Indexed OCR Text
Pages 501-520
وهو ما ثبت عن النبي وَّلهم أنه صلَّى ركعتين بعد العصر، وقالت عائشة
- رضي الله عنها -: لَمْ يَدَعْ رَسولُ اللهِنَّهِ الرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، قالت
عائشة: قال رسول الله وَّه: ((لا تَتَحَرَّوا بِصَلاتِكُمْ طَلَوعَ الشمسِ
ولا غُرُوبَهَا فُتُصَلُّوا عِنْدَ ذلك)) وهو في ((الصحيح) (١)، وفي ((الصحيح)
- أيضاً - عنها: ((مَا تَرَكَ رسولُ الله ◌َّهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَطُ))(٢).
والمنقول عن داود أنه قال: يصلِّي التطوع بعد العصر الحديث
عائشة: مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ﴿ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ فِي بَيْتِي قَطُّ، قال:
ولا يتطوَّع بعد الصبح؛ لأن الآثار في ذلك غير ثابتة، والأصل أن
لا يمنع من عمل البر إلا بدليل لا معارض له، وقد تعارضت الآثار في
الصلاة بعد العصر فواجب الرجوع إلى قول الله تعالى ﴿وَأَفْعَلُوا
اُلْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] والصلاة فعل خير(٣).
فمن الناس من استثناهما عن الكراهة مطلقاً، وأجاز ركعتين بعد
العصر لا غير، تقديماً للخاص الذي هو الدليل الدالُّ على جوازهما،
على العامِّ الذي هو الدليل الدالُّ على المنع من الصلاة، وتقديم
الخاص على العامِّ طريق معبَّد.
(١) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (٨٣٣).
(٢) رواه البخاري (٥٦٦)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلى بعد العصر
من الفوائت ونحوها، ومسلم (٨٣٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها،
باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ◌َّر بعد العصر.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (١/ ١١٥).
٥٠١
ومن الناس من حمل ذلك على أنه لسبب خاصٍّ؛ وهو قضاء
الركعتين بعد الظهر لأجل الشغلِ عنهما، كما صحَّ في الحديث، وهذا
مذهب الشافعي - أعني: إثباتَ الكراهة - فيما عدا ما له سبب، وقد مَرَّ
لنا كلام في تعدية هذا إلى كل ما له سبب(١).
التاسعة والسبعون: وله معارض آخر، وهو الحديث المرويُّ
عن علي - ه - وهو منع الصلاة بعد العصر، إلا أن تكون الشمس
مرتفعة (٢)، فإن مفهومه يقتضي الجواز إذا كانت [الشمس](٣) مرتفعة،
وهو خلافُ ما دلَّ عليه العموم في هذا الحديث، وفي حديث:
(لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى
تَغْرُبَ الشمسُ))(٤)، والله أعلم.
الثمانون: والصلاة بعد الصبح [له] معارِضٌ، وهو حدیث قیس
ابن عمرو [قال](٥): رأى النبي ◌َّلفر رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين،
فقال النبي بَلٍ: ((أَصلاةَ الصبح مَرَّتَيْن؟)) قال: إنه لم أكن صليتُ
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١٠٩/٣).
(٢) رواه أبو داود (١٢٧٤)، كتاب: الصلاة، باب: من رخص فيهما إذا كانت
الشمس مرتفعة، والنسائي (٥٧٣)، كتاب: المواقيت، باب: الرخصة في
الصلاة بعد العصر، بلفظ: ((نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس
مرتفعة))، وإسناده صحيح.
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) سقط من ((ت)).
٥٠٢
الركعتين قبلها، فصلَّيت الآن، قال: فسكت رسول الله ◌َيَ(١)، وفي
تسمية هذا الراوي وتسمية أبيه اختلاف في الروايات.
الحادية والثمانون: فالشافعي يرى أن ذلك من باب ما أجيز لوجود
السبب، وتعديته إلى ما عدا ذلك من الأسباب، وقد تقدَّم ما فيه، ومالك
لا یری ذلك.
