Indexed OCR Text

Pages 381-400

وهو عند أبي داود من رواية عبّاد بن منصور وفيها: (وَمَسَحَ
بِرَأْسِهِ وَأُذُنَهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً)(١).
وهو عند أبي داود أيضاً، وإسنادُهما حسن أو صحيح، فإن
يحيى بن معين يوثق عباد بن منصور، وغير واحد يحتجُّ بعبد الله بن
محمد بن عقيل، وإلى الرجلين يرجع الحديثان(٢).
الثانية . (٣)
= والترمذي (٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء أن مسح الرأس مرة،
وقال: حسن صحيح.
(١) رواه أبو داود (١٣٣)، كتاب: الطهارة، باب صفة وضوء النبي وَّرله من
رواية ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (١/ ٣٢). قلت: نَقْلُ المؤلفِ - رحمه الله - توثيقَ
ابن معين لعبَّادٍ فيه نظر؛ إذ المنقول عن ابن معين من ((رواية الدوري))
(٤ / ١٤٢) عن عباد: إنه ليس بشيء، وكذا نقله ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) (٦ / ٨٦) عن الدوري، وعن أبي بكر بن أبي خثيمة. وروى
عن يحيى بن سعيد أنه قال: عباد بن منصور ثقة، ليس ينبغي أن يترك
حديثه لرأي أخطأ فيه، قلت: يعني: القدر، والله أعلم.
(٣) على هامش الأصل: ((بياض))، وكذا تُرك بياض قدر ثلث صفحة في ((ت)).
٣٨١

الحديث السادس عشر
روى البيهقي - رحمه الله- من حديث عبد الله بن زید
ة:
أَنَّه رأى رَسُولَ اللهِ﴿ يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ [لأُذُنَيْهِ](١) مَاءَّ خِلافَ الماءِ
الذِيْ أَخَذَ لِرَأْسِهِ. وقال بعد إخراجه: وهذا إسناد صحيح(٢).
(١) في الأصل: ((فأخذ لأحد أذنيه))، والمثبت من ((ت))، وكذا ((السنن الكبرى))
للبيهقي (١ / ٦٥). وجاء في ((الإلمام)) للمؤلف (ق٧ / أ)، وكذا في المطبوع
منه (١ / ٧٢): ((فأخذ لصماخيه ماء»، وليست هذه اللفظة موجودة في رواية
الحديث، والله أعلم.
(٢) * تخريج الحديث:
رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٦٥)، من حديث الهيثم بن خارجة،
عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن
عبد الله بن زيد، به.
قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، وكذلك روى عبد العزيز بن عمران بن
مقلاص، وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب. ورواه مسلم في ((الصحيح))
عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر عن ابن وهب
بإسناد صحيح: أنه رأى رسول الله وَ ل﴿ يتوضأ، فذكر وضوءه. قال: ومسح =
٣٨٣

الكلام علیه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فتقول: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسرَوجِرْدِي،
أبو بكر البيهقي، الحافظ، الفقيه، الأصولي، ذو التصانيف العديدة
المفيدة؛ ككتاب ((السنن الكبرى))، وكتاب ((معرفة النبوة))(١)، وكتاب
((الأدب والأدعية))، وغير ذلك، سمع(٢).
= رأسه بماء غير فضل يديه، ولم يذكر الأذنين، ثم قال البيهقي: وهذا أصح
من الذي قبله .
ورواه الحاكم في ((المستدرك)» (٥٣٨)، وصححه من حديث عبد العزيز
ابن عمران بن مقلاص وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن
الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، به. قلت: وقد أشار إليه البيهقي
في ((سننه)) (١ / ٦٥) عقب روايته من طريق الهيثم بن خارجة .
ورواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٩٧ - ٩٨) من حديث أبي
الطاهر محمد بن أحمد بن أبي عبد الله المديني، عن حرملة بن يحيى، عن
ابن وهب، به، ثم قال: هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشركهم
فيها أحد.
(١) جاء على هامش ((ت)): ((لعله معرفة السنن، أو دلائل النبوة)).
(٢) جاء على هامش ((م): ((بياض في الأصل))، وفي ((ت)): ((بياض نحو
خمسة أسطر من الأصل)). قلت: ما بُيِّض له هو في ترجمة الإمام
البيهقي، فأقول متمماً كلام المؤلف رحمه الله؛ معتمداً على مصادر
ترجمته: ((سمع من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي، وهو أقدم
شيخ له، ومن الحاكم أبي عبد الله، فأكثر عنه جداً، وتخرج به، وأبي
عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك المتكلم، وخلق سواهم . =
٣٨٤

