Indexed OCR Text
Pages 61-80
الحديث المؤفي عشرين وروى أبو داود من حديث خالد بن مَعْدانَ، عن بعض أصحاب النبيِّ ◌َّهِ: أنَّ النبيَّ ◌َهُ رأى رجلاً، وفي ظَهْرٍ قَدَمِهِ لَمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرهمِ، لم يُصِبْها الماءُ، فأمرَه النبيُّ نَّهِ أَنْ يُعيدَ الوضوءَ والصلاةَ. وفي إسناده بقيّة، یرویه عن بحیر بن سعد. وفي ((المسند)) عن أحمد أنه قال(١): ثنا بَحِيْر (٢). قال الأثرم: (١) في بعض نسخ ((الإلمام)): ((يعني بقية، وقد وثقه جماعة، وقد زالت تهمة تدليسه بقوله: حدثنا)». كذا ذكره ابن عبد الهادي على هامش نسخته الخطية (ق٧/ ب)، وانظر: المطبوع من «الإلمام)) (١ / ٧٤). (٢) * تخريج الحديث: رواه أبو داود (١٧٥)، كتاب: الطهارة، باب: تفريق الوضوء، والإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤٢٤)، كلاهما من حديث بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي (أَلے، به . قال ابن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق)) (١ / ١٣٠) بعد أن ذكر كلام الإمام أحمد في تجويد إسناد هذا الحديث: وقد احتج به الإمام أحمد أيضاً في رواية غير واحد من أصحابه، وتكلم فيه البيهقي وابن حزم وغيرهما بغير مستند قوي. ٦١ قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم. الكلام علیه من وجوه: * الأول: في التعريف: فنقول: بحِیر - بفتح ثاني الحروف، وکسر سادسها، وقبل الراء المهملة ياء - ابن سعد أبو خالد السُّحولي(١)، ويقال: الكُلاعي، ويقال: الحزازي الحِمْصي، روى عن أبي عبد الله خالد بن معدان الكُلاعي، روى عنه عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، ومعاوية بن صالح الحَضْرمي، وإسماعيلُ بن عيَّاش، ومحمد بن حمير، وبقيَّةُ بن الوليد، وأبو مطيعٍ معاويةُ بن يحيى الإطرائُلُسي. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: بحير بن سعد صالح الحديث. قال الأوْنَبِي: أخرج له أبو داود، والترمذي، وهو ثقة، قاله ابن صالح، والنسوي. وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: أَيُّما أصُّ حديثاً عن خالد بن معدان؛ ثور، أو بحير بن سعد؟ قال: بحير، فقدَّم بحيراً. (١) في الأصل و(ت)): ((السحوري))، والصواب ما أثبت. قال المزي: والسحول أخو الخبائر، وهو بطن من ذي الكلاع من حمير. ٦٢ و قال محمد بن عوف الطائي: قال أحمد بن حنبل: ليس بالشام أثبت من حُرَيْز، إلا أن يكون بحيراً، انتهى (١). وأما بَقِيَّة : - بفتح الموحدة وكسر القاف -، فهو أبو يُحْمِد - بضم الياء آخر الحروف(٢)، وسكون الحاء المهملة، وکسر الميم، وآخره دال مهملة - بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حُرَیْز، الكلاعي الشامي الحمصي. روى عن أبي خالد بحير بن سعد الحزازي الحمصي، وأبي سفيان محمد بن زياد الأَلَّهاني الحمصي، وأبي عبد الله ثابت بن عَجلان الأنصاري السلمي الحمصي. روى عنه: شعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن يحيى البرلسي المصري، وإبراهيم بن موسى الفرَّاء، وهشامُ بن عمَّار الدمشقيّ، وحَيْوَةُ بن شُرَيح بن يزيد الحَضْرمي الحِمْصي، وأبو سليمان يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينارِ الحمصي، وأبو حَفْص عمر بن سعيد بن (١) * مصادر الترجمة: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢ / ١٣٧)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢/ ٤١٢)، ((الثقات)) لابن حبان (٦ / ١١٥)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٤ / ٢٠)، ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ١٧٥)، ((الكاشف)) كلاهما للذهبي (١ / ٢٦٤)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١ / ٣٦٨). (٢) قال ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٧/ ٣٢٧): وأصحاب الحديث يقولون بفتح الياء . ٦٣ مسروقٍ الحمصي، وأبو عثمان سعيد بن عمرو بن سعيد السُّكُوني الحمصي، فيما ذكر الأَوْنَبي. قلت: اختلفت الأقوال فيه، فمنهم من وثّقه، وأطلق القول بذلك. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زُرعة يقول: بقية أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن عيَّاش، ما لبقيةَ عيبٌ إلا كثرةَ روايتِهِ عن المجهولين، فأما الصدقُ فلا يؤتى من الصِّدقِ، وإذا حدَّث عن الثقات فهو ثقة (١). وقال ابن صالح: بقية بن الوليد الحمصي، ثقةٌ ما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين، فليس بشيء(٢). وذكر عثمان الدارمي: أنه سأل يحيى بن معين قال: قلت: فبقية كيف حديثُه؟ قال: ثقةٌ، قلت: هو أحبُّ إليك، أو ابنُ حرب؟ فقال: ثقة، وثقة(٣) قلت: وقد أخرج مسلم لبقيةَ في المتابعة، وذكر الصوفي قال: ثنا سعيد بن عثمان قال: سألت محمد بن عبد الله بن السُّكّري عن بقية بن الوليد، فقال: حمصيٌّ، ثقة، يُحدِّث عن الضعفاء، فما حدث عن الثقات فهو صحيح. ومنهم من شَجَّع القول فيه: فعن أبي مُسْهِر الغَسَّاني أنه قال: (١) انظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٥). (٢) انظر: ((معرفة الثقات)) للعجلي (١ / ٢٥٠). (٣) انظر: ((تاريخ ابن معين - رواية عثمان الدارمي)) (ص: ٧٩). ٦٤ بقية ليست أحاديثه نقيّة، فكن منها على تقيّة(١). وعن سفيان بن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كان من سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره(٢) . ومنهم من فَصَّل القول، وبيَّن ما عابه به: ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سُئل أبي عن بقية، وإسماعيلٍ بن عَيَّاش، فقال: بقية أحبُّ إلي، فإذا حدَّث عن قوم ليسوا بمعروفين، فلا، يعني: لا تقبلوه(٣). وقال ابن أبي خَيْثَمة: سئل يحيى بن معين عن بقية بن الوليدِ، فقال: إذا حدَّث عن الثقات مثلٍ صفوانَ وغيره، فأمَّا إذا حدث عن أولئك المجهولين، فلا، وإذا كنَّى، ولم يسمِّ اسمَ الرجل، فليس يساوي شيئاً، فقيل ليحيى: أيُّهما أثبت؛ بقية، أو إسماعيل بن عياش؟ قال: كلاهما صالحان(٤). وعن ابن المبارك: إذا اجتمع بقية وإسماعيل بن عياش في الحديث، فبقية أحبُّ إليَّ(٥). (١) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٤٣٥)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٢/ ٧٢)، والخطيب في («تاريخ بغداد)) (٧ / ١٢٤) (٢) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٤٣٥)، ومن طريقه: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٠/ ٣٣٩) (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٤٣٥)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١ / ١٦٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٠/ ٣٤٣). (٤) ومن طريق ابن أبي خيثمة: رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٤٣٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٤٥/١٠). (٥) رواه البخاري في «التاريخ الأوسط» (٢/ ٢٢٦)، ومن طريقه: ابن عدي= ٦٥ وذكره أبو أحمد الحاكم في كتاب ((الأسماء والكنى)) فقال: ثقةٌ في حديثه إذا حدَّث عن الثقات بما يُعرف، لكنه ربما يروي عن أقوام نُبُّلِ مثل: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وعبد الله بن عمر العُمَرِي، أحاديثَ شبيهةً بالموضوعة، أحدها: عن محمد بن عبد الرحمن القشيري، ويوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، وغيرهما من الضعفاء، فيُسْقِطَهم من الوسط، ٩ ویرویها عمن حدثوه بها عنهم. وقال الأَوْنَبي: أخرج لبقيةَ هذا أبو داود، والترمذي، وأخرج له مسلمٌ في المتابعة، ولم يُتَكَلَّم [فيه من قِبَلِ حِفْظِ، ولا مذهبٍ، وإنما تُكُلِّمَ](١) فيه من قبل تدليسه، وروايته عن المجهولين. وقال ابن يونس: توفي سنة سبع وتسعين ومئة(٢). = في ((الكامل في الضعفاء» (١/ ٢٩٣)، ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٧/ ١٢٥)، ومن طريقه: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٠/ ٣٤٠). (١) زيادة من ((ت). (٢) * مصادر الترجمة: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ٧٦٩)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢/ ١٥٠)، ((معرفة الثقات)) للعجلي (١ / ٢٥٠)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٥)، ((الكامل في الضعفاء)) لابن عدي (٢ / ٧٢)، ((الضعفاء)) للعقيلي (١ / ١٦٢)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٧ / ١٢٣)، ((رجال مسلم)) لابن منجويه (١ / ٩٩)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٠/ ٣٢٨)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٤ / ١٩٢)، ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٥١٨)، ((ميزان الاعتدال)) كلاهما للذهبي (٢/ ٤٥)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤١٦/١)، ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص: ١٢٦). ٦٦ ، الوجه الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا توثيقَ من وثَّقه مطلقاً، ومِن بَيْنِ ما أنكر عليه؛ من تدليس، أو روايةٍ عن المجهولين، وقد انتفتْ هذه العلة في الحديث الذي أوردنا؛ لما ذَكَرنا في ((المسند)) عن أحمد، قال: حدثنا بحِير، فزال بذلك تهمةُ التدليس، والروايةُ عن المجهولين، وما ذكرنا من تصحيح القول فيه عن بعضهم، فليس فيه ما يدل على شيء منكر منه غيرِ التدليس، والرواية عن المجهولين، فقد وُجِدَ شرْطُ ذِكْرِنا له في الكتاب. * الوجه الثالث: في الفوائد، وفيه مسائل : الأولى: فيه دليلٌ على اشتراط الموالاةِ في الوضوء، وقد اختلفَ فيها الفقهاءُ، وليس فيه ما يدل على فصْلٍ طويل، أو قصير، وكيفما کان فهو دلیل. وقد رُوي في الحديث من وجه آخر: أنَّ النبي ◌َِّ قال: ((ارجع فأحسِنْ وضوءَك))(١)، وهذا لا ينافي ما دلَّ عليه هذا الحديث، فإنّ ((فأحسن وضوءك)) مُبْهَمٌ في كيفية الإحسان، مبيّنٌ في هذه الرواية أنه (١) رواه مسلم (٢٤٣)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، من حديث عمر بن الخطاب ﴾: أن رجلاً توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي بيتلحم فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك)) فرجع، ثم صلى. ٦٧ إعادة الوضوء والصلاة، بل قد ادعى الخطابي أنَّ دلالته: أنه لا يجوز تفريق الوضوء، وذلك لأنه قال: ((ارجعْ فأحسن وضوءك))، وظاهر معناه: إعادة الوضوء في تمام، ولو كان تفريقه جائزاً لأشبه أن يقتصر فيه على الأمر بغسلٍ ذلك الموضع، أو كان يأمره بمسِّه الماءَ في مقامه ذلك، وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يتوضأ منه(١). ولا يخلو بعض هذا من نظرٍ، لا سيَّما قوله في آخر الكلام: أو كان يأمرُه بمسِّ الماء في مقامه، ولا يأمرُه بالرجوع، فإنه جائزٌ أن لا يكون الماءُ حاضراً. وأيضاً، فلا فرق بالنسبة إلى وجوب الموالاة، أو عدم الوجوب بين الأمكنة، فلو كان الماءُ حاضراً، لم يَأمر بالرجوع، وإن وجبتِ الإعادةَ. ءُ الثانية: الحديثُ دالٌّ على الاشتراط، وما دل على الشرطية، دلَّ على الوجوب، بمعنى: أنه لا يجوز أداءُ المشروط بدون شرطِهِ، وأما العكسُ؛ وهو أنَّ الوجوب هل يستلزم الشرطية؟ بمعنى: أنه إذا وجب شيء في أمر هل يكون شرطاً فيه؟ هذا لا يستلزمه من حيث هو كذلك، ولكنه يُسْتَدَلُّ عليه بأن الغالب أنَّ ما كان واجباً في العبادة، كان شرطاً فيها، وبأنه إذا كان واجباً، فعند الإخلال لم يأت المأمورٌ به على الوجه المأمورِ به، فبقي في العُهدة. الثالثة: اتفقوا على جوازِ التفريق القليل، وإنَّما اختلافهم في الکثیر، واستدلَّ على ذلك: (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٦٣ - ٦٤) ٦٨ بأنه - عليه الصلاة والسلام - فرَّقَ التفريقَ اليسيرَ، حتى أخرج يده من الجُبَّة الشامية (١) . وممَّا يُستدل به على ذلك أيضاً رواية عبد السلام بن صالح، عن إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، عن رجل من أصحاب النبي وَيّ مَهْرِ يٌّ: أن رسولَ الله ◌َّر خرجَ عليهم ذات يومٍ، وقد اغتسل، وقد بقيت لمعة من جسدِهِ، لم يُصِبْها الماء، فقلنا: يا رسول الله! هذه لمعة لم يصبها الماء، فكان له شعر واردٌ، فقال بشعرِهِ هكذا على المكان، قبلَّه. وهذا يتعين(٢) منه: أن التفريقَ اليسير لا يضر، أخرجه الدارقطني، وقال: عبد السلام بن صالح هذا بصري، ليس بالقوي، وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق، عن العلاء مرسلاً، كما ذكر، ولم يَذْكُرْ تمام لفظه، وقال: وهو الصواب(٣). الرابعة: اختلفوا في حد الكثير: فقيل: أن يمضيَ من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخصِ، فلا عبرةَ بالمحموم، ولا بتباطؤ الجفافِ، ولا بمسارعته من جهة الحرارةِ. وقيل: يُؤخذ القليل والكثير من العادة. وقيل: إذا مضى قدرُ ما يمكن فيه إتمامُ الطهارة، فقد كثر (١) كما