Indexed OCR Text
Pages 381-400
فاعل، فليطلب دليله من وجه آخر؛ مثل أن نقولَ بعد أن يصح لنا التعليل بعلة تقتضي العموم: إن الحكم يعمُّ بعموم علته، فيتناول ما فُعل وما لم يُفعل، فيقتضي إزالةَ القزع الذي لم يُفعل بالعلة وعمومها، لا بتناولِ اللفظ. [المسألة](١) الثانية عشرة: إذا قدرنا (٢): نهى عن فعل القزع، ففيه عمومٌ يتناولُ فعلَ ذلك الإنسان(٣) بنفسه، وفعلَ غيره [ذلك](٤) به، والحديث الذي ذكرناه آنفاً في المسألة التاسعة يتناول نهيَ الغير؛ لقوله: إنه رآه حُلق فقال: ((احْلقُوهُ كُلَّه أو اتركُوهُ [كُلَّه](٥))، وهذا أمرٌ متوجِّهُ إلى الفاعل. [المسألة](٦) الثالثة عشرة: إذا نهى عن القزع، فمن لوازمه النهيُ عن التسبب(٧) إليه بالإذن فيه والتمكين منه بالقاعدة الكلية وهي: إعطاءُ الأسبابِ المتوسَّلِ [بها](٨) أحكامَ المسببات؛ إما في الجملة أو من وجه . (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((قدر))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((الإنسان ذلك)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) في الأصل: ((السبب))، والمثبت من ((ت). (٨) زيادة من ((ت)). ٣٨١ C In الحديث الحادي عشر وعنْ أبي هريرةَ - ﴾ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((اخْتَتَنَ إِبراهيمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقَدُوم))، متفق عليه(١). الكلام عليه - بعد ما تقدم من التعريف بأبي هريرة - من وجوه : * الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا: أنه متفق عليه؛ أي: بين الشيخين؛ [أي](٢): على ما هو الاصطلاح. (١) * تخريج الحديث: رواه البخاري (٣١٧٨)، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٥]، ومسلم (٢٣٧٠)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل وَيقر، من حديث المغيرة بن عبد الرحمن الحِزَامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. وهذا لفظ مسلم. ورواه البخاري (٣١٧٨)، و(٥٩٤٠)، كتاب: الاستئذان، باب: الختان بعد الکبر ونتف الإبط، من حدیث شعیب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، به. قال البخاري: تابعه عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. (٢) زيادة من ((ت)). ٣٨٣ : الوجه الثاني: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسألتان: الأولى: قال الزمخشري: ختَنَ الصبيُ واختتنَ، وصبي مختون ومختتِن، واختتنَ إبراهيمُ - الَيْهِ - بقدوم، وهو خاتن القوم، وحرفته الخِتانة، وكنا في خِتان فلان وفي عذاره، وقد برىء خِتانُهُ، وهو موضع القطع، ومنه: ((إذا الْتَّقَى الخِتانانِ))(١). ثم قال: ومن المجاز: عامٌ مختونً: للمُجدِبِ؛ كما قيل: عامٌ أغْرَلُ وأقلفُ: للمخصب(٢). الثانية: قال أبو عُبيد البكري: قَدُوم - بفتح أوله على وزن فَعُول -: ثنيَةٌ بالسَّرَاةِ وهو بلد دوس. وفي حديث الطُّفيل بن عمرو الدوسي ذي النور: فلمَّا أوفيت قَدُوم سطعَ من كُداء نور(٣)، والمحدثون يقولون: قَدُّوم، بتشديد ثانيه . وفي الحديث: عن النبي وَ﴿ أنه قال: ((واخْتَتَنَ إبراهيمُ - الَ : - وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقَدُوم)) ورواه أبو الزناد: ((بالقَدُوم)) مخففاً(٤) وهو قول أكثر اللغويين. وقال محمد بن جعفر اللغوي: قَدُّوم: موضعُ معرفة(٥) لا تدخل (١) تقدم