Indexed OCR Text

Pages 241-260

الثانية: هذا الذي اعتُلَّ به من الشكِّ في الرفع يحتمل أمرين:
أحدهما: أن شكّه(١) في رفع اللفظين جميعاً؛ أعني: ((الأذنان
من الرأس)) و(كان يمسح المَأْقَين)، ويكون كلاهما دخلَ (٢) الشُّ عليه.
[و](٣) الثاني: أنْ يكونَ الشكُّ إنما هو في ((الأذنان من الرأس))
فقط .
فعلَى مُقتضى هذه الرواية التي ذكرناها آنفاً [عن سليمان بن
حرب](٤)، يكون من باب المُدرج في النقل؛ لتأخر («الأذنان من
الرأس» عن أول الحدیث، فیکون مدرجاً.
ولكنه قد وردت رواياتٌ مِن غيرِ ما وجه التصدير بـ ((الأذنان من
الرأس)» مضافاً إِلَى النبيِّ، والحديثُ الذي أخرجَهُ في الأصلِ
كذلك، وكذلك رواه الكَشِّي، [عن أبي عمر](٥)، عن حماد بن زيد
في(٦) حديث فيه: ومسحَ برأسِهِ وأذنيهِ، وقال: ((الأذنان من الرأس))،
وغَسَلَ مَآَقِيَهُ(٧) .
(١) ((ت)): ((يشك)).
(٢) ((ت)): ((داخل)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت))، وجاء في مطبوعة ((الإمام)): ((ابن عمر)).
(٦) ((ت)): ((عن)).
(٧) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (١ / ٥٠٤).
٢٤١

وإنْ كَان التعليل بالشكُّ في رفع الحدیث کله، فقد ذُكِرَ التصديرُ
بـ((الأذنان من الرأس))، وهو يقتضي أنْ يكونَ من قول النبي ◌َّ، فنعود
إِلَى المسألةِ المشهورة في تقديم الرفع علَى الوقفِ، أو عكسه.
قال الدَّارقطني في الكلام على هذا الحديث: شهر بن حوشب ليس
بالقوي، وقد وقَفَهُ سليمان بن حرب، عن حماد، وهو ثقة ثبت(١).
وقال الدَّارَقُطني أيضاً: [قال](٢) سليمان بن حرب: ((الأذنان من
الرأس)» إنما هو من قول أبي أمامة، فمَنْ قالَ غير هذا، فقد بدَّل؛ أو
كلمة قالها سليمان؛ أي: أخطأ(٣).
قلت: قول الدَّارَقُطْني رحمه الله: [و](٤) قد وَقَفَهُ سليمان بن
حرب، عن حماد، [لا ينبغي أنْ يكونَ أرادَ بِهِ ما حكيناهُ من رواية سليمان
ابن حرب، عن حماد](٥)؛ فإن ذلك ليس جزماً بالوقفِ، وإنما هو تردُّدٌ،
والفرق بينهما ظاهر جداً، وإنْ كَان مُرَادُهُ هذا، فليس بجيد، نعم الذي
حكاه [عن](٦) سليمان بن حرب هو جزم بالوقفٍ، لكن لا عن حماد،
فإذا أريد تحقيق هذا وتصحيحه، فلتطلبْ روايةٌ يُجزَمُ فيها بالوقف.
(١) انظر: ((سنن الدار قطني)) (١ / ١٠٣).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) المرجع السابق (١ / ١٠٤).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) سقط من ((ت)).
٢٤٢

الثالثة: قد رواه غيرُ سليمان، عن حماد، فجزم بالرفع، فتنشأ
هاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أنَّ الراويَ إذا اختلفَ حالُهُ؛ فتارةً جزم،
وتارةً شكَّ، فهل يكون ذلك قادحاً في الروايةِ، أم لا؟
القائلِ أنْ يقول: لا؛ لأنَّهُ إِنْ كَان [المتقدمُ](١) منه هو الشكُّ(٢)،
فجزمه بعد ذلك محمولٌ علَى التذكر؛ لأنَّه لا يجوز له أنْ يجزمَ وعندَه
شكٌّ، وإن [كان](٣) المتقدمُ هو الجزم، فيجب أنْ يكونَ الجزم عن
يقين، وإلا لمْ يجزْ له، فشكّهُ بعد ذلك لا يضرُ(٤) بعد ما تقدَّم منه مما
تقوم به الحجةُ، [فِيُنظَرُ في ذلك](٥).
الرابعة: قالَ البَيَهَقِيُّ: وأما الذي يُروَى(٦) عن النبيِ نَّهُ: ((الأُذُنَانِ
مِنَ الرَّأْسِ)) فأشهرُ إسنادٍ فيه حديثُ حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة،
عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، ثم تكلم علَى ذلك(٧).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل ((هو منه الشك))، والمثبت من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١ / ٦٦).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((روي)).
(٧) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١ / ٦٦).
٢٤٣

