Indexed OCR Text

Pages 21-40

الفَصْلُ الثَّانِي
فِي بَيَانِ بَعْضِ الكَلِمَاتِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهَا فِي هَذَا الفَنِّ
السَّنَدُ، الإِسْنَادُ، المَثْنُ، المُخْرِجُ، المَخْرَجُ، الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ
الخَبَرُ، الأَثَرُّ، المُسْنِدُ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ ، الحَدِيثُ القُدْسِيُّ.
هَذِهِ كَلِمَاتٌ يُكْثِرُ المُحَدِّثُونَ مِنْ ذِكْرِهَا، فَلاَ بُدَّ لِطَالِبٍ هَذَا الفَنِّ
مِنْ مَعْرِفَتِهَا.
السَّنَدُ: هُوَ: الطَّرِيقُ المُوصِلَةُ إِلَى المَثْنِ. يَعْنِي: رِجَالُ الحَدِيثِ،
وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُسْنِدُونَ الحَدِيثَ إِلَى مَصْدَرِهِ.
الإِسْنَادُ: هُوَ: الإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ المَثْنِ - أَيْ: حِكَايَةُ رِجَالِ
الحَدِيثِ ۔۔
المَثْنُ: هُوَ: مَا انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ.
المُخْرِجُ: اسْمُ فَاعِلٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ
فُلاَنٌ - أَيْ: ذَكَرَ رُوَاتَهُ ..
فَالمُخَرِّجُ - بِالتَّشْدِيدِ أَوِ التَّخْفِيفِ - هُوَ ذَاكِرُ رُوَاةِ الحَدِيثِ
كَالبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَنَحْوِهِمَا.
المَخْرَجُ: اسْمُ مَكَانٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا حَدِيثٌ عُرِفَ مَخْرَجُهُ أَوْ
٢٠

لَمْ يُعْرَفْ مَخْرَجُهُ - بِفَتْحِ المِيمٍ وَالرَّاءِ - أَيْ: رِجَالُهُ الَّذِينَ رَوَوْهُ، لأَنَّ كُلَّ
مِنْ رُوَاتِهِ مَوْضِعُ صُدُورِ الحَدِيثِ عَنْهُ.
الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ: هُوَ: مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً أَوْ وَصْفاً أَوْ تَقْرِيراً. وَسُمِّيَ بِذَلِكَ مُقَابَلَةً لِلْقُرْآنِ
الكَرِيمِ فَإِنَّهُ قَدِيمٌ.
وَقَدْ أَطْلَقَ كَثِيْرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ اسْمَ الحَدِيثِ عَلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ
وَالتَّابِعِينَ وَأَفْعَالِهِمْ وَتَقْرِيرِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُسَمُّونَ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَدِيثاً مَرْفُوعاً، وَمَا أَضِيفَ إِلَى الصَّحَابِيِّ
يُسَمُّونَهُ حَدِيثاً مَوْقُوفاً، وَمَا أُضِيفَ إِلَى التَّابِعِيِّ يُسَمُّونَهُ حَدِيثاً مَقْطُوعاً.
كَمَا سَيَتَّضِحُ لَكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَی.
الخَبَرُ: قَالَ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): الخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ هَذَا الفَنِّ مُرَادِفٌ
لِلْحَدِيثِ.
وَقِيلَ: الحَدِيثُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ،
وَالخَبَرُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ. وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالتَّوَارِيخِ وَمَا
شَاكَلَهَا: الأَخْبَارِيُّ، وَلِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: المُحَدِّثُ.
الأَثَرُ: قَالَ فِي (النَّقْرِيبِ): إِنَّ المُحَدِّئِينَ يُسَمُّونَ المَرْفُوعَ وَالمَوْقُوفَ
بِالأَثَرِ، وَإِنَّ فُقُهَاءَ خُرَاسَانَ يُسَمُّونَ المَوْقُوفَ بِالأَثَرِ ، وَالمَرْفُوعَ بِالخَبَرِ.
المُسْنِدُ: هُوَ: مَنْ يَرْوِي الحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ أَوْ
لَيْسَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدَ الرِّوَايَةِ.
٢١

المُحَدِّثُ: هُوَ: العَالِمُ بِطَرِيقِ الحَدِيثِ، وَأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَالمُتُونِ؛
فَهُوَ أَرْفَعُ مِنَ المُسْنِدِ.
الحَافِظُ: هُوَ: مُرَادِقٌ لِلْمُحَدِّثِ عِنْدَ بَعْضِ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ خَصَّ
الحَافِظَ بِمَنْ هُوَ مُكْثِرٌ لِحِفْظِ الحَدِيثِ، مُتْقِنٌ لأَنْوَاعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ: رِوَايَةً
وَدِرَايَةً، مُدْرِكٌ لِعِلَلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ: لاَ يُولَدُ الحَافِظِ إِلاَّ فِي
أَرْبَعِينَ سَنَةً(١).
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ العَلَّمَةُ المُنَاوِيُّ لأَهْلِ الحَدِيثِ مَرَاتِبَ: أَوَّلُهَا
الطَّالِبُ وَهُوَ المُبْتَدِىءُ، ثُمَّ المُحَدِّثُ وَهُوَ مَنْ يَتَحَمَّلُ الحَدِيثَ وَيَعْتَنِي
بِهِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، ثُمَّ الحَافِظُ وَهُوَ مَنْ حَفِظَ مائَةً أَلْفِ حَدِيثٍ مَثْناً
وَإِسْنَاداً، وَوَعَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، ثُمَّ الحُبَّةُ وَهُوَ مَنْ أَحَاطَ بِثَلاَئِمَائَةٍ أَلْفٍ
حَدِيثٍ، ثُمَّ الحَاكِمُ وَهُوَ مَنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأَحَادِيثِ المَرْوِيَّةِ مَتْناً
وَإِسْنَاداً، وَجَرْحاً وَتَعْدِيلاً وَتَارِيخاً. اهـ(٢).
وَزَادَ بَعْضُهُمْ لَقَبَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ. قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ
لُقِّبَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: سُفْيَانُ، وَابْنُ رَاهُويَهْ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَكَأَنَّ تَلْقِيبَ المُحَدِّثِ بِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي
رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْهُ صَلَّى الله وَآلِهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ
ارْحَمْ خُلَفَائِي ... )) الحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(١) أُنْظُرْ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي (لَقْطِ الدُّرَرِ).
(٢) قَالَ فِي (لَقْطِ الدُّرَرِ) بَعْدَ أَنْ سَاقَ عِبَارَةَ المُنَاوِي: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اصْطِلاَ حَاتٌ
لأَهْلِ الفَنِّ، فَلاَ مُشَاخَّةَ فِي مُعَارَضَةِ بَعْضِهَا. اهـ.
٢٢

الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: هُوَ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَِّيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
عَنِ الله تَعَالَى. وَيُسَمَّى: الحَدِيثَ الرَّبَّانِيَّ وَالإِلْهِيَّ ..
: الفَرْقُ بَيْنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ وَالقُرْآنِ الكَرِيمِ:
قَالَ العَلَّمَةُ ابْنُ حَجَرِ الهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ:
اعْلَمْ أَنَّ الكَلاَمَ المُضَافَ إِلَى الله تَعَالَى أَقْسَامُهُ ثَلاثَةٌ:
أَوَّلُهَا - وَهُوَ أَشْرَفُهَا : القُرْآنُ الكَرِيمُ لِتَمَيُّزِهِ عَنِ الْبِقِيَّةِ - أَيْ: بَقِيَّةٍ
أَقْسَامِ الكَلاَمِ المُضَافِ إِلَيْهِ تَعَالَى - بِإِعْجَازِهِ مِنْ أَوْجُهِ :
وَهِيَ: كَوْنُهُ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً عَلَى مَمَرِّ الدَّهْرِ، مَحْفُوظَةً مِنَ التَّغْيِيرِ
وَالتَّْدِيلِ، وَبِخُرْمَةِ مَسِّهِ لِلْمُحْدِثِ، وَتِلاَوَتِهِ لِنَحْوِ الجُنُبِ، وَرِوَايَتِهِ
بِالمَعْنَى، وَبِتَعَيِّهِ فِي الصَّلاَةِ، وَبِتَسْمِيَتِهِ قُرْآنًاً، وَبِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ بِعَشْرٍ
حَسَنَاتٍ، وَبِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَكَرَاهَةٍ عِنْدَنَا - أَيْ:
الشَّافِعِيَّةِ ، وَبِتَسْمِيَةِ الجُمْلَةِ مِنْهُ آيَّةً وَسُورَةً.
وَغَيْرُهُ - أَيْ: غَيْرُ القُرْآنِ الكَرِيمِ - مِنْ بَقِيَّةِ الكُتُبِ وَالأَحَادِيثِ
القُدْسِيَّةِ لَا يَتْبُتُّ لَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
ثَانِيهَا: كُتُبُّ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - أَي: الَّتِي أَنْزَلَهَا الله
تَعَالَى عَلَيْهِمْ - قَبْلَ تَغْيِيرِهَا وَتَبْدِيلِهَا .
ثَالِثُهَا: بَقِيَّةُ الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ، وَهِيَ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا آحَاداً - أَيْ: مِنْ
غَيْرِ اشْتِرَاطِ تَوَاتُرِهِ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، مَعَ إِسْنَادِهِ لَهَا
عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى، فَهِيَ مِنْ كَلاَمِهِ تَعَالَى، فَتُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ الأَغْلَبُ،
٢٣

وَنِسْبُّهَا إِلَيْهِ - أَيْ: إِلَى الله تَعَالَى - حِينَئِذٍ نِسْبَةُ إِنْشَاءٍ لأَنَّهُ المُتَكَلِّمُ بِهَا
13
أَوَّلاً ، وَقَدْ تُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ لأَنَّهُ المُخْبِرُ بِهَا
عَنِ الله تَعَالَى، بِخِلاَفِ القُرْآنِ الكَرِيمِ فَإِنَّهُ لاَ يُضَافُ إِلَّ إِلَيْهِ تَعَالَى.
فَيَّقَالُ فِيهِ - أَيْ: فِي الْقُرْآنِ -: قَالَ الله تَعَالَى. وَيُقَالُ فِيهَا - أَيْ: فِي
الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ -: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِيمَا
يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَی.
وَاخْتُلِفَ فِي بَقِيَّةِ السُّنَّةِ: هَلْ هُوَ كُلُّهُ بِوَحِي أَوْ لاَ؟ وَآَيَّةُ: ﴿ وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ﴾ تُؤَيِّدُ الأَوَّلَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَاَ
ـو
وَإِنِّي أَوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)) (١) أَيْ: وَهُوَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ ..
(١) وَنَصُّ الحَدِيثِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((أَلاَ وَإِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ
وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ،
فَمَا وَجَدتُّمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُّمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. وَإِنَّ
مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله كَمَا حَرَّمَ الله .. )) الحديث.
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَنَقَلَ العَلَّمَةُ القَارِي عَنِ الأَبْهَرِيِّ أَنَّ ((مَا)) فِي قَوْلِهِ: ((وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ
الله)) مَوْصُولَةٌ مَعْنَى مَفْصُولَةٌ لَفْظاً، أَيْ: الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَيَتَأَيّدُ - أَيْضاً - القَوْلُ بِأَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ عَنْ وَحْي مِنَ الله تَعَالَى، بِمَا رَوَى الإِمَامُ
أَحْمَدُ فِي: (مُسْتَدِهِ) عَنْ أَبِي أَمَامَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا أَقُولُ مَا أَقَوَّلُ)) وَهُنَاكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ.
٢٤

