Indexed OCR Text
Pages 361-380
ورواه سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة هكذا مبهماً نحوه(١). * الوجه الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا أن مسلماً أخرجه، وروايته له من طريق ابن شهاب، عن حمزة(٢)، ومن طريق التيمي، عن بكر بن عبد الله، وذكر الطرْطيُّ في ((اللوامع)) حديث حمزة عن أبيه، أنه أخرجه أبو عبد الرحمن عن عمرو بن علي، وحُميد بن مَسْعدة، عن يزيد بن زُرَيع، عن حُميد، عن بكر المزني، عن حمزة، قال: وأظنه وهِم فيه؛ فإن مسلماً أخرج بهذا الإسناد عن عروة بن المغيرة. قال: وقد تقدم في ترجمة عروة. قلت: الظن قد يُخطِىء ويُصيب، وقد خرَّج أبو عوانة في ((مسنده)) من حديث مسدَّد، عن يزيد بن زُريع، عن حُميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه مطوّلاً، وفيه: ((وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَعَلَى العِمَامَةِ مِنْهُمَا)) هكذا مختصراً أن النَّبي ◌َّي مسح على الخفين ومسح مقدَّم رأسه، ووضع يده على العمامة، أو مسح على العمامة(٣). (١) كما تقدم في تخريج الحديث. وقد جاء على هامش ((ت)): هنا في الأصل بياض نحو ثلاثة أسطر بعد قوله: ((نحوه))، فلينظر. (٢) رواه مسلم (٢٧٤)، (١ / ٣١٨)، كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام. (٣) انظر: ((مسند أبي عوانة)) (١ / ٢٥٩). ٣٦١ وأما رواية مسلم بهذا الإسناد من جهة عروةَ بن المغيرةِ، فهذا لا يقتضي الوهم على الطريقة الفقهية؛ لإمكان أن الولدين معاً روياه عن أبيهما. وأخرجه أيضاً النسائي، من حديث سفيان بن عيينة، عن إسماعيل ابن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة(١). وأخرجه أيضاً الترمذي، وأبو داود(٢). الوجه الثالث : (الناصية): مقدَّم الرأس، الناصيةُ واحدة النواصي، ونَصَوتهُ: قَبَضْتُ على ناصيته. قالت عائشة رضي الله عنها: مالكم تَنْصُوْن مَيِّتَكم(٣)، أي: تمدُّون ناصيتَه، كأنها كرِهَت تسريحَ الميت، والناصاة: (١) رواه النسائي (١٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين في السفر. (٢) أما رواية أبي داود، فقد تقدم تخريجها عنده برقم (١٥٠) من طريق بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، به. ورواه (١٤٩)، من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، به. ورواه (١٥١)، من طريق الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه. وأما رواية الترمذي، فقد تقدم تخريجها عنده برقم (١٠٠) من طريق بكر ابن عبد الله المزني، به . * تنبيه: جاء على هامش (ت)): ((بياض نحو خمسة أسطر من الأصل)). ولم يشر إليه في ((م)). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٢٣٢). ٣٦٢ الناصية بلغة (١) طيء. وقال(٢) [من الطويل]: لقد آذَنَتْ أهلَ اليمامة طيِّىءٌ بحربٍ كَناصاةِ الحصانِ المُشَهَّرِ (٣ قلتُ: ومن مجاز هذا نواصي القوم بمعنى أشرافهم (٤). * الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسألتان: له في قوله : الأولى: [قد](٥) قدمنا في حديث عثمان بن عفان ظ ((فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ)) إلى آخره، وما قيل فيه من جعل ((الفاء)) في معنى التفسير، وما يتبع ذلك، ومثلُه يعود هاهنا. الثانية: (الواو) تقتضي الجمعَ لا الاجتماعَ، وقد نُقِلَ عن بعضهم: أنها تقتضيه أيضاً، وقد غُلُّط ونُسِبَ إلى الزَّلل، وقد قدمنا أيضاً: أن الجمع ينطلق عليه في الأخبار، وعليه في المُخْبَرِ عنه، وستأتي فائدةُ ذلك إن شاء الله تعالى. (١) في الأصل: ((لغة))، والمثبت من ((ت)). (٢) هو حُريث بن عتاب الطائي، كما ذكر ابن منظور في ((لسان العرب)) (١٥/ ٣٢٧). (٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٥١٠)، (مادة: ن ص ١). (٤) جاء على هامش (ت)): ((بياض نحو سطر من الأصل)). (٥) زيادة من ((ت)). ٣٦٣ ؛ الوجه الخامس : في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: اختلف الفقهاء في القدر الكافي في مسح الرأس، وفيه مذاهب : الأول: أنه لا يكفي فيه إلا مسحُ جميعهِ، وهو مذهب مالك رحمه الله(١). والثاني: أنه يكفي مسحُ الناصية، وهو مذهب أشهب من المالكية، ورواية عن أبي حنيفة، وروي عنه: قدر ثلاثة أصابع(٢). والثالث: أنه يكفي مسحُ الثلثين، وهو قول ابن مسلمة من المالكية. والرابع: إن اقتَصَر على مسح الثلث أجزأه، وهو قول أبي الفرج من المالكي، قال بعض أكابرهم: وهذا ليس بشيء. والخامس: أنه يُجزِىء ما انطلق عليه اسمُ المسح، وهو مذهب الشافعي رحمه الله. والسادس(٣): أنه لا يكفي أقلُّ من ثلاث شعرات، وهو قول بعض الشافعية (٤). (١) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٥٩). (٢) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (١ / ١٣). (٣) (ت)): ((والثالث)). (٤) انظر: ((المهذب)) للشيرازي (١ / ١٧). قلت: ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في ((أحكام القرآن)» (٢ / ٦٠) في مسح الرأس أحد عشر قولاً، فقال: = ٣٦٤ وإنما ترجمنا المسألةَ بالاختلاف في القدر الكافي، ولم نترجمها بالاختلاف في المقدار(١) الواجب؛ لأنهما غيرُ متلازِمَين على طريقة المالكية، أعني: أنه لا يلزم من القول بوجوب مقدار المسح، أو مقداره عدم الاكتفاء بما دونه، وإن كان هو القياس؛ لمعارضة قاعدة = الأول: أنه إن مسح منه شعرة واحدة أجزأه. الثاني: ثلاث شعرات. الثالث: ما يقع عليه الاسم. ذكر هذه الأقوال الثلاثة فخر الإسلام بمدينة السلام في الدرس عن الشافعي. الرابع: قال أبو حنيفة: يمسح الناصية . الخامس: قال أبو حنيفة: إن الفرض أن يمسح الربع. السادس: قال أيضاً في روايته الثالثة: لا يجزيه إلا أن يمسح الناصية بثلاث أصابع أو أربع. السابع: یمسح الجميع، قاله مالك. الثامن: إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه، أملاه عليَّ الفهري. التاسع: قال محمد بن مسلمة: إن ترك الثلث أجزأه. العاشر: قال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه. الحادي عشر: قال أشهب: إن مسح مقدمه أجزأه. قال: فهذه أحد عشر قولاً، ومنزلة الرأس في الأحكام منزلته في الأبدان، وهو عظيم الخطر فيهما جميعاً، ولكل قول من هذه الأقوال مطلع من القرآن والسنة . وقال القاضي في ((العارضة)) (١ / ٥١): وجملتها ترجع إلى قولين؛ أحدهما: هل يلزم جميعه أو بعضه. (١) ((ت)): ((القدر)). ٣٦٥ الاستحسان ومراعاة الخلاف، والمسامحة في ترك بعض ما وقع وتَمَّ، وهذا الآخر ضعيفٌ، وقد تشتبه هذه المسامحةُ بعدم نقض حكم القاضي بعد وقوعه، وهو تشبيه ضعيف أيضاً. الثانية: أما من قال بوجوب الاستيعاب وعدم الاكتفاء بما دونه؛ فهو ظاهر الكتاب العزيز، واستدل على ذلك بوجوه: أحدها: أن الحكم المعلَّق باسمٍ يقتضي تعليقَه بجملته؛ كأكُلْتُ الرغيف، وغسلتُ اليد، وكأن هذا الذي اعتمده مالك رحمه الله، فإنه روي: أنه سئل عمَّن مسح مقدَّم رأسه هل يُجزِئه؟ فقال: لا، أرأيت لو غسل بعض وجهه؟!(١) وثانيها: صحة الاستثناء بأن يقال: امسح برأسك، أو امسح رأسك إلا بعضه، والاستثناء يُخرِج من الكلام ما لولاه لدخل. وثالثها: التأكيد بما يدل على الجملة؛ كامسح برأسك كلِّه أو بجملته(٢). والذي يُعتَرَضُ به على هذا ما ادُّعي من كون(٣) الباء للتبعيض، وقد أنكره ابن جِنِّي وقال: كون الباء للتبعيض شيء لا يعرفه أهل اللغة. وربما اسْتُدِل ببعض ما ذكرناه على أن الباء ليست للتبعيض، للتأكيد بـ ((كل))، للزوم التناقض على هذا التقدير. (١) رواه ابن جرير في ((تفسيره)) (٦ / ١٢٥) من طريق أشهب، عن مالك. (٢) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٥٩). (٣) ((ت): ((أن)) بدل ((من كون)). ٣٦٦ وأما القائلون بإجزاء الناصية، فمُعتَمَدُهم هذا الحديث، وهو ظاهر فيه، ويَعتَذِر من أوجب الجميع عن الاستدلال به، بحَمْلِهِ علی الضرورة الداعية إليه. والقضية قضية حال لا عموم فيها، ولا تقع إلا على وجه واحد، قال بعضُهم: فيجوز أن يكون عن تحديد أو عذر، وإذا احتمل ذلك لم يكفِ في الاحتجاج مجرَّدُ الفعل دون نقل الوجه الذي عليه وقع، وربما يقال: لو كان هناك عذر لنقل. فأجاب بعض الأولین عنه بأمرین : أحدهما: أنه لا يلزم الراوي نقلُ كلِّ أمر يعلمه بما يتعلق(١) بالفعل، كما لا يلزمه نقلُ صفات الآنية التي توضأ فيها، والمجلس الذي كان فيه، والوقت والصلاة التي توضأ لها وغير ذلك. وهذا ضعيف؛ لأن ما ذكره في عدده لا يتعلق به شيء من الحكم الذي يحتاج إليه في حقيقة الطهارة الرافعة للحدث، بخلاف هذا(٢)؛ فإنه يتعلق به الاكتفاء بالبعض ظاهراً. قال من حكينا عنه: والثاني: أنَّ الراويَ قد لا يعلم العلَّة، فلا يلزمه نقلُ ما لا يعلمه، وعدمُ علمِهِ به لا يُخْرِجُه عن الاحتمال. فيقول له الخصم: واحتماله أيضاً لا يُزِيلُ عدمَ الظهور، ولا الأصلَ، ولا شكَّ أن الأصلَ عدمُ الضرورة. (١) ((ت)): ((بما لا يتعلق)). (٢) (ت)): ((بخلافٍ لهذا)). ٣٦٧ وأما من قال بإجزاء الثلثين، فإن كان من طريق سَحْبِ الحكم(١) في الأكثر على الأقل، فلا شكَّ أنه مخالفٌ للقياس، وظاهرِ النص، لا سيما إذا سُلُّم أن الأصلَ هو وجوبُ الكل، فلا يبقى لهذا القول إلا التمسكُ بالاستحسان، أو بقاعدة مضطربة، فإنه لا يقوم الأكثرُ مقامَ الأقل في كل مكان، ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى، فإن ادَّعى أن هذا من قبيل ما يُكْتَفَى به بالأكثر، فعليه البيان، فالمذهب ضعيف. وكذلك من قال: يُكتفى بالثلث، والذي سمع في تعليله: أنه كثير بالحديث الذي فيه ((والثلث كثير))(٢) وهذا أولاً: يخرجه سياقُ الحديث عن العموم في هذا المحل، والعمومُ يتخصَّص بالقرائن، وأقواها السياقُ، ثم يَضْعُف بكثرة التخصيصات في كثرةِ الثلث، وبناءُ الحكم على ذلك بما لا يُحصَى من الصور، ثم يضعف ثالثاً بأنه يحتاج إلى مقدمتين : إحداهما: أنَّ الثلث کثیر. والثانية: أنَّ الكثير يُكْتَفَى به في مسح الرأس، فينتج أنّ الثلث يُكْتَفَى به في مسح الرأس، والثانيةُ ممنوعةٌ لا دليلَ عليها، فيطالب بإثباتها، فإنه لا نصَّ يدلُّ عليها، ولا لفظَ يرشد إليها، فالمذهب واهٍ، لا سيما وقد اضطرب مذهب مالك وأصحابه في آحاد الصور، ففي بعضها منع الثلث إلحاقاً له بالكثير، وفي بعضها لا . (١) في الأصل: ((يجب الحكم))، والمثبت من ((ت)). (٢) تقدم تخريجه . ٣٦٨ وأما من قال بالاكتفاء بأقلّ ما ينطلق عليه المسح، فالمذكور في تقديره وجهان : أحدهما: ما يتعلق بالباء، وكونها للتبعيض وهو شيء غير معروف عند المتقدِّمين من أهل العربية واللغة، وقد حکینا حكاية قول ابن جني، وعن أبي بكر عبد العزيز الفقيه أنه قال: سألت ابن دُرَیدٍ وابنَ عرفةَ وابن دَرَسْتويه عن ((الباء)» هل تبعَّض؟ فقالوا: لا نعرف ذلك في اللغة. قال الحافظ الفقيه أبو عمرو ابن الصلاح - رحمه الله - فيما نسب إليه، فنقول: هو لا عاضَد، نكير ابن جنيٍّ على من ينخِّلها التبعيض، وموهنٌ قولَ من قال من أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إن الباء للتبعيض فيه. وقاله بعض رؤساء النحويين في عصرنا(١). والثاني: أن الاسم ينطلق عليه، وانطلاقُ الاسم، وحصولُ المسمى المأمورِ به، يكفي في الخروج عن العهدة، وقد تورَّعوا في هذا، وادُّعي أن إطلاقَ المسح بالرأس لا يُفْهَم منه إلا المسحُ لجميعِهِ دون الاقتصار على بعضه. ولقائل أن يقول في تقدير هذا: مُجرَّدُ حصولِ المسمى، واللفظ الدال على المطلق يكفي في الاكتفاء والإجزاء، إلا إذا كان الحكم معلقاً بالمسمى، أما إذا كان معلَّقاً بمقيّد، فإنه يحصل فيه المسمى (١) جاء على هامش (ت)): ((بياض نحو أربعة أسطر من الأصل)). ٣٦٩ واللفظ الدال على المطلق، أعني: بفعله؛ لأنّ المطلق في ضمن المقيد، ولا يُكْتَفَى في حصول الإجزاء به؛ لأنه يبطل ما تعلق به الأمر من القید. بيانه: أنه إذا تعلق الأمر والخبر بمقيد، فإنه بفعل ذلك المقيد يحصل المسمّى، ولا يحصل الامتثال به ولا المقصود من الإخبار، فإنه إذا قيل: أعتق رقبة مؤمنة، فإذا أعتقها صدق المطلق، وهو أنه أعتق رقبة، وصِدقُ هذا المطلق لا يكفي في حصول الامتثالِ، وكذلك إذا قيل: فلان سارق المئة، فالمسمّى حاصلٌ، وهو كونه سارقاً، ولا يحصل المقصود من الخبر بكونه سرق المئة. إذا ثبت هذا، فيقال لمن قال: إن المسمَّى حاصلٌ فيحصل الاكتفاء به؛ إما أن يُدَّعى أنَّ الحكم متعلقٌ بالمسمَّى حتى يلزم الاكتفاء بمجرد حصول المسمَّى من المسح، أو يدعي أنه معلق بمقيد، فيحصل الاكتفاء بالمسمَّى؛ فإن ادَّعيتَ الأول فهو ممنوع؛ لأن المأمور به المسح المضاف إلى الرأس، وإن ادَّعيتَ الثاني فلا يلزم حصولُ الاكتفاء والإجزاء بحصول المسمَّى، كما ذكرناه. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن تكون الباءُ ظرفيةً، ويبقى الأمرُ بالمسح مطلقاً، فيُكْتَفَى بحصول المسمَّى؟ قلنا: لو كان كذلك لكان المأمورُ بمسحه محذوفاً، والظرفية لِذلك المسح لا تقتضي تعلُّقَ المسح بالرأس، فلا يكون في الآية حينئذ دليل على الأمر بمسح الرأس؛ لأن الظرفية لا تقتضي المباشرة ٣٧٠ المطلوبة في المسح التي (١) يتوقّف الإجْزاء عليها، كما إذا قلنا: زيد بالبصرة وأمثاله، وذلك باطلٌ بالاتفاقِ، وخلاف ما أجمع الناس من دلالة الآية وتعلُّق الأمر فيها بمسح الرأس(٢). وأما من قال بتوقّف(٣) الإجزاء على ثلاث شعرات، فإنه عوَّل على صيغة الجمع في ﴿رؤوسكم﴾، ويخرج ذلك من قول من قال: لا يُجزىء في حلق الرأس في الحج أقل من ثلاث شعرات لأجل الجمع، فإن كان معوَّلُه على صيغة الجمع في موضعين، فهو ضعيف جداً، فإن الخطاب للجمع معلّق بصيغة الجمع في الرأس، و[في](٤) مثل هذا لا تُعتبر صيغة الجمع في المتعلق، كما لو قيل: ركب الناس دوابهم، ونظائره، وأقل ما في هذا أنه يجعل اسم الرؤوس انطلق على الشعور، وهو مجاز بعید. وإن أراد به [أن] يقيسَ هذا الحكمَ على ذلك بما يحكم بقياس شبهي، فإن أخذ الأصل مسلّماً، فقد يمكن ذلك، بشرط أن لا يكون معتمداً لأصل صيغة الجمع المتعلقة بحلقِ الرأس، فإنه إن كان هو المعتمدُ في الأصل - وهو فاسد -، فهو قياس على فاسد، على أنه يكون في الأصل أقربَ من هذا النوع؛ لإشعار لفظ الحَلْقِ بالشعر (١) ((ت)): ((الذي)) . (٢) جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو سبعة أسطرٍ من الأصل)). (٣) في الأصل: ((بتوقيف))، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت). ٣٧١ بخلاف المسح، وإن لم يكن هو المعتمد في الأصل، فهو قياس شَبَهِيٌّ ضعيف دون ضعفِ الاستناد إلى صيغة الجمع، والتعلق المنصوصُ أولى. الثالثة: الذين قالوا: إن الباء للتبعيضٍٍ؛ من قولهم الفرق بين الفعل المتعدي بنفسه أو (١) المتعدي بحرف الجر، وقالوا: إن المتعدي بنفسه تكون الباء فيه للتبعيض؛ لأنها لو لم تكن كذلك لكانت زائدة، والأصل عدم الزيادة في الكلام. ويُعتَرض علیھم بوجهین : أحدهما: منع الملازمة بين عدم كونها للتبعيض وكونها زائدة، وهذا فيه أمران : أحدهما: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي وهو: كونها تفيد فائدة الدلالة على ممسوح به، وجعل الأصل فيه امسحوا برؤوسكم الماء، فيكون من باب المقلوب، أي: امسحوا بالماء رؤوسكم؛ وأنشد - الاستشهاد للقلب ــ [من الكامل]: كَنَواحِ رِيشِ حَمامةٍ نَجَديَّةٍ ومَسَحْت باللِثْتِينِ عَصْفَ الإِثْمِدِ(٢) هذا معنى ما ذكر(٣). (١) ((ت)): ((و)). (٢) البيت لخفاف بن ندبة، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٠٦). (٣) انظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (٢ / ٦٤). ٣٧٢ الأمر الثاني: ما ذكره بعض المتأخرين من المالكية(١). وثانيهما: أن يقال: إذا سلَّمنا أن الأصلَ عدمُ الزيادة فنقول: الأصلُ متروكٌ إذا دلَّ الدليل على تركه، وقد دلَّ، وهو عدمُ ثبوت کون الباء للتبعيض في لغة العرب ثبوتاً يرجع إليه من قول مَنْ يجبُ الرجوع إلى قوله من أهل هذا الشأن، والاعتمادُ في مثل هذا إنما هو على أقوال المتقدمين المبالغين في الاستقصاء مبالغةً توجب الرجوعَ إلى قولهم. وأيضاً فالزيادةُ في الحروف قد كثرت كثرةً في لسان العرب لا تُحصى، فالمنع من حملها عليها اعتماداً على الأصل لا يقوى. وأيضاً فطريقُ إثباتِ اللغة النقلُ (٢). الرابعة: أجاز أحمدُ المسحَ على العمامة، وذكر أصحابه خلافاً في أن المسح عليها مؤقت؛ كالمسح على الخفين، أو لا؟ وفي أنه هل يشترط أن تكون محنَّكة؟