وهذا القولُ رُيَّما دل(١) علَى تضعيف الحديث بالكليةِ، وقد
أخرج(٢) ابن ماجه في ((سننه)) هذا الحديث، فرواه عن سويد بن سعيد
[قال](٣): ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن
زيد، عن عبّاد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، وهو ابن عاصم الأنصاري.
قالَ شيخنا المنذري - رحمه الله -: وهذا إسنادٌ متصل، ورواته
يحتجُّ بهم، وإنَّ البخاريَّ ومسلماً قد اتفقا على الاحتجاج بابن أبي
زائدة، وشعبة، وعباد، وحبيبُ بن زيد: هو الأنصاريُّ، وهو ثقة،
وسويدُ بن سعيد، وإن نُسِبَ إلَی ضعفٍ وتدليس، فقد احتَجَّ به مسلمٌ
في ((صحیحه))، و[قد](٤) قال في هذا الحديث: ثنا یحیی بن زکریا،
فهذا أمثل إسناد في هذا الباب، والله وَت أعلم(٥).
قلت: ابنُ مَعين، والنَّسائي، تكلَّما في سُويد بن سعيد، وأنكر
عليه أبو زكريا يحيى بن معين حديثاً، ظهرت(٦) براءته من(٧) عهدته
برواية غيره من الثقاتٍ كما رواه، وللدار قطني في ذلك كلامٌ وحكايةٌ
تُثبتُ براءةَ سويد من العُهْدَةِ، برواية إسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيقِي التي
(١) ((ت)): ((يدل)).
(٢) في الأصل ((أدرج))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) وانظر: ((حاشية المنذري على سنن أبي داود)) (١ / ٩٩).
(٦) في الأصل: ((ظهرت به))، والمثبت من ((ت)).
(٧) في الأصل: ((عن))، والمثبت من ((ت)).
٢٤٤

اطلع عليها الدرقطني لما دخل مصر(١).
الخامسة: هاهنا إسنادٌ آخر مبين، ولعلَّهُ أمثلُ من هذا الذي ذكر
أنَّهُ أمثلُ، أو مساوٍ، وهو إسنادُ رواه الدارقطني، عن محمدٍ بن عبدالله
ابن زكريا النيسابوري، عن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار - وهو
بالراءِ-، عن أبي كامل الجَحْدَري، عن غندر محمد(٢) بن جعفر، [عن](٣)
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: «الأُذُنَنِ منَ
الرَّأْس)).
قال الدار قطني : حدثني به أبي قال: ثنا محمد بن محمد بن سليمان
(١) قال حمزة بن يوسف السهمي في ((سؤالاته للدارقطني)) (ص: ٢١٦):
سألت الدارقطني عن سويد بن سعيد فقال: تكلم فيه يحيى بن معين
وقال: حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي
سعيد: أن النبي وَل﴿ قال: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)). قال
یحیی بن معین: وهذا باطل عن أبي معاوية لم يروه غیر سويد، وجرح سوید
لروايته لهذا الحديث، قال الدار قطني رحمه الله: فلم نزل نظن أن هذا كما قاله
یحیی، وأن سویداً أتی أمراً عظيماً في روايته لهذا الحدیث حتى دخلت مصر
في سنة سبع وخمسين، فوجدت هذا الحديث في ((مسند أبي يعقوب إسحاق
ابن إبراهيم بن یونس البغدادي» المعروف بالمنجنیقي، وکان ثقة، روی عن
أبي كريب، عن أبي معاوية كما قال سويد سواء، وتخلص سويد. وصح
الحديث عن أبي معاوية. وقد حدث أبو عبد الرحمن النسائي عن إسحاق
ابن إبراهيم هذا، ومات أبو عبد الرحمن قبله، انتهى.
وقد روى الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩/ ٢٣١) عن حمزة السهمي ما ذكره
عن الدار قطني .
(٢) في الأصل: ((بن محمد))، والمثبت موافق للنسخة ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
٢٤٥

