Indexed OCR Text
Pages 121-140
الثلاثون: مقتضى اللفظِ الاكتفاءُ بمسمى السواك، فإن طُلب أمرٌ زائد على المسمى فَبِدليل من خارج، أو باعتبار العلة كما جاء: ((أن الملكَ يضعُ فاه على فم القارىءٍ)» (١)، فعلى هذا لا بدَّ من إزالة ما تبقى له رائحةٌ مكروهة بجملته على حسب الإمكان؛ اعتباراً للمعنى. الحادية والثلاثون: لما كان سببُ عدم الأمر هو المشقة في التكرار، والحالات التي يستحب فيها السواك متعددة متكررة أيضاً، فالمشقّةُ حاصلة في الأمر بالسواك عندها، فتخصيص (٢) ذكرِ الصلاةِ دون بقية الحالات التي يقتضي الأمرُ بالسواك عندها لحوقَ المشقة، يدل على زيادةٍ في تأكيد الاستحباب عند هذه الحالة على بقية الحالات؛ لأن الاشتراك في مقدار المصلحة يقتضي الاشتراك في الحكم، فلا يبقى في التخصيص فائدة، بخلاف ما إذا حصل التفاوت في ذلك المقدار، فإن الزيادة حينئذٍ إذا اقتضت زيادةَ التأكد اقتضت زيادةَ المشقة، [فلا يلزم الاستواء في الاستحباب، وثبتت الفائدةُ في التخصيص](٣) بالذكر. الثانية والثلاثون: يدل على الاستحباب عند الصلاة، فيمكن أن يُجعلَ من سننها، ولا يمنع من ذلك تقدُّمه عليها، ويمكن أن لا يُجعلَ من سننها؛ لاحتمال أن يكونَ المطلوبُ تقدُّمَ هذا الفعلِ على الصلاة من غير أن يجعل سنةً من سننها . (١) تقدم تخريجه عند البزار من حديث على (٢) في الأصل: ((تخصص))، والمثبت من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). ١٢١ وقد قدَّمنا الخلافَ في الوضوء؛ هل يُعدُّ السواك من سننه، مع الاتفاق على كونه مطلوباً عنده؟ وفي ذلك ما يدلُّ على الفرق بين مُجرَّد الطلب عند الشيء، وبين كونه مع ذلك معدوداً من سننه، والله أعلم. ١٢٢ الحديث الخامس وعن حذيفةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ(١) يَشُوصُ فَاهُ بالسِّواكِ. أخرجوه إلا التِّرمِذِّي(٢). ويَشُوصُ؛ بمعنى: يدلك، وقيل: يغسل، وقيل: يُنقي. الكلام علیه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان(٣)، واسمه الحُسَيل - بضم (١) في الأصل: ((بالليل))، والمثبت من ((ت))، والنسخة الخطية لكتاب ((الإلمام)) بخط ابن عبد الهادي (ق٤ / ب)، وكذا مطبوعة ((الإلمام)) (١ / ٥٩). (٢) * تخريج الحديث: رواه البخاري (٢٤٢)، كتاب: الوضوء، باب: السواك، و(٨٤٩)، كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، و (١٠٨٥)، كتاب: التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل، ومسلم (٢٥٥ / ٤٦ - ٤٧)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، وأبو داود (٥٥) كتاب: الطهارة، باب السواك لمن قام من الليل، والنسائي (٢)، كتاب: الطهارة، باب: السواك إذا قام من الليل، و(١٦٢١ - ١٦٢٢) كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: ما يفعل إذا قام من الليل من السواك، وابن ماجه (٢٨٦)، كتاب الطهارة، باب: السواك، كلهم من حديث أبي وائل، عن حذيفة، به. (٣) قلت: قد تقدمت ترجمة الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما في = ١٢٣ الحاء، وفتح السين المهملتين، وسكون آخر الحروف، وآخره لام، تصغير حِسْل، [بكسر الحاء، وسكون السين، وهو اسم منقول، ويقال في ابنه اليمان أيضاً: حِسْل](١) على التكبير دون التصغير - ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جُروة بن الحارث بن مازن بن قُطَيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عَيلان بن مضر، يجتمع مع رسول الله وَ لقر في مضر. وكان حليفَ بني عبد الأشهل، شهدَ مع رسول الله وَّر، هو وأبوه أحداً، وقُتل [أبوه](٢) يومئذٍ، قتله المسلمون قَتْلَ خطأٍ. وقيل: أرادا أن يشهدا بدراً، فاستحلفهما (٣) المشركون أن لا يشهدا مع النبي ◌ٍَّ، فحلفا لهم، ثم سألا النبيَّ ◌َِّ فقال: ((نَفِي لَهُمْ بعهدِهِمْ، (٤)»(٥) ونستعينُ اللهَ عليهم(٤))(٥) . وقيل: جروة هو اليمان، ومن ولده حذيفة، وإنما قيل: ابن اليمان؛ لأن جروة أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني = الحديث الثاني من باب الآنية. وقد زاد المؤلف رحمه الله هنا بعض الأشياء عن ترجمته السابقة . (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((فاستحلفهم))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((بالله تعالى)). (٥) رواه مسلم (١٧٨٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الوفاء بالعهد، من حديث حذيفة رضي الله عنهما. ١٢٤ عبد الأشهل، فسماه قومُه: اليمان؛ لأنه حالف اليمانية. وذكر بعضُهم: أن اليمان والد حذيفة، وجروة أيضاً؛ هذا معنى قوله. روى عنه غيرُ واحد من الصحابة، [و](١) ولاه عمر بن الخطاب - ظه - المدائنَ، فنزلها، ومات بها سنة ست وثلاثين بعد قتلِ عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - بأربعين ليلة فيما قيل، وقد اتفق الأئمةُ على إخراج [حديثه و](٢) روايته. قال أبو عمر: كان حذيفة من كبار أصحاب رسول الله مَّقير، وهو الذي بعثه(٣) رسولُ الله ◌َله يوم الخندق ينظر(٤) إلى قريش، فجاءه بخبر رحیلھم. وكان عمر بن الخطاب - ظله - يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سرِّ رسول الله بَّهه، وكان عمر ينظر إليه عند موت من ماتَ منهم؛ فإن لم يشهد جنازته حذيفةُ لم يشهدها عمر څ . وكان حذيفة يقول: خيَّرني رسولُ الله بَّه بين الهجرة أو النُّصرة، فاخترت النصرة(٥) . (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((بعث)). (٤) ((ت)): ((فنظر)). (٥) تقدم تخريجه. ١٢٥ وهو حليف الأنصار لبني عبد الأشهل، وشهدَ حذيفةُ نهاوند، فلما قُتِلَ النعمانُ بن مُقَرِّن أخذ الراية، وكان فَتْحُ همذانَ والريِّ ءُ والدِّيْنَوَرِ على يدي حذيفة، وكانت فتوحه كلّها [سنة](١) اثنتين وعشرين. ومات حذيفة - ظه - سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان في أول خلافة علي - رضي الله عنهما -، وقيل : توفي في سنة خمس وثلاثين، والأول أصحُّ، وكان موته بعد أن أتى نعيُ عثمان إلى الكوفة، ولم يُدرِك الجمل. وقُتِلَ صفوان وسعيد ابنا حذيفة بصِفِين، وكانا قد بايعا [علياً](٢) - ﴿به - بوصيَّةِ أبيهما بذلك لهما. وسئل حذيفة: أيُّ الفتن أشدُّ؟ [قال] (٣): أن يُعرض عليك الخير والشرُّ، فلا تدري أيَّهما تركب (٤)(٥). وقال حذيفة: لا تقوم الساعة حتى يسودَ كلَّ قبيلة منافقوها(٦). انتھی . ٠ (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) في الأصل: ((تركت))، والمثبت من ((ت)) والمطبوع من ((الاستيعاب)) (١/ ٣٣٥). (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٧٥٦٩)، وعنده: ((أيهما تتبع)). (٦) انظر: (الاستيعاب)) لابن عبد البر (١/ ٣٣٥). وقد جاء مرفوعاً من حديث ابن مسعود ، كما رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٢/ ٣٥٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩٧٧١)، وإسناده ضعيف جداً. ١٢٦ * الوجه الثاني : [في تصحيحه] : وقد قلنا في الأصل: أخرجوه إلا الترمذي، والمرادُ أصحاب الكتب الستة؛ البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقد استُثني الترمذيُّ ممن أخرجه. وهو حديثٌ من رواية أبي وائل، عن