(٣) ووافق الظاهري على جواز المسح عليها أيضاً. فظاهر الكتاب العزيز يأبى الجوازَ بتعلَّق المسح بالرأس، فلا يخرج عن العُهدة بالمسح على غيره، وهم يستدلون بالأحاديث الدالة على مسح النبي بَّر على العمامة، وهذه الأحاديث على قسمين : (١) كذا في النسختين الأصل و((ت))، وكأن فيه سقطاً. لم ينبه إليه في كلا النسختين . (٢) جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو خمسة أسطر في الأصل)). (٣) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ١٨٥). ٣٧٣ أحدهما: ما قُرن به المسح على الناصية. والثاني: ما لم يقرنْ به ذلك؛ كالذي روي: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ (١)، وهو صحيح، وكالذي روي من أَمرِهِوَّر في المسح على العصائب والتساخين (٢)، وفُشِّرت العصائبُ بالعمائم، وهذا الحديث الذي نحن فيه مما قُرِنَ فيه المسح على العمائم بالمسح على الناصية ذكراً، فإذا استُدِلَّ به على جواز المسح على العمامة، اعتُرِضَ عليه من جهة من يرى عدم وجوب تعميم الرأس بالمسح، بأنه قد تأدَّى الفرض فلا يبقى دليلاً على جواز المسح على العمامة، حيث لم يتأذَّ الفرض، وهذا يعود إلى ما قلناه في غير هذا الموضع من الفرق بين الجمع في الخبر، والخبر عن الجمع، وهذا الاعتراض يَتَّجه إذا كان إخباراً عن الجمع، وهو الظاهر من الحديث، وأقلُّ درجات هذا أن يكون جائزاً، أعني: كونه إخباراً عن الجمع، الدليل المجيزُ المسحَ على العمامة مطلقاً إذا كان جمعاً في الخبر، وهو ممنوع، فلا يَتَّجه الاستدلال بهذا الحديث على مَنْ يرى عدم وجوب التعمیم. وأما من يرى وجوب التعميم فطريقُهم فيه احتمالُ حملِهِ على (١) رواه مسلم (٢٧٥)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة، من حديث بلال ه . (٢) رواه أبو داود (١٤٦)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على العمامة، والإمام أحمد في «المسند» (٥/ ٢٧٧)، وغيرهما من حديث ثوبان مولته، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، كما ذكر الحافظ في ((الدراية)) (١ / ٧٢). ٣٧٤ العُذر، وقد قدمنا ما فيه وأن الأصلَ عدمُه. وأما الأحاديث المطلقة فيمكن أن تُخصَّ بحالة الضرورة، أو يُحمل إطلاق الإخبار على الفعل على صورة الجمع في المخبَرِ عنه، وقد بيَّنا أنه لا يقوم على جواز المسح على العِمامة مطلقاً من الحديث الذي جمع فيه بين المسح على الناصية وبين المسح على العمامة، فإذا حُملت الرواية المطلقة على [صورة](١) الجمع في المخبر عنه لم يبقَ دليل على جواز المسح مطلقاً، إلا أنه خلاف ظاهر الإطلاق، ويتطرق أيضاً في الأحاديث المطلقة احتمالُ العذر والضرورةِ، وهذه الاحتمالات وإن كانت على خلاف ظاهر الإطلاق فقد يرجح التأويل بها(٢)، بالتمسُّك بظاهر القرآن، وهو تمسُّك بلفظ يقتضي وجوبَ مباشرةِ الرأس بالمسح، وليس من باب الفعل الذي يتطرّق إليه الاحتمالُ لعدم عمومه، نعم الحديث الذي فيه: فَأَمَرَهُمْ بِالمَسْحِ عَلَى العَصَائِبِ والتسَاخِيْن(٣)، أقوى؛ لأنه قولٌ، لا حكايةُ حالٍ، واحتمالُ التخصيص أيضاً متطرّقٌ إليه؛ لأنه حكمٌ تعلَّق بمخصوصَيْن، مطلقٌ في أحوالهم، فجالز](٤) أن يكونوا من أولي الضرورة(٥). (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((بهما))، والمثبت من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه قريباً. (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((الصورة))، والتصويب من ((ت))، وجاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو سبعة أسطر من الأصل)). ٣٧٥ الخامسة: الشافعية يكتفون بمسح بعض الرأس، قال بعض مصنفيهم: ولو عَسُر عليه تَنْحِيَةُ ما على رأسه من عمامة، وغيرها ومسح من الرأس قَدْرَ ما يجب، كمل ما يمسح على العمامة بدلاً من [الاستيعاب، و](١) تشبهاً به، قال: والأَوْلى أن يمسح من الرأس الناصية، مسح رسول الله وَّيه بناصيته وعلى عمامته(٢). ولقائل أن يقول: إذا تعلَّق الحكمُ بالاستيعاب، فهو بالنسبة إلى الوجوب والاستحباب على حدٍّ سواء، فلا يتأدَّى الاستحبابُ إلا بما يتأدَّى به الوجوبُ؛ لأن الذي عُلِّق عليه الحكمُ منتفٍ في الاستحباب والوجوب معاً، وهو مسح كلِّ الرأس، فإن خُصَّ هذا الحكم - أعني: المسح على العمامة - بحال العسر، فهو تخصيصٌ لا دليل عليه من إطلاق الخبر، ولا يتمُّ التخصيص به بالعسر إلا بدليل، وإن أُخذ مطلقٌ ٩ الاحتمال فقد قيل مثلُه في رُتْبَةِ الوجوب، إذ الاحتمالُ موجود فيه. السادسة: وإذا احتيج إلى التكميل بالمسح على العمامة، فهل يترجَّح استيعابُ المسح على الناصية على مطلق الاكتفاء بمسح بعض الرأس؟ الذي نقلناه آنفاً عن هذا المصنِّ الشافعيّ ربما (٣) يُفهم منه (١) زيادة من ((فتح العزيز)) للرافعي، وقد أشير في النسختين ((م)) و((ت)) إلى نقص بمقدار ما أثبت. (٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٢٦). (٣) في الأصل و((ت)): ((وبما))، ولعل الصواب ما أثبت. ٣٧٦ ذلك، والاستدلالُ عليه بالحديث ظاهرٌ إذا قيل به، والله أعلم. السابعة: إذا لم يَرَوا استيعابَ مسح الرأس، ولا المسحَ على العمامة لعدم العسر في نزعها، فهل يُقال باستحباب المسح على الناصية دون الاقتصار على أقلَّ منها؟ لا يبعد ذلك، والدليل من الحديث عليه ظاهر، لكن بعد أن يُجرد عدم إرادة [المسح](١) على العمامة وعسرها عن الاعتبار، وأما إذا لم يُجرد؛ ففيه نظر، وربما يقال: إنه أقرب إلى كمال الاستحباب، فيكون بعضَ المطلوب، لكنه لا يدل على تعليق الحكم بخصوص الناصية؛ لاشتراك ما فوقَها معها في هذا المعنى. الثامنة: إنْ رجح الدليل على جواز المسح على العمامة، فاشتراطُ التوقيت لا يقوى؛ لدلالة الإطلاق على الجواز، ولاحتياج التوقيت إلى دليلِ القياس على المسح على الخفين، وهو ضعيف، وعند الطبراني من حديث مروانَ أبي سلمة، عن شَهْر بن حَوْشب، عن أبي أمامة: أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ والعِمَامَةِ ثلاثاً في السَّفَرِ، وَيَوماً وَلَيْلَةً فِي الحَضَرِ(٢). وعن مهنا: أنه سأل أحمد عن حديث مروان أبي سلمة، عن (١) سقط من ((ت)). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٥٥٨). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١/ ٢٦٠): فيه مروان أبو سلمة، قال الذهبي: مجهول. وغمزه ابن قدامة في («المغني)) (١ / ١٨٦) من جهة شهر بن حوشب. ٣٧٧ شهرَ بن حوشب، عن أبي أمامةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((يَمْسَحُ المسَافِرُ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَّهُنَّ، والمقِيْمُ يَوماً وَلَيْلة)). قال أحمد: ليس بصحيح. فإذا لم یکن صحيحاً لم يُستند إلیه، ویمکن أن یکون القائل به إن لم يستند إلى هذا الحديث استندَ إلى القياس. التاسعة: اشتراط