تقدم تخريجه من حديث المغيرة بن شعبة ظ (٢) في الأصل: ((يعني))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((السنن)) للدار قطني (١ / ١١٠). ٦٩ التفريق، وهذه الأقوال مذكورة في كتب الشافعية(١). الخامسة: الذي يتحقّق من الحديث: أن هذا الفصلَ ضارٌّ، والأمر بإعادة الصلاة يقتضي أن يكونَ قد وقعَ الفصل بمقدار الصلاة، ولا يلزم من ذلك إلا(٢) ما كان دونَ غيرَ ضار؛ لأنه إذا كان الزمنُ الأطولُ ضاراً، لم ينافِهِ كونُ الأقصرِ ضاراً؛ لدخول الأقصرِ في الأطول، فلا يتبيَّن من هذا المقدار الحدُّ في الكثرة المبطِلة. نعم، قد يكون ذلك دليلاً على اعتبارِ العادة، إذا لم تكن مدةُ الصلاةِ زائدةً على العادة، فإن كانت زائدة، فهو دليل على من يقول باعتبار العادة، لكنَّ الأصلَ عدمُ زيادتها. والرجوعُ إلى العادة هو أقوى هذه الأقوال التي حكيناها؛ لأنه إذا ثبت أنَّ التفريق الكثير يضرُّ شرعاً، ولم يَرِدْ حدٌّ فيه، فالقاعدة: أنْ يُرْجَعَ فيه إلى العُرْف، وله نظائر، كما في الحِرْزِ والقَبْضِ. السادسة: وأما القول بالجفافِ، فكأنه راجع إلى الاستحسان، وهو أن يقيمَ بقاءُ أثرِ الشيء مقامَ بقائه في نفسِه، فإنَّ الفعل قد انقطعَ، ولكنَّ البللَ الذي هو أثرُه باقٍ، فيقامُ مقامَ وجودِهِ؛ وهو ضعيفٌ، إلا أن يُدَّعى أن العادةَ تحكم بأن مثلَ هذا التفريقِ كثيرٌ، فحينئذٍ المرجوعُ إليه هو العادةُ لا الجفافُ. (١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٤٤٠)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله . (٢) ((ت): ((أن)). ٧٠ وقد يُدَّعى: أنَّ في الحديث ما يدل على عدم اعتبارِ هذا؛ لأنَّ التفرقةَ بينَ ما لم يُصِبْه الماء، وبين ما أصابه، قد تُشْعِر ببقاء البلل، وقد يكون الشعورُ به من جهة الوضاءةِ الحاصلة بالغسل لما غسل. وقد يُستدل من الحديث أيضاً على إبطالِ هذا القول؛ بأنَّ الأمر بإعادة الصلاة يدل على أنَّه وُجدت الصلاة، ووجود الصلاة مع الحركة في القيامِ والقعود، وملابسةِ الثياب، يقتضي الجفافَ ظاهراً بالأفعال والملامسة، والقائلون بهذا القول يعتبرون زمنَ الجفاف، والمعتاد دون النادرِ والطارىءٍ، كما دلَّ ما حكيناه [عنهم](١)، فلو كان وجوبُ الإعادة متوقِّفاً على الزمن المذكور، لتوقَّف الأمرُ به على وجود ذلك الزمن، ثم لَزِمَ من ذلك بيانُ تعلق الحكم به؛ لأنَّ صورةَ الجفاف لم تكنْ دالةً حينئذ على ما يتعلقُ به الحكم، فيقعُ الاشتباهُ عند عدم البيان بما يتعلَّقُ به الحكم. السابعة: وأما القولُ باعتبار الزمن بمقدار ما يُمكن [فيه](٢) إتمامُ الطهارة، فلا يدل الحديثُ على بطلانه؛ لأنَّه إذا كان ما ذكره ضاراً، فما وقع من التفريق بالصلاة أولى، لكنْ يُحتاج إلى دليل على إثباته، أي: إثباتِ اعتبارِ ذلك الحدِّ الذي ذكره. الثامنة: قالوا - من جهة الشافعية -: إنَّ اعتبارَ مدةِ التفريق من آخر الفعل المأتي به من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه، (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). ٧١ ووقع فصل، ثم مسحَ رأسَه قبل جفافِ ماء اليدين، لم يضرّ، وإن جف الماء على وجهه(١). وهذا تفريعٌ على اعتبار الجفاف، أعني: التمثيلَ بالصور المذكورة، والجفاف، وقد مر ما فيه قبل. وإذا اغتسل(٢) ثلاثاً، فالاعتبار من الغَسْلة الأخيرة(٣). وأما الاعتبار بآخر(٤) الفعل، فلا يَلْزَمُ أن يكون مفرَّعاً على اعتبار الجفاف. التاسعة: الذين أوجبوا الموالاة، اشترطَ أكثرُهم عدمَ العذر، وعن بعض الشافعية: طرَّد القولين في التفريق بالعذر أيضاً؛ مثَّل العذر بما إذا نفِدَ ماؤه، فذهب لطلبه، وخاف من شيء، فهرب(٥). وهو قول بعض المالكية، أعني: عدمَ اشتراطِ العذر، وأنه تجبُ الإعادة مطلقاً عند الإخلال بالموالاة، وفي كونِ النسيان عذراً خلافٌ عندهم، أي: على قول وجوبِ الموالاة، وظاهرُ مذهبٍ مالكِ الوجوبُ مع الذِّكْرِ دون النسيانِ، والمنسوبُ إلى ابن وهب الوجوبُ مطلقاً(٦). (١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٤٠ -٤٤١) (٢) ((ت)): ((غسل)). (٣) المرجع السابق، (١ / ٤٤١). (٤) في الأصل: ((بأجزاء))، والمثبت من (ت)). (٥) المرجع السابق، الموضع نفسه (٦) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٧٠). ٧٢ العاشرة: وأما المالكية فذكروا صورتین: إحداهما: أنَ يُبتدِىء بما ظنَّ أنه كفايتُه، فعجز عنه، هل يعذر بذلك؟ وحکي قولان: قال بشير المالكي: وهذا على الخلاف في أن الاجتهاد هل يرفع الخطأ، أو لا؟ قلت: وهذا الإطلاق، وجعله قاعدةً، لا يستمر في كل صورة، فإنه [و](١) إن صح في المجتهد في القِبلة إذا أخطأ، فلا يصحُّ في المجتهد في غروب الشمس في رمضان إذا أخطأ نهاراً، ولا في بقاء الليل إذا أخطأ ليلاً، إلى غير ذلك من الصور، وإنما انقسمَ الناسُ في القاعدة، فمن أراد إلحاق الفردِ المختلف فيه بآحاد الصور، فعليه دليلٌ التخصيص. الصورة الثانية: إذا ابتدأ بماءٍ كاف بلا شكّ، فغُصِبَ، أو أُهْرِيِقَ، فصُحِّح عنِ المالكية؛ أنه معذورٌ، ونُقِلَ قولٌ لبعض المتأخرين؛ أنه لا يُعذر به، قال بعضهم: وهذا أولى بالعذر من الناسي، فإن النَّاسي معه بعضُ التفريط، وهذا غير مفرِّط(٢). وهذا يعارَضُ بأنَّ النسيانَ كثيرُ الوقوع، ولا تساويه في الوقوع الصورة المذكورة؛ الغصب والإراقة. الحادية عشرة: زعم بعضُهم؛ أنَّ التفرِقَةَ بين المعذور وغيره، (١) سقط من ((ت)). (٢) وانظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ٢٢٦). ٧٣ سببها: أنَّ رؤيةَ الموالاةِ من بابِ المنهيَّت، والمنهياتُ يفترق عَمْدُها ونسيانها، قياساً على الكلام في الصلاة. وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الأمرَ بالشيء مع النَّهي عن ضدِّه، إمّا أن يتلازما، أو لا؛ فإن لم يتلازما: لم يلزمْ، إذا وردت صيغةُ الأمر بشيء، أن يكون ضدُّه من باب المنهيات. وإن استلزمه: فإذا كان أمرٌ يستلزمه النهيُ، فيلزم أن يكون لنا ردُّ كلِّ أمرٍ إلى باب المنهيات، وهو باطل. وإن انقسم الحال: فمن ادَّعى في شيء معيَّنِ إلحاقَه ببعضٍ دون بعض، فعليه البيان. الثانية عشرة: حُكِيَ عند المالكية قولٌ بالفرق بين الممسوح والمغسول، بمعنى عدم الاشتراطِ في الممسوح دون المغسول، وعُلِّل: بأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيف(١). وهذا نوع من الاستحسان لمناسبة ضعيفة، ثم نقول: إما أن يُدّعى التخفيفُ في كل أحكام المسح، أو في بعضها؛ فإن كان في الكل: فلا بد من دليلٍ عليه، وكيف يمكنه ذلك مع القول بوجوب التعميم في مسح الرأس؟ فإنه تثقيل لا تخفيف. وإنٍ انقسم الحال: فلا بدَّ من دليل يدل على خصوص الإلحاق بما أُلحق به. الثالثة عشرة: وعند المالكية قولٌ آخرُ في الفرق بين الممسوح (١) انظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (٢ / ٦٧). ٧٤ بدلاً، والممسوح أصلاً(١)، وهو أيضاً ضعيفٌ، مبنيٌّ على مناسبةٍ ضعيفةٍ، أو استحسانٍ، وهو درجة منحَطَّةٌ عن التمسُّكِ بالظواهرِ . الرابعة عشرة: الذي دلَّ الحديث عليه؛ هو التفرقةُ في المغسول، والنظرُ إلى تعلّقِ الأمر بالفعل المتناوِل للمَمْسوحِ، والممسوحُ يقتضي أنْ لا فرقَ بينهما، ولكن يمكن الفارق أن يقول: دلَّ الحديثُ على المغسول، فلا أعدِّيه إلى الممسوح، فإمّا أن يسند عدم التعدية إلى الأصل، أعني: عدمَ الوجوب، وهو باطلٌ؛ لدلالة النص على الأمر بالجميع، وإما أن يسنده إلى دليل من خارج، يقتضي عدمَ الوجوب في الممسوح، ويخرج عنه الوجوبُ في المغسول بهذا الحديث، فعليه إبانةُ ذلك الدليل، وأمر التخفيف قد ضعفناه. الخامسة عشرة: مما يمكن أن يعارَض به الاستدلالُ بهذا الحديث، من جانب من لا يشترطُ الموالاة، الاستدلالُ بالآية الكريمة؛ ووجهُه أن يقالَ: أتى بما أمر به؛ وهو غسل الأعضاء المعينة، مع مسح الرأس، فوجبَ أن يَخْرُج عن العُهْدة، وهذا اعتقاد؛ لأنَّ الآية الكريمة لا تدلُّ على الموالاة، وقد نوزع فيه : إما بناءً على القول: بأن الأمر على الفور، أو لأن (إذا) وإن كانت شرطاً، فهي ظرف، والعامل فيها جوابُ ما (٢)، فكأنه قيل: اغسل هذه الأعضاء إذا قمت؛ لأن (الواو) الداخلة بين الأعضاء (١) انظر: ((مواهب الجليل)) للحطاب (١ / ٢٢٣). (٢) في هامش ((ت)): ((لعله: جوابها)). ٧٥ تقتضي التشريك، وربما ادعى بعضُهم [أن](١) الشرطَ هاهنا قرينةٌ على الفورية. أُورِد عليه: أنه إنما تقتضي الآيةُ الفورَ في حقِّ من قام إلى الصلاة، لا في حقِّ مَنْ توضأ قبل الوقت، أو قبلَ أن يريدَ القيامَ إلى الصلاة . أجاب بعضُ المتأخرين عن هذا: بأنه فهم من ذلك: أن الأعضاء الأربعةَ في حكم العبادة الواحدة، لمَّا وجب تواليها في بعض الحالات، حكمنا بذلك في حقِّ مَنْ توضَّأ قبل دخول الوقت، أو وقتَ إرادته للصلاة . وهذا الفهمُ الذي ادَّعاه، إن كان يسنده إلى الوجدان في نفسه، فقد یعارضه خصمه بضد ذلك. وإن كان يسنده إلى دليل شرعي، فليبيِّه؛ فإنه لا يلزم من كونها كالعضو الواحد في حالة مخصوصة، أن تكونَ كالعضو الواحد مطلقاً، نعم، يمكن على طريقة المتأخرين، أن يقال: إذا وجبتِ الموالاةُ في الصورة التي سلمتموها، وجبَ في غيرها، لعَدَم القائل بالفصل، إلا أنَّا قد أشرنا في ما مضى: أنَّ مثل هذا من باب الجدليات، وأنه لا يستند إليه الحكم في أول زمنٍ الاجتهاد، هذا على تقدير أن يكون عدمُ القول بالفصل مما يمنع في مثل هذه الصورة. (١) زيادة من هامش ((ت)). ٧٦ السادسة عشرة: وأما الاستدلال بالفور، واقتضاء الأمر له، فالمختار خلافُه عند الشافعية(١)، وربما قال بعضُهم: إنَّ الأمر على الفور مالم تقترنْ به قرينةٌ، وهاهنا قرينة، هي الإجماع، فإنه لو توضَّأ فغسل وجهه، وبقي