حذيفة، رواه عن أبي وائل، منصور وحصين والأعمش، [واتفق البخاريُّ [ومسلم] على تخريج رواية منصور وحصين](١)، وأخرج مسلم روايةَ الأعمش(٢). * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل : الأولى: قد(٣) ذكر في الأصل تفسير (يشوص)، وحكى فيه ثلاثة أقوال: يدلك، ويغسل، [وينقي، وتفسيره بالغسل] (٤) هو قول أبي عبيد، قال: والموص مثله(٥)، وأنشد لامرىء القيس(٦). (١) سقط من ((ت)). (٢) برقم (٢٥٥/ ٤٧)، عنده. (٣) في الأصل: ((وقد))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) انظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١ / ٢٦١). (٦) وضعت إشارة إلحاق في الأصل، وتُرك بياض في ((ت)) بعد قوله: ((وأنشد لامرىء القيس)). وليس في المطبوع من ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١/ ٢٦١) إنشاد شعر لامرىء القيس في هذا الموضع، وإنما الذي استشهد به هو قول عائشة في عثمان رضي الله عنهما: («مُصتُمُوه كما يماص = ١٢٧ الثانية: إذا فسَّرنا (يشوص) بـ: يدلك، [كان] حملُ السواك على الآلة ظاهراً مع احتماله للدلك بالإصبع، والباء(١) للاستعانة. وإن فسرناه بـ: يغسل، فيمكن أن تراد الحقيقة؛ أي: الغسل بالماء، فالباء للمصاحبة، وحينئذ يحتمل أن يكون السواك الآلة، ويحتمل أن يريدَ الفعلَ. ويمكن أن يُراد المجازُ، وأن يكون بتنقية الفم وإخراج ما فيه يُسمَّى غسلاً على مجاز المشابهة(٢). وإن فسرناه بـ: ينقي، فيحتمل الأمرين أيضاً، وحمله على الآلة أقرب. الثالثة: قوله: ((إذا قامَ من الليلِ)) يحتمل أن يراد به القيامَ من النوم؛ بمعنى: استيقظ، ويكون فيه حذف؛ أي: استيقظ من نوم الليل. = الثوب، ثم عدوتم عليه فقتلتموه)) ثم قال: تعني بقولها مُصْتمُوه: ما كانوا استعتبوه فأعتبهم فیه، ثم فعلوا به ما فعلوا، انتهى. قلت: وقد نقل الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١ / ٣٥٦) عن ((المحكم)) لابن سيده: أن الغسل عن كُراع، والتنقية عن أبي عبيد، والدلك عن ابن الأنباري، انتهى. كذا ذكر الحافظ، ولم أقف عليه في المطبوع من («المحكم)) (٨/ ١١١)، (مادة: شوص)، وإنما ذكر الغسل عن كُراع فقط. (١) أي: في قوله: ((بالسواك)). (٢) في الأصل: ((مجازاً لمشابهة))، والمثبت من ((ت)). ١٢٨ ويحتمل أن تكون (من) لابتداء الغاية من غير تقدير حذف النوم. ويحتمل أن يريدَ بالقيام: القيامَ إلى الصلاة، فإنَّ مثلَ هذا اللفظ قد يُستعمل في مثل هذا المعنى، يقال: فلان يقوم من الليل؛ أي: يصلي. الرابعة: إنْ فسَّرنا يشوص بـ: يدلك، فالأقربُ حملُه على الأسنان، فيكون من مجاز التعبير بالكل عن البعض، أو من مجاز الحذف، كأن التقدير: يدلك أسنانَ فِيْه. وإن فسرنا يشوص بـ: يغسل، وحملناه على الحقيقة أو المجاز المذكور، فلا مانع من حمله على جملة الفم، وتكون الباء للمصاحبة. وإن فسرناه بـ: ينقي، فالأقرب حمله على الأسنان كما في الأول، إذا كان ينقي مستعملاً في إزالة ما عَسَاه يلتصق بالعضو كبعض المأكولات مثلاً، وإن كان ينقي [بمعنى](١): يجعله نقياً، فلا يمتنعُ حملُه على جملة الفم. * الوجه الرابع: في الفوائد، وفيه مسائل : الأولى: إحدى الحالات التي يُسْتَحَبُّ فيها السواك حالة القيام من النوم، فإذا حمل القيام من الليل على الاستيقاظ من النوم، استُدِلَّ به علی ذلك. (١) زيادة من ((ت)). ١٢٩ وقد استدلَّ بعضُ الفقهاء على استحباب السواك عند القيام من النوم بحديث حذيفة، لكنه روى فيه: ((كانَ إذا قامَ من النوم))، فلتُتفقَّدْ هذه اللفظة وتُتَتَبَّع؛ ليُنظر وجودها أو عدمه(١). الثانية: هذا