Indexed OCR Text
Pages 341-360
وسمعته بالكوفة يقول: (( يُحِبُّ التيامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ، وَتَنَعُّلِهِ،
وَتَرَجُلِهِ)).
وعند ابن ماجه من حديث عمر بن عبيد الطنافسي، عن أشعث
بسنده: ((أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُحِبُّ التَيَّمُّنَ فِي طُهُورِهِ(١) إذا تَطَهَّر،
وفي تَرَجُلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وفي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ))(٢) وقيل: إنه وقع في
بعض الأصول: ((في نعله)) على إفراد النعل، وفي بعضها الأكثر ((نعليه))
بزيادة ياءٍ على التثنية، ووقع أيضاً في ((تنعله)) كما ذكرناه عن رواية
النسائي، ونسب أيضاً إلى ((الجمع بين الصحيحين)) للحافظ الحميدي
وعبد الحق(٣)؛ أعني: لفظه.
* الوجه الثاني : في مفردات ألفاظه، وفيه مسائل:
الأولى: مادة الياء والميم والنون على هذا الترتيب يرجع (٤) إليها
اليمن بمعنى البركة، واليمين ضد اليسار، واليمن: الإقليم المعروف،
ويقال: تیمَّن.
(١) ((ت)): ((الطهور)).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٠١)، كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الوضوء.
(٣) انظر: ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي (٤ / ١٦٧).
(٤) في الأصل: ((رجع))، والمثبت من ((ت)).
٣٤١
الثانية: تقدم الكلام في الطَّهور والطُّهور، ومقتضى المشهور فيه
أن يكون بضم الطاء هاهنا، فإن المراد التيمُّن في الفعل لا الماء،
ويحتمل أن يُحمَل على الماء بحذف مضاف.
الثالثة: التَّرَجُلُ: تسريح الشعر.
* الوجه الثالث: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى(١).
الثانية: [إِنْ](٢) في قوله: ((إِنْ كانَ رسولُ الله ◌َِّ لْيُحِبُّ)) هي(٣)
المخففة من الثقيلة التي يجوز إلغاؤها وإعمالها، والإعمال أقل، وقد
تقدم مواضع (إن) فيما مضى.
الثالثة: إنَّ اللام الداخلة في (لَيُحِبُّ)) هي الفارقة بين النافية
والمخففة من الثقيلة عند إلغائها، فإنا إذا قلنا: إنْ زيدٌ قائم على أن
تكون هي المخففة أشبهت النافية، فجُعلت اللامُ فارقةً .
الرابعة: في كلام بعضهم ما يقتضي لزومَها للفرق، وفي كلام
بعض المتأخرين: أنه إذا كان المعنى يقتضي الفرق لم يلزم، وذكر
(١) بياض في الأصل وفي ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((على)) بدل ((هي))، والمثبت من ((ت)).
٣٤٢
أنها (١) في هذا الحديث بإسقاط اللام في (لَيُحِبُّ))(٢)، ونسبه إلى كتاب
مسلم، ولعلها رواية عنده.
ومثال ما يحصل الفرق فيه بين النافية والمخفّفة في المعنى من
غير دخول اللام: (إنْ كان الله يغفر لك إذا أطعته)، وكذلك هذا
الحديث الذي رواه هذا النحوي من قوله: ((إِنْ كانَ رسولُ اللهِ وَهُ
يُحِبُّ ))؛ لأنه لا یمکن أن تكون نافية في مثل هذا.
الخامسة: إذا خُفِّفَتْ فبابها أن تدخل على الأفعال الناسخة
للابتداء وغيره قليل؛ كقوله [من البسيط]:
شَلَّتْ يمينُكَ إِنْ قَتْلتَ لَمُسلِماً(٣)
وقد وردت في هذا الحديث على الأصل والباب.