الباغندي قال: حدثنا أبو كامل الجَحْدَري؛ بهذا مثله(١).
قال الحافظ أبو الحسن ابن القطَّان بعدَ ذكرِ هذا الحديث من
هذه الجهة: هذا الإسناد صحيحٌ بثقةِ رواتِهِ، واتصالِهِ، وإنما أعلَّه
الدار قطني بالاضطرابِ في إسناده، فتبعه أبو محمد - يعني عبد الحق -
عَلَى ذلك، وليس بعيب فيه، والذي قاله(٢) فيه الدار قطني هو: إنَّ أبا
كامل تفرَّد(٣) به عن غندر ووهم فيه عليه؛ هذا ما قاله (٤)، ولم يؤيِّدْه
بشيء، ولا عَضَدَه بحجة، غير أنَّهُ ذكر أن ابن جريج الذي دار الحديثُ
عليه يُروى عنه، عن سليمان بن موسَى، عن النبيِّ ◌َّهِ مُرسلاً .
قال الحافظ أبو الحسن بن القطَّان: وما أدري ما الذي يمنع أنْ
یکونَ عنده في ذلك حديثان؛ مسند، ومرسل، والله أعلم(٥).
السادسة: هذا الحديثُ مما تُجمَعُ طرقه؛ لأنَّه يأتي من وجوه،
قال شيخنا المنذر ◌ُّ - رحمه الله -: وقد وقع لنا هذا الحدیث من رواية
عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن قيس أبي
موسَى الأشعري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعائشة،
،
وليس شيء منها يثبت مرفوعاً، ووقع لنا أيضاً عن عثمان بن
(١) انظر: ((السنن)) (١ / ٩٨ -٩٩).
(٢) ((ت)): ((قال)).
(٣) في الأصل ((يقرن))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((قال)).
(٥) انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٥ / ٢٦٣).
٢٤٦

عفان - ظُ - من قوله، ولا يثبت أيضاً، وأشهرُهَا حديثُ أبي أمامة؛
كما قالَ البَيھَقِيُّ.
قلت: قد عُلمَ أنَّ تضافرَ الرواةِ علَى شيء، ومتابعةً بعضهم
لبعض في حديث ممَّا يشده ويقويه، ورُبَّما أُلحِقَ بالحَسَنِ، وما يحتج
به .
وقد أورد الحافظ الفقيه أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - كلاماً
يفهم منه أنَّهُ لا يرَى هذا الحديث من هذا القبيل، مع كونه روي
بأسانيد ووجوه، فقال: لعلَّ الباحثَ الفَهِمَ يقول: إنا نجدُ أحاديثَ
محکوماً بضعفها، مع كونها قد رویت بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدة،
مثل حديث: ((الأذنان من الرأس))، ونحوه، فهلا جعلتم ذلك ونحوَه
من نوع الحسنِ؛ [لأنَّ بعض ذلك عَضَدَ بعضاً كما قلتم في نوع
الحسن](١) علَى ما سبق آنفاً؟!
قال: وجوابُ ذلك: أنَّهُ ليس كلُّ ضعيفٍ في الحديثِ يزولُ
بمجيئِهِ من وجوه، بل ذلك يتفاوت؛ فمنه ضعيف(٢) يُزيلُهُ ذلك؛
كأنْ(٣) يكونَ ضعفه ناشئاً من ضعفٍ راوٍ(٤) مع كونه من أهل الصدق
(١) زيادة من المطبوع من ((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
(٢) في ((علوم الحديث)): ((ضعف)).
(٣) في ((علوم الحديث)): ((بأن)).
(٤) في ((علوم الحديث)): ((من ضعف حفظ راويه)).
٢٤٧

والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاءَ من وجهٍ آخر عرفنا أنَّهُ ممَّا قد
حفظه، ولم يختلَّ فيه ضبطُهُ [له]، وكذلك إذا جاءنا ضعفُه من حيثُ
الإرسالُ، وأتَى بنحو ذلك، كما في المرسلِ، الذي يرسله إمام حافظ،
إذ فيه ضعفٌ قلیل یزول بروایته من وجه.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوةِ الضعف، وتقاعدٍ
هذا الجابر عن جبره ومقاومتِهِ، وذلك كالضعفِ الذي ينشأ من كون
الراوي مُتَّهماً بالكذبِ، أو كونِ الحديث شاذاً.
وهذه جملةٌ تفاصيلُهَا تُدرَكُ بالمباشرةِ والبحث، فاعلم ذلك؛
فإنه من النفائسِ العزيزة(١).
قلت: هذا الذي ذكره، وجعلُهُ هذا الحديثَ من النوعِ الذي
[لا](٢) يقويه مجيئُهُ من طرق، أو وجوه، قد لا يُوافَقُ علَى ذلك، فقد
ذكرنا في الأصلِ روايةَ ابن ماجه، وعرفنا أنَّهُ ليس من رواتها إلا من
وُثِّقَ، وذكرنا كلامَ الشيخ في رواية سُويد بن سعيد، وأنَّ رواتَهُ محتجٌ
بهم، وذكرنا روايةَ الدارقطني، وحُكمَ أبي الحسن بن القطَّان بأن
إسنادَها صحيحٌ، وتعليله بما عُلِّلَ به، وهي منه شجاعةٌ ظاهريةٌ،
[شنشنةٌ](٣) أعرفُهَا من أخزمٍ.
وعلَى الجملة: فإنْ توقَّفَ تصحيحُهُ عندَ أحد علَى ذكر طريق
(١) انظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص: ٣٣ - ٣٤).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
٢٤٨