وَلاَ تَنْحَصِرُ تِلْكَ الأَحَادِيثُ القُدْسِيَّةُ فِي كَيْفِيَّةٍ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الوَحْىٍ،
بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ مِنْ
كَيْفِيَّاتِهِ: كَرُؤْيَا المَنَامِ ، وَالإِلْقَاءِ فِي الرُّوعِ، وَعَلَى لِسَانِ المَلَكِ.
صِيغَةُ رِوَايَةِ الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ:
قَالَ العَلأَّمَةُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِرِوَايَتِهَا صِيغَتَانِ :
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِيمَا
يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى؛ وَهِيَ عِبَارَةُ السَّلَفِ، وَمِنْ ثَمَّ آثَرَهَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ
فِي الأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا.
ثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: قَالَ الله تَعَالَى فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَالمَعْنَى وَاحِدٌ اهـ كَلاَمُ ابْنِ حَجَرِ الهَيْتَمِيِّ رَضِيَ الله
عَنْهُ مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعِبَارَةِ.
ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ العَلَّمَةِ ابْنِ حَجَرٍ: وَنِسْبَتُهَا - أَيْ: الأَحَادِيثُ القُدْسِيَّةُ .
إِلَى الله تَعَالَى حِينَئِذٍ نِسْبَةُ إِنْشَاءٍ لأَنَّهُ المُتَكَلِّمُ بِهَا أَوَّلاً ... إلخ، هَذَا
صَرِيحٌ فِي أَنَّ الأَحَادِيثَ القُدْسِيَّةَ هِيَ كَلاَمُ الله تَعَالَى، وَلَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ
الإِعْجَازِ وَالخَصَائِصِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، كَمَا أَنَّ بَقِيَّةَ
الكُتُبِ الإِلَهِيَّةِ النَّازِلَةِ عَلَى الرُّسُلِ السَّابِقِينَ صَلَوَاتُ الله تَعَالَى عَلَيْهِمْ
أَجْمَعِينَ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الإِعْجَازِ، وَلَمْ تَلْ خَصَائِصَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الحَدِيثَ القُدْسِيَّ هُوَ: مَا كَانَ
مَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى، وَلَفْظُهُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٢٥

قَالَ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ الجُرْجَانِيُّ فِي (تَعْرِيفَاتِهِ): الحَدِيثُ القُدْسِيُّ
هُوَ مِنْ حَيْثُ المَعْنَى مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى، وَمِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ مِنْ رَسُولِ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ مَا أَخْبَرَ الله تَعَالَى بِهِ نَِيَّهُ بِلْهَامٍ أَوْ بِالمَنَامِ،
فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَنْ ذَلِكَ المِعْنَى بِعِبَارَةٍ نَفْسِهِ، فَالقُرْآنُ
مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ لأَنَّ لَفْظَهُ مُنَزَّلٌ أَيْضاً. اهـ.
وقَالَ العَلَّمَةُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ: وَالفَرْقُ
بَيْنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ وَبَيْنَ القُرْآنِ، أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ لِلإِعْجَازِ،
وَالقُدْسِيُّ مَا أَخْبَرَ الله تَعَالَى نَبِيَّهُ عَنْ مَعْنَاهُ بِالإِلْهَامِ أَوْ بِالمَنَامِ، فَأَخْبَرَ
الشَِّيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُثْتُهُ بِعِبَارَتِهِ عَنْ ذَلِكَ المَعْنَى، فَلاَ يَكُونُ
مُعْجِزاً وَلاَ مُتَوَاتِراً كَالقُرْآنِ الكَرِيمِ اهـ.
وَقَالَ العَلَّمَةُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي فَصْلِ القَافِ مِنْ (كُلَّيَّاتِهِ): القُرْآنُ مَا
كَانَ لَفِظُهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى بِوَحْيٍ جَلِيٍّ، وَأَمَّا الحَدِيثُ القُدْسِيُّ
فَهُوَ مَا كَانَ لَفْظُهُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ مِنْ
عِنْدِ الله تَعَالَى بِالإِلْهَامِ أَوْ بِالمَنَامِ.
ثُمَّ حَكَى أَبُو الْبَقَاءِ القَوْلَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرِ الهَيْتَمِيُّ فَقَالَ:
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: القُرْآنُ لَفْظُ مُعْجِزٌ وَمُنَزَّلٌ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ،
وَالحَدِيثُ القُدْسِيُّ غَيْرُ مُعْجِزٍ وَبِدُونِ وَاسِطَةٍ اهـ. يَعْنِي: أَنَّ الحَدِيثَ
القُدْسِيَّ لَفْظُ غَيْرُ مُعْجِزٍ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِوَسَاطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ.
٢٦