تخريجه. (٢) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ١٥٣). (٣) في الأصل: ((بعد))، والمثبت من ((ت)). (٤) ذكره البخاري في ((صحيحه)) بعد حديث (٣١٧٨) المتقدم تخريجه. (٥) في الأصل: ((نعرفه))، والمثبت من ((ت)). ٣٨٤ عليه الألف واللام، هكذا ذكره بالتشديد. قال: ومن روى في حديث إبراهيم: ((اختَتَنَ بالقَدُوم)) مخففاً، فإنما يعني : الذي يُنْجَرُ به. وروى البخاري في كتاب الجهاد، في باب: الكافر يقتل المسلم ثم يسلم، من طريق عمرو بن يحيى قال: أخبرني جدي: أن أبان بن سعيد أقبلَ إلى النبي ◌َّر وهو بخيبر بعدما افتتحوها، فقال: يا رسول الله! أسهمْ لي، فقال أبو هريرة: لا تسهمْ له يا رسول الله، هذا قاتلُ ابنِ قَوْقَل، فقال أبانٌ لأبي هريرة: واعجباً لوبرٍ تدَلَّى علينا من قَدُوم ضأنٍ ينعى عليَّ قتلَ رجلٍ مسلم أكرمه الله على يديّ، ولم يُهِنِّي على يديه(١). وخرَّجه البخاري أيضاً في غزوة خيبر(٢). هكذا رواه الناس عن البخاري: ((قدوم ضأنٍ)) بالنون إلا الهمذاني، فإنه رواه: ((من قدوم ضال)) باللام(٣)، وهو الصواب إن شاء الله. والضَّالُ: السدر البري (٤). (١) رواه البخاري (٢٦٧٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم ثم یسلم . (٢) رواه البخاري (٣٩٩٦، ٣٩٩٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. (٣) كذا رواه أبو داود (٢٧٢٤)، كتاب: الجهاد، باب: فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له. (٤) قلت: جعل الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٦ / ٤١) كلام أبي عُبيد البكري الذي نقله المؤلف هنا من قوله ((هكذا رواه الناس)) إلى قوله: ((السدر البري))، جعله الحافظ من كلام المؤلف ابن دقيق، وهو سهو، وإنما نقله المؤلف عن أبي عبيد كما ترى، والعصمة من الله وحده . ٣٨٥ وأما إضافة هذه الثنية إلى الضأن، فلا أعلم لها معنى والله أعلم(١). * الوجه الثالث: [في شيء من العربية]: قد ذكرنا عن الزمخشريِّ أنَّ من المجاز: عامٌ مَخْتون، وهذا ينبغي أن يكون من مجاز التشبيه؛ أي: تشبيه بالمعنى (٢) المحسوس؛ كأنه اقتطعَ في ذلك العام من الخِصب المعهود شيء، فشابه اقتطاع شيءٍ من الغَزْلة الوافية، فأطلق اسمه عليه. وقد بقي من مادة اللفظة: الأختان بمعنى: الأصهار، وقالوا: هذا خَتَنُ فلان: لصهره وهو المتزوج بنته أو أخته. وأبوا الصهر: ختناه(٣) وأقرباؤه: أختانه. وقالوا: الأختانُ من قِبلِ المرأة، والأحماء من قبل الزوج. وخَاتَنَهُ: صَاهَرَهُ(٤). (١) انظر: ((معجم ما استعجم)) لأبي عبيد البكري (٣/ ١٠٥٣ - ١٠٥٤). قال السفاريني في ((كشف اللثام في شرح عمدة الأحكام)) (١ / ٣٤٥): ولعله - أي: القدوم - البلدة المسماة الآن بكفر قدوم؛ فإن بها مكاناً يزعمون أنه الذي اختتن به الخليل. وذكر لي غير واحد من أهلها: أن اليهود كانت تزوره وتعظمه. وقال لي نحو ذلك صاحبنا الشيخ عيسى القدومي الحسيني، ثم قال: منعناهم من ذلك، انتهى. (٢) (ت)): ((وأبو الصهر ختناؤه))، والتصويب من ((أساس البلاغة)). (٣) ((ت)): ((المعنى))، والصواب ما أثبت. (٤) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ١٥٣). ٣٨٦ فمَنْ عادتُهُ أن يردّ الاستعمالاتِ المختلفة إلى معنى واحد؛ إِما لقصد أن ينفيَ الاشتراك ويجعل موضوع اللفظ القدر المشترك؛ أو ليردَّ المعنى المجازي إذا جعل أحدَ المعاني مجازاً إلى معنى الأصل، فيحتاج