لا علةَ فيها، ولا كلامَ في أحدٍ من رواتها، فقد يتوَقَّفُ في ذلك، لكنَّ
اعتبار ذلك صعبٌ ینتقضُ علیھم في کثیر مما استحسنوه وصحّحُوه من
هذا الوجه، فإنَّ السلامةَ من الكلام في الناسِ قليل، ولو شُرِطَ ذلك
لما كان لهم حاجةٌ إلَى تعليل الحسن بالتضافر(١)، والمتابعة، والمجيء
من طرق أو وجوه، فيتقلَّب(٢) النظر، وتتناقضُ العِبرَ، ويقعُ الترتيب،
أو يُخافُ التعذیبُ.
[من الطويل]:
فإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَدْيُهُ
فهذا، وإلا فالهُدَى ذَا فما المَهْدِيُّ(٣)
وما ذكرته عُرِضَ عليك، لا التزامٌ أتقلَّدُ عهدتَهُ، وفي كلامي
ما يشير إلى المقصود.
(١) في الأصل و((ت)): ((التظافر))، وجاء على هامش ((ت)): ((صوابه: بالتضافر))،
والمثبت من هامش (ت)).
(٢) (ت): ((فيتثعلب)).
(٣) البيت للمتنبي، كما في «ديوانه)) (١/ ٣٥٣) (ق٨٦/ ٣٢). وقد وقع في
الأصل و((ت) ذکر صدر البيت:
فإن يك المهدي من نَابَ هديه
وما أثبت هو من المطبوع من ((ديوانه)).
٢٤٩

* الوجهُ الثالث:
[الأولى]: قالَ الجَوهَريُّ: و(الأُذُنُ) تخفَّفُ وتثقَّلُ، وهي مؤنثةٌ،
وتصغيرُها أُذَينة.
ولو سَمَّيتَ بها رجلاً، ثم صغَّرتَه، قلت: أُذَيْن، فلم تؤنثْ؛
لزوال هاء التأنيث عنه بالنقلِ إلَى المذكر، فأما قولهم: (أُذَيْنَةَ) في
الاسمِ العلم، فإنما سُمِّ به مصغراً.
والجمع: آذان، وتقول: أَذَنْتُهُ: إذا ضربتَ أُذُنه، ورجل أُذُنّ:
إذا كان يسمع مقالَ كل أحد، يستوي فيه الواحدُ والجمع.
[و](١) أَذَانِيٌّ: عظيمُ الأذنين، ونعجة أَذْناء، وكبشٌ آذَنُ.
وأذَّنْتُ النعلَ وغيرها تأذيناً: إذا جعلتَ لها أذناً، وأُذَنْتُ الصبيَّ:
عركتُ أُذَنَهَ.
وآذَنْتُك بالشيءٍ: أعلمتك به، والآذِنُ: الحاجب، وقال
[من المتقارب]:
تبدَّلْ بآذنِكَ المُرْتَضَى(٢)
وقد آذَنَ وتَأَذَّنَ بمعنى؛ كما يقال: أيقنَ وتيقَّنَ، وتقول: تأذَّنَ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) كذا أنشده الجوهري في ((الصحاح))، ولم ينسبه، وقد ذكر صاحب ((العين))
(١/ ١٦٥)، (مادة: قلع) قول خلف بن خليفة:
وأهون تعزيزه القُلقة
تبدَّلْ بآذِنِك المُرتشي
٢٥٠