* الوجه الثاني : في تصحيحه:
وقد ذكرنا أن البيهقي قال: إنه إسنادٌ صحيحٌ، فحصل شرطُنا في
ذكره في الكتاب.
والبيهقي أخرجه عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، عن
أبي الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدوس، عن عثمان بن سعيد
الدَّارِمي، عن الهيثم بن خَارِجَة، عن عبد الله بن وهب قال: أخبرني
عمرو بن الحارث، عن حَبَّان بن واسع الأنصاري: أن أباه حدَّثه: أنه
سمع عبد الله بن زيد يذكر: أنه رَأَىَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ
لِأُذُنَيْهِ مَاءَ خِلافَ الماءِ الذيْ أَخَذَ لِرَأْسِهِ.
قال البيهقي: وكذلك يُرْوَى عن عبد العزيز بن عمران بن مِقْلاص،
وحَرْملة بن يحيى، عن ابن وَهْب.
= وحدث عنه ابن إسماعيل، وأبو عبد الله الفراوي، وزاهر بن طاهر الشحامي
في آخرين، بورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، وهي تقارب
ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد. قال إمام الحرمين الجويني: ما من فقيه
شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا أبا بكر البيهقي؛ فإن المنة له على
الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه.
توفي سنة (٤٥٨هـ)، ودفن ببيهق من ناحية خسرو جرد، رحمه الله تعالى.
انظر: ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ١٣٧)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان
(١/ ٧٥)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٨/ ١٦٣)، وكذا ((تذكرة
الحفاظ)) (٣/ ١١٣٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤ / ٨)، و((طبقات
الحفاظ)) للسيوطي (ص: ٤٣٢).
٣٨٥

* الوجه الثالث: [في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل]
[الأولى]: استَدَل به الشافعي والمالكي على تجديد الماء
للأذنين، وتُجْعَلُ مسألةَ خلافٍ بينهم وبين الحنفية، وينبغي أن يُنظر في
مَجرى الخلاف، فإن كان في أن السنةَ مسحُهما مع الرأس، أو تجديدُ
الماء لهما، فلا يستمرُّ الدليل على ذلك لأحد الفريقين بالحديثين
اللذين تمسك بهما؛ لأن الأفعال لا تَعارُضَ فيها، وليس في المحكي
[في] أحد الحديثين ما يقتضي الترجيحَ لأحد الأمرين على الآخر لفظاً
من حيث هو هو؛ لأنه ليس فيه إلا الفعل، وقد بيَّنا أنه لا تعارض فيه،
ولا مُقتضي للترجيح، وأما الترجيح بأمور خارجة عن لفظ الحديثين،
فلسْنا له ولا هو من وظيفتنا، ولابدَّ وأن يكون(١) الخلاف في أن ضدَّ
ما اختاره أحدُ الفريقين مكروهٌ أو مخالفٌ للسنة، فالفعلُ الذي تمسّك
به خصمُه ينفي ذلك، ولا يمكن أن يكونَ الخلافُ في الجواز جزماً.
الثانية: الشافعية يستنُّون مسحَ الصِّماخَيْن بماء جديد، وحكي
عن نصِّهِ رحمه الله (٢). وليس لفظُ الحديثِ يدلُّ عليه، سواء قلنا إن
الصِّماخَ يدخل تحت مدلولِ الأذن، أو لم نقلْ؛ لأنه إن لم نقلْ،
فالدَّلالةُ قاصرةٌ عن الصِّماخَيْنِ، فيحتاج إلى دليلِ خُصوصهما، وإن
قُلْنا، فظاهرُ اللفظ يقتضي تعليقَ الحكمِ بالأذنين، فيدخل تحته مسحُ
الصِّماخَيْنِ، ويقصر اللفظُ عن حكمهما في التجديد.
(١) في الأصل: ((كان))، والمثبت من ((ت)) . .
(٢) انظر: (فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١/ ٤٣٠).
٣٨٦