ساعةً بحيث لا تنشف أعضاؤه، فإن وضوءَه صحيحٌ، وإن لم يكن فيه فور، وهذا ليس بالقوي، فإن الخصمَ لا يجعل التفريقَ اليسيرَ منافياً للموالاة، والله أعلم. السابعة عشرة: يُدَّعى أنَّ لهذا الحديث مُعارِضٌ من حديث آخر، يَسْتَدِل به من لا یری وجوب الموالاة، وهو ما رُوي من حدیث سالم، عن ابن عمر، عن أبي بكر وعمر (٢)، عن النبيِّ وَّهِ، قال: جاء رجلٌ قَدْ توضَّأَ، وبقي على ظهْرِ قدمِهِ مِثْلُ ظُفْرِ إبهامِهِ، لم يَمَسَّهُ الماءُ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((ارِجِعْ، فأتمَّ وضَوْءَك)) ففعل. أخرجه الدار قطني، والحديث من رواية المغيرة بن سقلاب، عن الوازع پِن نافع، عن سالم. قال الدار قطني: الوازعُ بن نافع ضعيفُ الحديث(٣). (١) انظر: ((المحصول)) للرازي (٢ / ١٨٩). (٢) في الأصل و((ت)): ((أبي بكر بن عمر))، وجاء فوقها في (ت): ((كذا))، والتصويب من ((سنن الدارقطني)). (٣) انظر: ((سنن الدارقطني)) (١ / ١٠٩). وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (١ / ٩٥). ٠ ٧٧ قلت: ولم يخْلُ المغيرةُ من مسِّ أيضاً(١). على إمكانِ المنازعةِ في دلالة: ((أتمَّ وضوءَك))، على الاكتفاء بغَسْل المكان، وقد ذكر بعضُ الشافعيَّةِ في الاستدلال: أنَّه رُوِي: أنَّ رجلاً توضَّأ وتركَ لَمْعَةً في عَقِبِهِ، فلمَّا كان بعد ذلك، أمرَهُ النبي ◌َّهِ بِغَسْل ذلك الموضع، قال: ولم يأمره بالاستئناف، ولم يَسْأَله عن المُدَّة الفاصلة(٢). ودلالة قوله: ((أمره بغَسْل ذلك الموضع)) على عدمِ الموالاةِ أقوى من دلالة ((أتم وضوءك)) على ذلك(٣)، فإذا أرادَ الاستدلال، فلا بد من إثبات هذا اللفظِ الزائدِ في القوة، [و](٤) لا يمكن أن يقال: إِنَّه من باب الرواية بالمعنى، فإن مِنْ شَرْطِهِ عندهم اتّحادُ الدلالة بين اللفظين، ولا اتّحادَ مع وجود التفاوت. وأمَّا الحديثُ الذي فيه: ((ارجع، فأحسِنْ وضوءَك)) فقد ذكرنا الكلامَ فيه، وما قاله الخطابي، وليس يتبيَّن أنَّ الإحسان بماذا، أهو بالابتداء، أم بالإكمال؟ وقد روى ليث - وهو ابن أبي سليم -، ثنا عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، أو عن أخي أبي أمامة قال: رأى رسول الله وَّلقول قوماً على أعقاب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو (١) قال العقيلي في ((الضعفاء)) (٤ / ١٨٢) بعد أن أورد الحديث في ترجمة المغيرة بن سقلاب: لا يتابعه إلا من هو نحوه. (٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٤٣٩). (٣) نقله الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٩٥) عن المؤلف رحمه الله. (٤) زيادة من ((ت)) . ٧٨ مثل موضع الظُّفْرِ لم يصبه الماء، قال: فجعل يقول: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) قال: فكان أحدُهم ينظر، فإن رأى موضعاً لم يمسَّه الماء، أعاد الوضوء(١). والله أعلم. (١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ١٠٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١/ ٨٤)، وإسناده ضعيف؛ ليث بن أبي سليم معروف باختلاطه. قال البيهقي: وهذا إن صح، فشيء اختاروه لأنفسهم، وقد يحتمل أن يريد به إعادة وضوء ذلك الموضع فقط . ٧٩