الأميرُ في الناس: إذا نادَى فيهم، يكون في التهديدِ والنهي؛ أي: تَقدَّمَ
وأعلَمَ، وقوله تعالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أي: أعلم(١).
٠
[الثانية]: المُؤْقُ: قال ابن سِيدَه في ((المحكم)): ومُؤْقُ العين،
ومُوقُها، ومَأْقُها، ومُؤْقيها، ومَأْقِيها: مؤخَّرُها، وقيل: مقدَّمُها، وجمع
المُؤق، والمُوق، والمَأْق: آماق، وجمع المُؤْقِي، والمَأْقي: مآقٍ
عَلَى القياسِ(٣).
وقد ذكر ابن سِيدَه هذا في كتابه ((المُخصص)) عبارة تضبطُ هذه
الألفاظ، أو أكثرها؛ قال: وفي العين: المُوْقُ؛ وهو طرفُ العين الذي
يلي الأنف، وهو مخرجُ الدمع من العينٍ، ولكل عينٍ مُؤْقان، وفي
الموقِ أربعُ لغات؛ مُؤْق مثل مُعْق، والجمع: أَمْاق مثل أَمْعَاق.
وزيدت همزة ثانية؛ كما زيدت في شأمل، وهو من قولهم:
شَمَلت الريحُ، وقلبت الهمزة التي هي عين إلَى موضع اللام؛ لأنَّ هذه
الكلمة قد قلبت الهمزة التي هي عين منها، إلى موضع اللام، في
قولهم: مَآق، فلما قُلِبت الهمزةُ التي هي عينٌ إلَى موضع اللام، أَبْدِلت
إيدالاً؛ كما أبدلت في قولهم: أمْآق، على حدٍّ إبدالها في (أخطيت)
وشبهه، فلما أبدلت هذا الإبدال انقلبت واواً؛ لانضمام ما قبلها، ثم
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥ / ٢٠٦٩)، (مادة: أذن).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٦ / ٤٨١)، (مادة: م أق).
٢٥١

أبدلت من الضمةِ الكسرة، ومن الواوِ الياء، كما فعل ذلك في أَدْلٍ،
وقَلَنْسٍ، وما أشبهه، ووزن (مآقٍ) علَى هذا من الفعلِ علَى التخفيف
فَالع، ويحتمل أنْ يكونَ مُؤقٍ مُلحقاً بقولِهم: بُرُثُن، لا علَى أنَّ
الهمزةَ زائدة كزيادتها في شأمل، ولكن الهمزة عين الفعل، وزيدت
الواو آخر الكلمة للإلحاق بـ(بُرثُن)؛ كما زيدت في قولهم: عُنْصُوَة،
إلا أنَّ الواوَ في مُؤْقٍ انقلبت ياءً، لمَّا كانت الكلمة مبنيةٌ علَى التذكيرِ،
ولم تصحَّ كما صحَّت في عُنْصُوَة المبنية علَى التأنيثِ، فـ(مُؤْقٍ) علَى
هذا الأصل وزنه (فُعْلُو)، فقلبت إلَى (فُعْلِ)، ووزن جمعه(١) علَى هذا
القول الثاني (فَعَال)، ولولا ما جاءَ من القلبِ في هذه الكلمة، لجزم
علَى وزنها بهذا القول الثاني.
فأما قولهم: مَاقٍ، فبناؤه بناء فاعل، إلا أنَّ الهمزةَ التي هي عين
في ماق، قلبت إلَى موضع اللام، فصار وزن الكلمة (فَالِع)، ثم
أبدلت الهمزة إبدالاً؛ كما أبدلت في الخَطِيَّة، والنبيِّ، والبريَّة،
والذُّرِيَّة، فيمن جعلها من ذرأ الله الخلق، ومَواقٍ عَلَى هذا وزنه علَى
التخفيفِ(٢) (فوالع)، والدليل على ذلك: أن قوماً يخفِّفون هذه الهمزة
فيما حُكي عن أبي زيد، فيقولون: ماقِئٌ، ويقولون في جمعه: مَوَاقِىءُ.
وحكى ابن السِّكِّيت: أنَّهُ ليس في الكلام مَفْعِل - بكسر العين -
(١) في الأصل و((ت)): ((جميعه).
(٢) في المطبوع من ((المخصص)): ((التحقيق)).
٢٥٢

من المعتلِ اللام إلا حرفين: مَأْقِي العين، ومَأوِي الإبل(١)، ووزن
مَأْقِي مَفعِل، والحكمُ بزيادة الميم فيها غلطُ بيِّن، وذلك أنَّ هذه الميم
هي فاء الفعل من قولهم: مُؤْق، الهمزة عين والقاف لام، فإذا حكمَ
بزيادة الهمزة جعل أصل الكلمة: همزة وقافاً وياء، أو همزة وقافاً
وواواً، ولا نعلم (أقو) ولا (أقي) محفوظاً لهذا المعنى المُسمَّى مُؤقاً.
فمَاقٍ وزنه فالع؛ كما قلنا، والألف فيه زائدة زيادتها في فاعل،
فأما ما حكاه يعقوب من قوله(٢): مَأْقي، فالقول في وزنه عندي: أنَّهُ
(فَعْللي])، الياءُ فيه زائدة.
فإن قلت: كيف يجوزُ هذا، وليستِ الكلمة بالزيادةِ على بناءٍ
أصليٍّ من أبنية الرباعي؛ لأنَّه ليس في الكلام مثل (جَعْفَر)؟
فالجواب: أنَّ الزيادةَ قد تجيءُ لغير الإلحاق، كالألفِ في
(قَبَعْثَر[ى])، ألا ترَى أنَّهُ لا تكون للإلحاق، إذْ ليس بعد الخمسة بناءٌ
يُلحَقُ به، وكالنونِ فِي (كَنَهْبَل) و(قَرَنْفُل)، ألا ترَى أَنَّهُ ليس مثل
(سَفَرْجَل)، فيكونُ هذا مُلحقاً به، ومثلُ ذلك الواوُ في (تَرْقُوَة)، وإنما
قلنا في مُؤْق: إنَّهُ مثل عُنْصُوَة، وأنه مُلحق علَى التذكير؛ لأنَّ الإلحاقَ
أوجَهُ، ونظيرُ مَاقٍ في أنَّهُ اسمٌ وزنُهُ فاعل، وليس بصفة كضارب،
(١) انظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (١/ ١٢١).
(٢) في الأصل: ((قولهم))، والمثبت من ((ت)).
٢٥٣