هاهنا إلى ردِّ (الختن)؛ الذي هو الصهرُ إلى معنى القطع أو الاقتطاع؛ الذي هو الأصل أو الحقيقة، وفيه هنا تكلُّف. * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: هذا الحديث يدلُّ على مقدمة من مقدِّمات دليلٍ يستدلُ به قومٌ على وجوب الختان، فنذكر حكمَهُ أولاً، واختلافَ العلماء فيه ثم نذكر وجه الدليل المشار إليه هاهنا. الثانية: اختلفوا في وجوب الختان، والمنقول فيه ثلاثة مذاهب: الوجوبُ؛ وهو مذهب الشافعي(١). وعدم الوجوب؛ وهو مذهب مالك، وعن سحنون من أتباعه ما يقتضي الوجوبَ كمذهب الشافعي(٢)، بل في المنقول عنه ما هو (١) انظر: ((المهذب)) للشيرازي (١ / ١٤). قلت: وهو مذهب الحنابلة، كما في ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٦٣). (٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ٦٥). قال القاضي: هو عند مالك وعامة الفقهاء سنة، وذهب الشافعي إلى وجوب ذلك، وهو مقتضى قول سحنون. انتھی. قال ابن القيم رحمه الله: لكن السنة عندهم - أي: المالكية ۔ یأثم بتركها، فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب، وإلا، فقد صرح مالك بعدم= ٣٨٧ أشدُّ تغليظاً من المنقول عن الشافعي(١). والفرق بين الرجال والنساء؛ فالوجوب في الرجال، وعدمُه في النساء. والمالكية يقولون - أو من قال منهم -: الختان سنةٌ في الرجال، مَكرمَةٌ في(٢) النساء(٣)، وقد رُوي حديثٌ عن النبيِّ نَّهِ مثلَه أو قريب a منه ولا يثبت(٤)، والله أعلم. الثالثة: كون الحديث مقدِّمة من مقدِّمات الدليل على وجوب الختان یُقرَّرُ بوجهین: أحدهما: أن الختان من مِلَّة إبراهيم، واتباعُ ملته واجبٌ، فالختان من ملته؛ أما أنه فعله، فبهذا الحديث الذي نحن فيه، وبهذا قلنا: إنه يدل على مقدمة من مقدِّمات الدليل على وجوب الختان. والمقدمة الثانية: وهو أن اتباع ملته واجب، فدليلها قوله تعالى: قبول شهادة الأقلف. انظر: ((تحفة المودود)) (ص: ١٦٢ - ١٦٣). (١) حتى قال: من لم يختتن، لم تصح إمامته، ولم تقبل شهادته. كما نقله ابن القيم في ((تحفة المودود)) (ص: ١٦٢). (٢) ((ت)): ((عن))، وجاء على الهامش: ((لعله: في)). (٣) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (٤ / ١٦٦ - ١٦٧). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٧٥)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨/ ٣٢٥)، من حديث الحجاج بن أرطأة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، به. وإسناده ضعيف؛ الحجاج مدلس، وقد اضطرب فيه، فتارة رواه كذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح. وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (٤ / ٨٢). ٣٨٨ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أُتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وهذا الدلیل فیه نزاع في مواضع: أحدها: أن الملة يُراد به الأحكام الأصولية، والأحكام الفروعية، وقد مُنع ذلك وخُصِّصَ بالأصولية، واستدلَّ عليها بأمور: أحدها: أن المُختلِفين في الفروع لا يقال: إن أحدهم على غير ملة الآخر، بل يقال: هما على ملة واحدة فنقول الشافعي ومالك وأبو حنيفة وسائر المختلفين في الفروع على ملة واحدة. الثاني: مناسبةٌ(١) ما بعد هذا الكلام لكون المراد هو الأصول، وهو قوله: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. الثالث: لو كان المراد