الثانية والثمانون: ولهما معاً - أعني: الصلاةَ بعد الصبح، وبعد
العصر - معارض آخر من وجه، وهو: قوله - عليه الصلاة والسلام -:
(إِذَا دَخَل أَحدُكُمُ المِسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ))(٢) أو بصيغة
الأمر، ووجه التعارض من وجه: أن النهي عن الصلاة خاصٌّ بالوقت،
عامٌّ في الصلوات، والأمر بالصلاة عند دخول المسجد خاصٌّ بهذه
الصلاة، عامٌّ بالنسبة إلى الوقت، فيتعارضان، ويتكافآن، ونحتاج إلى
الترجيح، وقد مرَّ لنا مثل هذا، وأن الترجيحَ قد يُراد به النظر إلى
المقصود، وقد يُراد به الترجيحُ بالأمور الخارجة عن ذلك، والأول إذا
ظهر وجهُه أقوى، فإن تعذَّر رُجع(٣) إلى الترجيح العام.
الثالثة والثمانون: فيمكن الشافعية أن يرجِّحوا بالدليل الدالِّ على
جواز ما له سبب، ودخولُ المسجد سببٌ، فيترجَّح دليل الأمر بذلك
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه مسلم (٧١٤)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب
تحية المسجد بركعتين، من حديث أبي قتادة ظه.
(٣) (ت)): ((رجح)).
٥٠٣
الدليل، لكن تعميم(١) الحكم في كل ما له سبب يحتاج إلى لفظ
يقتضي العمومَ، وهو غيرُ موجود، وإنما الموجود دلائلُ خاصَّةٌ على
أسباب خاصّةٍ، وقد نبّهنا على ذلك.
الرابعة والثمانون: ولجميع ما يدلُّ على الكراهة في الأوقات
المذكورة معارضٌ آخر، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ نَمَ
عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَها، فَلْيُصَلُّها إِذَا ذَكَرَها))(٢)، وبه يَستدِلُّ من يُجيز قضاءَ
الفوائت في الأوقات المكروهة، لكن بين الحدیثین عمومٌ من وجه،
وخصوصٌ من وجه، لا عموماً مطلقاً، وخصوصاً مطلقاً، فيُحتاج إلى
الترجيح لوقوع التعادل، فإنَّ أحدَ الخصمين إذا قال: أَخُصُّ الفوائت
عن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بقوله - العليطي -: ((مَنْ نَامَ عَنْ
صَلاةٍ أَوْ نَسِيَها))؛ [لأنه عامٌّ في الصلوات، وهذا خاصٌّ بالفوائت منها،
قال خصمه: أَخُصُّ هذه الأوقات من قوله - الظَّه - عن قوله - السَّم -:
((مَنْ نَمَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَها))](٣) فإنَّه عامٌّ في الأوقات(٤) فيتعادلان،
وقد رجَح العمل بحديث النوم عن الصلاة، بأن حديث الأوقات وقع
التخصيصُ فيه اتفاقاً بعصر اليوم، ولم يقع الاتفاقُ على تخصيص
هذا، والأول أولى، وقد مَرَّ لنا هذا على سبيل التمثيل فيما مضى.
(١) في الأصل: ((تعليل))، والمثبت من ((ت)).
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((الصلوات)).
٥٠٤
الخامسة والثمانون: قد يترتَّب على المنع من الصلاة في هذه
الأوقات مصلحةٌ أخرى، سوى ما اقتضاه التعليلُ السابقُ في الحديث؛
وهو مصلحة إجمام النفس عن كدِّ العبادة في المتعبدين الذين اشتدت
رغبتُهم في تكثير النوافل، واقتضته طبائعُهم من المبالغة فيما يعزِمون
عليه، وفي ذلك مصلحةُ إجمام النفس لتتلقَّى العبادةَ بعدها على
انشراح ونشاط، ودرءُ مفسدةٍ تَكْرِيهِ العبادة إلى النفس «اكْلَفُوا من
العَمَلِ ما تُطِيقُون))(١). وإن كان ما قيل عن الحولاء بنت تُوَيْتٍ في أنها
لا تنام الليل بقوله - الَّه ـ ((لا تَنَامُ الليلَ))(٢) على وجه الإنكار: ((إِنَّ
هذا الدينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلى نفسك عبادةَ الله؛
فَإِنَّ المُنْبَتَّ لا أَرْضاً قَطَعَ، وَلَا ظَهْراً أَبْقَى))(٣)، ولا يعارَض هذا بأن
يقال: هذا يشكل بوجهين :
أحدهما: أن النبي ◌َّ صلَّى حتَّى تورَّمت قدماه(٤)، قال الله تعالى:
﴿ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨].
والثاني: أنه لو كان اعتبر ما ذكرتموه، لما اختصَّ ذلك بمنع
(١) رواه البخاري (١٨٦٥)، كتاب: الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر
الوصال، من حديث أبي هريرة
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه عند الشيخين في أول هذا الكتاب.
٥٠٥
الصلاة بخصوصها؛ لأنا نجيب عن الأول: بالفرق بين حال النبي وَلقول
في هذا، وحال غيره، ولا يبقى تكلَّفه وَ﴿ وتبتُّله إلا أن تكون
فيه المصلحة المذكورة في حقٍّ من ليس على حاله، والنبي بَّر قد
جُعِلت قرَّةُ عينه في الصلاة، وذلك واقع لكل ما ينشأ عن نقل العبادة
على غيره.
وعن الثاني: بأن الصلاة فيها أعمال البدن كلِّه بالأفعال،
والحركات المقتضية للتعب والمَلالِ وتَكْرِيه العبادة إلى النفس.
السادسة والثمانون: ينبغي للمتعبِّد إذا وُجِدَت هذه الأوقات
أن يستحضرَ هذا المعنى، ويعتبره في تركه، لتحصل له زيادة،
ولا يحصل على تقدير الغفلة عنه، ولا يُعتَرَض على هذا، فإنه قد
ألزم هذا الترك بالنهي الوارد فيه، وإنما يكون هذا في المباحات(١)
التي له أن يفعلها، وأن لا يفعلها، ويتوقف الثواب عليها على
تقدير أن يفعل لتحصل المصلحة المطلوبة؛ لأنا نقول: إنما ادَّعينا
أنه ينبغي استحضارَه لتحصل له زيادة لا تحصل على تقدير
غفلته، وحصول الزيادة أعمُّ من حصول الزيادة بالثواب، وهو ظاهر،
فتأمله.
السابعة والثمانون: قوله - العَيْل ـ: ((ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصلاةِ، حتَّى
تَغْرُبَ الشمسُ؛ فَإِنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِيْنَئِذٍ يَسْجُدُ لها
(١) (ت)): ((المباحثات)).
٥٠٦
الكفَّار» هذه العلّة مذكورة في الطلوع والغروب، وليست مذكورة في
[هذا](١) الحديث وقت الاستواء، وإنما المذکور فیه إسجارُ جهنم،
وقد ورد حديث آخر يقتضي مقارنة الشيطان لها عند الاستواء، وليس
في واحد من الحديثين التعليلُ بسجود الكفار عند الاستواء، ولعلَّ
سببه عدمُ وقوع ذلك في الوجود الخارجي، فبطل التعليل به، وهو
الأظهر.
الثامنة والثمانون: الخلافيون من المتأخرين يقولون: إن التعليل
بالمناسبة يقتضي الحصر؛ لأن قولنا: فعل كذا لكذا، يمنع أن يقال:
فعله لكذا غيره، في العرف والاستعمال، فإذا قيل: أُعطيتُ هذا
الفقره(٢)، لم يحسن أن يقال معه: أعطيته لعلمه(٣).
فلو قال قائل: قد ذكرتم التعليل بإسجار جهنم في هذا الحديث،
وذكرتم مقارنة قرني الشيطان لها عند الاستواء، والحديث يقتضي
التعليل بذلك، فاللازم أحد أمرين: إما عدم مناسبة العلّة للحكم، أو
عدم اقتضاءِ المناسبة للحصر، فنقول في الجواب: اقتضاءُ المناسبة
للحصر دليلٌ ظاهر يعارضه التصريح بعلَّة أخرى، وتقدَّم عليها
لرجحانها عليه، ولعدم لزوم التعارض المنتفي جزماً.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لفعله)).
(٣) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٥/ ١٩٤) عن المؤلف رحمه الله.
٥٠٧
التاسعة والثمانون: قوله - العَيْه -: ((ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ)»
عام بالنسبة إلى أجزاء هذا الوقت كلُّه، وقد ورد ما يقتضي النهي عن
الصلاة وقتَ الاصفرار، ولا يلزم من هذا التخصيص هاهنا تخصيصُ
العموم في النهي عن الصلاة في جملة أجزاء هذا الوقت؛ لأن ذكر
بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، على ما وقع الاختيار عليه في
فنَّ الأصول، ولْيُلْتَفَتْ مع ذلك إلى ما كنّا قدَّمناه: في أن المفهوم هل
يخصِّص العموم، أو لا؟ إذا كان ثَمَّ مفهومٌ به.
التسعون: قوله - العَيْه -: ((حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ)) يقتضي مخالفةَ
ما بعد (حتى) لما قبلها، والذي قبلها الإقصار عن الصلاة، فلينتهِ
بغروب الشمس، ويثبت بدلُه، فيثبت الجواز، فالذين يكرهون الركعتين
قبل المغرب، يحتاجون إلى الجواب عن هذا، وقد ورد فيهما خصوصاً
حديث، يقتضي استحبابهما، أو جوازهما؛ لكون النبي ◌َّ- رآهم
يصلونهما (١)، فلم يأمرهم، ولم ينهَهُم(٢).
الحادية والتسعون: المنع ينتهي بانتهاء غروب الشمس، وهو
محمول على غروبها مع عدم الموانع من رؤيتها على تقدير كونها
(١) في النسختين: (يصلوهما)).
(٢) رواه البخاري (٥٩٩)، كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة،
ومن ينتظر الإقامة، من حديث أنس ﴿ه قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس
من أصحاب النبي ◌ّي﴿ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي بَّر وهم
كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب.
٥٠٨
طالعةٌ؛ لأنها عند قيام الموانع لم تَغْرُب حقيقةً، والحكم معلّقٌ على
الحقيقة .
الثانية والتسعون: ويقتضي الاكتفاءَ بما يسمى غروباً للشمس،
أي: مع [عدم](١) الموانع كما ذكرناه، وبعض الفقهاء يقول في الغروب:
غروب الشمس وشعاعها المستولي عليها (٢).
الثالثة والتسعون: الذين منعوا الصلاة قبل المغرب، ربما علَّله
بعضُهم بمنافاة الصلاة للمستحب من تعجيل صلاة المغرب، فإِنْ ضَيَّقَ
وجعلَ وقتَ الاستحباب يتناول وقتَ الركعتين، فقد يمنعه المخالف
هذا التضييق، وإِنْ لم يضيِّق، فيمنع منافاتهما للمستحب المذكور.
الرابعة والتسعون: إباحة الصلاة بعد الغروب يعارضه حديث
آخر، الحديثُ الصحيح عن أبي برزة الأسلمي: ((لاصَلاةَ بَعدَها حَتَّى
يَطْلَعَ الشاهد))(٣) والشاهد: النجم.
ووجه المعارضة: أن طلوعه وظهوره يكون بعد غروبُ الشمس
بزمان، فيكون هذا الحديث الذي نحن فيه دالاً على الزيدية القائلين
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) قاله بعض أصحاب الإمام مالك، كما ذكر المؤلف في ((شرح عمدة
الأحكام)) (١ / ١٣٥).
(٣) رواه مسلم (٨٣٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات
التي نهي عن الصلاة فيها، لكن من حديث أبي بصرة الغفاري
٥٠٩
بتأخير وقت المغرب إلى ظهور النجم، ولهم أن يقولوا: إِن حديث
أبي برزة يقتضي من المنع أمراً زائداً على ما اقتضاه هذا الحديث؛ من
انتهاء المنع إلى غروب الشمس، وهذا الحديث يقتضي المنع بما زاد
على ذلك الوقت، والأخذ بالزائد واجب، فيقال: عليهم بجعل
حديث أبي برزة من التعبير عن الشيء بما [يقاربه](١)، وغروبُ
الشمس مقاربٌ لطلوع الشاهد، والتعبيرُ بالشيء عمَّا قاربه سائغٌ
مشهورٌ، فإن قيل: هو مجاز ومشترك الدلالة، فإنكم إن قلتم: إنه عبّر
عن غروب(٢) الشمس بطلوع الشاهد، فنعكسه، ونقول: عبَّر عن
طلوع الشاهد بغروب الشمس، فتتساوى الأقدام، قلنا: إذا انتهى الأمر
إلى هذا رجعنا إلى البيان قولاً وفعلاً:
أما القول: فقوله ◌َّهُ في حديث عبد الله بن عمرو: ((وَوَقْتُ
صَلاةِ المَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشمسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشِفَقُ))(٣).
وحديث بريدة: ((فَأَقَامَ المَغْرِبَ حِيْنَ غَابَتِ الشمسُ))(٤).
وفي رواية في حديثه: ((ثُمَّ أَمَرَهُ - يعني بلالاً - بِالمَغْرِبِ حِيْنَ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل ((طلوع))، والمثبت من ((ت)).
(٣) رواه مسلم (٦١٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات
الصلوات الخمس .
(٤) رواه مسلم (٦١٣)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات
الصلوات الخمس.
٥١٠
وَجَبَتِ الشمسُ))(١).
