Indexed OCR Text

Pages 1-20

شِرج الكرام
بِأَحَادِيثِ الأَحْكَامِ
تَأليفُ
الإمَامِ المُتَّهِدِ ابْنِ دَقِيقِ أُلِعِيْدِ
أَبِي الْفَتْحِ تَقِ الدِّينِ مَّدِبْن عَلَيّبْنْ وَهُبِ القُّشَيْرِيِّ المِصْرِيِّ
( ٦٢٥ - ٧٠٢ هـ )
المُجَلَّدُ الثَّالِثُ
يُطبعُ لأوّل مَّةٍ كاملاً محقّقًا على ثلاث نسخ خطّة
حَتَّقَهُ وَعَلَّىَ عَلَيْهِ وَفَّعَ أَحَادِيَةُ
محمد خلّفْ العَبْدُ اللَّه
دَارُ النَّارِ

3
w

شَرُ الأَرَة

٠٩٥٠
جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
اُلْطَّبْعَةُ الْأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
وَزَارَةِ الشّؤُورِالإسْلامِيَةِوَالأَوْقَاءُ وَالدَّوَة ◌ِوَالأَرْشَاءِ،
اٌلَكَةُ العَرَبيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨م
اُلْطَّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِن إِصْدَارَاتِ
دَارُ التَّوْازر
١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م
لصاحبها ومديرها العام
نُورُ الدُّنْ طَالِب
سوريا - دمشق - ص . ب : ٣٤٣٠٦
لبنان- بَيروت - ص.ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٩٦٣ ..- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

ربِّ سهِّلْ ويسِّرْ
بَابِ التَّوَالِك
الحديث الأول منه
عن عائشةَ - رضي الله عنها -، عَنِ النبيِّ نَّهِ قالَ: ((السّواكُ
مَظْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ)) [أخرجه النسائي، وابن حبان في
((صحيحه))، وأخرجه ابن خزيمة بطريق أخرى في (صحيحه))، والحاكم في
((المستدرك))](١).
(١) ما بين معكوفتين سقط من كلا النسختين ((م)) و((ت)). وقد أثبته من النسخة
الخطية من كتاب ((الإلمام)) بخط الإمام ابن عبد الهادي (ق ٤ / ب)، وكذا
مطبوعة ((الإلمام)) (١ / ٥٨).
*
تخريج الحديث :
رواه النسائي (٥)، كتاب: الطهارة، باب: الترغيب في السواك، وابن حبان في
((صحيحه)) (١٠٦٧)، وكذا الإمام أحمد في («المسند» (٦/ ١٢٤) من طريق
يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، به.
ورواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٣٥)، من طريق ابن جريج، عن عثمان
ابن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، به.
وقد جوَّد المؤلف رحمه الله إسناده في ((الإمام)) (١ / ٣٣٣).
=
٥

الكلام علیه من وجوه :
* الأول: في التعريف:
فنقول: قال ابن الأثير - رحمه الله - في ((معرفة الصحابة)): عائشة
ابنت أبي بكر، الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين، زوج النبي رَالهر،
= أما رواية الحاكم، فقال المؤلف في ((الإمام)) (١/ ٣٣٣) بعد سياقه إسناد
ابن خزيمة، فالحديث جيد، ولهذا أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في
(المستدرك)» فيما بلغني، انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٦٠): وجزم الشيخ تقي الدين في
((الإمام)) أن الحاكم أورده في ((المستدرك)).
قلت: وهذا من الحافظ رحمه الله إشارة على أنه لم يجده في ((المستدرك))،
ووجدته كذلك؛ فإنه لم يذكره الحاكم في ((المستدرك)) فيما هو المطبوع
المتداول .
قلت: فإما أن يكون عزو الشيخ رحمه الله الحديث على الحاكم اعتماداً منه
على نسخة خطية عنده، وإلا فلينظر في قوله السابق: ((فيما بلغني)) دون
جزم، لا كما قال الحافظ.
ثم قال المؤلف في ((الإمام)) (١ / ٣٣٣): وكلام البخاري (٢ / ٦٨٢) أيضاً
يشعر بصحته عنده، فإنه قال: وقالت عائشة عن النبي ◌ّل: ((السواك
مطهرة للفهم، مرضاة للرب))، فأورده بصيغة الجزم بأن عائشة رضي الله
عنها قالته .
وللحديث طرق أخرى أوردها المؤلف رحمه الله في ((الإمام)) (١ / ٣٣١)
وما بعدها من حديث عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة رضوان الله
عليهم أجمعين .
٦
او