السادسة: قوله: ((في شَأْنِهِ كلِّه؛ وطُهوره، وتنقُله، وترجُلِه))
يجوز أن يكون ((في طهوره)) إلى آخره بدلاً بإعادة العامل؛ كما في قوله
تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] ويجوز أن
(١) في الأصل و((ت)): ((وذكرنا))، والمثبت من هامش ((ت)).
(٢) ((ت)): (یحب)).
(٣) صدر بيت لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنها، كما رواه ابن
سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣/ ١١٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١٨/ ٤٢٦) وغيرهما، وعجزه:
حلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمِّدِ
٣٤٣
يكون من باب حذف العطف بين الجمل، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بُفَصِّلُ
اَلَيَتِ﴾ [الرعد: ٢]، وقوله [من الخفيف]:
كيفَ أصبحْتَ كيفَ أمسيْتَ مِمّا
يَزْرَعُ الودَّ في فؤادِ الصَّديقِ(١)
وهو في التقاول كثير ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ قَالَ رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَلِّنَّهُمَّ إِنَكُتُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] إلى آخر ما في
الآيات.
السابعة: [قوله](٢) ((ما اسْتَطَاع)) في بعض الروايات يُعرَبُ بما
يعرب به قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وذكر فيه: أنه
ظرف زمان بتقدير: مدة استطاعتكم، وأن (ما) مصدرية؛ أي: اتقوا
الله جهدکم .
الثامنة: هذا اللفظ؛ أعني: ﴿مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾، يحتملُ أن يكون من
باب التسهيلِ والتخفيفِ، ويحتمل أن يكون من باب التشديد؛ يعني:
أنه (٣) ما وجدت الاستطاعة فاتقوا؛ أي: لا يبقى من الاستطاعة شيء،
وبمعنى التخفيف يرجع إلى أن المعنى: فاتقوا الله ما تيسر علیکم،
أو ما أمكنكم من غير عسر، ويملِّحُ معنى التخفيف قوله {وَّ ه: ((إِذَا
(١) تقدم ذكر البيت، وأنه منسوب إلى علي بن أبي طالب ﴾.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت): ((بمعنى)).
٣٤٤
نَهَيْئُكُمُ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِوُهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتُوا مِنْهِ مَا اسْتَطَعْتُم))(١)،
وهذا ننقله إلى قولها (٢): ((ما اسْتَطَاع)).
التاسعة: لا بدَّ من حذف مضاف تقديره: في لبس نعله، أو نعليه(٣).
* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: فيه طلبية البُداءة باليمين على اليسار في الوضوء، وذلك
في اليدين والرجلين، قال بعض الشارحين: وأجمع العلماء على أن
تقديمَ اليمين على اليسار من اليدين والرجلين من الوضوء سنة، لو
خالفه فاته الفضل، وصحَّ وضوؤه.
وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتدادَ بخلاف الشيعة (٤).
قلت: هذا الذي ذكره هو مذهب الإمامية منهم، وأما كونه
لا يعتدّ بخلاف الشيعة، فلا ينبغي أن تكون علَّتُه بدعتَهُم؛ لأن
الأصحَّ اعتبارُ خلاف المبتدع الذي لا يكفِّر ببدعته؛ لاندراجه في اسم
(١) رواه البخاري (٦٨٥٨)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء
بسنن رسول الله ◌َ ، ومسلم (١٣٣٧)، كتاب: الفضائل، باب: توقيره وَلقوله
من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) أي: عائشة رضي الله عنها.
(٣) جاء في ((ت)): ((العاشرة :... ))، وعلى الهامش: ((بياض).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦٠).