وفي حديث أبي موسى: ((فَأَقَامَ المَغْرِبَ حِيْنَ وَقَعَتِ الشمسُ))(٢)،
وكُلُّها صحيحةٌ متعاضدةٌ، وكذلك قوله: ((كَانَ يُصَلِّي المَغْرِبَ إِذَا
غَابَتِ الشمسُ، وَتَوَارَتْ بِالحِجَابِ))(٣)، والاحتمالات مع التعاضد
والكثرة تُبْعِدُ المجاز، أو تنفيه.
الخامسة والتسعون: الكلام في قوله: ((فالوُضوءَ أَخْبِرْني عنه)»
كالكلام في قوله: ((أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله))، وقد تقدَّم فاعتبره هاهنا.
السادسة والتسعون: ((ما مِنْكُمْ مِنْ رَجُلِ (٤) يُقَرِّبُ وَضوءَه))،
الوَضوء: الماء، والحقيقة ممكنة في تقريبه، ويحتمل أن يكون دلَّ بها
على نفس الوضوء؛ لأنه السبب، والوَضوء المسبَّب.
السابعة والتسعون: الحديث يدلُّ على استحباب المضمضة
والاستنشاق والانتثار، وأنها سننٌ ثلاثة، والأكثرون يقتصرون على
ذكر المضمضة والاستنشاق في سنن الوضوء دون ذكر الانتثار، والله
أعلم.
(١) رواه مسلم (٦١٢)، (٤٢٩/١).
(٢) رواه مسلم (٦١٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات
الصلوات الخمس .
(٣) رواه مسلم (٦٣٦)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: بيان أن أول
وقت المغرب عند غروب الشمس، من حديث سلمة بن الأكوع ﴾﴾.
(٤) ((ت)): ((أحد)).
٥١١
الثامنة والتسعون: الانتثار يقتضي فعلاً وتعمُّلاً زائداً على مجرَّد
خروج الماء من الأنف، فلا تحصل السنّة إلا بزائد.
التاسعة والتسعون: خروج الخطايا من الوجه ذُكِر مرتین:
إحداهما: عند ذكر المضمضة والاستنشاق والانتثار، حين قيل:
((خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِیمِه)).
وذُكِرَ أيضاً: عند غسل الوجه حين قال ◌َّهِ: ((ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ
كَمَا أَمَرَهُ اللهُ - وَّ - إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطَرَافِ لِحْيَبِهِ مَعَ المَاءِ»
فينُظَر في ذلك.
والذي أَذهبُ إليه فيما يرجع إلى نفسي، لا فيما يرجع إلى
المناظرة: أن المواضع التي يقع الاختلاف فيها بين الرواة، وتحتاج في
الجمع بينها إلى التأويلات المستكرهة، أو في تخريج بعضها إلى
الوجوه الضعيفة، بحيث لا تطمئنّ النفس إلى التأويل والتخريج، أن
أذهب إلى الترجيح، وأبنيَ عليه، وأقدِّمَه على طريقة الجمع
والتخريج؛ لأن اختلاف الرواة فيما يرجع إلى الدلالة على المعاني
كَثُرَ كَثْرَةً لا يمكن إحصاؤها، فيكون النظرُ الحاصلُ من أن سببَ ذلك
الاستكراهُ، والضعفُ من اختلاف الرواة أغلبُ من الظن الحاصل
من أَنَّ المراد من لفظ الشارع أو أكابر الصحابة والعلماء ما يستكره
ولا تطمئنُّ النفس إليه.
إذا ثبت هذا، فهذه اللفظة المذكورة عند المضمضة والاستنشاق
والانتثار، أعني ((وَجْهَه)) مختلفٌ فيها، ففي ((صحيح مسلم)) ما ذكرناه،
٥١٢
وفي ((صحيح أبي عوانة)): ((ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَتَثِرُّ إلاَّ خَرَّتَ خَطَايا فِيهِ
وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايا
وَجْهِهِ مِنْ أَطَرَافٍ لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ)) [أخرجها من رواية أبي الوليد، عن
عكرمة بن عمار ((إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ))، لم يذكر (وَجْهَه)
إلا عند غسل الوجه، فقال: ((ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّ خَرَّتْ
خَطَايا وَجْهِهِ مِنْ أَطَرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ))](١) أخرج ذلك الحافظ
أبو نعيم في ((المستخرج على كتاب مسلم)) فهاتان(٢) روايتان، عن
عكرمة(٣)، والمقرىء من رجال الصحيح، ومشاهير الرواة، وأبو
الوليد من أكابر الرواة وحفّاظ الحديث، لم يذكرا هذه اللفظة
عند المضمضة والاستنشاق، وخالفهما النظر عنه، فإن توجّه عندك
ما تطمئنُّ النفس إليه من التأويل و(٤) التخريج، وإلا فارجع إلى هذا،
ويمكن أن يقال في التخريج: [إن](٥) (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ)) معطوف على
الفعل الأول، الذي هو ((يُقَرِّبُ)) لا على ((يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ)) فيكون
التقدير: ما منكم من أحد يقرِّب، فيُمَضْمِضُ، ما منكم من أحد يقرِّب
ثم يغسل وَجْهَهُ، فیکون لخروج خطايا الوجه طريقان :
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((فهذان))، والمثبت من ((ت)).
(٣) وقد تقدم تخريجهما.
(٤) ((ت)): ((أو)).
(٥) زيادة من ((ت)).
٥١٣
أحدهما: أن يقرِّب، ويُمَضْمِضُ ويَسْتَنْشِقُ ويَنَثِرِ، فعلى هذا:
لم يبق في الوجه خطايا، فلا يكون غسله مُخْرِجاً لخطاياه.
والطريق الثاني: أن يقرِّب وَضوءه، ثم يغسل وجهَه، ويترك
المضمضة والاستنشاقَ، فحينئذ تخرجُ خطايا الوجه بغسله.
ونظيرُ العطفِ على الفعل الأول، ما قيل في قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ﴾[آل عمران: ١٤] إنه لا يعطف الخيل على الذهب
والفضة، بل على القناطير، أو غيرها مما مضى، وكما قيل في قوله
تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَعِنَبِ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا
تَفْجِيرًا ، أَوْ تُشْقِطَ السَّمَآءَ﴾ [الإسراء ٩١ - ٩٢] إن تسقط لايجوز أن
يكون معطوفاً على تفجر التي (١) تليه هو، بل على الفعل السابق، وهو
أو تكون.
فإن قلت: الفرق بين البابين واضحٌ، لأن الضرورةَ دعت إلى
العطف على الأول في الآيتين الكريمتين؛ لأنه تعذَّر العطف على
الأقرب، لأن الخيلَ ليس من القناطير المقنطرة، والإسقاط ليس من
الجنة من نخيل وعنب، بخلاف ما نحن فيه.
قلت: أمَّا أن يمكنَك تخريجُ الحديث المذكور على الوجه
الثاني، وهو العطف على المضمضمة أولى، فإن أمكن فالسؤال
ساقط، وإن لم يمكن فقد تعذَّر الحمل على الثاني، فيحمل على
(١) (ت)): ((الذي)).
٥١٤
الأول، كالمواضع التي ذكرناها، ووجه آخر في التخريج، وهو أن
يقال: هذا من قبيل الأسباب والمسببات التي لا يؤثر فيها السبب إلا
على إمكان تأثيره، فإن لم يمكن، صَرَفْنا إلى وجه آخر، وإن أمكن
أَعمَلْناه، والتعذر في بعض الأماكن التي لا يمكن الإعمال فيها،
لا یوجب نفي السببيَّة حیث یمکن.
وهذا كما قيل في قوله عليه الصلاة والسلام: ((الصلَوَاتُ الخمْسُ،
والجمُعَةُ إلى الجمُعَةِ، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّراتٌ لما بَيْنَهُنَّ،
ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ))(١)، حيث أورد عليه أنه إذا فعلت الصلوات الخمس
فكَفَّرت، فما يبقى لصلاة الجمعة؟ وإذا فعلا معاً - أعني: الصلوات
الخمسَ والجمعةَ - فما يبقى لرمضان؟ فقيل في الجواب: إنها أسباب
للتكفير إن وَجَدَت ما يُكَفَّر.
فكذلك نقول هاهنا: فعل المضمضة والاستنشاق والانتثار سبب
لخروج خطايا الوجه، وكذلك غسل الوجه، فإن وُجِدَ السببُ الأول،
وحدَثَت خطايا بعده، كان الغسل مكَفُّراً لها، وإن لم توجد خطايا
بعدَه، لم يقع مسبِّها لعدم الخطايا](٢) في المحل، ولا يزيل ذلك
السببية، بمعنى الصلاحية للتكفير.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) زيادة من ((ت)).