فعلى التقدير الأول: يقصر عن الذكر، وعلى الثاني: يقصر عن
الحكم، فلا بدّ من دليل. قال بعض الشافعية: وحُكِي قول: إنه يكفي
مسحُه بقيّة بَلَلِ الأذن؛ لأن الصِّماخَ من الأذن(١).
ولعله نحا إلى ما ذكرناه من أن الحكم معلقٌ بالأذن إذا كان منه،
فلا دليلَ في اللفظ على تجديد الماء للصِّماخَيْنِ .
الثالثة: ظاهرُ الحديث يقتضي تجديدَ الماء، وذكر بعض الشافعية
في مسح الأذنين بماء جديد: أنه ليس من الشرائط أن يأخذه جديداً
حينئذٍ، بل لو أمسك بعضَ أصابعه من البلل المأخوذ بمسح الرأس
ومسح به الأذنين، تأدَّت هذه السنَّةُ (٢).
وظاهرُ الحديثِ الذي ذكرناه يقتضي خلافَهُ؛ لقوله: ((فَأَخَذَ لأُذُنِهِ
مَاءَ خِلافَ الماءِ الذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ))، وهذه الصفة التي ذكرها، تقتضي
أن الماء الذي يمسح به الأذنين هو الماء الذي أخذه لرأسه.
الرابعة: مقتضى الحديث لا يزيدُ على مسح الأذنين بماء جديد،
ويقتضي أن يُكتفى بالمسمَّى فيه، وما زاد على ذلك من كيفية(٣) تُذْكَرُ،
ليس من مقتضى الحديث، فإن أُريد الاستحبابُ الشرعي لهيئةٍ
مخصوصةٍ فيحتاج إلى دليل، وعند الدارقطني - رحمه الله - من طريق
مسلم بن خالد، عن ابن عقيل في حديث الرُّبِّع - رضي الله عنها -: أنَّ
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) المرجع السابق، (١ / ٤٣١).
(٣) ((ت)): ((کیفیته)).
٣٨٧

النَّبِيَّ ◌َهِ تَوَضَّأْ؛ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَمُؤَخَّرَه، وَصُدْغَيْهِ، ثم أَدْخَلَ
أُصْبُعَيْهِ السَّبَتَيْنِ فَمَسَحَ أُذُنَيْهِ؛ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا (١). وهذا يقتضي
زيادة على مطلق المسح في الكيفية، وظاهره تعليقه بالأذن.
الخامسة: إذا دلَّ على كيفيةٍ في مسح الأذنين، فقد دلَّ على
أصلٍ في مسح الأذنين، والأحاديث التي في ((الصحيحين)) في صفة
وضوء النبي ◌َّ [لم] يُتعرَّض فيها لذكر الأذنين، وإنما جاء في حديث
ابن عباس - رضي الله عنهما - مصرَّحاً به، وهو مدلول عليه
بهذا الحديث على غير الدلالة التي في حديث ابن عباس رضي الله
عنهما.
السادسة: كما يدلُّ على مسحهما، فهو يدلُّ على مسح الظاهر
والباطن؛ لأن الاسمَ حقيقةٌ للعضو، وقد ورد مصرحاً به.
٠٫٫٠
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ١٠٦). وإسناده ضعيف؛ لضعف مسلم
ابن خالد.
٣٨٨