٣٤٥
الأمة، وتناولِ دليل العصمة لجملتهم، وإنما ينبغي أن تكون علَّتُه
فقدَهم لما لابد منه في الاجتهاد، وهو خبر الواحد المقطوع بقبوله،
وبسبب ورود جزئيات لا تحصى، واستمرار عمل الأمة عليه، وقد
استدل صاحب ((الغُنية))(١) منهم بما لا دليلَ فيه، وبدعواه الكاذبة في
غير ما مكان، وعلى تقدير صحتها فلا اعتبار بها، ولو وفقه الله
لقبول(٢) خبر الواحد، واستدل بقوله وض حه: ((إِذَا تَوَضَّأَتُم فانْدَؤوا
بِمَيَامِنِكُم))؛ ذكره أبو داود وابن ماجه برواية زهير بن معاوية، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهؤلاء ثقات(٣)، لكان (٤)
استدلالاً صحيحاً، ويحتاج مخالفُهُ إلى دليل يُخرج الأمر عن ظاهره،
ولا يُعارَضُ بالدليل الذي استَدَل به(٥) من أوجب الترتيبَ، وهو أن الله
تعالى جمعهم في الذكر؛ أي: اليدين والرجلين، من غير ما يقتضي
الترتيب كغيرها من الأعضاء؛ لأن الإجزاء من هذا الوجه إنما هو عند
(١) لأبي القاسم عبدالله بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، الإمامي، المتوفى
سنة (٥٨٠هـ) تقريباً، كتاب: ((الغنية عن الحجج والأدلة)). انظر: ((هدية
العارفين)) للبغدادي (١ / ٢٣٧).
(٢) ((ت)): ((بقبول)).
(٣) رواه أبو داود (٤١٤١)، كتاب: اللباس، باب: في الانتعال، وابن ماجه
(٤٠٢)، كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الوضوء، وصححه ابن خزيمة
(١٧٨)، وابن حبان (١٠٩٠).
(٤) جواب ((لو وفقه)).
(٥) في الأصل زيادة: ((وجب)).
٣٤٦
التحقق من باب الاكتفاء بالمسمى عند حصوله، وذلك لا ينافي
اشتراط أمر آخر بدليل آخر، وهو هذا الحديث الذي ذكرنا فيه صيغةً
الأمر، فإن ادَّعى أنه يدل على الإجزاء من غير هذا الوجه، فليُبَيِّن.
الثانية: قد عرف أنه لا يلزم من استحباب الشيء كراهةُ ضده،
والمذكور في المسألة السابقة سُنيَّة التقديم، وقد نقل عن نصِّ الشافعي
رحمه الله في ((الأم)): أن الابتداء باليسار مكروه(١)، قال بعض الشارحين:
وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بأسانيد جيدة عن أبي
هريرة : أن رسول الله بَّه قال: ((إِذَا لَبِسْتُم وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا
بِأَيَامِنِكُمْ» فإن هذا نصٌّ في الأمر بتقديم اليمين، فمخالفته(٢) مكروهة
أو محرَّمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمةً، فوجب
أن تكون مكروهةً، والله أعلم(٣).
الثالثة: الذي ذكرناه من الاستحباب في تقديم اليمنى (٤) على
اليسار في الوضوء، لا يختص به، فإنه قد ثبت البداءة بالشق الأيمن
على الشق الأيسر في الغسل، والعموم الذي في ((طهوره)) يدل عليه.
(١) قال الإمام الشافعي في ((الأم)) (١ / ٣٠): أحب أن يبدأ باليمنى قبل
اليسرى، وإن بدأ باليسرى قبل اليمنى فقد أساء، ولا إعادة عليه.
(٢) ((ت)): («لمخالفته)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦٠).
(٤) ((ت)): ((اليمين)).
٣٤٧
الرابعة: الشافعية أو بعضهم، لم يقل(١) بالتعميم للاستحباب في
كل أعضاء الوضوء، وجعل من أعضاء الوضوء مالا يستحب فيه
التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخَدَّان، بل يطهران دفعة واحدة،
فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه، قدَّم اليمين(٢).
قلت: كأنه يجعل عدم إمكان الجمع شرطاً في الاستحباب،
وليس بالواضح، فإنه يمكن الجمع مع ورود ما يدل على استحباب
البَداءة باليمين، كما حكينا من البداءة بالشق الأيمن في غسل الجنابة،
لیس لأجل استحباب تقدیم الیمین، بل لمعنی غیره، وفيه إلغاء ما يمكن
أن يكون معتبراً، وقد نُقُل وجه عن الشافعية.