قولُهم: الكَاهِلِ، والغَارِب. اللحياني، جمع الآمق(١): آماق، وقالوا:
أمواق، فإما أنْ يكونَ علَى قلب الهمزة في مُؤْق ومَأْق واواً يذهبُ
إِلَى التخفيفِ البدلي، وإما أنْ يكونَ وضعه الواو فيكون كـ(بابِ)
و(أبواب)(٢).
* الوجه الرابع: في شيء من، العربية، وفيه مسائل:
الأولَى: (من) في ((من الرأس)) محمولةٌ علَى أحد أقسامها، وهو
التبعیض.
الثانية: قد ذكرنا في ما مضَى أَنَّ الأذنَ تنطلقُ عَلَى الاسم
والصفة، فالاسمُ للعضو المخصوص، والصفة للرجل الذي يسمع
مقالَ [كلٍّ](٣) أَحَد، وأكثرُ تصاريف الكلمة التي ذكرناها تعود إلَى
العضوِ؛ كما تراه فيما نقلناه عن الجوهري.
وأما آذَنَ؛ بمعنى: أَعْلَمَ، فيحتملُ أنْ يعودَ أيضاً إِلَى الأذن.
الثالثة: ذكر ابن سِيدَه، عن الفارسي أنَّهُ قال: أما قولهم: مُؤْقٍ،
فإنَّهُ يحتملُ ضربين من الوزن؛ يجوز أنْ يكونَ وزنه من الفعلِ فُؤْعُل،
أُلحق هو بِيُرْتُن، وزيدت الهمزة [فيه ثانية]، والله أعلم (٤).
(١) في المطبوع من ((المخصص)): ((المُوق)).
(٢) انظر: ((المخصص)) لابن سيده (١ / ١ / ٩٦ - ٩٧).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) انظر: ((المخصص)) لابن سيده (١/ ١ / ٩٦).
٢٥٤

* الوجهُ الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولَى: ((الأُذُنَانِ منَ الرَّأْسِ)) جملةٌ خبرية، وقد أبوا أنْ يكونَ خبراً
عن أمر وجوديٍّ لوجهین:
أحدهما: أنَّ إخبارَ الشارع منزَّلٌ عَلَى الشرعيَّات؛ لأنه الأمرُ
الذي بُعِثَ لبيانه، لا الوجوديات؛ لمعرفتها بغيرِ الطريقِ الشرعي.
الثاني: أنَّ الرأسَ جارحةٌ مخصوصةٌ علَى شكلٍ معلوم، والأذنان
ليسا من ذلك الشكل، ولا فيما تنطلقُ عليه التسميةُ، وهذا الكلامُ
يوجب أن لا يُحملَ الكلامُ علَى أنهما منه حقيقةً؛ كما ذكرنا، ويقتضي
إيطالَ قول من يقول: إنهما منه حقيقة.
الثانية: إذا تعذَّرَ حملُهُ علَى الإخبارِ عن الأمورِ الوجودية، حُمِلَ
عَلَى الأمورِ الشرعية، أو علَى ما تلزمه الأمورُ الشرعية؛ أي: حُكمُهَا
حكمُ الرأس، أو هما بعضُ الرأسِ حُكماً، فما تعلَّقَ من الحكمِ
بالرأسِ تعلَّقَ بهما.
الثالثة: ينبغي أنْ نتأملَ بعد الحمل علَى الحكمِ الشرعي، هل
يلزمُ العمومُ في الأحكام فيه، أو لا؟
الرابعة: فإِنْ كَان اللفظُ عامَّاً بالنّسبةِ إلَى الدلالةِ، فلا بدَّ من
تخصيصٍ بالنُّسبّةِ إِلَى وقوع مدلولِ العمومِ في بعض الأحكام؛ كما لو
كان عليهما شعرٌ فحلقَهُ أو قصَّرَهُ في الحجِّ؛ فإنه لا يُكتفَی به، فكما
٢٥٥