٥١٥
الحادية بعد المئة(١): ويدلُّ على اعتبار الترتيب في حصول هذا
الثواب عملاً بلفظ (ثم) المقتضي للترتيب، ولا مانع منه، وهذا غير
ما قدَّمنا فيه النزاع، من أنه يدلُّ على وجوب الترتيب، أما في هذه
السنن الثلاثة، فإنه لم يُذْكَر فيها (كما أمره)، وأما في غسل الوجه؛
فلِما تقدم من البحث.
الثانية بعد المئة: التفرقة في ذكر هذه اللفظة - أعني (كما أمر الله) -
بين الأفعال الثلاثة - أعني المضمضة والاستنشاق والانتثار - حيث تُركَت
فيها، وذكرت في غسل الوجه وغيره.
الرابعة بعد المئة(٢): قد تُسْتَنْبَط منه فائدةٌ أو فوائد، لكنه يتوقَّف
على النَّرْكِ في الثلاث ذِكْراً، والذكر له في غيرها من الواجبات:
أما تركها في ثلاثة الأفعال المذكورة: فلا أحفظ الآن أنه ورد
ذکرها فيها .
وأما ذكرها في غيرها من الأعضاء الواجب غسلها: فإن الرواياتِ
قد تختلف فيه، فقد يذكرها بعضُ الرواة في بعض الأماكن، ويتركها
غیرُه.
(١) جاء على هامش ((ت)) قوله: ((كذا وُجد في الأصل)) أي: لم يذكر المسألة
رقم (مئة)، ولم ينبه إلى ذلك في ((م)).
(٢) سقطت الفائدة ((الثالثة بعد المئة)) في كلا النسختين، وعلى هامش (ت))
قوله: «کذا وجد» .
٥١٦
الخامسة بعد المئة: قد يُستدَلُّ به على أن غسلهما (١) لا يدخل
تحت الأمر بغسل الوجه - أعني: الفم والأنف - حتى يُستدَلَّ بذلك
على وجوبهما؛ لأنهما لو دخلا تحت الأمر بغسله، لصَحَّ إطلاقُ لفظِ
الأمر على غسلهما، ولو صَحَّ لم يكن للتفريق بين الذكر وعدمه فائدة،
والظاهر خلافه، ولا يقال: إنهما ليسا من الوجه حِسًا، فيدخلان تحت
الأمر بغسل الوجه، لأنا نقول الداخل تحت الوجه هو ظاهرهما،
وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في إيصال الماء إلى باطنهما.
السادسة بعد المئة: وقد يُستَدَلُّ به على أن الأمر للوجوب؛ لأنه
لو كان للندب وأنه ثابت فيهما، لما امتنع إطلاق لفظه عليهما، ولو لم
يمتنع لبطلت فائدةُ التفريق بين الذكْر وعدمِه، والظاهر خلافه، وهذا
على أن لا يكون كما أمره الله محالاً على ما في الآية الكريمة.
السابعة بعد المئة: لقائل أن يقول: قد سلَّمْتُم أن ظاهر العضوين
من الوجه، ويدخل تحت الأمر بغسل الوجه، فلا يلزم من عدم الذكر
حينئذٍ عدمُ الأمر، لثبوت الوجوب والأمر في ظاهر العضوين، وإذا
ثبت ذلك جاز أن يجتمع الوجوب مع عدم ذكر اللفظ فيهما، فيبطل
ما ذكرتموه من الاستدلال بعدم الذكر مع التفرقة على عدم الوجوب.
وجوابه: أن مسمّى المضمضة والاستنشاق ليس مجردَ غسلٍ
الظاهر، بل هو مع إيصال الماء إلى الباطن، فلو كان هذا المجموع
واجباً أو داخلاً تحت الأمر بالغسل، لاستوى مع بقية الواجبات،
(١) ((ت)): ((غسلها)).
٥١٧
فتبطل فائدةُ التفريق، أو نقول: غَسْلُ ظاهرهما لا يدخل في المسمَّى
- أعني: مسمَّى المضمضة والاستنشاق - ووجوب غسله، لاندراجه
تحت الأمرِ بغسل الوجه، فلو كان مأموراً [به](١) لبطلت فائدة التفريق،
والله أعلم.
الثامنة بعد المئة: عند الشافعية تفرقةٌ بين ما يُندَب إليه في ابتداء
الوضوء، وبين ما يُعدُّ من سنن الوضوء، ولا يلزم من الأول الثاني،
ولهذا تردّد في أن غسل الكفين في ابتداء الوضوء، هل يُعدُّ من سنته،
أو لا؟ وبَنَوا عليه فائدة، وهو ما إذا ما اقترنَت النيّة بغسلهما، وعَزَبت
قبل غسل الوجه، وقلنا: إن اقترانَ النية بسنن الوضوء المتقدمة عليه
كافٍ أنه لا يكفي اقترانُ النية بغسلهما، إذ ليسا من سننه على هذا
التقدير(٢).