الحديث السابع عشر
وفي حديث عَمْرو بنِ عَبَسَةَ - الطويل - عند الدار قطني: ((مَا مِنْكُمْ
مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَبِْرُ، إِلّ خَرَجَتْ خَطَايَا
وَجْهِهِ وَفِيْهِ وَخَيَاشِيْهِهِ). وفي الحديث: (ثُمَّيَغْسِلُ قَدمَيْهِ إِلىَ الكَعْبَيْنِ كَمَا
أَمَرَهُ اللهُ. [وهذه اللفظة أخرجها ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه)) أيضاً،
أعني: قولَه: ((كَمَا أَمَرَهُ الله)](١)، وأصل الحديث عند مسلم(٢).
(١) الزيادة من ((ت)).
(٢) * تخريج الحديث:
رواه الدار قطني في «سننه)) (١ / ١٠٧) بالألفاظ التي ذكرها المؤلف رحمه الله.
ورواه مسلم في ((صحيحه)) (٨٣٢)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها،
باب: إسلام عمرو بن عبسة، مطولاً بألفاظ نحوها سيذكرها المؤلف في
الوجه الثانى من هذا الحديث.
ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٦٥) مختصراً، ومقتصراً على قوله
منه: ((ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرجت خطايا قدميه
من أطراف أصابعه مع الماء)) .
كلهم من حديث عكرمة بن عمار، عن شداد بن عبد الله أبي عمار، عن
أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، به.
٣٨٩

الكلام علیه من وجوه:
* الأول في التعريف: فنقول: عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن
غاضرة بن عتاب - ويقال غثَّار - بن امرىء القيس بن بهُثْةَ بن سُليم بن
منصور بن عكرمة بن خَصْفة بن قيس عَيلان بن مضر بن نزار السلمي
أبو نَجِیح، وقيل: أبو شعيب.
وأبوه عَبَسَة: بفتح العين المهملة تليها باء موحدة مفتوحة، ثم
سين مهملة مفتوحتين، ثم هاء مفتوحة أيضاً، لا اختلاف فيه بين
أرباب الحديث والأسماء والتواريخ والسير والمؤتلف، ومِنْ ضَعَفَةِ
الفقهاءِ أو الطلبةِ مَنْ يُدخل نوناً بين العين والباء وهو خطأ كبير،
وتصحيف شديد، لا يُعوَّل عليه، ولولا التنبيه عليه لم يذكر(١).
وغاضرة في نسبه: بالغين المعجمة وبعد الألف ضاد معجمة،
ثم راء مهملة.
وبُهثَة: بضم الموحدة وسكون الهاء ثم المثلثة على وزن غُرْفة.
وسُليَم: بضم السين وفتح اللام.
(١) وكذا ذكر الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢/ ٣٤٧) فقال:
وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث والأسماء والتواريخ والسير
والمؤتلف وغيرهم من أهل الفنون، ورأيت جماعة ممن صنف في ألفاظ
((المهذب)) يزيدون فيه نوناً، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما
ذکرته تنبيهاً علیه؛ لئلا يغتر به، انتهى.
قلت: ولعل المؤلف رحمه الله قد نقل هذا التنبيه عن النووي رحمهما الله .
٣٩٠

وخصفة: بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة.
وعيلان: بالعين المهملة.
ونجيح في كنيته: بفتح النون وکسر الجيم، وآخره حاء.
ويقال: إن عَمْراً كان أخاً لأبي ذرٍّ لأمه، قال أبو نعيم الحافظ:
عمرو بن عبسة السلمي أبو نجيح، قدم مكةً على النبي بَّر فلقيه
بُعكاظ، ورآه مستخفياً من قريش في أول الدعوة وهو يقول: أنا ربع
الإسلام، ثم رجع إلى أرضه وقومه بني سُلَیم مقيماً حتى مضى بدر
وأحد والخندق، ثم قدم المدينة فنزلها، وكان قبل أن يسلم يعتزل
عبادة الأصنام ويراها باطلاً وضلالة.
حدّث عنه من الصحابة: أبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن مسعود،
وسَهْل بن سعد.
ومن التابعين: أبو إدريس الخَوْلاَني، وسليمان بن عامر، وأبو ظَبْية،
وكثير بن مرة، وعدي بن أرطاة، وجبير بن نُفَير، ومَعْدَان بن أبي
طلحة(١).
وأما الدارقطني: فهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي
(١) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤/ ٢١٤)، ((الثقات)) لابن حبان
(٣/ ٢٦٩)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣/ ١١٩٢)، ((تاريخ دمشق))
لابن عساكر (٤٦/ ٢٤٩)، ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٤ / ٢٣٩)، «تهذيب
الأسماء واللغات)) للنووي (٢/ ٣٤٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(٢/ ٤٥٦)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر (٤ / ٦٥٨).
٣٩١