الحكمُ يُعلَّلُ بما يُحدثه النومُ من تغيير الفم بالمناسبة . الثالثة: يمكن ترجيحُ حمله على هذا المعنى، فإنَّ اللفظ اقتضى تعليقَ الحكم (٢) بمسمى القيام من الليل، فيكون الظاهرُ حملَه على و المسمى، وحملَه على ما زاد على ذلك خارجٌ عن مُجرَّد ما دلَّ عليه اللفظ، إلا أن فيه تجوّزاً في لفظ القيام. الرابعة: وإذا حملناه على القيام للصلاة، فيحتمل أن يكون السواك لأجل الصلاة، فيدل على ما دل عليه الحديث قبله من السواك (١) قلت: هذه اللفظة مذكورة في كتب الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، بل قد ذكرها كثير من المصنفين في الحديث، وعزوها إلى ((الصحيحين))، وهو عزو بالمعنى لا باللفظ، فالذي في روايات ((الصحيحين)): ((إذا قام من الليل))، و((إذا قام للتهجد من الليل))، و((إذا قام ليتهجد)). وليس في روايات غيرهم من أصحاب المصنفات الحديثية المتوافرة لدي قد رووه بلفظة: «كان إذا قام من الليل)). وإن يعذر المحدث بعزو هذا الحديث بهذا اللفظ إلى ((الصحيحين)) بالمعنى، فلا عذر للفقيه المستدل بها على حكم في عزوها كذلك، بل لا بد له من تمام اللفظ وضبطه، كما نبه عليه المؤلف رحمه الله في مواطن كثيرة من هذا الكتاب. (٢) في الأصل: ((الخبر))، والمثبت من ((ت)). ١٣٠ عند الصلاة، أو لأجلها، ويحتمل أن يكون لأجل الاستيقاظ من النوم؛ لما ذكرنا من العلة، ويحتمل أن يكون لهما معاً. الخامسة: إذا حملناه على الاستيقاظ من النوم جُعلت علتُه ما ذكرناه من تأثير النوم في تغيير الفم بالمناسبة، فيُجعل أصلاً في استحباب السواك في كلِّ ما توجد فيه هذه الحالة؛ أي(١): تغيير الفم، وقد يتغير عند غير هذه الأحوال؛ إما عند كثرة الكلام، وإما لطول السكوت، وإما لشدة الجوع، وإما لأكل ما يغير الفم من الأشياء المُريحة . قال الشافعي - رحمه الله -: والاستيقاظ من النوم والأزْم(٢). وفي الأَزْم تأويلان: أحدهما: أنه الجوع، ومنه ما روي: أن(٣) عمرَ [بن](٤) الخطاب - ظُبه(٥) - سألَ الحارث بن كِلْدة، وكان طبيبَ العرب، فقال: ما الداء؟ قال: الأكل، قال: فما الدواء؟ قال: الأزم(٢)؛ يعني: (١) ((ت)): ((في)) بدل ((أي)). (٢) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١ / ٢٣). (٣) في الأصل: ((ابن))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من (ت)). (٥) في الأصل: ((عنهما))، والمثبت من ((ت)). (٦) قال الحافظ في ((الإصابة)) (١ / ٥٩٥): وجدته مروياً في ((غريب الحديث)) لإبراهيم الحربي من طريق ابن أبي نجيح قال: سأل عمر، فذكره. وفي كتاب ((الطب النبوي)) لعبد الملك بن حبيب من مرسل عروة بن الزبير، عن عمر. ١٣١ الجوع والاحتماء، وقال كعب بن زهير (١) [من البسيط]: والطَّيْبُونَ ثِياباً كُلَّمَا عَرَقُوا المُطْعِمُونَ إذا ما أَزْمَةٌ أزَمتْ والثاني: أنه السكوت(٢). ١٠ قال بعضُهم: وهو في اللغة الإمساك (٣)، فتارةً يُعبَُّ به عن الجوع؛ لأنه إمساك عن الأكل، وتارةً يُعبَّرُ به عن السكوت؛ لأنه إمساك عن الكلام. السادسة: قد عُلم أن الفمَ حقيقةٌ في الجملة، فيقتضي الاستياك [في الجملة] (٤). قال بعضُ فقهاء الشافعية: الاستياك عرضاً في ظاهر الأسنان وباطنها، ويُمِرُّ السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه؛ ليجلوَ جميعَها(٥) من الصُّفرة والتغير، ويُمِرُّه على سقف حلقه إمراراً خفيفاً؛ ليزيل الخُلُوف عنه، فقد كان النبي ◌َّر يشوص فاه بالسواك(٦). السابعة: وقد ذكرنا ما يقرب فيه حمل السواك على الآلة، وما يقرب (١) كذا نسبه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (١ / ٣٠٤). (٢) قال النووي: وكلاهما صحيح. (٣) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٣٣٧). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((جميعاً))، والمثبت من ((ت)). (٦) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١ / ٨٥ - ٨٦)، وعنه النووي في ((المجموع)) (١/ ٣٤٧). ١٣٢ حمله فيه على الفعل، وما يحتمل الأمرين، وذكرنا أنه إذا فسر يشوص بـ: يدلك؛ أنه يُحمل على الآلة ظاهراً، فإذا كان كذلك دلَّ على استحباب السواك بالآلة، [وأنه سنة. والفقهاء اختلفوا في الاستياك بالإصبع على ثلاثة أوجه، يُفرَّقُ في الثالثة بين العجز على الآلة والقدرة عليها؛ هذا معنى ما نُقُل(١). وهو اختلاف في الاكتفاء به(٢)، من غير نزاع في أن الأصل الاستياكُ بالآلة] (٣). الثامنة: فإذا دل على أنَّ السنة الاستياكُ بالآلة، فالأقرب حملُه على المعتاد في ذلك، والمشهور فيه عُود الأراك. وقول من قال من الفقهاء الشافعية: فإن تعذَّر الأراكُ عليه استاك بعراجين النخل، فإن تعذر استاك بما وجد (٤). (١) مذهب الشافعية والحنابلة: عدم الإجزاء بالإصبع، ومذهب الحنفية والمالكية: الإجزاء. قال ابن قدامة: والصحيح أنه يصيب السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء. قال: ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها. انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧٠)، و((الوسيط)) للغزالي (١ / ٢٧٧)، و((فتح العزيز)) الرافعي (١/ ٣٧٠ - ٣٧١)، و((تحفة الفقهاء)) للسمر قندي (١/ ١٣)، و((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ٢٦٦). (٢) أي: بالإصبع. (٣) سقط من ((ت)). (٤) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١ / ٨٦). ١٣٣ [و](١) يظهر أنه اكتفى بما ذكر بطريق النظر إلى المعنى، ويمكن أن يقال: إذا كان الأصل الاستياك بعود الأراك؛ إما حملاً للّفظ على المعتاد في أرض الحجاز والعرب، [أو أخذاً](٢) بما روي من حديث أبي خيرة(٣): أن رسولَ اللهِ وَ لَ كانَ يستاكُ بالأراكِ (٤)، فعند تعذّر النوع الأقرب، يُرتقى إلى ما فوقه من الجنس الأقرب فالأقرب؛ لأنه أقرب إلى التأسي، والاستنان في الاستنان(٥). (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((وجرت))، وفي ((ت)): ((وجرة))، والصواب ما أثبت. (٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٧/ ٤٢٦)، والطبراني في ((المعجم الكبير» (٢٢ / ٣٦٨)، عن أبي خيرة الصباحي قال: قدمنا على النبي ◌َّر، فلما أردنا أن نرجع أعطانا أراكاً فقال: ((استاكوا بهذا)). قال ابن الصلاح: وهذا الحديث مستند قول صاحب ((الإيضاح))، و((الحاوي))، و((التنبيه)) حيث استحبوه. قال: ولم أجد في كتب الحديث فیه سوی هذا الحدیث. قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٧١): قلت: قد استدل صاحب (الحاوي)) من حديث أبي خيرة بلفظ آخر، وهو: كان النبي ازَّلـ يستاك بالأراك، فإن تعذر عليه استاك بعراجين النخل، فإن تعذر استاك بما وجد. وهذا بهذا السياق لم أره. وقد روى الطيالسي في («مسنده)) (٣٥٥)، والبزار في («مسنده)) (١٨٢٧)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٥٣١٠)، وابن حبان في (صحيحه)) (٧٠٦٩) وغيرهم من حديث ابن مسعود : أنه كان يجتني لرسول الله رَ﴾ سواكاً من أراك ... ، الحديث. (٥) ((ت)): ((الأسنان)). قلت: الاستنان الأولى: الاقتداء، والثانية: الاستياك. ١٣٤ التاسعة: هذا الذي ذكرناه من الدلالة على استحباب الاستياك بالآلة، وبنيناه على أن تُفسر(١) يشوص بـ: يدلك، إذا أردنا أن نستدلَّ عليه في نفس الأمر، لا على تقدير التفسير بـ: يدلك، فليس لنا أن نبنيه على أن اللفظ المشترك؛ هل يُحمل على جميع معانيه؟ فإن أجزنا ذلك دخل فيه الدلك، وحصل الغرض. وإنما قلنا: ليس لنا ذلك؛ لأن هذه حكايةُ فعلٍ معيَّن من جهة الراوي، لا حكايةُ لفظ من النبيِ نَّ عُلِّق فيه الحكم على لفظ مشترك، وإذا كان حكايةَ فعل معين فصفتُه غيرُ معلومة؛ أعني: الصفةَ التي عبّر الراوي عنها بـ: يشوص؛ أهي الغسل، أو الدلك، أو التنقية؟ وليس لنا أن نحمل عليه أنه عبر عن الجميع؛ لأن ذلك مشكوك فيه، وفي اعتقاد الراوي جوازُه؛ [أي: جواز حمل المشترك على جميع معانيه](٢). العاشرة: وكذلك من أراد أن يستدلَّ على جواز الاستياك بالإصبع بأنه يحصل فيه مسمَّى الدلك فيُكتفى به، لا يتمُّ له ذلك؛ لأنه لم يعلّقِ الحكم في لفظ الرسول بَّر على مسمى الدلك، وإنما حكى الراوي فعلاً معيناً صحَّ حمله على الدلك، فهو محتمِلٌ للدَّلك بالإصبع وبالآلة، وحمله على الآلة أولى بالغلبة في الاستعمال. الحادية عشرة: ويمكن أن يُسلك في ذلك طريقة؛ وهو أن يقال: (١) ((ت)): ((تفسير)). (٢) زيادة من ((ت)). ١٣٥ دليلُ التأسي والاتباع فيه (١) أن يكون فعلُ ما فعله وَّل أمراً مطلوباً، وورود هذا اللفظ المشترك من الراوي لا يزيل هذا الطلب، وحصول هذا الأمر المطلوب موقوفٌ على فعل هذه الأمور الثلاثة، وهو ممكن، وما لا يتم حصول المطلوب [إلا](٢) به مع إمكانه فهو مطلوب، فالاستياك بالآلة مطلوب، وذلك يحصِّل الغرض. الثانية عشرة: إلا أنَّ هذا يقتضي استحبابَ فعل جميع(٣) [ هذه الأمور](٤)، وهو بعيد الوجود في نصوص الفقهاء؛ أعني: الجمعَ بين الدلك، والآلة، والغسل بالماء، إن حملنا الغسل على حقيقته. (١) في الأصل: ((منه))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) (ت)): ((إلا أن هذا فعل يقتضي استحباب جميع هذه)). (٤) زيادة من ((ت)). ١٣٦ الحديث السادس وروى [مسلم](١) من حديث أبي بردة، عن أبي موسى قال: دخلْتُ على النبيِّ وَّهِ، وطَرَفُ السِّواكِ على لِسَانِهِ (٢). ورواه أبو داودَ بلفظ: أتَنا رسولَ اللهِ نَّهِ [نَسْتَحْمِلُهُ]، فرأيْتُهُ يَسْتَاكُ على لِسَانِهِ(٣). الكلام علیه من وجوه : : الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو موسى: عبدُ الله بن قيس بن سُليم - بضم السين، (١) زيادة من ((ت)). (٢) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٢٥٤)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، واللفظ له. ورواه البخاري (٢٤١)، كتاب: الوضوء، باب: السواك، وقال فيه: أتيت النبي ګ فوجدته يستن بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه، کأنه یتھوع، والنسائي (٣)، كتاب: الطهارة، باب: كيف يستاك؟ من طريق حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، به. (٣) رواه أبو داود (٣)، كتاب: الطهارة، باب: كيف يستاك، من طريق حماد ابن زید، به. ١٣٧ وفتح اللام - بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وآخره راء مهملة - ويقال: حِضار - بكسر الحاء، وتخفيف الضاد، والحِضَار بهذه الصيغة الأخيرة: الثورُ الأبيض، فهو اسم منقول - ابن حرب بن عامر الأشعري من ولد الأشعر بن(١) أُدَد بن زيد بن كهلان، وقيل: إنه [من](٢) ولد الأشعر بن سبأ، أخي حمير بن سبأ، وأمه: ظبية بنت وهب من عُك. قال أبو عمر: ذكر الواقدي: أن أبا موسى قَدِمَ مكةَ، فحالف سعيد بن العاص بن أمية(٣) أبا أُحَيْحَة، وكان قدومُه مع إخوته في جماعة من الأشعريِّين، ثم أسلم وهاجر إلى [أرض](٤) الحبشة. [وقال