الأصول والفروع لكان النبي ﴿ متعبَّداً بشريعة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أصولِها وفروعِها، واللازمُ منتفٍ، والمسألة في الأصول معلومة، والاستدلال على انتفاء هذا اللازم مذكور في كتب الأصول، والمستدلّون بهذا الدليل يظهر من كلامهم أنهم يلتزمون صحة هذا اللازم، وهو تعبُّدُ النبي ◌َّ بشرع إبراهيم، وهو خلافُ المرجَّح في الأصول(٢). وثانيها: سلَّمنا أن الملةَ تدخل تحتها الأحكام الأصولية والفروعية؛ لأن الفعل من حيث هو فعل ليس بحكم لكنه متعلق الحكم، إذ الحكمُ: خطابُ الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلَّفين، فهو (١) (ت)): ((مناسبته))، والصواب ما أثبت. (٢) انظر: ((المحصول)) للرازي (٣/ ٣٩٧)، و((الإحكام)) للآمدي (٤ / ١٤٥). ٣٨٩ غير أفعالهم، إذ المتعلِّق غيرُ المتعلَّق. وإذا كان الفعل ليس من الأحكام التي هي داخلةٌ تحتَ الملة، لزم أن يكون المأمورُ به الاتباعَ في حكم الفعل، وحكم الفعل يتردّدُ بين الوجوب والندب والإباحة، فالاتِّباعُ في الحكم متوقفٌ على معرفة الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة، فمتى حكمنا بأحدِهَا [و] كان مخالفاً لذلك الحكم في شريعة إبراهيم، لا يكون ذلك اتباعاً في الحكم، لكنَّ الحكمَ في شريعة إبراهيم بٌَّ غيرُ معلوم عندنا، فلا نجزمُ بأن الحكم بالوجوب اتباعٌ لملة إبراهيم ◌َلٍ(١). الوجه الثاني: تقريرُ كونِ الحديث مقدِّمةً من مقدِّمات الدليل على وجوب الختان، وهو أن يقال: الحديث يدلُّ على جواز هذا الفعل، وجوازُ هذا الفعل يستلزم وجوبَه، فالحديثُ يدل على وجوبِهِ دلالةَ ثبوت الملزوم على ثبوت اللازم. أما المقدمة الأولى؛ وهو أنه يدلُّ على الجواز فظاهر جدّاً، ودليلُهُ دليلُ العِصمة. وأما أنه يدل جواز هذا الفعل على وجوبه ويستلزمه؛ فلأن هذا قطعُ عضوٍ حيٍّ صحیح، وفيه فتح باب الروح، فالدليلُ على تحريمه قائمٌ، ولا يجوز الإقدامُ على فعلِ دلَّ الدليل على أنه محرم إلا لرجحان الدليل على وجوبه، وإلا لكان إلغاءً لدليل تحريمه. (١) جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو أربعة أسطر من الأصل)). ٣٩٠ وقد استدلَّ بعضُ الشافعية بقريب من هذا فقالوا: إنَّه يجوزُ له(١) كشف العورة، ولو لم يكنْ واجباً لما جاز(٢). وهذا لا يمكنُ أن يُجعلَ الحديثُ دالاً عليه، بل هو أجنبي عنه؛ إذْ إبراهيمُ ◌َ﴿ هو الخاتنُ لنفسه، فلا كشفَ عورةٍ محرمٌ حينئذ، وإنما هو دليل مستقل، إن صحَّ فإنه قد نُقِضَ عليهم بكشف العورة للتداوي مع أنه غيرُ واجبٍ، وأجاب بعضهم عنه(٣). الرابعة: وجوب الختان على النساء لا يتناوله هذا الدليل الذي قدَّمناه، فإن الواقعَ ختان الرجال، فإن قام دليلٌ على أن إبراهيم وَلِ أُمر بختان هاجر أو فعله أو أباحه، فذلك الدليلُ هو الذي يُستدلُّ به على مقدِّمة من مقدِّمات الدليل على وجوب ختان النساء، لا هذا الحديث الذي نحن في شرحه. ولعلَّ هذا هو السببُ في تفرقةِ مَنْ فرَّق بين ختان الرجال وختان النساء في الوجوب، ويكون قد نظر إلى قصور دلالة هذا الحديث عن (١) أي: للختان، وبسببه . (٢) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (١ / ١٤). (٣) جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو سبعة أسطر من الأصل)). قلت: وكلام المؤلف رحمه الله في جواب بعضهم عن استدلال بعض الشافعية بجواز كشف العورة