وَقَالَ العَلَّمَةُ الكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ(١): فَإِنْ
قُلْتَ فَمَا الفَرْقُ بَيْنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ وَبَيْنَ القُرْآنِ؟.
قُلْتُ: القُرْآنُ لَفْظُهُ مُعْجِزٌ، وَمُنَزَّلٌ بِوَاسِطَةٍ جِبْرِيلَ. وَهَذَا غَيْرُ مُعْجِزٍ
وَبِدُونِ الوَاسِطَةِ ؛ وَمِثْلُهُ يُسَمَّى الحَدِيثَ القُدْسِيَّ وَالإِلِهِيَّ وَالرَّبَّانِيَّ.
فَإِنْ قُلْتَ: الأَحَادِيثُ كُلُّهَا كَذَلِكَ، وَكَيْفَ لاَ وَهُوَ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى؟.
قُلْتُ: الفَرْقُ بِأَنَّ القُدْسِيَّ مُضَافٌ إِلَى الله تَعَالَى وَمَرْوِيٌّ عَنْهُ،
بِخِلاَفٍ غَيْرِهِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ القُدْسِيَّ مَا يَتَعَلّقُّ بِتَنْزِيهِ ذَاتِ الله تَعَالَى، وَبِصِفَاتِهِ
الجَلاَلِيَّةِ وَالجَمَالِيَّةِ، مَنْسُوباً إِلَى الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ اهـ.
فَتَخَّصَ مِنْ هَذِهِ التَّقُولِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَعْنَى
الحَدِيثِ القُدْسِيِّ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لَفّظِهِ: فَمِنْهُمْ
مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ لَفْظَهُ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى أَيْضاً، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ
لَفِظَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ هُوَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(١) أُنْظُرْ شَرْحَ الكِرْمَانِيِّ ٧٩/٩ أَوَائِلَ كِتَابِ الصَّوْمِ.
٢٧

قَالَ المُصَنَّفُ رَحِمَهُ الله تَعَالَى:
بشي
3
ــه
أَبْدَأُ بِالحَمْدِ مُصَلِّياً عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِيِّ أُرْسِلاً
افْتَتَحَ المُصَنَّفُ نَظْمَهُ بِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: اقْتِدَاءً بِالكِتَابِ
العَزِيزِ.
وَتَأَسِّياً بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَفْتَِحُ كُبُهُ
وَرَسَائِلَهُ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ صَلَى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى
هِرَقْلَ وَغَيْرِهِ.
وَعَمَلاً بِمَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ أَمْرٍ
ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ))(١) وَالمَعْنَى: أَنَُّ
نَاقِصٌ قَلِيلُ الخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ.
ثُمَّ ثَنَّى بِالحَمْدِ لله: اقْتِدَاءً بِالكِتَابِ العَزِيزِ أَيْضاً، حَيْثُ جُعِلَتْ
فَاتِحَتُهُ سُورَةَ الحَمْدِ .
(١) رَوَاهُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ (الأَرْبَعِينَ البُلْدَانِيَّةِ) وَرَوَاهُ الخَطِيبُ .
أَيْضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً.
٢٨

وَعَمَلاً بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ، مِنْ أَنَّ الله تَعَالَى قَدْ بَدَأَ
الأُمُورَ العِظَامَ: التَّكْوِينِيَّةَ وَالتَّشْرِيِعِيَّةَ بِالحَمْدِ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ
الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ الآيَةِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى بَدْءِ أَمْرِ التَّكْوِينِ بِالحَمْدِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً ﴾
الآياتِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى بَدْءٍ أَمْرِ التَّشْرِيعِ وَإِنْزَالِ الكِتَابِ بِالحَمْدِ .
وَعَمَلاً بِمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((كُلّ
كَلاَمٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ لله فَهُوَ أَجْذَمُ)).
هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّنَ فِي (صَحِيحِهِ) وَابْنُ
مَاجَهْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ سُنِنِهِ بِلَفْظِ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ
بِالحَمْدِ أَقْطَعُ)).
قَالَ العَلَّمَةُ السِّنْدِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ قَدْ حَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ
وَالنَّوَوِيُّ(١) اهـ. وَكَذَلِكَ رَمَّزَ الشُّيُوطِيُّ إِلَى حُسْنِهِ.
(١) وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ فِي (الأَذْكَارِ) بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ الحَدِيثَ بِرِوَايَاتِهِ قَالَ: وَهُوَ
حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْصُولاً كَمَا ذَكَرْنَا، وَرُوِيَ مُرْسَلاً، وَرِوَايَةٌ
المَوْصُولِ جَيِّدَةُ الإِسْنَادِ. وَإِذَا رُوِيَ الحَدِيثُ مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً؛ فَالحُكْمُ
لِلاَتِّصَالِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ، لأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الجَمَاهِيرِ.
وَمَعْنَى: ((ذِي بَالٍ)) أَيْ: لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ، وَمَعْنَى: ((أَقْطَعُ)) أَيْ: نَاقِصٌ قَلِيلُ
البَرَكَةِ، وَ((أَجْذَمُ)): بِمَعْنَاهُ. وَهُوَ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وَالجِيمِ.
=
٢٩