وأيضاً فقد يمكن غسل اليدين والرجلين دفعةً واحدةً مع
استحباب تقديم اليمين. وأما الوجه؛ ففي الحديث ما يدل على عدم
تقديم الشق الأيمن على الأيسر فيه؛ إما بطريق الظاهر والدلالة، وإما
بطريق ما نقل، مع أن الأصل عدم غيره، فهذا(٣) ينبغي أن يستثنى عن
الاستحباب، بل ربما نزيد فنقول: إنه يستحب عدم التقديم أو يكره
التقديم؛ للحاجة إلى دليل يدل على هذا الخصوص، وهو مقدم على
الدليل العام في استحباب البداءة باليمين، وهذا(٤) الذي ذكرناه في
(١) ((ت)): ((يقم)).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٤٢٠ -٤٢١).
(٣) (ت)): ((وهذا)).
(٤) في الأصل و((ت)): ((وهو))، والمثبت من هامش ((ت)).
٣٤٨
الوجه يجري مثله في الرأس، بل الدلالة عليه فيه أقوى؛ للنص على
كيفية المسح باليدين معاً؛ إقبالاً وإدباراً دفعة واحدة.
الخامسة: ذكر غيرُ واحد في معنى هذا الحكم دخولَه في باب
التفاؤل، فذكر بعضهم في قول: ((كَانَ يُحِبُّ التيامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»،
وقيل: إنه كان ذلك منه تبرُّكاً باسم اليمين؛ كإضافة (١) الخير إليها،
كما قال: ﴿وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن
◌َانِبٍ اُلْطُورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ولما فيه من اليُمن والبركة، وهو من باب
التفاؤل، ونقيضُه الشِّمال(٢).
السادسة: قال بعضهم: ويؤخذ من هذا الحديث احترامُ اليمين
وإكرامها، فلا تستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء
من خسيس الأعمال، وقد نهى بَّهِ عن الاستنجاء، ومسِّ الذكر
باليمين(٣) .
وقال غيره من الشارحين: وكان رسول الله ◌َله يحب التيمُّن في
طهوره إذا تطهّر، وفي ترجُّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل، هذه
قاعدة مستمرة في الشرع، وهو أن ما كان من باب التكريم والتشريف؛
(١) في المطبوع من ((المفهم)) للقرطبي، وعنه نقل المؤلف هذه الفائدة:
((لإضافة)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١١). ونحوه في ((إكمال المعلم)) للقاضي
عیاض (٢ / ٧٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١١).
٣٤٩
كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك،
والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو
مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل
أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب،
والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه،
یستحب التیامن فيه.
وأما ما كان بضدِّه؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد،
والامتخاطِ، والاستنجاءِ، وخلع الثوب، والسراويلِ، والخفِّ، وما أشبه
ذلك، يستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين ولشرفها(١).
قلت: وقد ورد في الاستنثار في الوضوء، استعمال اليسار، ذكره
النسائي، وترجم عليه(٢)، وهذه الأشياء التي ذكرها هذا الذي حكينا
عنه متقاربة(٣) الرتبة عندي في الاستحباب، بل وفي استحباب بعض
ما ذكره في الخَلْع نظر، وقد ورد في النعل استحباب الخلع لليسار
أولاً(٤)، فهو دلیل صحیح فيه.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦٠).
(٢) روى النسائي (٩١)، كتاب: الطهارة، باب: بأي اليدين يستنثر؟ من حديث
علي ه: أنه دعا بوضوء، فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى،
ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طهور نبي الله وَلۆ.