للختان. وقد ذكر النووي رحمه الله في ((المجموع)) (١ / ٣٦٦) هذا وقال: وأورد عليه كشفها للمداواة التي لا تجب، ثم قال: والجواب: أن كشفها لا يجوز لكل مداواة، وإنما يجوز في موضع يقول أهل العرف: إن المصلحة في المداواة راجحة على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة، فلو كان الختان سنة، لما كشفت العورة المحرم کشفها له. ٣٩١ الوجوب في حقِّ النساء، ولم تثبت هذه بطريق صحيح عن إبراهيم [لا من] فعل ولا أمر ولا ما يوجب أن يكون شرعاً له. وهذا المذهب محكيٌّ وجهاً عند الشافعية، وكذلك المذهبان الأوَّلان(١). الخامسة: غالبُ الأحكام مفهوم المعنى، متبينُ العلة ظناً، مع اختلاف مراتب الظن في ذلك، وهذا على تقدير عدم النصِّ على العِلِّية، والتعبُّدُ قليلٌ بالنسبة إلى ما يُفهمُ معناه، وبمقتضى ذلك ينبغي أن يُبحَثَ عن العلة المناسبة لشرعية الختان أو وجوبه. فيمكن أن يُحالَ ذلك على ما ذكر من أمر النجاسة، وأن البول ينزل إلى ما بين القلفة والحشفة، وذلك في حكم الظاهر، فيؤدي إلى بطلان الصلاة (٢)، ومن هذا نُقُل عن بعضهم: أنه يختنُ وإن أدى إلى الهلاك؛ لأنه يؤدي إلى بطلان صلاة العمر، وإذا كان [قد](٣) يقتلُ بترك صلاة واحدة، فلأن يقتل بترك صلاة العمر أولى. وبمثل هذا عُلِّلَ قولُ الشافعي - ظُ - فيمن يَجبرُ(٤) (١) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٣٦٦). (٢) قال ابن القيم: المقصود الأعظم بالختان: التحرز من احتباس البول في القُلفة، فتفسد الطهارة والصلاة، ولهذا قال ابن عباس فيما رواه الإمام أحمد وغيره: لا تقبل له صلاة، ولهذا يسقط بالموت، لزوال التكليف بالطهارة والصلاة. انظر: ((تحفة المودود)» (ص: ١٦٧). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ((ت)): ((جبر)). ٣٩٢ عظمه بعظم نجس: أنه يُنْزَعُ وإن خاف التلف(١). وهذا التعليل - إن صحَّ - فإنما يُعلل به الوجوب، وذلك يقتضي أن يخرجَ عنه جواز ختان الصبي؛ لأنه فتح باب الروح مع عدم معارضة الوجوب، أو يقال ببطلان الملازمة بين الجواز والوجوب التي ادُّعيت أولاً، أو يقال: إنَّه لا تصحُّ صلاة الصبي الأقلف لوجود النجاسة، وصحة الصلاة في حق البالغ والصبي سواء في الشروط. وربما اذُّعي أن الختان شُرِعَ لتحصل لذة النكاح التي هي سببٌ للمطلوب شرعاً من كثرة النسل، وهذا يُنازَعُ فيه، وقيل: [إن](٢) جماعَ الأقلف ألذُّ، وهذا أمر مشكوك [فيه](٣) من الجانبين؛ أعني: ترجيح اللذة في أحدهما على الآخر. ويمكن أن يعلَّلَ بأمرٍ(٤) ظني، وهو أن القلفة قد تؤثِّرُ في احتباسٍ المني في خروجه، وعدم سرعة بروزه، وذلك [مضٌ](٥) بعد تهُئِهِ وبروزه [عن مقرّه](٦). وقريب من هذا ما قيل: إن الحكمةَ تقتضي منعَ اللواط؛ كما اقتضته الشرائع، أو ما هذا معناه، وذلك من حيثُ إن في الرحم قوةً (١) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (٣/ ١٤٣ - ١٤٤). (٢) سقط من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) في الأصل: ((أمر))، والمثبت من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). ٣٩٣ جاذبة، فتستفرغُ ما برز عن مقره من المني ولا يكاد يتخلف منه شيء في المجاري، وليست هذه القوة للدبر، فربما تخلف منه شيء فأورث عللاً وأمراضاً، ولهذه العلة كان الضعفُ الحادث عن النكاح في الفرج أكبرَ من الضعف الحادث عن خروج المني بالاحتلام(١). السادسة: هذا