ابن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي، ثم الدارقطني
نسبة إلى دار قطن ببغداد، عالم بالصناعة كبير (١)، وعَلَمٌ من الحفاظ
شهير، وفرد في زمنه عزيز أو عديم النظير، لله درُّه في هذا العلم
فارساً، ونفعه بما أبقاه منه مفيداً وقابساً.
قال الحافظ أبو بكر بن أحمد بن علي الخطيب في ترجمته: كان
فريدَ دهره، وقريعَ عصره(٢)، ونسيجَ وحدِهِ، وإمامَ وقته، انتهى إليه
علم الأثر والمعرفة بعلم الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة، مع
الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب
والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث.
وقال الخطيب أيضاً: ثنا أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي
قال: سمعت أبا ذرِّ الهروي يقول: سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد
ابن عبد الله الحافظ، وسئل عن الدارقطني فقال: ما رأى مثل نفسه.
قال الخطيبُ: سمعتُ القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله
الطبري يقول: كان الدارقطني أميرَ المؤمنين في الحديث، وما رأيت
حافظاً وردَ بغداد إلا مضى إليه وسلَّم عليه، يعني سلَّم له التقدم في
الحفظ وعلوِّ المنزلة في العلم.
وقال الخطيب أيضاً: ثنا الصُّوري قال: سمعت عبد الغني بن سعيد
الحافظ بمصر يقول: أحسنُ الناس كلاماً على حديث رسول الله وَفيه
(١) ((ت)): ((كبار)).
(٢) في ((تاريخ بغداد)): ((فريد عصره وقريع دهره)).
٣٩٢

ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، وعلي
ابن عمر الدار قطني في وقته.
وقال الخطيب أيضاً: ثنا البرقاني قال: كنت أسمع عبد الغني
الحافظَ كثيراً إذا حكى عن أبي الحسن الدارقطني شيئاً يقول: قال
أستاذي. فقلت له في ذلك، فقال: وهل تعلَّمْنا هذين الحرفين
من العلم إلا من أبي الحسن الدارقطني؟! قال: قال لنا البرقاني:
وما رأيت بعد الدارقطني أحفظَ من عبد الغني بن سعيد.
وقال الخطيب أيضاً: ثنا الأزهري: أن أبا الحسن - يعني
الدار قطني - لما دخل مصر، كان بها شيخ علويٌّ من أهل مدينةٍ
رسول الله وَ﴿ يقال له: مسلم بن عبيد الله، وكان عنده كتاب النسب
عن الخضر بن داود عن الزبير بن بكَّار، وكان مسلم أحدَ الموصوفين
بالفصاحة، المطبوعين على العربية، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ
عليه كتاب النسب، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك،
واجتمع في المجلس من كان [بمصر](١) من أهل العلم والأدب
والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة، أو يظفروا
منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل مسلم يتعجب ويقول:
وعربيَّةً أيضاً؟!
وقال الخطيب أيضاً: وثنا الأزهري قال: بلغني أن الدار قطني
حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصَّفَّار، فجلس ينسخ جزءًا كان
(١) سقط من ((ت)).
٣٩٣