يأتي في الاقتصارِ علَى مسحها(١).
الخامسة: قالَ القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله -: اختلفَ
العلماءُ في الأذنينِ علَى أربعة أقوال:
الأول: أنهما من الرأس يُمسحانِ بمائِهِ؛ قاله ابنُ عباس،
وعطاء، والحسن، وأبو حنيفة.
الثاني : أنهما من الوجهِ یغسلان معه؛ قاله ابن شهاب.
الثالث: يغسلُ ما أقبلَ منهما مع الوجه، ويمسح ما أدبرَ مع الرأس؛
قاله الشَّعبي، والحسن بن صالح.
الرابع: هما من الرأس، ويُمسحان بماء جديد، زاد ابن الجلاب(٢):
ظاهرُهُما وجوباً، وباطنُهُما استحباباً، انتهَى(٣).
وهاهنا قولٌ خامسٌ من العجبِ تركه؛ إنَّهُ المنقول عن الشافعيّ،
وهو: أنهما ليسا من الرأس، ولا من الوجهِ، وإنما هما علَى حيالهما.
ذكر أقضَى القضاة المَاوَردِيُّ في ((حاويه)): أنَّهُ حُكي عن أبي
العباس بن سُریج في الأذنينِ: أنَّهُ کان یغسلهما ثلاثاً مع وجهه؛ كما
قالَ ابن سیرین، والزُّهريُّ، ويمسحهما مع رأسه؛ كما قالَ أبو حنيفة،
ويمسحهما ثلاثاً مفردة؛ كما قالَ الشافعي.
(١) ((ت): ((فمسحهما)).
(٢) في المطبوع من ((العارضة)): ((ابن الخلال))، وهو خطأ.
(٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٥٤ _ ٥٥).
٢٥٦

قال: ولم يكن أبو العباس يفعل ذلك واجباً، وإنما كان يفعله
احتياطاً واستحباباً، وليكون من الخلافِ خارجاً(١).
السادسة: القائلون بأنَّهُما يمسحان، فحكمُهُما المسح، يستدلّون
بالحديثِ، وتوجيهُهُ: أنهما من الرأس؛ أي: حكمُهُما حكمُ الرأس،
وحكمُ الرأس المسحُ.
السابعة: لهذا الحديث معارِضٌ يَستدلُّ به من يقول: إنهما من
الوجهِ: (سَجَدَ وَجْهِي لِلذِي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ)) (٢)، فقد
أضافهما إلَى الوجهِ، وهو ظاهر؛ كما أنَّ الأولَ ظاهر في أنهما من
الرأس؛ أعني: حكمَهما.
الثامنة: بينَ الحديثين فرقٌ في دلالتهما؛ لأنَّ ((الأذنانَ من الرأسِ))
يحتاجُ إلَى التأويلِ بسبب تعذُّرِ الحمل علَى الإخبارِ عن الأمرِ الحقيقي،
وهذا المعنى معدومٌ في الحديثِ الآخر، ولإضافة خلقِهِما من الوجهِ
إِلَى اللهِ نَ﴿، وهذا من أعظم الفوائد المُقتبسة من الشرع، وإنما نظيرُ ذلك
لو قیل: الأذنان من الوجهِ، ولیس کذلك.
التاسعة: ومن توابع كونهما من الرأسِ في الحكم وجوبُ مسحِهما
لعينٍ ما قلناه في مسحهما؛ وهو أنهما بعضُ الرأس في الحكم، وحكمُ
(١) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١/ ١٢٣).
(٢) رواه مسلم (٧٧١)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في
صلاة الليل وقيامه، من حديث علي بن أبي طالب ظ
٢٥٧

[الرأس](١) وجوبُ المسح، فيجبُ المسحُ.
العاشرة: ومن لوازم القولِ بوجوبِ مسحِهِما بناءً على التمسُّكِ
بالحديث: أنَّ تركَ مسحهما (٢) يوجبُ الإعادةَ.
والمالكيةُ لا يتّبعون هذا القانونَ مطلقاً؛ أعني: ترتُّبَ الإعادة،
وعدمَ الإجزاء على الوجوبِ، وذلك لتعارض القواعدِ التي اعتمدَهَا
مالكٌ - رحمه الله - في بعض الصور؛ كقاعدتي الاستحسان، ومراعاة
الخلاف مع القياس، وقد صرَّحَ بذلك الشيخُ الفاضل أبو عبدالله
المازَري، فذكر: أنَّهُ لو ترك مسحَهُما علَى القولِ بأنَّهُ فرض، أنَّ
الجمهورَ علَى أَنَّهُ لا يمنعه الإجزاء؛ ليسارتِهِما، وكثرةِ الخلاف فيها.
قال: ومن أصحابنا مَنْ يأمرُ متعمِّدَ تركِهما بإعادة(٣) الصلاة.
قلت: هذا قياسُ القول بالوجوب؛ لأنه لا يقعُ الامتثالُ في الواجبِ
إلا بفعله، وقد ظهرَ لك من هذا الكلام أنَّهُ تركَ القياسَ؛ للاستحسان
ومراعاةِ الخلافِ معاً، [و](٤) وجَّه الاستحسانَ بيسارتِهِما، ومراعاةٍ
الخلاف من القياس، فيحتملُ أنْ يُرادَ مراعاةُ الخلاف في وجوبٍ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((مسحها))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((إعادة))، والمثبت من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٢٥٨

