَدَى بَحْثِ البَاحِثِ عَنِ الحَدِيثِ.
٤٩

وَأَيْضاً بِاعْتِبَارٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحاً لَمَا أَهْمَلَهُ أَئِمَّةُ العُصُورِ المُتَقَدِّمَةِ
لِشِدَّةِ فَحْصِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ(١).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَالأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُ التَّصْحِيحِ لِمَنْ تَمَكَّنَ
وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ اهـ.
قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ: وَهُوَ - أي: كلام الإمام النووي - الَّذِي عَلَيْهِ
عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيثِ.
فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ
فِيهَا تَصْحِيحاً.
فَمِنَ المُعَاصِرِينَ لابْنِ الصَّلاَحِ: أَبُو الحَسَنِ ابْنُ القَطَّانِ (٢) صَاحِبُ
كِتَابِ (الوَهْمِ وَالإِهَامِ) فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
وَمِنْهُمُ الحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ المَقْدِسِيُّ(٣) جَمَعَ كِتَاباً سَمَّاهُ
(المُخْتَارَةَ) الْتَّزَمَ فِيهِ الصِّحَّةَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى
تَصْحِیچِهَا.
وَصَحَّحَ الحَافِظُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ العَظِيمِ المُنْذِرِيُّ(٤) وَمَنْ بَعْدَهُ
كَالحَافِظِ شَرَفِ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيِّ(٥) وَمَنْ بَعْدَهُ أَيْضاً كَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ
(١) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ٧٩/.
(٢) المُتَوَفَّى سَنَةَ / ٦٢٨/هـ.
(٣) المُتَوَفَّى سَنَةَ / ٦٤٣/هـ.
(٤) المُتَوَفَّى سَنَةَ / ٦٥٦/ه.
(٥) المُتَوَفَّى سَنَةَ / ٧٠٥/هـ.
٠
٥٠

السُّبْكِيِّ(١) فَإِنَّ جَمِيعَ هَؤُلاَءِ صَحَّحُوا أَحَادِيثَ لَمْ يُوجَدْ لَهَا تَصْحِيحٌ
مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ(٢)اهـ.
وَحَيْثُ جَازَ التَّصْحِيحُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فَالنَّحْسِينُ يَجُوزُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى،
وَقَدْ حَسَّنَ المِزِّيُّ حَدِيثَ: ((طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) مَعَ
تَصْرِيحِ الحُفّاظِ بِضَعْفِهِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضاً حُكْمُ التَّضْعِيفِ.
وَأَمَّا الحُكْمُ بِالوَضْعِ فَيَمْتَنِعُ إِلاَّ حَيْثُ لاَ يَخْفَى كَالأَ حَادِيثِ الطِّوَالِ
الرَّكِيكَةِ الَّتِي وَضَعَهَا القُصَّاصُ، أَوْ مَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْعَقْلِ أَوِ الإِجْمَاعِ.
وَأَمَّ الحُكْمُ لِلْحَدِيثِ بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الشُّهْرَةِ فَلاَ يَمْتَنِعُ إِذَا وُجِدَتِ
الطُُّّقُ المُعْتَبِرَةُ فِي ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ عَنِ الحُكْمِ بِالفَرْدِيَّةِ وَالغَرَابَةِ، وَعَنِ العِزَّةِ أَكْتُ (٣).
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُمْ: أَصَخُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ كَذَا. وَكَثِيراً مَا يُوجَدُ هَذَا فِي
(سُنَنِ) التِّرْمِذِيِّ وَ(تَارِيخ) البُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي (الأَذْكَارِ): لاَ يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ العِبَارَةِ
صِحَّةُ الحَدِيثِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا أَصَحُّ مَا جَاءَ فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ
ضَعِيفاً؛ وَمُرَادُهُمْ أَرْجَحُهُ وَأَقُلُّهُ ضَعْفاً(٤).
(١) المُتَوَفَّى سَنَةَ / ٧٥٦/هـ.
(٢) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ٨٠/.
(٣) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ٨٣/.
(٤) كَمَا فِي (الَّذْرِيبِ) ص /٣٩/.
٥١