الإخبارُ من الرسول وَّر عن فعل إبراهيمَ - الَيْ - من فائدتِهِ بعدَ تعظيم قدر إبراهيم - التَئ - في الأنفس؛ بسبب احتمال هذه المشقة العظيمة مع كبر السن والمباشرة باليد بالآلة المعينة فيه أيضاً: تحريكٌ للنفس (٢)، وبعثٌ لها على الاقتداء في امتثال أوامر الله تعالى وطلب رضاه، وإن شقَّ على الأنفس، وصَعُبَ على الأبدان، وذلك من صلاح المكلفين، وهو علةٌ(٣) مناسبة لهذا الإخبار. وبهذا يتبين(٤) لنا أن كثيراً من الأحكام التي يُدَّعى فيها التعبُّدُ [ليست كذلك، وقد اشتُهرَ أن كثيراً من أفعال الحجّ من باب التعبُّدِ و](٥) ليس كذلك عندي؛ لأنَّا إذا علمنا أسباب تلك الأفعال وفعلناها، تذكرنا(٦) ما كان السبب أولاً، فحصل لنا بذلك الأمران المذكوران؛ أعني: التعظيم، وتحريك النفس للامتثال. (١) جاء على هامش (ت)): ((بياض نحو ثمانية أسطر في الأصل)). (٢) ((ت)): ((النفس)). (٣) في الأصل: ((: ((خلة))، والمثبت من ((ت)). (٤) (ت): (تبین)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) في الأصل: ((تذكرا))، والمثبت من ((ت)). ٣٩٤ ومثاله: إذا تذكرنا سببَ السعي بين الصفا والمروة وهو تركُ إبراهيم - الَّ - هاجرَ وابنَها في تلك الأرض الموحشة بلا أنيسٍ ولا سببٍ ظاهر في دوام الحياة، وأن(١) سعيها في ذلك المكان لطلب الماء للطفل أو لها أو لهما حَصلَ عندنا من تعظيم إبراهيم - الََّلا - وامتثالِهِ لأمر الله تعالى فيما يعظُم أمره من المشقات على البشرية حداً ما لا يُقدر قدره، وكان ذلك صلاحاً لنا وتهويناً على أنفسنا في المشقات التي لا تنتهي إلى أيسر من هذا [من الكامل]: في اللهِ عندَ نفوسِهِمْ لِصِغارُ(٣) يَغْشَونَ حَوْمَاتٍ (٢) المَنُونِ وإِنِّها وكذا إن كان رميُ الجمار مذكِّراً لنا لرمي إسماعيل - التَّال ـ الشيطانَ عند وسوسته ولسائرِ قصة الذبح، كان ذلك علةً ظاهرة، ومصلحة باعثة للأنفس على احتمال المشقات في ذات الله تعالى، إلى غير ذلك من الأمور(٤)، والله أعلم. (١) (ت)): ((وهو أن)). (٢) في الأصل: ((حرمات))، والتصويب من ((ت). (٣) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (١ / ١٢٤) عن عاصم بن الحدثان. (٤) قال ابن القيم رحمه الله: ولما أمر الله به - أي: الختان - خليلَه، وعلم أن أمره المطاع، وأنه لا يجوز أن يعطَّل ويضاع، بادر إلى امتثال ما أمر به الحي القيوم، وختن نفسه بالقدوم، مبادرة إلى الامتثال، وطاعة لذي العزة والجلال، وجعله فطرة في عقبه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، ولذلك دعا جميع الأنبياء من ذريته إليها، حتى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ابن العذراء البتول اختتن متابعة لإبراهيم الخليل، والنصارى تقر بذلك وتعترف أنه من أحكام الإنجيل. انظر: ((تحفة المودود)) (ص: ١٧٤ _ ١٧٥). ٣٩٥ السابعة: مواردُ النص قد تشتمل [على](١) ما لا اعتبارَ به في الحكم، فيحذف وعلى ما يظهر اعتباره فيعتبر، وعلى ما يمكن اعتباره فيعتبر أيضاً؛ لأنَّ الأصل اعتبار الصفات التي عُلق عليها الحكمُ، فلا تُخرج عنه إلا حيث يُعلم عدمُ الاعتبار. ومن قبيل ما لا يُعتبرُ بالنسبة إلى الواقع في هذا: الاختتانُ من إبراهيمَ - الَمْ _(٢)، فلا يمكنُ أن يدخلَ تحت الاتباع المأمور به. الثامنة: هاهنا وجهٌ أعمُّ من هذا: الزمن الذي وقع فيه الاختتان وهو ما بعد البلوغ، [ويمكن اعتباره، فيمكن أن