(٣) في الأصل و((ت)): ((متقارب))، ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) روى البخاري (٥٥١٧)، كتاب: اللباس، باب: ينزع نعله اليسرى، ومسلم
(٢٠٩٧)، كتاب: اللباس والزينة، باب: استحباب لبس النعل في اليمنى =
٣٥٠
السابعة: قد حكينا عن غيرنا صوراً مما يُسْتحب فيها (١) التيمن،
وهي ثماني عشرة صورة، وكلها مسائلُ جزئيةٌ تدخل في العدد،
ومن ذلك: مناولة الشراب للأيمنِ فالأيمن، وفي خصوصه حديث
صحيح ثابت: أَنَّ النبيَّ وَّهِ شَرِبَ لَبَناً، ثُمَّ أعْطَى الأَعْرابِيَّ وقَال:
((الأيمن فَالأَيْمَنَ)) بعدَ أَنْ قَالَ له عُمَرُ وأبو بَكْرِ رضي الله عنهما:
يا رسولَ الله!(٢)، ومنه المعاطاة، والمناولة، ومنه المبايعة والمعاهدة،
والأيمن في الصفوف، والتيمُّم في أعضاء الوضوء، والبداءة باليمين
في الالتفات عند الحَيْعَلتين، والبَداءة بالشِّق الأيمن في غسل الميت،
وتوجيهه إلى القبلة على قولٍ، ووضعه في لحده على الأيمن، وإشعار
البُدْن على قول بعض العلماء، فهذه المسائل تكمل أربعة وثلاثين.
الخامسة والثلاثون: هذه الأماكن المكروهُ فيها تقديم اليسار
تخصُّ العموم الذي في قولها: ((في شَأْنِهِ كلِّه)) مما ورد من الدلائل
الخاصة المقتضية لتقديم اليسار في شيء مخصوص، فهو دليل
تخصیص فيه، فإن أجري غيرُه مجراه فبالقياس.
= أولاً، من حديث أبي هريرة : أن رسول الله وَّ﴿ قال: ((إذا انتعل أحدكم
فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل،
وآخرهما تنزع)).
(١) ((ت)): ((فيه)).
(٢) رواه البخاري (٢٢٢٥)، كتاب المساقاة والشرب، باب: في الشرب، ومسلم
(٢٠٢٩)، كتاب: الأشربة، باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما
عن یمین المبتدىء، من حديث أنس بن مالك
٣٥١
السادسة والثلاثون: قد ذكرنا عن بعض الشافعية: أنه لا يستحبُ
البَداءة باليمنى في الأذنين؛ لإمكان مسحهما دفعة، ورأيت في تراجم
بعض حفاظ الحديث ما يدل على نقيضٍ ذلك فيما هو أبعدُ من مسألة
الأذنين، وذلك أنه قال: الترغيب [في التيمن](١) في الطهور،
والترجُّل، والانتعال، والدليل على الابتداء بغسل الكف الأيمن،
والمنخر الأيمن في الاستنشاق(٢)، وهذا بُعْدٌ لا يقتضيه المفهوم من
إطلاق الأحاديث، ثم إنه بعيد عن الاستعمال، وإن كان النبي ◌َّ فعله
لاقتضى غرابتَه ذكره. والاستدلالُ بالعموم هاهنا ضعيفٌ، تتقدم عليه
غلبة الظن الناشئة عن العرف والعادة، وغلبة الظن بذكره عند المخالفة
لو كانت.
وأما الكف: فإن أراد به البَداءة باليمين في صَبِّ الماء فهو جيد،
قد يدل عليه بعض ألفاظ الأحاديث.
وإن أراد البَداءة بها في الغسل، فبعيد، لا يدل عليه لفظ حديثٍ
فيما أعلم.
السابعة والثلاثون: قد يُتَوَهَّمُ أن الطواف على اليسار مخالف
لهذه القاعدة، وليس الأمر كذلك؛ لأن من استقبلك فيمينه قُبَالة
يسارك، ويساره قبالة يمينك، فاعتُبرتِ اليمين هاهنا بالنسبة إلى
البيت، لا بالنسبة إلى الطائف.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) كذا ترجم أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٢٢٢) لحديث الباب.