وأشهر نسائه، وأمُّها أم رُومان بنت عامر بن عُويمر بن عبد شمس بن
أُذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كِنانة الكنانية.
تزوَّجها رسولُ الله ◌َ﴿ قبل الهجرة بسنتين، وهي بِكْر؛ قاله أبو
عبيدة، وقيل: بثلاث سنين.
وقال الزهري: تزوّجها رسولُ الله پ﴾ بعد خديجة بثلاث سنين،
وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل:
بخمس سنین.
وكان عمرها لما تزوجها رسولُ الله ◌َالله ست سنين، وقيل: سبع
سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين بالمدينة.
وكان جبريل - الَّ - قد عَرَضها على رسول الله وَ ل﴿ فِي سَرَقَةٍ
حرير في المنام لما توفيت خديجة(١)، فكنَّاها رسولُ الله ◌َّهِ بأم
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٦ / ٣٤٩)، والطبراني في
((المعجم الكبير)) (٢٣ / ١٥٥)، من طريق موسى بن عبد الرحمن الصنعاني،
عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله بَّم قال: لما
توفيت خديجة بنت خويلد بمكة، جاءه جبريل عليه السلام بصورة عائشة
في سرقة حرير أخضر فقال: يا محمد هذه عائشة، زوجتك في الدنيا
وزوجتك في الآخرة عوضاً عن خديجة بنت خويلد».
وهذا حديث باطل كما قال ابن عدي، فيه موسى بن عبد الرحمن منكر
الحدیث.
وقد روى البخاري (٣٦٨٢)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: تزويج النبي ◌َل
عائشة، ومسلم (٢٤٣٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة
رضي الله عنها، من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌َّ قال لها : =
٧

عبد الله؛ بابن أختها عبد الله بن الزبير(١).
ثم قال: وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصادقة ابنة
الصديق البريئة المبرأة (٢). وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض(٣).
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة - رضي الله عنها - من أفقه
[الناس](٤)، وأحسن الناس رأياً في العامة(٥) .
وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلمَ بفقه، ولا بطب، ولا بشِعر،
من عائشة(٦).
ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قضيةُ الإفك لكفى(٧) فضلاً
وعلوَّ مَجدٍ، فإنها نزل فيها من القرآن ما يُثْلى إلى يوم القيامة.
= ((أريتُك في المنام مرتين، أرى أنكِ في سرقة من حرير، ويقال: هذه
امرأتك، فاكشف عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكُ هذا من عند الله
◌ُمضه)). وقوله: سرقة، يعني: قطعة حرير جید.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٨٦)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٨٥١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٧٣٨)، والبيهقي في ((السنن
الکبری» (٩/ ٣١١)، وغیرهم بإسناد صحيح.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٣ / ١٨١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١٠٣٧)، وابن سعد في ((الطبقات
الكبرى)) (٢/ ٣٧٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٦٧٣٦)، وغيرهم.
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٧٤٨).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٠٤٤).
(٧) في الأصل: ((كفى))، والمثبت من ((ت)).
٨
۔۔۔