معه وإسماعيل يُملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعُك
وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلافُ فهمك، ثم قال:
تحفظ كم أملى الشيخ مِنْ حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا، فقال
الدار قطني: أملى ثمانية عشر حديثاً، فعددتُ(١) الأحاديث فوجدته كما
قال أبو الحسن، الحديث الأول منها عن فلان، ومتنه كذا، والحديث
الثاني عن فلان [عن فلان](٢)، ومتنه [كذا](٣)، ولم يزل يذكر أسانيدَ
الأحاديث ومتونَهَا(٤) على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها،
فعچِب الناس منه، أو كما قال.
وقال الخطيب: سمعتُ عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران
يقول: ولد الدارقطني في سنة ست وثلاث مئة. وقال: حدثني عبد العزيز
الأَزْجي قال: توفي الدارقطني يوم الأربعاء لثمان خَلَوْن من ذي القعدة
سنة خمس وثمانين وثلاث مئة وقال: قرأت بخط حمزة بن محمد بن
طاهر الدقَّاق في أبي الحسن الدار قطني رحمه الله [من الطويل]:
جَعَلْنَاكَ فيما بَيْنَنَا وَنًِّا
وَسِيطاً فَلَمْ تَكْذِبْ ولم تَتَحَوَّبِ
(١) ((ت)): ((فعُدت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) (ت)): ((متنها)).
٣٩٤

وَأَنْتَ الذي لَوْلاكَ لم يَعْلُمِ الوَرَى
وَلَوْ جَهَدُوا مَا صَادِقٌ مِن مُكَذَّبٍ(١)
* الوجه الثاني: في إيراد الحديث على الوجه، وقد رواه الدار قطني
من حديث أبي الوليد قال: حدثنا عكرمة بن عمار، ثنا شداد أبو عمار
- وقد أدرك نفراً من أصحاب النبي وَلـ ـ قال: قال أبو أمامة: بأيِّ شيء
تدَّعي أنك ربع الإسلام؟ قال: فذكر الحديث بطوله. قال عمرو بن عَبَسة
قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ
يُقَرِّبُ وَضُوءَه، ثُمَّ يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَنْتَثِرُ إلا خَرَجَتْ خَطَايَا فِيْهِ
وَخَيَاشِيْمِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ - دَكُ - إلاَّ خَرَجَتْ(٢)
خَطَايا وَجْهِهِ مَعَ (٣) أَطْراَفِ لِحْيتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى مِرْفَقَيْهِ
إِلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِن أَنَامِلهِ مَعَ الماءِ، ثَم يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إِلاَّ خَرَّتْ
(١) * مصادر الترجمة:
((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٢ / ٣٤)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر
(٤٣/ ٩٣)، ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ٤١٠)، ((وفيات الأعيان)) لابن
خلكان (٣/ ٢٩٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٦ / ٤٤٩)، ((طبقات
الشافعية)) للسبكي (٤٢٦/٣).
(٢) ((ت): ((خرت))، وكذا في المطبوع من ((سنن الدار قطني)).
(٣) ((ت): ((من)).
٣٩٥

خَطَايَا رَأْسِهِ مِن أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلى الكَعْبَيْنِ
كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِن أَطْرَافِ أَصَابِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ
يقومُ فَيَحْمَدُ اللهَ ويُشْنِي عَلَيْهِ بِمَا هَوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعتين، إلا انْصَرَفَ
مِن ذُنُوبِهِ كَهَيَتِهِ يَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه)».
ورواه الدار قطني أيضاً عقيب إسناد ذكره عن دعلج، عن موسى بن
هارون، عن یزید بن عبد الله بن یزید بن ميمون بن مهران أبي محمد،
عن عكرمة بن عمار قال: بهذا الإسناد مثله، وقال: هذا إسناد
ثابت(١).
هذا الإسناد الذي ذكره الدارقطني، في متنه اختصارٌ كما [تری،
وقد](٢) ذكرنا في الأصل أن أصل الحديث عند مسلم، فلنذكر رواية
مسلم على الوجه.
فنقول: روى مسلم عن أحمد بن جعفر الَمْعقري، ثنا النَّضْر بن
محمد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن
أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة ولقي شداد أبا أمامة وواثلة
وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلاً وخيراً - عن أبي أمامة قال:
قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية، أظنُّ أن الناس
على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال:
فسمعت برجل بمكة يُخبر أخباراً، فقعَدتُ على راحلتي، وقدِمتُ
(١) في ((سنن الدارقطني)): ((هذا إسناد ثابت صحيح)).
(٢) زيادة من ((ت)).
٣٩٦