الحَسَنُ
رِجَالُهُ لاَ كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ
وَالحَسَنُّ المَعْرُوفُ طُرْقاً وَغَدَتْ
الحَسَنُ هُوَ: مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِنَقْلِ العَدْلِ الضَّابِطِ ضَبْطاً أَخَفَّ مِنْ
ضَبْطِ الصَّحِيحِ، وَسَلِمَ مِنْ شُّذُوذٍ وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ(١).
فَشُرُوطُ الحَسَنِ هِيَ شُرُوطُ الصَّحِيحِ المُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ: اتِّصَالُ السَّنَكِ،
وَتُبُوتُ العَدَالَةِ ، وَتُّبُوتُ الضَّبْطِ ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الشُّذُوذِ، وَالعِلَّةِ القَادِحَةِ.
فَيَخْرُجُ بِشَرْطِيَّةِ اتِّصَالِ السَّنَدِ: المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ وَالمُعْضَلُ
وَالمُعَلَّقُ وَمُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ.
وَبِبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ تَخْرُجُ أَنْوَاعُ الضَّعِيفِ كُلُّهَا.
وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الفَارِقَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ هُوَ: أَنَّ الصَّحِيحَ
يُشْتَرَطُ فِيهِ الضَّبْطُ النَّامُّ، وَأَمَّا الحَسَنُ فَيَشْتَطُ فِيهِ أَصْلُ الضَّبْطِ (٢) .
مِنَالُ الحَسَنِ: مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ: ثَنَا بُنْدَارُ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
(١) هَذَا التَّعْرِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ (النُّخْبَةِ) حَيْثُ عَرَفَّ الصَّحِيحَ لِذَاتِهِ بِأَنَّهُ هُوَ: مَا
نَقَلَهُ عَدْلٌ تَامُّ الضَّبْطِ ، مُتَّصِلُ السَّنَدِ، غَيْرُ مُعَلَّلٍ وَلاَ شَّاذٍّ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ خَقَّ
الضَّبْطُ فَهُوَ الحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلاَمُ المُصَنَِّ حَيْثُ قَالَ:
. وَغَدَتْ، رِجَالُهُ لاَ كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ
(٢) انْظُرْ حَاشِيَةَ الأَبْيَارِيِّ ص/٢٨/.
٥٢

القَطَّنُ، ثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: (أُمَّكَ)).
قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)).
قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)).
قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)).
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ،
وَلَكِنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.
أَنْوَاعُ الحَسَنِ:
الحَسَنُ نَوْعَانِ: حَسَنٌ لِذَاتِهِ - وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ - وَحَسَنٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ: مَا
كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ بِسَبَبٍ إِرْسَالٍ فِيهِ، أَوْ تَدْلِيسٍ، أَوْ جَهَالَةِ رِجَالٍ، أَوْ
ضَعْفٍ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ، أَوْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَسْتُورُ (١) لَيْسَ
مُغَفَّلاً وَلاَ كَثِيرَ الخَطَأِ، وَلاَ مُتَّهَماً بِالكَذِبِ، وَلاَ مَنْسُوباً إِلَى مُفَسِّقِ:
وَاعْتَضَدَ بِرَارٍ مُعْتَبٍَ (٢) مِنْ مُتَابِعٍ أَوْ شَاهِدٍ .
فَأَصْلُهُ ضَعِيفٌ بِسَبَبٍ أَحَدِ الأَسْبَابِ المُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا طَرَّأَ عَلَيْهِ
(١) وَهُوَ: عَدْلُ الظَّاهِرِ خَفِيُّ البَاطِنِ، أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى - كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ - هُو:
الَّذِي لَمْ تَتَحَقَّقْ عَدَالَتُهُ - أَيْ: بِتَعْدِيلِ المُعَدِّلِينَ - وَلَمْ يَظْهَرْ فِسْقُهُ.
وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: المَسْتُورُ هُوَ مَنْ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ جَرٌْ وَتَعْدِيلٌ. انْظُرْ حَاشِيَةً
(لَقْطِ الدُّرَرِ) ص /٤٨ /.
(٢) بِأَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلَهُ، لاَ دُونَهُ أَوْ أَسْوَأَ حَالاً مِنْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي (شَرْحٍ
النُّخْبَةِ) ص / ٩٢ / .
٥٣

الحُسْنُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: مُتَابِعٍ أَوْ شَاهِدٍ، وَلِذَا سُمِّيَ حَسَناً لِغَيْرِهِ (١).
وَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَعْفُ الحَدِيثِ بِسَبَبٍ فِسْقِ الرَّاوِي أَوْ كَذِهِ فَإِنَّهُ لاَ
يُؤَثِّرُّ فِيهِ مُوَافَقَةٌ غَيْرِهِ لَهُ؛ إِذَا كَانَ الآخَرُ مِثْلَهُ، لِقُوَّةِ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا
الجَابِرِ - نَعَمْ يَرْتَقِي بِمَجْمُوعٍ طُرُقِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُتْكَراً أَوْ لاَ أَصْلَ لَهٌ(٢).
مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ
بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي
فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ .
فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ
وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ))؟.
قَالَتْ: نَعَمْ . فَجَازَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةً وَأَبِي
حَدْرَدٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ.
فَعَاصِمٌ ضَعِيفٌ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَقَدْ حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الحَدِيثَ
لِمَجِيئِهِ مِنْ غَیْرِ وَجْهٍ.
وَمِثَالُ مَا فِيهِ ضَعْفٌ بِسَبَبِ التَّدْلِيسِ: مَا رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ
طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،
(١) كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) ص / ٩٢ / بِحَاشِيَةِ (لَقْطِ الدُّرَرِ)، وَكَمَا فِي (التَّدْرِيبِ).
(٢) وَفِي (التَّدْرِيبِ) ص / ١٠٤ /: قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ - ابْنُ حَجَرٍ -: بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتِ
الطُّرُقُ حَتَّى أَوْصَلَتْهُ إِلَى دَرَجَةِ المَسْتُورِ السَّيِّءِ الحِفْظِ، بِحَيْثُ إِذَا وُجِدَ لَهُ
طَرِيقٌ آخَرُ فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ ارْتَقَى بِمَجْمُوعٍ ذَلِكَ إِلَى دَرَجَةِ الحَسَنِ .
٥٤

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً: ((إِنَّ حَقّاً عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ
يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلِيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ
فَالمَاءُ لَهُ طِيبٌ)).
فَهُشَيْمٌ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ، لَكِنْ لَمَّا تَابَعَهُ أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ كَمَا
هُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَكَانَ لِلْمَثْنِ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله
عَنْهُ وَغَيْرِهِ؛ لِذَلِكَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ(١).
مَرَاتِبُ الحَسَنِ: تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ الحَسَنِ كَالصَّحِيحِ.
قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: فَأَعْلَى مَرَاتِبِ الحَسَنِ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ
التَّيْمِيِّ، وَأَفْقَالُ ذَلِكَ مِمَّا قِيلَ إِنَّهُ صَحِيحٌ. وَهُوَ أَدْنَى مَرَائِبِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا اخْتُلِفَ فِي تَحْسِينِهِ وَتَضْعِيفِهِ كَحِدِيثِ الحَارِثِ بْنِ
عَبْدِ الله، وَعَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَنَحْوِهِمْ (٢).
حُكْمُ الحَسَنِ: الحَسَنُ بِنَوْعَيْهِ يُشَارِكُ الصَّحِيحَ فِي الاحْتِجَاجِ
وَالعَمَلِ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الفُّقَهَاءِ وَأَكْثَرِ المُحَدِّثِينَ؛ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي القُوَّةِ،
وَلِهَذَا أَدْرَجَهُ جَمَاعَةٌ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ كَالِحَاكِمٍ وَابْنِ حَّانَ، لَكِنَّ مَنْ
سَمَّاهُ صَحِيحًاً لاَ يُنْكِرُ أَنَّهُ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ، بِدَلِيَلِ تَقْدِيمِ الصَّحِيحِ عَلَيْهِ
عِنْدَ التَّعَارُضِ (٣).
(١) رَاجِعْ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ فِي (التَّدْرِيبِ) ص / ١٠٤/.
(٢) كَمَا فِي (التَّدْرِيبِ) ص/ ٩١/.
(٣) كَمَا فِي حَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ ثُمَّ قَالَ: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِلاَف لَفْظِيّاً، فَمَنْ جَعَلَهُ =
٥٥