قال: وتوفیت عائشة - رضي الله عنها - سنة سبع وخمسین،
وقيل: سنة ثمان وخمسين، ليلةَ الثلاثاء لسبع(١) عشرة ليلة خلت من
رمضان، وأَمرت أن تُدفَنَ بالبقيع ليلاً، فدفنت، وصلى عليها أبو
هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن
محمد بن أبي بكر، [وعبد الله بن محمد بن أبي بكر](٢)، وعبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي بكر.
ولما توفي النبيُّ ◌َّ كان عمرها ثمانيَ(٣) عشرةَ سنة(٤).
* الوجه الثاني : في تصحيحه:
وهو حديثٌ لم يخرجه الشيخان في ((الصحيحين)) مسنداً، وذكره
(١) (ت)): (السبعة))، وهو خطأ ظاهر.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((ثمانية))، وهو خطأ.
(٤) * مصادر الترجمة :
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٨ / ٥٨)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر
(٤ / ١٨٨١)، ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (٢ / ١٥)، ((أسد الغابة)) لابن
الأثير (٧/ ١٨٦)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣/ ١٦)، ((تهذيب
الكمال)» للمزي (٣٥/ ٢٢٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢ / ١٣٥)،
((الوافي بالوفيات)) للصفدي (١٦ / ٣٤١)، ((الإصابة في تمييز الصحابة))
لابن حجز (١٦/٨)، ((شذرات الذهب)) لابن العماد (١/ ٦١).
٩

[البخاريُّ](١) بغير إسناد(٢).
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل :
الأولى: السِّواكُ يطلق ويراد به الفعل الذي هو المصدر، ومنه:
. . )) (٣)
(السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلفَم، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ))، ((عشرٌ منَ الفِطْرَةِ.
فذكر فيها(٤): ((السواك))، ويقول الفقهاء: السواك مستحب، السواك
ليس بواجب، وغير ذلك مما لا يمكنُ أن يوصفَ به إلا (٥) الفعل.
ويطلق ويراد به الآلة التي يُستاك بها، ومنه حديث أبي داود عن
عائشةَ - رضي الله عنها -: كان رسول الله ◌َّ﴾ يستنُّ(٦)، وعنده رجلان،
أحدُهما أكبرُ من الآخر، فأوحى الله [إليه](٧) في فضل السواك أن
كَبِّ كَبِر؛ أعطِ السواكَ أكبرَهما(٨).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) كما تقدم قريباً.
(٣) سيأتي تخريجه مفصلاً.
(٤) ((ت): ((منها)) .
(٥) في الأصل: ((غير إلا))، والمثبت من ((ت)).
(٦) (ت)): ((يستاك)).
(٧) سقط من ((ت)).
(٨) رواه أبو داود (٥٠)، كتاب: الطهارة، باب: في الرجل يستاك بسواك
غيره. وهو حديث صحيح.
١٠

وحديثُهُ أيضاً عنها: كان رسول الله وَّه يستاكُ، فيعطيني السواكَ
[لأغسلَهُ](١)، فأبدأُ به فأستاكُ، ثم أغسلُهُ، وأدفعُهُ إليه(٢).
وحديثها: أن النبي ◌َ ل﴿ كان يوضعُ له وضُوءهُ وسواكُهُ، فإذا قام من
الليل تخلَّى، ثم استاكَ(٣).
وحديث ابن عباس: بتُّ ليلةً عندَ النبيِ بَّهِ، فلما استيقظ من
منامه أتى طهورَه، فأَخذَ سواكَه فاستاك(٤).
وقول حذيفة - ظه -: كان إذا قام من الليل يشوصُ فاهُ بالسواكِ(٥)،
يحتمل الوجهين؛ يعني: الفعل والآلة، وتختلف القوة والضعف في
الحمل عليهما بحسب اختلاف التأويل، فإذا أُوِّل بالدَّلك، حُمِل على
الآلة، وإذا حُمِل على الغسل أو التنقية، احتملَ الفعل والآلة.
الثانية: قال بعضُ المتأخرين: قال أهل اللغة: السِّواك، بكسر
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه أبو داود (٥٢)، كتاب: الطهارة، باب: غسل السواك، ومن طريقه:
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٩). وهو حديث حسن.
(٣) رواه أبو داود (٥٦)، كتاب: الطهارة، باب: السواك لمن قام من الليل،
ومن طريقه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٩)، وصححه ابن منده،
كما ذكره الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٦٣).
(٤) رواه مسلم (٧٦٣)، (١ / ٥٣٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها،
باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وأبو داود (٥٨)، كتاب: الطهارة،
باب: السواك لمن قام من الليل، واللفظ له.
(٥) سيأتي تخريجه مفصلاً.
١١