عليه، فإذا رسول الله ﴿ مستخفياً، جراءٌ عليه قومُه، فتلطَّفتُ حتى
دخلتُ عليه [بمكة] وقلت له: ما أنت؟ قال: ((أنا نبيٌّ))، قال: فقلت:
وما نبيٌّ؟ قال: ((أرسلني الله))، فقلت: بأيِّ شيء أرسلك؟ قال:
((أرسلني بصلةِ الأَرْحام، وكسر الأوثان، وأنْ يُوحَّدَ اللهُ لا يُشَرك به
شيء))، قلت [له]: فمن معك على هذا الأمر؟ قال: ((حرٍّ وعَبْدٌ))
- قال: ومعه يومئذ أبو بكرٍ وبلالٌ ممن آمن به - فقلت: إني مُتَّبِعُك.
قال: ((إنك لا تستطيعُ ذلك يومَك هذا، ألا ترى حالي وحالَ الناس؟
ولكن ارجعْ إلى أَهْلِكَ، فإذا سَمِعْتَ بي قد ظهرتُ فأتني)). قال: فذهبت
إلى أهلي، وقدِمِ رسولُ الله ◌َّ﴿ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت
أتخبَّر الأخبارَ، وأسأل النَّاسَ حين قَدِمَ المدينةَ، حتى قدِمَ عليّ نفرٌ من
أهلِ يثربَ من أهلِ المدينة، فقلت: ما فَعَلَ هذا الرجلُ [الذي قدم
المدينة]؟ فقالوا: الناسُ إليه سِراعٌ، وقد أراد قومُه قَتْلَه، فلم يستطيعوا
ذلك، فقدِمْتُ المدينةَ، [فدخَلْتُ] عليه، فقلت: يا رسول الله
أتعرفني؟ قال: ((نعم أنتَ الذي لَقِيتَني بمكَّةَ؟)) فقلت: بلى، فقلت:
يا نبيَّ الله! أخبرني عما علَّمك الله وأجهلُه؛ أخبِرْني عن الصلاة؟ قال:
((صَلِّ صلاةَ الصبح، ثمَّ أَقصرْ عن الصلاةِ حتىَّ تَطْلَعَ الشمسُ، حتى
تَرْتَفَعَ، فإِنَّها تَطْلُغَّ حينَ تَطْلُعُ بين قَرْنِي شَيْطَانٍ، وحينِذٍ يَسْجُدُ لها
الكفارُ، ثُمَّ صَلِّ فإِنَّ الصلاةَ مَشْهودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى يَسْتَقِلَّ الظلُّ
بالرمْحِ، ثم أَقْصِرْ عن الصلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ
الفَيْءُ فَصَلِّ، فإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حتى تُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ
أقصِرْ عن الصلاةِ حتى تَغْربُ الشمسُ، فإِنَّها تَغْرُبُ بين قَرْنِي شَيْطَانٍ،
٣٩٧

وحينِئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ)). قال: فقلت: يا نبيَّ الله فالوضوء؟ حدِّثني
عنه، قال: ((مَا مِنْكُم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَه فَيَتَمْضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَنْتَثِرُ،
إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيْهِ وَخَيَاشِيْمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ
إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِن أَطْرافٍ لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى
المِرْفَقَيْنِ إلا خَرَّتْ خَطَايا يَدَيْهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ
إلا خَرَّتْ خَطَايا رَأْسِهِ مِن أَطْرافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ
إلى الكَعْبَيْنِ إلا خَرَّتْ خَطَايا رِجْلَيْهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، فإِنْ هُو قَامَ
فَصلَّى، فحَمِدَ اللهَ وأثنىَ عليه وَمجَّدَه بالذي هُو لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَه
للهِ، إلا انْصَرَفَ مِن خَطِيْئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه)) .
فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحبَ
رسول الله ◌َّه، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبَسَةَ! انظر ما تقول،
في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامَة! لقد كَبِرَتْ
سني، ورَقّ عظمي، واقترب أَجَلِي، وما بي حاجةٌ أن أكذبَ على الله،
و[لا](١) على رسوله، لو لم أسمعه من رسول [الله وَ*] إلا مرةً أو
٤
مرتين أو ثلاثاً، حتى عدَّ سبعَ مرات، ما حدثت به أبداً، ولكني
سمعتُه أكثر من ذلك.
وهذا الحديث بهذا السياق وهذا الطول انفرد بإخراجه مسلمٌ عن
الجماعة .
(١) سقط من ((ت)).
٣٩٨

* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: وقد يختلف الرواة في
بعض الألفاظ فيه، وفيه مسائل :
الأولى: قوله: ((كُنْتُ وَأَنَا في الجاهِلِيةِ أظنُّ أن الناسَ على
ضَلالَةٍ))(١) يحتمل أن يحمل على حقيقة الظنّ، وأنه لم يبلغ إلى
القطع، ويحتمل أن يكون الظن بمعنى العلم، وعليه حمله بعضهم،
قال: وقول عمرو بن عبسة: كنت في الجاهلية أظن الناس على
ضلالة، فإن الظن قد يطلق على اليقين كما قال تعالى: ﴿فَظَنُّواْ أَنَّهُم
مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣](٢).
قلت: ومما يقوي هذا: أن الدليل الذي استدَلَّ به من أنها لا تضرُّ
ولا تنفعُ، دليل قاطع على بطلان إلاهيَّتِها وعبادَتِها، وإنما أجزنا أن
تكون ظناً؛ لأن جمهور عبَّادها كانوا على الجَزْم، فجاز أن لا يكون
انتهى حينئذ إلى الجَزْم بسبب الغلبة في الناس، واستمرارِ زمانهم على
عبادتها، وبعض العلماء يفرِّق في وقوع الظن بمعنى العلم، بين
مواضع الاستعمال فيه، قال أبو محمد بن عطية في قوله تعالى:
﴿فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُوَاقِعُوهَا ﴾ [الكهف: ٥٣]: وأطلق الناس أن الظن هنا
بمعنى اليقين، ولو قال بدل ظنوا: أيقنوا، لكان الكلام متَّسِقاً، على
مبالغةٍ فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبداً في موضع يقين تامٍّ قد
ناله الحسُّ، بل أعظمُ درجاتِهِ أن يجيءَ موضع علم مُتَحَقَّق، لكنه لم
(١) في الأصل: ((كنت أظن أن))، والمثبت من ((ت)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٥٩).
٣٩٩

يقع ذلك المظنون، وإلا فقد يقع، ولا يكاد يوجد في كلام العرب
العبارة عنه بالظن، وتأمّل هذه الآية، وتأمّل قول دريد(١):
فقلتُ لهم ظنُّوا بألفي مُدَجَّج(٢)
الثانية: يراد بالتلطّف(٣) هاهنا، طلب الطريق الموصلة إلى النبي وَلقول
في خفاء وتحرُّزِ من مفسدةِ الإظهار، ومنه: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُم
بِوَرِفِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ
وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ [الكهف: ١٩] وقد يستعمل اللطفُ في تهيئةِ الأسباب الخفية
لوقوع الشيء وتيسيره ﴿إِنَّ رَبٍِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وبهذا
يظهر لك معنى التعدية باللام، والفرقُ بينها وبين التعدية بالباء.
الثالثة: قوله: ((جراءٌ عليه قومُه))، قد روي في هذه اللفظة غير
ذلك، فذكر بعض الشارحين فقال: قوله ((جُرَاء عليه قومُه)) هكذا هو
في جميع الأصول - جُراء بالجيم المضمومة جمع جَريْء بالهمزة(٤) -
من الجُرْأَةِ، وهي الإقدام والتسلَّط، قال وذكره الحميدي في ((الجمع
بين الصحيحين)): حِرَاء بالحاء المهملة المكسورة، قال: ومعناه
(١) في الأصل و((ت)): ((ابن دريد))، والصواب ما أثبت، وهذا صدر بيت
لدريد بن الصمة، كما في «ديوانه» (ص: ٦٠) وعجزه:
سراتُهم في الفارِسيِّ المُسرَّد
(٢) انظر: ((المحرر الوجيز)) لابن عطية (٣/ ٥٢٤).
(٣) في الأصل: ((التلطف))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((بالهمز)).
٤٠٠