قَاعِدَةٌ: قَدْ يَكُونُ الإِسْنَادُ صَحِيحاً أَوْ حَسَناً لِنَقَةِ رِجَالِهِ، وَلاَ يَكُونُ
الحَدِيثُ صَحِيحاً وَلاَ حَسَناً لِتُذُوذٍ فِي المَثْنِ أَوْ عِلَّةٍ فِيهِ.
وَيَتَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ المُحَدِّثُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ
الإِسْنَادِ، أَوْ حَسَنُ الإِسْنَادِ - كَمَا يُوجَدُ فِي (مُسْتَدْرَكِ) الحَاكِمِ وَغَيْرِهِ .
فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ المَثْنِ أَوْ حُسْنَهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ المُحَدِّثُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَوْ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ،
مِنْ غَيْرِ تَقِْيدٍ بِمَثْنٍ أَوْ سَنَدٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ سَنَداً
وَمَتْناً، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُ المُحَدِّثِينَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الإِسْنَادِ أَوْ
صَحِيحُهُ دُونَ قَوْلِهِمْ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ.
غَيْرَ أَنَّ الحَافِظَ المُعْتَمَّدَ إِذَا اقْتُصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ أَوْ
حَسَنُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَتْنِ عِلَّةً، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ؛ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الحُكْمُ
بِصِحَّةِ المَثْنِ أَوْ حُسْنِهِ، لأَنَّ عَدَمَ العِلَّةِ وَالقَادِحِ هُوَ الأَصْلُ الظَّاهِرُ(١).
فَائِدَةٌ: وَقَعَ فِي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ الجَمْعُ بَيْنَ الصِّخَّةِ
وَالحُسْنِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا مُشْكِلٌ فِي الظَاهِرِ، لِقَصُورِ الحَسَنِ
عَنْ رُتْبَةِ الصَّحِيحِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ إِثْبَاتُ القُصُورِ وَنَفْيُهُ؟ !.
وَأَحْكَمُ الأَجْوِبَةِ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ
. = مِنَ الصَّحِيحِ أَرَادَ فِي الاحْتِجَاجِ وَالعَمَلِ بِهِ، وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَرَادَ أَنَّ
رُنْيَتَهُ أَقَلُّ مِنْ رُتْبَتِهِ اهـ.
(١) كَمَا فِي (التَّدْرِيبِ) ص / ٩٢ /، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالَّذِي لاَ أَشَكَّ فِيهِ أَنَّ الإِمَامَ
مِنْهُمْ لاَ يَعْدِلُ عَنْ قَوْلِهِ: صَحِيحٌ، إِلَى قَوْلِهِ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ إِلَّا لِأَمْرِ مَا.
٥٦

الحَدِيثَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَدَّدَ إِسْنَادُهُ، أَوْ
لَمْ يَتَعَدَّدْ.
فَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ مُتَعَدِّداً فَإِطْلاَقُ الصِّخَّةِ وَالحُسْنِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ
إِسْنَادَيْهِ أَوْ أَسَانِيدِهِ: بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا الْآخَرُ حَسَنٌ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا قِيلَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ فَوْقَ مَا قِيلَ فِيهِ: صَحِيحٌ
فَقَطْ وَكَانَ فَرْداً، لِتَعَدُّدِ أَسَانِدِ الأَوَّلِ (١) وَتَفَرُّدِ إِسْنَادِ الثَّانِ، وَغَايَةُ مَا
فِيهِ أَنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ وَهُوَ (الوَاوُ)، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: حَسَنٌ
وَصَحِيحٌ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ مُتَعَدِّداً فَإِنَّ اخْتِلاَفَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ فِي حَالٍ
رَاوِيهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ فِهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ فِيهِ: إِنَّهُ صَدُوٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إِنَّهُ ثِقَةٌ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَ المُحَدِّثِ المُجْتَهِدِ فِي التَّخْرِيجِ قَوْلٌ مِنْهُمَا، أَوْ
تَرَجَّحَ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى كَلاَمِ النَّاسِ فِيهِ فَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ،
أَيْ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ صَحِيحٌ عِنْدَ آخَرِينَ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ
حَذَفَ مِنْهُ حَرْفَ التَّرَدُّدِ وَهُوَ (أَوْ) لأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا قِيلَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، دُونَ مَا قِيلَ فِیهِ: صَحِيحٌ.
لأَنَّ الجَزْمِ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى مِنَ الثَّرَدُّدِ فِيهَا(٢).
(١) لأَنَّ كَثْرَةَ الأَسَانِيدِ تُقَوِّي الحَدِيثَ.
(٢) انْظُرُ (شَرْحَ النُّخْبَةِ) ص / ٥٠ / بِحَاشِيَةِ (لَقْطِ الدُّرَرِ)، وَ(التَّدْرِيبَ).
٥٧