السين، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود [الذي] يُتسوَّكُ به، وهو
مذكر، قال الليث: وتؤنِّئُه العرب أيضاً.
قال الأزهري: هذا من غُدَد الليث(١)؛ أي: من أغاليطه القبيحة.
وذكر صاحب ((المحكم)): أنه يؤنَّث ويذكَّر(٢).
والسّواكُ فعلُكَ بالسواك(٣)، ويقال: ساكَ فمَه يسوكه سوكاً، فإن
قلتَ: استاك، لم تذكرٍ (٤) الفمَ.
وجمع السواك سُؤُك، ككِتَاب وكُتُب، وذكر صاحب ((المحكم))
أنه يجوز أيضاً: سُؤُك، بالهمز(٥).
ثم قيل: إن السواك مأخوذ من (ساك) إذا دلك، وقيل: من
(جاءتِ الإبلُّ تَسَاوك)؛ أي: تتمايل هزالاً.
د
وهو في اصطلاح العلماء: استعمالُ عود أو نحوه في الأسنان
ليُذهِبَ الصُّفرةَ وغيرها عنها(٦)، انتهى(٧).
(١) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (١٠ / ١٧٣)، (مادة: سوك).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ١٢٥)، (مادة: سوك).
(٣) ((ت)): ((بالمسواك)).
(٤) في الأصل: ((يذكر)).
(٥) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ١٢٥).
(٦) في الأصل: ((ليذهب الصفر عنها أو غيرها))، وفي ((ت)): ((ليذهب الصفرة
عنها))، والمثبت من المطبوع من ((شرح مسلم)).
(٧) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٢)، وهو المقصود بقول المؤلف:
قال بعض المتأخرين.
١٢

قلت: تخصيصُهُ في اصطلاح العلماء باستعمال عود أو نحوه
ليسَ على كل المذاهب.
وقال ابن سِيْدَه في ((المحكم)): ساك الشيءَ سوكاً: دلكه، وساك
فمه، واستاك، مشتقٌّ من ذلك، واسمُ العود السِّواك، يؤنَّث ويذكَّر،
والسواك كالمِسْواك، والجمع سُؤُك، وأخرجه الشاعر على الأصل
فقال [من المتقارب]:
تمنحُهُ سُؤُكُ الإسْحِلِ
قال أبو حنيفة: ربما هُمِزَ [فقيل](١): سؤك، قال: وأنشد الخليل
لعبد الرحمن بن حسان [من المتقارب]:
أغُّ الثَّنايا أحمُّ اللُّها
تِ(٢) تمنحُهُ سُؤُكُ الإسْحِلِ
[بالهمز](٣)، وهذا لا يلزم همزُهُ.
والسواك، والتساوك: السير الضعيف، وقيل: رداءة المشي من
إبطاء أو عجف [قال](٤) [من الطويل]:
إلى اللهِ أشكُو مَا أَرَى مِنْ جِيَادِنا
تساوَكُ هُزلاً مُتُّهُنَّ قليلٌ (٥)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((اللباب)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) البيت لعبيد الله بن الحر الجعفي، كما نسبه الأزهري في ((تهذيب اللغة))
(١٠/ ١٧٤)، والجوهري في ((الصحاح)) (٤ / ١٥٩٣)، وابن منظور في
((لسان العرب)) (١٠ / ٤٤٦)، وغيرهم.
١٣