٣٥٢
الثامنة والثلاثون: ولا يخرج عن هذا أيضاً استعمالُ الشِّمال في
الصبِّ على اليمين؛ لأن المقصودَ التطهُّر والتنظّف، وتقديمُ(١)
الأشرف أولى بهذا المقصود، والشمال خادمة فيه.
التاسعة والثلاثون: إذا بدأ باليسرى ثم غسل اليمنى، ثم غسل
اليسرى، فهل يتأدَّى بذلك الأمر؟ أما إذا قيل: بالوجوب، فنعم؛ لأنَّ
غسل اليسرى أولاً لم يقع مُجزياً، ولا مُعتدًّا به؛ لفوات الشرط الذي
هو الترتيب فيها، فغسلها المعتدُّ به قد وقع بعد الیمنی، فیحصل بها
الإجزاء والاكتفاء.
وأما إذا قيل بالاستحباب: ففيه نظر؛ لأنَّ غسلَها أولاً يقع معتدًّا
به في الوضوء، فغسلها بعد اليمنى يكون بعد تمام الوضوء، فلا يتأدَّى
به الأمر بالغسل في الوضوء، ولا شك أنه المأمور به؛ لقوله(٢) إليه:
(إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَائِدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ))، فبتمام غسل اليمنى تمَّ الوضوء، فلا
یکون غسل اليسرى بعدها من الوضوء.
الأربعون: هذا الذي ذكرناه بالنسبة إلى مجرّد غسل اليسرى أولاً،
فلو قدرنا أنها غسلت ثلاثاً أولاً، ثم غسلت اليمنى، فهل يستحب أن
تغسل اليسرى ليحصل الترتيب في الوضوء؟
الأقرب لا؛ لأنه دار الأمرُ بين فعل المستحب والوقوع في المكروه
(١) في الأصل ((تقدم))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((كقوله)).
٣٥٣
أو الممنوع، ودرءُ مفسدةِ المكروه أهمُّ من تحصيل مصلحة المستحب.
ويؤيد هذا كراهتُهم الوضوءَ المجدّد(١) قبل الصلاة بالوضوء الأول، أو
أداء عبادة تتوقف على الوضوء.
الحادية والأربعون: وضع الإناء الواسع على اليمين في الوضوء،
مذكور عند المالكية(٢)، فإن كان المقصودُ به التيسيرَ في الفعل والتمكنَ
فيه، فهذا إرشاد إلى أمر دنيويٍّ، وإن كان المقصودُ أنه مندوبٌ يتعلق(٣)
به الاستحباب الشرعي، فهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكاد يتأتَّى منه إلا
العموماتُ البعيدةُ(٤) التناول، ومثلها لا يقوى، والله أعلم.
الثانية والأربعون: قد حكينا عن غيرنا في شرف اليمين: أنه
(١) في الأصل ((المجرَّد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) نص ابن يونس وابن رشد على أن جعل الإناء على اليمين من فضائل
الوضوء. قال القرافي: لفعله عليه الصلاة والسلام، ولأنه أمكن. قال:
واعلم أن هذه الأمكنية إنما تتصور في الأقداح وما تدخل الأيدي فيه، وأما
الأباريق فالتمكن إنما يحصل بجعله على اليسار؛ ليسكب بيساره على
یمینه، انتهى. قال عياض: الاختيار فيما ضاق عند إدخال اليد فيه وضعه
على اليسار، ونقله ابن عرفة وغيره. ونبه الحطاب أن قول ابن بشير أن
الصحيح أن وضع الإناء على اليمين لا يلحق بدرجة الفضائل؛ لأنه لم يرد
أمر بذلك، وقد لا يتيسر ذلك في كل الأواني، انتهى. قال: وهذا والله
أعلم على سبيل البحث منه، وإلا فقد عده هو في فضائل الوضوء
ومستحباته في كتاب ((التنبيه)) و((التحرير)) له، والله أعلم. انظر: ((مواهب
الجليل)) (١ / ٢٥٩). وانظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٨٨ -٢٨٩).