وفي هذا التفريق نظر، أشرنا إليه فيما مضى، وهذا ما يُحوِجُنا
إلى ذكر مسألة تتعلق بلفظ الحديث نذكرها الآن.
التاسعة بعد المئة: السائل سأل فقال: أخبرني عن الوضوء،
والنبي ◌َّ﴿ أجاب بما أجاب به، فيتصدَّى النظر إلى أن كل ما أجاب به
يكون داخلاً في مسمَّى الوضوء، وأن ما لم یذکره لا یکون داخلاً.
أما مَن استدلَّ بالجواب على المقصود بالسؤال، فيلزمه أن يُدْخِلَ
كلَّ ما ذكر في مسمَّى الوُضوء، وأما إذا لم يستدِلَّ بهذا الوجه
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١/ ٣١٦).
٥١٨
المذكور، فالظاهر أيضاً أن ما ذُكِرِ داخلٌ في الوُضوء مع احتمال؛
فعلى [هذا](١) يُستدَلّ بالحديث على أن المضمضة والاستنشاق من
الوضوء، وينبني عليه: أنه إذا نوى عندهما، وعَزَبَت النية قبل غسل
الوجه، أن يجزىء عند بعض الشافعية.
وأما أَنَّ ما لم يذكر فليس من الوضوء، ففي ثبوت ذلك احتمالٌ
أقوى من احتمالِ عدم دخول المذكور تحت الوضوء، إلا على من
يرى بالمطابقة، والاستدلال بالجواب على مطابقة السؤال له، والسبب
فيه أنَّا إذا جعلنا السؤال عن الإخبار عن الوضوء يقتضي الجواب بأمر
يتعلق به، فإنما ينافي هذا أن يترك ذكر كل ما يتعلق بالوضوء؛ لأنه(٢)
يُوجبُ ذكرَ كلِّ ما هو من الوضوء.
العاشرة بعد المئة: هذا المذكور عقب السؤال، إنما يقتضي
ترتب الثواب الذي ذكره النبي ◌ّ﴿ على أفعال مخصوصة، وهي
المذكورة في الحديث، ومقتضاه: أن يترتب ذلك الثواب على حصول
مسمَّى تلك الأمور، ولا يلزم من قيام الدليل على استحباب أمور
أخرى أن لا يحصُلَ الثواب إلا بوجودها، سواء كانت كيفيةً لما ذُكِر،
أو أمراً مُبايناً لَهُ، إلا أَنْ يدلَّ [له](٣) دليل على أن تلك الأمور التي قام
الدليل على استحبابها داخلةٌ في الوضوء، ويقوم دليل على أن الثواب
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لا أنه)).
(٣) سقط من ((ت)).
٥١٩
المخصوص مرتَّب على حصول مسمّى الوضوء، فيقال حينئذ: هذه
الأمور داخلة في مسمى الوضوء، والثواب المخصوص لا يدخل
إلا في مسمى الوضوء، فالثواب المخصوص لا يحصل إلا بهذه
الأمور، لكن هذه المقدمة الثانية لم يحصل في الدلالة عليها لفظٌ
صريحٌ، ودلالة السؤال والجواب فيه ما قدَّمناه، فإذا لم يثبت ذلك،
جَرَيْنا على ما قدَّمنا من الأصل، وهو أن الثواب يحصل بفعل هذه
الأمور، ولا يتوقف على فعل الأمور التي دلَّ الدليلُ الخارجيُّ على
استحبابها، والله أعلم.
الحادية عشرة بعد المئة: وهذا كما استدلَّوا على عدم وجوب
غُسْلِ الجمعة بقوله {َيهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ رَاحَ))(١) حيث أخذوا من
حصول الثواب المرتَّب على مجرَّد الوضوء عدمَ وجوب الغسل.
الثانية عشرة بعد المئة: ويدخل تحت هذه القاعدة مسائل :
منها: حصوله بدون السواك.
وبدون غسل اليدين في ابتداء الوضوء.
وبدون المبالغة في المضمضة والاستنشاق.
وبدون التسمية.
وبدون استيعاب مسح الرأس عند من يرى أنه مستحب غير
واجب .
(١) تقدم تخريجه.
٥٢٠