مسحهما، ويحتملُ أنْ يُرادَ مراعاتُهُ في وجوب الاستيعابِ بالمسح.
الحادية عشرة: مُقتضَى إضافة الحكم إلَى الأذنينِ في الحديثِ
شمولُ الظاهر والباطن منهما، فإن قيل: بالوجوبِ، فليقل به فيهما
معاً؛ أعني: الظاهر والباطن، فهذا مُقْتضى ما ذكرَ الشيخُ المازري؛
حيثُ اقتضَى لفظُهُ المساواةَ بين الباطنِ والظاهرِ في الخلافِ في الباطن
والظاهر؛ فإنه قال: ولم يختلفِ المذهبُ عندنا أنَّ الصِّماخَينِ مسحُهُما
سنةٌ، وإنما الخلافُ فيما برزَ من الأذنينِ .
وما برز من الأذنينِ يشمَلُ الظاهر والباطنَ، فيقتضي كلامُهُ أنْ
يجري الخلافُ فيهما.
والشيخُ أبو القاسم بن الجَلّب فرَّق بين الظاهر والباطن حيثُ
قال: فإنْ تركَ مسحَ باطنِ أذنيه فلا شيءَ علیه.
وإنْ تَرَكَ مسحَ ظاهرِهما، فإنه قال: لا يعيدُ، والقياسُ يوجبُ
الإعادةَ علیه.
وهذا التفريق لا حظَّ له من دلالةِ لفظ الحديثِ، ويَحتاج مَنْ
ذهبَ إليه إلَى دليلِ يُخرجُ الباطنَ عن ظاهر اللفظ، وذكرَ بعضُ مَن رامَ
ذلك - أعني: التفريقَ - في علتِهِ بأنَّ الباطنَ لا يجبُ غسلُهُ في الجنابةِ،
[فلا يجبُ](١) مسحُهُ في الوضوءِ.
(١) زيادة من ((ت)).
٢٥٩

وهذا خَلْفٌ من القول؛ لأنَّ باطنَ الأذنين قد يرادُ به الصِّماخُ
وما بعده، وهذا لا يجبُ في الجنابةِ ولا في الوضوءِ اتفاقاً؛ كما ذكر
الشيخ أبو عبدالله المازري من عدم الخلاف فيه في الوضوءِ، والباطنُ
ينطلقُ علَى ما برز عن ذلك وظهر، وهذا واجبٌ غسلَه في الجنابةِ،
وهذا هو المُختَلَفُ فيهِ، فحصل الاشتراكُ في لفظ الباطن، ووقع بسببه
الخللُ فیما ذکر.
الثانية عشرة: يقتضي كونُ حكمِهِما حكمَ الرأس: أنْ يُمسحا مع
الرأس بمائِهِ؛ كما قالَ أبو حنيفة - ﴿ ـ وغيره(١).
والمالكية - وإنْ قالوا بكونهما من الرأسِ - قالوا بتجديدِ الماءِ
لهما، لكنْ بدليل من خارج؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالَى، فإذا قامَ
الدليلُ علَى ذلك كان موجباً لإخراج بعض الرأس عن المسحِ بمائِهِ.
الثالثة عشرة: يقتضي القولُ بأنَّهُما من الرأس مع القول بوجوب
استيعابِ الرأس بالمسح: أنْ يجبَ استيعابُهما بالمسح؛ لأنَّ تركَ
ما هو مُسمَّى ببعض(٢) الرأسِ ترٌ لجميع(٣) الرأس، وهو ظاهرُ
الحديث أيضاً؛ أعني: مسحَ جميعٍ ظاهرِ هِما وباطنهما علَى الحقيقةِ.
(١) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (١ / ١٣).
(٢) في الأصل: ((بعض))، والمثبت من ((ت)).
(٣) ((ت): ((ترك لمسح جميع)).
٢٦٠