(٣) في الأصل ((معلق))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل ((المتعدة))، والتصويب من ((ت)).
٣٥٤
﴿وَنَدَيْنَهُ
أورد فيه قوله تعالى ﴿ وَأَصْحَبُ أَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]
مِن جَانِبِ الطَّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [ مريم: ٥٢] ومن هذا القبيل: إعطاء أهل السعادة
كتبهم بأيمانهم؛ [و](١) منه: ((المقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ
نُورٍ، عَلَى يَمِيْنِ الرَّحْمَنِ، وكِلْنَا يَدَيْهِ يَمِيْنٌ))(٢)، وهذا عندي في باب
شرف اليمينِ أقوى مما تقدم؛ لامتناع الحقيقة(٣)، فيقوى القصدُ
بالكلام إلى شرف الیمین، فتأمله.
الثالثة والأربعون: قد قدمنا في الإعراب احتمال أن يكون قولنا:
((يُحِبَّ التيمُّنَ ما اسْتَطَاعَ في طُهُورِهِ وَتَنَغُّلهِ وتَرَجُّلهِ)) من البدل بإعادة
العامل، وأن يكونَ من حذف حرف العطف من الجمل. وعلى
مقتضى الإعراب الأول، لا يقتضي اللفظ العموم في الجميع، بل في
الطهور، والتنعل، والترجل، وعلى الإعراب الثاني تكون إعادة هذه
الأمور مع اقتضاء اللفظ السابق للعموم من باب التخصيص بالذكر بعد
تناول العموم لمعنى فيه من تعظيم أو تحقير، ولا تنتفي الدلالة على
العموم على هذا التقديرِ، وتظهرُ الفائدة في إعادة التنعل والترجل؛
ليكون من باب الترقِّي، والله أعلم.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٧)، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، من
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٣) قال الخطابي: وليس اليد عندنا الجارحة، إنما هي صفة جاء بها التوقيف،
فنحن نطلقها على ما جاءت، ولا نكيفها، وهذا مذهب أهل السنة
والجماعة، انتهى. نقله الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٤١٧).
٣٥٥
C
الحديث الرابع عشر
وعن المغيرةِ بنِ شعبةَ: أنَّ النبيَّ لَ﴿ْ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ،
وَعَلَى الْعِمَامَةِ، والخُفَّيْنِ. رواه مسلم من جهة ابن المغيرة، عن
أبيه(١).
الكلام عليه من وجوه :
* الأول: في التعريف:
فنقول: قال أبو عمر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود
ابن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قیس،
(١) * تخريج الحديث:
رواه مسلم (٢٧٤ / ٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية
والعمامة، وأبو داود (١٥٠)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين،
والنسائي (١٠٧)، كتاب: الطهارة، باب المسح على الخفين مع الناصية،
والترمذي (١٠٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المسح على
العمامة، من حديث بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن، عن ابن المغيرة
ابن شعبة، عن أبيه.
وسيأتي تخريج طرقه الأخرى في الوجه الثاني من هذا الحديث.
٣٥٧
وهو ثقيف الثقفي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عيسى. أمُّه امرأة من
بني نصر بن معاوية.
أسلم عامَ الخندق، وقدِم مهاجراً، وقيل: أول مَشَاهِدِه الحديبية.
روى زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﴿ه: أنه قال
لابنه عبد الرحمن - وكان قد اكتنى أبا عيسى -: وما أبو عيسى فقال:
اكتنى بها المغيرة على عهد رسول الله وَله، فقال عمر حبه للمغيرة: أما
يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله، فقال: إن رسول الله وَّ﴿ كنَّاني، فقال:
إن رسول الله ◌َّ﴾ قد غُفِرَ ما تقدمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّر، فلم يزل يكنى
بأبي عبد الله حتى هَلَك(١).
وكان المغيرة رجلاً طُوالاً، داهية، أعورَ، أصيبت عينه يوم
اليرموك.