تحنيكها لا دليلَ [عليه] في الظاهر، والإطلاق عليه، ويمكن أن يحال على أمرين : . أحدهما: اعتبار المشقة المرخِّصة للخروج عن الأصل الذي هو مسح الرأس؛ إما باعتبار المصلحة المرسلة، أو تقريباً من المسح على الخفین. وثانيهما: اعتبار الفعل العادي في التقييد والتخصيص، فإن عادةً العرب التحنيكُ، وقد جاء في حديثٍ النهيُ عن الاقتعاط، وهو عدم تحنيك العمامة، على ما رُوي وفُسِّر(١). العاشرة: فيه جواز المسح على الخفين، وسيأتي في بابه، والله أعلم. (١) ذكره أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٣/ ١٢٠). والاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء. ٣٧٨ الحديث الخامس عشر وعندَ الطَّحاوي من حديث شَهْرٍ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامة ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴾ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيْهِ مَعَ الرأسِ، وَقَالَ: (الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ))(١). وشَهْر قد تقدم. الکلام علیه من وجوه : ، الأول: في التعريف: فنقول: قد تقدم حالُ أبي أمامة، وحال شَهرِ بن حَوْشَب. وإنما ذكرتُ هذه الرواية؛ لتصريحها بمسح الأذنين مع الرأس، وصريحٍ دَلالتها على المسح مع الرأس، بخلاف الحديث المتقدم الذي ليس فيه إلا ((الأُذُنَانِ مِنَ الرأْسِ))، فإنه محتملُ: الدلالة لأنْ يكونَ المرادُ بكونهما منه: اشتراكَهما في حكمٍ مجرَّدِ المسح، وأنْ يكون المرادُ اشتراكَهما في وجوب المسح، وأن يكون المرادُ مسحَهما مرةً واحدةً، ولما كانت الدلالة محتملةً أَتَي بهذا التصريحِ في هذا الحكم. (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٣٣). ٣٧٩ والمالكية - رحمهم الله - قد فرقوا بین کونهما من الرأس، وبین كونهما يُمسحان بماء الرأس، فقالوا: بالأول، ونَفَوا الثاني، فقالوا: إنهما من الرأس، ويُجَدَّدُ الماءُ لهما (١)، فإثبات كونِهما من الرأس للحدیث، وإخراج تجدید الماء لهما عن حکم کونهما من الرأس بالدليل الذي دلَّهم على التجديد، وسيأتي عن قريب (٢) إن شاء الله تعالى. * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: أبو حنيفة ﴿ه يرى مسحهما بماء الرأس على مقتضى هذا الحديث، وله اعتضادٌ بأحاديث أُخَر، منها ما يُصرِّح بالاجتماع، ومنها ما يظهر منه ذلك، فمن المصرِّح ما ذكره الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنده في كتابه في حديث ابن عباس فيه: ((غَرْفَةٌ فَمَسَحَ بِهَا رَأَسَهُ وأُذُنَيْهِ)(٣)، ومن المحتمل حديث الرُّبيع بنت معوِّد قالت: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَتَوَضَّأُ، قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَه ومَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهِ وَمَا أَدْبَرَ، وصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً(٤). (١) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٦٥). (٢) في الأصل: ((قرب))، والمثبت من ((ت)). (٣) ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٤)، ومن طريقه: البيهقي في ((السنن الکبری» (١/ ٥٥). (٤) رواه أبو داود (١٢٩)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي ◌َ }، = ٣٨٠