ابن(٥) إسحاق: هو حليف لآل عتبة بن ربيعة، وذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة](٦). وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لمَّا قدم مكة، وحالفَ سعيد بن العاص، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض(٧) الحبشة، وقدم مع إخوته، وصادف قدومُه قدومَ (١) في الأصل: ((الأشعريين))، والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((أبيه))، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((أبو))، والصواب ما أثبت. (٦) زيادة من ((ت)). (٧) ((ت)): ((بلاد)). ١٣٨ السفينتين من أرض الحبشة. قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومِه مكةً ومحالفتِهِ مَنْ حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلاً في سفينة، فألقتهم الربح إلى النجاشيِّ بأرض الحبشة، فوافقوا خروج جعفر وأصحابه [منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان - سفينةُ الأشعريين وسفينةُ جعفر وأصحابه -](١) على النبي ◌َّ﴿ في حين فتح خيبر. وقد قيل: إنَّ الأشعريِّين حين رمتهم الريح إلى النجاشي أقاموا بها مدة، ثم(٢) خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا(٣) ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، والله أعلم. ولاَّه(٤) رسولُ اللهِ وَّ من مخاليف اليمن زَبيداً وذواتَها إلى الساحل، وولاه عمر - ظه - البصرة في حين عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان - رَؤُه - فعزله عنها، وولاها عبدَ الله ابن عامر بن کُرَیز(٥)، فنزل(٦) أبو موسى حينئذ(٧) الكوفةَ وسكنها، فلما (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((من ثم))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((ولهذا)). (٤) ((ت)): ((وولاً))). (٥) في الأصل: ((بدر))، والتصويب من ((ت)). (٦) في الأصل: ((فتولى))، والمثبت من ((ت)). (٧) ((ت)): (حينئذ أبو موسى)). ١٣٩ رفع أهلُ الكوفة سعيد بن العاص، ولَّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه بأن يوليَه، فأقرَّه(١) عثمان - ظُبه - على الكوفة إلى أن مات، وعزله عليٌّ عنها. قال أبو عمر: ومات بالكوفة في داره بها، وقيل: إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين [سنة](٢). وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، قال فيه رسولُ الله ◌ٍَّ: (لقدْ أوتيَ أبو مُوسى مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ داود)) (٣). [و](٤) سئل عليٍّ - ظُه - عن موضع أبي موسى من العِلْم، فقال: صُبِغَ في العلم صبغة، وهُدِي(٥). (١) في الأصل: ((فأمره))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) رواه البخاري (٤٧٦١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: حسن الصوت بالقراءة للقرآن، ومسلم (٧٩٣)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحسین الصوت بالقرآن، من حديث أبي موسی (٤) زيادة من ((ت)) . (٥) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٢/ ٣٤٦)، والبيهقي في ((المدخل)) (ص: ١٤٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١/ ٤١٢)، وعندهم: ((صبغ في العلم صبغة ثم خرج منه)). * مصادر الترجمة : ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤ / ١٠٥)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٥/ ٢٢)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٢٢١)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر= ١٤٠