وتوفي سنة خمسين من الهجرة بالكوفة، ووقف على قبره مسقلة
ابن هبيرة الشيباني فقال [من الخفيف]:
وخَصِيماً ألذَّ ذا مِغْلاقِ
إنَّ تحتَ الأحجارِ حَزْماً وجُوداً .
ـفعُ السليمَ منه نَفْثُ الرَّاقي
حيةً في الوِجار أربدَ لا يَنْـ
ثم قال: أما والله لقد كنتَ شديدَ العداوة لمن عاديتَ، شديدَ
الأخوة لمن آخيتَ.
(١) رواه أبو داود (٤٩٦٣)، كتاب: الأدب، باب: فيمن يتكنى بأبي عيسى.
٣٥٨
وروى مجالد، عن الشعبي قال: دُهاةُ العرب أربعة: معاوية بن
أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد؛ فأما
معاوية فللأناة والحِلم، وأما عمرو بن العاص فللمُعْضِلات، وأما
المغيرة فللمبادَهة، وأما زيادٌ فللصغير والكبير(١).
وحكى الرِّياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة،
وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم.
قال أبو عمر: يقولون: إنَّ قيسَ بن سعد بن عبادة لم يكن في
الدهاء بدون هؤلاء، مع کرم کان فيه وفضل.
قال: حدثنا سعيد بن مسور(٢)، ثنا عبد الله بن محمد بن علي،
ثنا محمد بن قاسم، ثنا ابن وضاح، ثنا سحنون، عن ابن نافع قال:
أحصن المغيرة بن شعبة ثلاث مئة امرأة في الإسلام.
قال ابن وضاح: غير ابن نافع يقول: ألف امرأة.
قال أبو عمر: ولما شُهِدَ على المغيرة عند عمر، عزله عن البصرة
وولاَّه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قُتِلَ عمر، فأقرَّه عثمان، ثم عزله
عثمان، فلم يزل كذلك إلى أن قُتل.
واعتزل صِفِّين، فلما كان حين الحكمين لَحِقَ بمعاوية، فلمّا قُتِلَ
علي وصالَحَ معاويةُ الحسنَ ودخل الكوفة ولاَّه عليها.
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩ / ١٨٢) من طريق ابن أبي خيثمة، به.
(٢) في الأصل و((ت)): ((سعيد))، والمثبت من ((الاستيعاب)).
٣٥٩
وتوفي سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين بالكوفة أميراً
عليها لمعاوية .
واستخلَف عليها عند موته ابنه عروة، وقيل: بل استخلَف جريراً،
فولّى معاوية حينئذ الكوفة زياداً [مع] البصرة، وجمع له العراقَين،
وتوفي المغيرة بن شعبة في الكوفة في داره بها، في التاريخ المذكور(١).
وأما ابن المغيرة فإنه مُبْهم في هذه الرواية، وللمغيرة ولد اسمه
عروة وآخر اسمه حمزة، كلاهما يروي عنه المسح على الخفين، وهذا
الجمع بين المسح بالناصية(٢)، وعلى العمامة، وعلى الخفين مروٌّ من
طريق حمزة بن المغيرة، عن أبيه مطولاً ومختصراً.
رواه عنه بكر بن عبد الله المزني مطولاً من رواية حميد، عن
بكر (٣).
(١) * مصادر الترجمة:
(الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤/ ٢٨٥)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٢١٦/٧)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٣٧٢)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر
(٤ / ١٤٤٥)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١ / ١٩١)، ((تاريخ دمشق)) لابن
عساكر (٦٠/ ١٣)، ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٥/ ٢٣٨)، ((تهذيب
الكمال)» للمزي (٢٨ / ٣٦٩)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣/ ٢١)،
((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٦ / ١٩٧)، ((تهذيب التهذيب)) كلاهما لابن
حجر (١٠ / ٢٣٤).
(٢) في الأصل: ((والناصية))، والمثبت من ((ت)).
(٣) رواه مسلم (٢٧٤ / ٨١)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية
والعمامة.
٣٦٠