وجاءت الغنم ما تساوَكُ؛ أي: ما تحرِّكُ رؤوسَها من الهُزْل(١).
الثالثة: مَطْهَرَةٌ: مأخوذٌ من الطهارة بالمعنى اللغوي الذي هو
التنزُّه والتنقي من الأدناس.
قال الجوهري: والمَطْهَرة والمِطْهَرة: الإداوة، والفتح أعلى،
والجمع: المطاهر، ويقال: ((السِّواكُ مَطهرَةٌ للفمٍ) (٢).
الرابعة: الفَمُ: مفتوح الفاء مخفف الميم، هو اللغة الكُثْرَى
الفُصحى، وقد حُكي في الفاء الضم والكسر، وحُكي في الميم التشديد.
قال ابن سيده: فأما ما حكى فيها أبو زيد وغيرُه من كسرِ الفاء
وضمِّها، فضربٌ من التغيير لَحِقَ(٣) الكلمة؛ لإعلالها بحذف لامها
وإبدال عينها .
قلت: سيأتي بيان هذا الحذف والإبدال في الكلام على ما يتعلق
بالعربية .
[قال](٤): وأما قول الآخر [من الرجز]:
يا ليتَهَا قدْ خرجَتْ من فُمِّهِ
حَتَّى يعودَ الملكُ في أُسْطُمِّهِ(٥)
(١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ١٢٥)، (مادة: سوك).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢/ ٧٢٧)، (مادة: طهر).
(٣) في الأصل: ((نحو))، والمثبت من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) عاد الملك في أسطمه: في أصله، وانظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري
مادة: (س ط م).
١٤

[و](١) يروى بضم الفاء من (فمه) وفتحها.
فالقول في تشديد الميم عندي: أنه ليس بلغة في هذه الكلمة،
ألا ترى أنك لا تجد لهذه المشددة الميم تصرفاً؟! إنما التصرفُ كلُّه
على (فوه)؛ من ذلك قول الله - رَّت -: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، [و](٢) قال الشاعر [من الوافر]:
وما فاهُوا بهِ أبداً مُقيمُ (٣)
فلا لَغْوٌ وَلا تَأْثيمَ فِيها
وقالوا: رجل مُفوَّه: إذا أجاد القول، ومنه الأَفْوَهُ: الواسع الفم.
ولم نسمعهم [قالوا](٤): أَفْمام، ولا تَفَمَّمتُ، ولا رجل أَفمُّ،
ولا شيئاً من هذا النحو لم يذكروه، فدلَّ اجتماعُهم(٥) على تصرف
الكلمة بالفاء والواو والهاء على أن التشديد في (فم) لا أصلَ له في
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت، كما في ((ديوانه)) (ص: ٤٧٥، ٤٧٧)،
(القصيدة: ٧٥)، إلا أن ابن سيده لفق صدر بيت على عجز بيت آخر
لأمية، والبيتان في ((ديوانه)) كذا:
ولا غولٌ ولا فيها مليم
ولا لغو ولا تأثيم فيها
وما فاهوا به أبداً مقيم
وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ
وهما من قصيدة مطلعها :
جهنمٌ تلك لا تُبقِ بَغِيَّاً
وعدنٌ لا يُطالِعها رجيم
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((إجماعهم)).
١٥

نفس المثال، إنما هو عارِضٌ لَحِقَ الكلمة.
فإن قال قائل: فإذا ثبت بما ذكرته أن التشديد في فم [عارض](١)
ليس من نفس الكلمة، فمن أين أتى هذا التشديد، و کیف وجه دخوله
إياها؟
إي
فالجواب: أن أصل ذلك أنهم ثقَّلوا الميم في الوقف، فقالوا:
فمّ؛ كما يقولون: هذا خالدّ، وهو يجعل في أنهم أجْروا الوصل
مجرى الوقف، فقالوا: هذا فمٌّ، ورأيت فمّاً؛ كما أجروا الوصل
مجرى الوقف فيما حكاه سيبويه عنهم من قولهم [من الرجز]:
ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأضْخَمَّا (٢)
وقولهم :
بيازلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلٌ(٣)
كأنَ مَهواهَا على الكَلْكَلِّ (٤)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) شطر بيت لرؤية بن العجاج، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٨٣).
(٣) العَيْهَلُ من النوق: السريعة. انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥ / ١٧٧٨)،
(مادة: عهل).
(٤) ذكرهما ثعلب في ((مجالسه)) (٢ / ٥٣٥ - ٥٣٦) فقال: قال الفراء:
أنشدتني الدُّبيرية، ثم أورد أرجوزة، وفيها:
ببازل وجناء أو عيهل
فسل هم الوامق المغتل
بعد السرى من الندى المخضل
كأن مهواه على الكلكل
وذكر ابن منظور في ((لسان العرب)) (١١ / ٥٩٠)، (مادة: كلل) أنه
منسوب إلى منظور بن مرثد الأسدي.
١٦