ثُمَّ أَتْبَعَ الْبَسْمَلَةَ وَالحَمْدَلَةَ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ عَمَلاً بِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ أَمْرٍ
ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ الله وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ
بَرَكَةٍ»(١) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ
تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الكِتَابِ))(٢) .
= قَالَ العُلَمَاءُ: فَيُسْتَحَبُّ الْبُّدَاءَةُ بِالحَمْدِ لله لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ
وَخَطِيبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الأَمُورِ المُهِمَّةِ. اهـ مِنْ كِتَابِ (حَمْدِ الله تَعَالَى)
(٢٩٠/٣) بِشَرْحِ ابْنِ عَلَّنَ.
(١) رَوَاهُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي (الأَرْبَعِينَ) وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِذِكْرِ
الصَّلاَةِ فِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدّاً لاَ يُعْتَبَرُ بِرِوَايَتِهِ وَلَا
زِيَادَتِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ المَدِينِيِّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ كُلُّها مَشْحُونَةٌ
بِالضُّعَفَاءِ وَالمَجَاهِيلِ اهـ. (فَيْضُ القَدِيرِ) لِلْمُنَاوِيِّ (١٤/٥).
وَأَوْرَدَهُ العَلَّمَةُ ابْنُ حَجَرِ الهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ (الأَرْبَعِينَ) ص /٢٥ / قَائِلاً:
وَأَتَّى - أَي: الإِمَامُ النَّوَوِيُّ - بِالصَّلاَةِ بَعْدَ الحَمْدَلَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَبْتَرُ
مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ فِ الفَضَائِلِ وَهِيَ يُعْمَلُ فِيهَا
بِالضَّعِيفِ. اهـ.
(٢) قَالَ فِي (التَّدْرِيبِ) ص / ٢٩٢ / بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ: وَهَذَا الحَدِيثُ
وَإِنْ كَانَ ضَعِيفاً فَهُوَ مِمَّا يَحْسُنُ إِيرَادُهُ فِي هَذَا المَعْنَى، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى =
٣٠

وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ المَرْءُ
بَيْنَ يَدَيْ خُطْبِهِ وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ: حَمْدَ الله تَعَالَى، وَالنََّاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى، وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي إِنْيَانِ المُصَنِِّ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
بَعْدَ الحَمْدَلَةِ تَقْدِيمُ شُكْرٍ لِلنَبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلاَةِ
عَلَيْهِ(١) بَعْدَ أَنْ شَكَرَ الله تَعَالَى بِالحَمْدِ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي هَدَى النَّاسَ بِإِذْنِ الله تَعَالَى مِنَ الضَّلاَلَةِ،
وَأَنْقَذَهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهَالَةِ إِلَى نُورِ الحَقِّ وَالحِكْمَةِ وَالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ.
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ,
قَالَ تَعَالِى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ
مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ ﴾ الآيَةِ.
= ذِكْرِ ابْنِ الجَوْزِيِّ لَهُ فِي (المَوْضُوعَاتِ) فَإِنَّ لَهُ طُرُقاً تُخْرِجُهُ عَنِ الوَضْعِ،
وَتَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَضْلاً فِي الجُمْلَةِ، فَأَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ الله عَنْهُ، وَأَبُو الشَّيْخِ الأَصْبَهَائِيُّ، وَالدَّيْلَمِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ - أَيْ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ -، وَابْنُ عَدِيٌّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ
رَضِيَ الله عَنْهُ، وَالأَصْبَهَانِيُّ فِي (تَرْغِيبِهِ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا، وَأَبُو نُعَيْمِ فِي تَارِيخِ إِصْبَهَانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا اهـ.
وَقَدْ عَقَّدَ فِي (جَلَاءِ الأَفْهَامِ) فَضْلاً خَاصّاً لِلصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ كِتَابَةِ أسْمِهِ، وَأَوْرَدَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ.
وَذَكَرَ العَلَّمَةُ ابْنُ المُدَابِغِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الأَرْبَعِينَ لِلْهَيْتَمِيِّ أَنَّ هَذَا
الحَدِيثَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً.
(١) وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّوْجِيهِ العَلَّمَةُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ المَنْظُومَةِ.
٣١

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْتُلُمَتِ
اللَّهِ الَّذِى لَهُ, مَا
إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
١
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ الآيَةِ.
وَأَمَّا مَعْنَى الصَّلاَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ
تَرْجُمَانِ القُرْآنِ: أَنَّ الصَّلاَةَ مِنَ الله تَعَالَى رَحْمَةٌ، وَمِنَ العَبْدِ دُعَاءٌ، وَمِنَ
المَلائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ.
وَهَذَا القَوْلُ قَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بُعْداً عَنِ
الإِطَالَةِ.
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَّتِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ﴾ الآيةِ، فَإِنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالرَّحْمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ العَطْفَ
يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الصَّلاَةَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ
عَطْفُ العَامِّ عَلَى الخَاصِّ. وَهَذَا لَهُ فَوَائِدُ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْبَلاَغَةِ (١).
(١) انْظُرْ شَرْحَ المَوَاهِبِ لِلِعَلَّمَةِ الزُّزْقَانِيِّ (١١/١) وَهُنَاكَ أَجْوِيَةٌ أُخْرَى.
هَذَا وَإِنَّ الْبَحْثَ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ مِنَ الله تَعَالَى كَثُرَتْ فِيهِ الأَقْوَالُ،
وَالتَّحْقِيقُ فِيهَا طَوِيلُ الذَّيْلِ، فَلِذَلِكَ اقْتُصَرْنَا خَوْفَ الإِطَالَةِ، وَمَنْ أَرَادَ
الاطّلاَعَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ الأَلُوسِيِّ عِنْدَ آيَةٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ.
يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآيَةِ، وَشَرْحِ العَلَّمَةِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى المَوَاهِبِ وَغَيْرِهِمَا.
٣٢