يدخل تحت الأمر بالاتباع، والفقهاء الشافعية قالوا: إنما يجب الختان بعد البلوغ. فيمكنُ - من إمكانِ اعتبار هذا المعنى الأعم، الذي هو ما بعدَ البلوغ](٣) - أن يُجعلَ دليلاً على ما قالوه من الوجوب بعد البلوغ(٤). التاسعة: وحينئذ تنقطع دلالةُ الحديث على الختان قبل البلوغ، فيُحتاج إلى دليل يدلُّ على جوازه، لاسيَّما والمانع قائم وهو قطع (١) سقط من ((ت)). (٢) أي: يكون إبراهيم - الظلية - هو الخاتن. (٣) سقط من ((ت)). (٤) قال الماوردي: للختان وقتان: وقت وجوب، ووقت استحباب؛ فوقت الوجوب: البلوغ، ووقت الاستحباب: قبله. نقله الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٤٢). وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)» للنووي (١/ ٣٦٧ -٣٦٨). ٣٩٦ العضو الحي، فيجبُ أخذُ جوازه من دليل آخر. و العاشرة: الفقهاء يقولون: إن الواجبَ في الختان قطعُ ما تنكشف به الحشفة(١)، فإذا أُرِيدَ أخذ هذا الحكم من هذا الحديث، فيُحتاج أن يتبيَّنَ أنَّ اسم الختان لا ينطلقُ إلا على ما فيه كشفُ الحشفة؛ لأن الحكم إنما عُلَّق بالاسم هاهنا، فيُحتاج أن يُعرفَ مدلوله . وهل يمكن أن يؤخذ هذا من استمرار العادة بذلك من غير معرفة لزمن يُعتبر لهذه العادة، ويُجعل ذلك كالأفعال المتواترة التي لا يعلم تغير العادة فيها، حتى يكونَ اسمُ الختان يتناول ما جرت به العادة، فيدل على الوجود حين ذلك الفعل المتقدم، فيدخل تحت الأمر بالاتباع؟ في ذلك بحثٌ يمكن أن يقرَّرَ بوجه جدليٍّ يستعمله الخلافيون المتأخرون، وطريقه أن يقال: العادةُ قد اقتضت هذا في هذه الأزمنة المتطاولة، فإن كانت هي الموجودة في زمن إبراهيم - العليئر - فهو (٢) المقصود، وإن لم تكنْ هي الموجودةُ يلزم أن يكونَ قد تغيَّرَ الواقع في زمن إبراهيم - العليّ - إلى غيره، والأصل عدم التغيير، فالواقعُ هو ما استمرت به العادة وهو المقصود، وفيه بعدَ هذا بحث. (١) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٣٦٧). (٢) (ت)): ((فهي)). ٣٩٧ ٩١١٧١، ٧٥٤ 0 بَابُصفة الوضوء .vyS وَفَائِضِهِ وَسُنَنِهِ البابُ: هو المدخلُ إلى الشيء المتوسَّل إليه، وحقيقَتُه في باب الدار وما أشبهها، واستعمل مجازاً في اصطلاحِ العلماءِ على ما يُتَوسَّلُ به إلى ما تحت الباب من الأحكام، والمسائل، والفوائد، وما أشبه ذلك. وأقدمُ من رأيتُ(١) عنه استعملَ(٢) هذه اللفظةَ المصطلحَ عليها عند العلماء عامرُ بن شَرَاحيل، وكان من كبار فضلاء التابعين، فذكر القاضي أبو محمد الحسن بن خَلاَّد الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتاب ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)) ذلك فقال: باب: إذا طلقت ورثت(٣). (١) في الأصل: ((روايته))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((استعمال)) . (٣) ((ت)): ((إذا أطلق ورتب)). روى الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص: ٦٠٩) عن الحسين بن حميد بن الربيع قال: قيل لوكيع: أنت تطلب الآخرة، تصنف الأبواب فتقول: باب كذا وباب كذا؟ فقال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: باب من الطلاق جسيم: إذا اعتدت المرأة ورثت. ومن طريق الرامهرمزي: رواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (٢/ ٢٨٥). ثم روى الخطيب عن أبي العالية وابن سيرين وغيرهما استعمال لفظة ((باب)) في كلامهم. ٣٩٩