يريد: العيهل والكلكل.
قال ابن چنِّي: فهذا حکم تشديد المیم عندي، وهو أقوى من أن
تجعلَ الكلمةُ من ذوات التضعيف بمنزلة (همٍّ) و(حمّ).
[قال](١): فإن قلت: فإذا كان أصل (فم) عندك (فوه)، فما تقول
في قول الفرزدق [من الطويل]:
على النَّابِحِ العَاوي أشَدُّ رِجَامٍ(٢)
هُمَا نَفَّثَا فِي فِيَّ من فَمَوِيهِما
وإذا كانت الميم بدلاً من الواو التي هي عين الكلمة، فكيف جاز
له الجمع بينهما؟!
فالجواب: أن أبا عليٍّ حكى لنا، عن أبي بكر وأبي إسحاق:
أنهما ذهبا إلى أن الشاعر جمع بين العِوَض والمُعَوَّض منه؛ لأن
الكلمة مجهورة منقوصة.
وأجاز أبو علي فيها وجهاً آخر؛ وهو: أن تكون الواو في
(فمويهما) لاماً في موضع الهاء(٣) من أفواه، وتكون الكلمة تعقبت
عليها(٤) لامان، هاء أُخرةُ(٥) وواو أخرى، فجرى هذا مجرى (سَنَة)
و(عِضَة)، ألا ترى أنهما في قول سيبويه: سَنَوات، وأسنُّوا(٦)،
(١) سقط من ((ت)).
(٢) انظر: ((ديوانه)) (٢/ ٢١٥)، ووقع في الديوان: ((هما تَفَلا)).
(٣) ((ت)): ((الفاء)).
(٤) ((ت)): ((فيها)).
(٥) في المطبوع من ((المحكم)): ((مرة)) بدل («أخرة)).
(٦) ((ت)): ((أسنو)).
١٧

ومسانات، وعِضَوات، واوان، وتحذف الواحدة(١) في قول من قال:
ليست بسنهاءَ، وبعير عاضِهٌ، هاءين.
وإذا ثبت بما قدمناه أن عين (فم) في الأصل واو، فينبغي أن
يقضى بسكونها؛ لأن السكونَ هو الأصلُ حتى تقوم الدلالة على
الحركة الزائدة .
فإن قلت: فهلا قضيتَ بحركة العين لجمعك إياه على أفواه، ألا
ترى أن أفعالاً إنما هو في الأمر العام جمع فَعَل؛ نحو: بَطَل وأبطال،
وقدم وأقدام، ورَسَن وأَرْسَان.
والجواب: أن فَعْلاً مما عينه واو، بابُهُ أيضاً أفعال، وذلك سوط
وأسواط، وحوض وأحواض، وطوق وأطواق؛ فـ(فوه) - لأن عينَه
واوٌ - أشبهُ بهذا منه بـ(قدم) و(رسن)(٢) .
الخامسة: قال ابن سيده في ((المحكم)): الفاه، والفُوه، والفِيه،
والفم، سواء، والجمع: أفواه.
ثم قال: أما كونه جمعَ فُوه فبيِّنٌ.
وأما كونه جمع فاه؛ فلأن الاشتقاق يُؤْذِن أن فاهاً من الواو؛
لقولهم: مفوَّه.
وأما كونه جمع فم؛ فلأن أصل فم (فوه)، فحذفت الهاء؛ كما
حذفت من (سنة) فيمن قال: عاملته مسانهة، وكما حذفت من سنة،
(١) في المطبوع من ((المحكم)): ((وتجدهما)) بدل ((وتحذف الواحدة)).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٤)، (مادة: فوه).
١٨