..
أَلْقَابُ الحَدِيثِ المَقْبُولِ
الجَيِّدُ - القَوِيُّ - الصَّالِحُ - المَعْرُوفُ - المَحْفُوظُ - المُجَوَّدُ - الثَّابِتُ
المُشَبَّهُ.
هَذِهِ صِفَاتٌ يَسْتَعْمِلُهَا المُحَدِّثُونَ فِي الدِّلاَلَةِ عَلَى الخَبَرِ المَقْبُولِ،
غَيْرَ أَنَّ كُلَّ مِنْهَا لَهُ دِلاَلَةٌ خَاصَّةٌ وَلَهُ اعْتِبَارٌ خَاصُّ.
أَمَّا الجَيِّدُ: فَإِنَّهُ يُسَاوِي الصَّحِيحَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلاَمُ الإِمَامِ
التِّزْمِذِيِّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ فِي (سُنِنِهِ): هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ.
وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَجْوَدُ الأَسَانِيدِ
الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ. فَعُلِمَ مِّنْ ذَلِكَ أَنَّ الجَوْدَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الصِّحَّةِ.
إِلَّا أَنَّ الِهِذَ مِنْهُمْ لاَ يَعْدِلُ عَنْ لَقَبِ الصَّحِيحِ إِلَى لَقَبِ الجَيِّدِ إِلَّ
لِنُكْتَةٍ، كَأَنْ يَرْتَقِيَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَيَتَرَدَّدَ فِي
◌ُوغِهِ رُثْبَةَ الصَّحِيحِ، فَالوَصْفُ بِهِ أَذْنَى مِنَ الوَصْفِ بِالصَّحِيحِ. وَكَذَلِكَ
أَيْضاً: القَوِيُّ(١).
وَأَمَّا الصَّالِحُ: فَهُوَ شَامِلٌ لِلصَّحِيحِ وَالحَسَنِ لِصَلاَحِيَّتِهِ لِلاحْتِجَاج
بِهِمَا، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضاً فِي ضَعِيفٍ يَصْلُحُ لِلاعْتِبَارِ(٢).
(١) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ١٠٤/.
(٢) أَيْ: يُسْتَعْمَلُ فِي وَصْفِ ضَعِيفٍ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ، فَهُوَ لاَ يَصْلُحُ لِلاحْتِجَاجِ
بِهِ، وَلَكِنْ يُخَرَّجُ حَدِيثُهُ لِلاعْتِبَارِ فِي المُتَابَعَةِ وَالشَّوَاهِدِ .
٥٨

وَأَمَّا المَعْرُوفُ: فَيُقَائِلُهُ المُنْكَرُ، وَالمَحْفُوظُ: يُقَابِلُهُ الشَّاذُّ. كَمَا
سَتَّضِحُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
وَأَمَّ المُجَوَّدُ وَالثَّابِتُ: فَيَشْمَلاَنِ الصَّحِيحَ وَالحَسَنَ.
وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ: فَيَطْلَقُّ عَلَى الحَسَنِ وَمَا يُقَارِبُهُ، فَهُوّ بِالنِّشْبَةِ إِلَى
الحَسَنِ كَنِسْبَةِ الجَيِّدِ إِلَى الصَّحِيحِ(١).
وَيَجْمَعُ هَذِهِ الأَلْقَابَ قَوْلُ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ:
وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا
وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا
وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ
وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ
أَوْ يَشْمَلُ الحُسْنَ؟ نِزَاعٌ ثَابِتُ
وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ
(١) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ١٠٥ /، وَحَاشِيَّةَ الأَبْيَارِيِّ.
٥٩