أَنْوَاعُ عُلُومِ الحَدِيثِ
وَكُلُّ وَاحِدٍ أَتَى وَحَدَّهْ
وَذِي مِنَ اقْسَامِ الحَدِيثِ عِدَّهْ
يَتَنَّعُ الحَدِيثُ عِنْدَ عُلَمَاءِ المُصْطَلَحِ إِلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةِ بِاعْتِبَارَاتٍ
مُخْتَلِفَةٍ، مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى المَثْنِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى السَّنَدِ، وَمِنْهَا مَا
يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا مَعاً.
فَمِنَ المُحَدِّثِينَ مَنْ يُطِيلُ فِي أَنْوَاعِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ
مَنْ يَقْتَصِدُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ الصَّلاَحِ مِنْهَا - وَتَبِعَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي
(التَّقْرِيبِ) - خَمْسَةً وَسِتِينَ نَوْعاً.
قَالَ العَلَّمَةُ الحَازِمِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِآَخِرِ المُمْكِنِ فَإِنَّهُ قَائِلٌ لِلتَّتْوِيعِ
إِلَى مَالاَ يُحْصَى، إِذْ لاَ تُحْصَى أَحْوَالُ الرُّوَاةِ وَصِفَاتُهُمْ، وَلاَ أَحْوَالُ
مُتُونِ الحَدِيثِ وَصِفَاتُهَا، وَمَا مِنْ حَالَةٍ مِنْهَا وَلاَ صِفَةٍ إِلَّ وَهِيَ بِصَدَدِ أَنْ
تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وَأْهُلُهَا؛ فَإِذَا هِيَ نَوْعٌ عَلَى حِيَالِهِ اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ المُصَنَّفُ رَحِمَهُ الله تَعَالَى فِي هَذِهِ المَنْظُومَةِ، جُمْلَةً مُهِمَّةً
مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ، لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا طَالِبُ الحَدِيثِ، بَلَغَتْ أَرْبَعة
وَثَلاَئِينَ كَمَا نَبََّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ المَنْظُومَةِ:
٣٣

فَوْقَ الثَّلاَئِينَ بِأَرْبَعٍ أَنَتْ - أَقْسَامُهَا .... (١) إلخ.
فَذَكَرَ كُلَّ نَوْعِ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، مَعَ حَدِّهِ - أَيْ: تَعْرِيفِهِ الشَّامِلِ
لِلَّسْمِ أَيْضَاً ..
* وُجُوهُ تَنَوُّعٍ عُلُومِ الحَدِيثِ:
أَمَّا وُجُوهُ تَنَوُّعِ عُلُومِ الحَدِيثِ فَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ(٢).
أَقَّلاَ: أَنْوَاعُ عُلُومِ الحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ القَّبُولِ وَالرَّدِّ:
يَتَنَّعُ الحَدِيثُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ إِلَى مَقْبُولٍ وَمَرْدُودٍ.
فَالمَقْبُولُ نَوْعَانٍ: صَحِيحٌ وَحَسَنٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا: إِمَّا لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا المَرْدُودُ: فَهُوَ: الضَّعِيفُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا لَهُ لَقَبٌ
خَاصٌّ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ لَقَبٌ خَاصُّ.
وَذَلِكَ: لِأَنَّ سَبَبَ الضَّعْفِ إِنْ كَانَ عَدَمَ اتِّصَالِ السَّنَدِ فَهُوَ يَشْمَلُ:
المُعَلَّقَ، وَالمُنْقَطِعَ، وَالمُعْضَلَ، وَالمُدَلِّسَ، وَالمُرْسَلَ - عَلَى خِلاَفٍ فِيهِ -،
وَالمُعَنْعَنَ وَالمُؤَنَّنَ إِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ شُرُوطُ الاتِّصَالِ فِيهِمَا.
وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الضَّعْفِ فِيهِ عَدَمَ تُبُوتِ عَدَالَةِ الرَّاوِي فَهُوَ يَشْمَلُ:
المُبْهَمَ، وَرِوَايَةَ المَجْهُولِ.
(١) وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَغْلَبِ النُّسَخِ حَيْثُ يَقُولُ النَّاظِمُ فِيهَا: أَتَتْ أَقْسَامُهَا، فَعَدَّ
المَقْلُوبَ نَوْعَيْنِ ، وَالمُدَلَّسَ نَوْعَيْنِ.
(٢) لَمْ أَقْصِدْ بِهَذَا الْبَحْثِ اسْتِقْصَاءَ وُجُوهِ تَنَوُّع عُلُومِ الحَدِيثِ عَامَّةً، وَإِنَّمَا
أَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ نَمَاذِجَ مِنْ وُجُوهِ التَّنُّعِ.
٣٤

وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الضَّعْفِ عَدَمَ تُبُوتِ الضَّبْطِ فَهُوَ يَشْمَلُ: المُضْطَرِبَ.
أَوْ كَانَ سَبَبُ الضَّعْفِ فِيهِ مُخَالَفَةَ الثّقَاتِ فَهُوَ الشَّاذُّ.
أَوِ العِلَّةُ القَادِحَةَ فَهُوَ المُعَلُّ. كَمَا سَيَتَضِحُ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى فِي
مَوْضِعِهِ.
ثَانِياً: أَنْوَاعُ عُلُومِ الحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ مَنْ أَضِيفَ إِلَيْهِ:
و
فَإِنْ كَانَ مُضَافاً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ المَرْفُوعُ،
أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَهُوَ المَوْقُوفُ، أَوْ إِلَى التَّاسِعِيِّ فَهُوَ المَقْطُوعُ.
: ثَالِثاً: أَنْوَاعُ عُلُومِ الحَدِيثِ مِنْ جِهَةٍ تَفَرُّدِ الرَّاوِي أَوْ تَعَدُّدِهِ:
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيباً، أَوْ عَزِيزاً، أَوْ مَشْهُوراً، أَوْ مُسْتَفِيضاً، أَوْ
مُتَوَاتِراً.
رَابِعاً: أَنْوَاعُ عُلُومِ الحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ صِفَاتِ الأَسَانِيدِ:
وَيَنْتَظِمُ فِي سِلْكِهَا: العَالِ وَالنَّازِلُ، وَالمُسَلْسَلُ وَغَيْرُ هُمَا.
وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَنَأْتِي عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
4
٣٥

الصَّحِيحُ
إِسْنَادُهُ، وَلَمْ يَشِذُّ أَوْ يُعَلّ
أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ وَهْوَ: مَا اتَّصَلْ
مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ
يَرْوِیهِ عَدْلٌ، ضَابِطٌ، عَنْ مِثْلِهِ
الصَّحِيحُ هُوَ: مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ، بِنَقْلِ العَدْلِ، الضَّابِطِ، عَنْ مِثْلِهِ مِنْ
أَوَّلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَسَلِمَ مِنْ شُذُوذٍ وَعِلَةٍ قَادِحَةٍ .
فَلاَ يُحْكَمُ لِحَدِيثٍ بِصِحَّةٍ مَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ هَذِهِ الشُّرُوطَ الخَمْسَةَ:
اتِّصَالَ السَّنَدِ، وَتُبُوتَ العَدَالَةِ، وَتُبُوتَ الضَّبْطِ، وَسَلاَمَتَهُ مِنَ الشُّذُوذِ،
وَسَلاَمَتَهُ مِنَ العِلّةِ القَادِحَةِ.
بَيَانُ قُيُودِ التَّعْرِيفِ وَمُحْتَرَزَاتِهِ:
الاتِّصَالُ: أَمَّ اتِّصَالُ السَّنَدِ فَهُوَ: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ رِجَالِ الحَدِيثِ
تَلَقَّاهُ مِنْ شَيْخِهِ؛ مِنْ أَوَّلِ السَّنَدِ إِلَى مُنْتَهَاءُ(١).
وَيِهَذَا يَخْرُجُ المُنْقَطِعُ، وَالمُعْضَلُ، وَالمُعَلَّقُ، وَالمُدَلَّسُ، وَالمُرْسَلُ
- عَلَى رَأْيِ مَنْ لاَ يَقْبُهُ ..
العَدَالَةُ: أَمَّا العَدَالَةُ فَهِيَ: سَلاَمَةُ المُكَلَّفِ مِنَ الفِسْقِ وَخَوَارِمٍ
المُرُوءَةِ .
(١) انْظُرْ (حَاشِيَةَ الأَبْيَارِيِّ) ص / ٢٢/.
٣٦

فَالعَدْلُ هُوَ: المُسْلِمُ الْبَالِغُ العَاقِلُ، السَّالِمُ مِنَ الفِسْقِ بِارْتِكَابٍ
كَبِيرَةٍ أَوْ إِصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَالسَّالِمُ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ.
وَالمُرُوءَةُ هِيَ: تَعَاطِي المَرْءِ مَا يُسْتَحْسَنُ، وَتَجَنُبُهُ مَا يُسْتَرْذَلُ،
وَصِيَانَةُ النَّفْسِ عَنِ الأَدْنَاسِ، وَمَا يُشِيئُهُ عِنْدَ النَّاسِ.
فَلاَ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الكَافِرِ، وَلاَ الصَّبِيِّ عَلَى الأَصَحِّ(١)، وَقِيلَ: يُقْبَلُ
المُمَيِّزُ إِنْ لَمْ يُجَرَّبْ عَلَيْهِ الكَذِبُ، وَلاَ تُقْبَلُ رِوَايَةُ المَجْنُونِ(٢).
أَمَّا الْكَافِرُ: فَلاَ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ؛ لأَنَّهُ يُعَادِينَا فِي أَصْلِ دِينِنَا، وَذَلِكَ
مِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى هَدْمٍ أَزْكَانِ الدِّينِ ، وَإِفْسَادِهِ عَلَيْنَا مَا اسْتَطَاعَ.
قَالَ الله تَعَالَى فِي الكُفَّارِ: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ
اُلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ الآيةِ.
وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ أَوْصَافَ النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ وَدَلاَئِلَ نُوَّتِهِ الوَارِدَةَ فِي كُبِهِمْ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ: فَلاَ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لأَنَّهُ رُبَّمَا أَدْخَلَ الكَذِبَ فِي كَلاَمِهِ،
بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَائِعٌ تَكْلِيفِيٌّ يَمْنَعُهُ(٣).
(١) كَمَا فِي حَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ ص / ٨٤ / وَسَقَطَ عِنْدَ الطَّبْعِ مِنْ نُسَخِ الطَّبْعَةِ
الأُولَى مِنْ هَذَا المَقْطَعِ جُمْلَةُ ((وَلاَ الصَّبِيُّ)) كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِرَاراً.
(٢) وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي عَدْلِ الرِّوَايَةِ الذَّكُورَةُ وَلاَ الخُرِّيَّةُ، فَتَجُوزُ رِوَايَةُ المَرْأَةِ
وَالرَّقِيقِ، وَهُنَاكَ فَوَارِقُ مُتَعَدِّدَةٌ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبٍ
الأُصُولِ، وَقَدْ ذُكِرَ قِسْمٌ كَبِيرٌ مِنْهَا فِي حَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ.
(٣) كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي كُتُبِ الأُصُولِ.
٣٧

وَالفَاسِقُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ
فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ الآيَةِ.
وَرَوَى الحَافِظُ أَبُو بَكْرِ الخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَا بْنَ عُمَرَ! دِينَكَ
دِينَكَ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذْ، خُذْ عَنِ الَّذِينَ
اسْتَقَامُوا وَلاَ تَأْخُذْ عَنِ الَّذِينَ مَالُوا)) أَيْ: عَنِ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ وَالأَعْمَالِ
الصَّالِحَةِ المُسْتَقِيمَةِ .
وَأَسْنَدَ الخَطِيْبُ أَيْضاً إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ
قَالَ: (انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا العِلْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الدِّينُ).
وَأَسْتَدَ الخَطِيبُ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تَأْخُذٍ
العِلْمَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَخُذْ مِنْ سِوَى ذَلِكَ: لاَ تَأْخُذْ مِنْ سَفِيهِ مُعْلِنٍ بِالسَّفَهِ؛
وَإِنْ كَانَ أَزْوَى النَّاسِ، وَلاَ تَأْخُذْ مَنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ
إِذَا جُرِّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ لاَ يُتَّهَمُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى
الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ مِنْ صَاحِبٍ هَوَىِّ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ، وَلاَ
مِنْ شَيْخِ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ) (١)اهـ.
وَلاَ تُقْبَلُ رِوَايَةُ المَجْهُولِ عَيْناً أَوْ حَالاً، لأَنَّ المَشْرُوطَ هُوَ تُبُوتُ
العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ.
(١) أَيْ: عَابِدٍ غَيْرِ عَالِمِ، وَهَذِهِ الآثَارُ كُلَّهَا مَنْقُولَةٌ عَنْ (كِفَايَةُ الرَّاوِي) لِلْخَطِيبِ
البَغْدَادِيِّ.
٣٨

مَا تَثْبُتُ بِهِ عَدَالَةُ الرَّاوِي:
تَنْبُتُّ عَدَالَةُ الرَّاوِي بِالشُّهْرَةِ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، وَاسْتِفَاضَةِ الثَّنَاءِ
عَلَيْهِ بِالعَدَالَةِ: كَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَالسُّفْيَانَيْنِ وَأَشْبَاهِهِمْ، أَوْ بِتَنْصِيصِ
عَالِمَيْنِ أَوْ عَالِمٍ وَاحِدٍ عَلَيْهَا(١).
الضَّبْطُ: الضَّبْطُ هُوَ: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُتَقِّظاً لَيْسَ مُغَفَّلاً، وَأَنْ
يَكُونَ حَافِظاً لِمَا يُمْلِيهِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِحْضَارِهِ مَتَّى شَاءَ؛ إِنْ كَانَ
يَرْوِي مِنْ حِفْظِهِ . وَيُسَمَّى هَذَا ضَبْطَ صَدْرٍ -، وَأَنْ يَصُونَ كِتَابَهُ مُنْذُ سَمِعَهُ
وَصَخَّحَهُ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهُ، وَلاَ يَدْفَعَهُ إِلَى مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُغَيِّرَ فِيهِ؛ إِنْ
كَانَ يَرْوِي مِنْ كِتَابٍ - وَيُسَمَّى هَذَا ضَبْطَ كِتَابٍ (٢).، وَأَنْ يَكُونَ عَالِماً بِمَا
يَرْوِيِهِ، عَارِفاً بِمَا يُحِيلُ المَعْنَى عَنِ المُرَادِ؛ إِنْ كَانَ يَرْوِي بِالمَعْنَى.
فَلاَ تُقْبَلُ رِوَايَةُ المُغَفَّلِ وَلاَ كَثِيرِ الخَطَأْ لِعَدَمِ الضَّبْطِ .
ثُمَّ إِنَّ ضَبْطَ الصَّدْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَامّاً وَهُوَ مَا لاَ يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلاَلٌ،
وَهَذَا هُوَ المَشْرُوطُ فِي الصَّحِيحِ لِذَاتِهِ، وَهُوَ المُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ السَّابِقِ،
لِأَنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ تَامٌّ وَهُوَ مَا يُوجَدُ
(١) انْظُرْ أَلْفِيَّةَ العِرَاقِيِّ مَعَ شُرُوحِهَا فِي بَحْثِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ.
(٢) وَمَحَلُّ هَذَا فِي كِتَابٍ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يُصْبَطْ، أَمَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ كَصَحِيح
البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَبَقِيَّةِ كُتُبِ الحَدِيثِ المَشْهُورَةِ المَضْبُوطَةِ فِي زَمَانِنَا؛ فَلاَ
يُشْتَرَطُ صِيَانَتُهَا مُنْدُ السَّمَاعِ إِلَى وَقْتِ الأَدَاءِ، بَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ النُّشْخَةِ
مُصَحَّحَةً وَمُقَابَلَةٌ بِأَصْلٍ صَحِيحٍ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ ص/ ٢٣ /.
٣٩