ومن شفة، ومن عضة، ومن است، وبقيت الواو طرفاً متحركة،
فوجب إبدالها ألفاً لانفتاح ما قبلها، فبقي (فا)، ولا يكون الاسم على
حرفين أحدهما التنوين، فأبدل مكانها حرف حدر مشاكل لها، وهو
المیم؛ لأنهما شفهیتان، وفي المیم هوي في الفم يضارع امتداد الواو،
وأما ما حكي من قولهم: أفْماٌ، فليس بجمع فم، إنما هو من باب
ملامح ومحاسن.
ويدل على أن (فا) مفتوح الفاء، وجودك إياها مفتوحة في هذا
اللفظ، وأما ما حكى فيها أبو زيد وغيره ... وذكر ما قدمناه(١).
وذكر بعض الفضلاء في (فم): أن وزنه على مذهب سيبويه
(فع)، والأصل فيه فَوْه على وزن سَوْط، فخُذِفت فيه الهاءُ التي هي
لامُ الكلمة تخفيفاً؛ كما حُذِفت لامُ الكلمة في يد، ودم، وغدٍ،
ونحوها، فبقي (فو) مثل (فع)، فلم يَرَوْا إيقاع الإعراب على الواو؛
لئلا تثقل الكلمة، ولم يَرَوْا حذفها؛ لئلا يبقى الاسم على حرف
واحد، فيجحفوا به، فأبدلوا من الواو ميماً؛ ليقع عليها الإعراب، فإذا
تقدر(٢) هذا، فالميم بدل من الواو التي هي عين الكلمة؛ هذا رأي
سيبويه، وإنما أبدلوا من الواو الميم؛ لأنهما (٣) من حروف الشفة،
والحرفان إذا تقاربا جاز الإبدال.
(١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٤/ ٤٣٢)، (مادة: فوه).
(٢) ((ت)): ((تقرر)).
(٣) ((ت)): ((لأنها)).
١٩

وأما الأخفش: فوزنه عنده (فُل)؛ لأن الميم عنده بدل من الهاء
التي هي لام الكلمة، والأصل فيه أيضاً عنده فَوْه مثل سَوْط، ثم قلب،
فقدمت لام الكلمة التي هي الهاء على عينها التي هي الواو، فبقي
(فَهْو) على وزن (فَلْع)، ثم حذفت منه الواو التي هي عين الكلمة،
فبقي (فَهْ)، ثم أبدلت الميم من الهاء فبقي (فم)، ومما يؤيد مذهب
الأخفش أن مذهب من يقول في تثنيته: فموان، وعلى هذا قول
الفرزدق [من الطويل]:
هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ من فَمَويهِما على النَّبِحِ العَاوِي أَشَدُّ رِجَامٍ
وأن الشاعر لما اضطر إلى ردِّ الذاهب ردَّ الواو في نحو قوله [من
الرجز]:
لا تَقْلُوَاها واذْلُوَاها دَلوا
إنَّ معَ اليومِ أَخَاهُ غَدْوا(١)
وكما قال سيبويه [من الطويل]:
وما النّاسُ إِلَّ كالدِّيارِ وأَهلها بها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْواً بَلَاقِعُ
فردَّ الواو في (غدو)، فعلمنا أن الذاهب من (غد) واو (٣).
(١) القلو: السير الحثيث، والدلو: السير الرفيق، يقول: ارفق بها ولا تقتلها،
فإنك تحتاج إليها غداً، وقال غدواً، وأراد: غداً، فأقام الفعل مقام الاسم.
انظر: ((جمهرة الأمثال)» للعسكري (٢ / ٢٨٤).
(٢) البيت للبيد بن ربيعة، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٦٩)، (ق ٢٤ / ٥).
(٣) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٣/ ٣٥٨).
٢٠