Indexed OCR Text

Pages 541-560

الثانية عشرة: وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة الرسول وَليل مع
إمکان مراجعته.
الثالثة عشرة: الذي ذكرناه إنما هو استدلالٌ على وقوع الاجتهاد
منه؛ لأن فعلَه يتردّدُ بين مَحامل؛ بعضها جائز وبعضها ممتنع، وإذا
تردد بينها، فحمله على الجائز في حق الصحابة متعيِّنٌّ، أما أنه هل
وُجِد دليل من الرسول - الَيْ - على تسويغ ذلك وإباحته؟ فيه بحث
آخر.
الرابعة عشرة: يجعل أصلاً في أن العالِم إذا رأى ممن لا يعلم
فعلاً محتملاً لما يسوغ ولما لا يسوغ، سأله ليتبين الحال فيه.
الخامسة عشرة: فيه أن انفرادَ المرء بترك الصلاة بحضرة
المصلين أمرٌ مَنعيٍّ (١) على صاحبه.
السادسة عشرة: حسنُ الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر،
أو محتمل لما هو منكر، لإخراجه - العليها - كلامَه مخرجَ السؤال عن
السبب المقتضي للترك، لا مخرجَ التغليظ، وهذا بخلاف الذي ترك
الصلاة من الناس في الحضر؛ لأن حالة السفر حالة مشقة وأعذار،
فهي أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر.
السابعة عشرة: فيه أمر الصلاة في الجماعة.
(١) يقال: هو ينعى على زيد ذنوبه: يُظهرها ويشهرها، وانظر: ((القاموس
المحيط)» مادة (نع ي)، (ص: ١٢٠٥).
٥٤١

الثامنة عشرة: فيه إبداء ذكر العذر لنفي اللَّوم.
التاسعة عشرة: قوله التيهي: ((عليكَ بالصعيدِ))، يحتمل
أن تكون الألف واللام فيه للعهد، إذ هاهنا صعيدٌ معهودٌ، وهو
المكان الذي هم فيه، ويحتمل أن يكون للجنس، فإذا حمل على
العهد دل على جواز التيمم بما هو صعيد حينئذٍ بذلك المكان،
ولا دليل لنا على تعيين ذلك الصعيد، فما اختلف فيه من المسائل
لا يمكن الاستدلال بهذا عليه، وإن حمل على الجنس رجع الحال إلى
معرفة ما يُسمَّى صعيداً، ويكون الحديث كالآية سواء في أخذ حكم
التیمم منه .
ولا شكّ في تناول اللفظ لذلك الصعيد؛ إما بخصوصه، أو
بعمومه .
العشرون: هذه اللفظة(١) قد تدل على أن الذي عرض للمعتزل
هو اعتقاد أن التيمم ليس سائغاً للجنب؛ لأنه - الظنبه - أحاله على
الصعید من غیر بیانٍ للصعید، وما يفعله فيه، وصفة تيممه به، ولم يزد
على قوله: ((عليك بالصعيد)).
هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غيرَ عالم بكيفية التيمم من
صفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمالُ بيانه من غير أن يُنقل البيان
خلافُ ما دلّ عليه ظاهرُ اللفظ.
الحادية والعشرون: فيه الاكتفاء في البيان للأحكام الشرعية بما
(١) يعني قوله: ((عليك بالصعيد)).
٥٤٢

يحصل به المقصود من الإفهام دون تعیین ما هو صريح في البيان غير
محتمل لشيء آخر، لقوله: ((عليك بالصَّعيد)).
الثانية والعشرون: فيه دليل على اعتبار ما دلَّت عليه القرائنُ من
فهم المقصود من العام أو المطلق، إذا اقتضت القرائنُ تخصيصاً أو
تقييداً، فإنَّ قولَه التَّهِ: ((عليكَ بالصَّعيدِ، فإنَّه يَكْفِيكَ))، لا بد أن
يُفهمَ منه: يكفيك في هذه الحالة، أو في مثل هذه الحالة،
ولا يوجد منه إطلاق الكفاية، بل يتقيد بما يوجد فيه الشرط، أو الركن
في التيمم.
الثالثة والعشرون: فیه تصریح بتیمم الجنب، وقد ذُكِر فيه خلافٌ
قديم لبعض الصحابة، واختلف في النقل عنه(١)، وسيأتي ذلك في
التيمم إن شاء الله.
(١) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٩/ ٢٧٠): وأجمع علماء الأمصار
بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب - فيما علمت -: أن التيمم
بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر، وسواء كان جنباً أو
على غير وضوء لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله
ابن مسعود يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء، ولا يستبيح بالتيمم صلاة؛
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ ﴾ [المائدة: ٦]، ولقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا
إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وذهبا على أن الجنب لم يدخل في
المعنى المراد بقوله: ﴿وَإِن كُنُم ◌َّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ الآية إلى قوله:
﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ثم قال: وهذا معروف مشهور عند
أهل العلم عن ابن مسعود وعمر.
٥٤٣

الرابعة والعشرون: في قوله: ((يكفيك)) دليل على أن المتيممَ في
مثل هذه الحالة - أعني عدم الماء في السفر - لا يلزمه القضاء؛ لظاهر
قوله الكلي: ((يكفيك))، ودلالة الكفاية على عدم وجوب شيء آخر،
وإن احتمل أنه يكفيه في حكم الأداء دون حكم القضاء، فهو تقييدٌ
على خلاف ظاهر الإطلاق.
الخامسة والعشرون: فيه الجريان على سنة العادة التي أجراها الله
تعالى على خلقه، وعدمُ التوقف لأجل انخِراقها، وأن ذلك غيرُ
منعيٌّ، ولا ناقصُ التوكُلِ والتوحيد.
وهذا يحرِّكُ نظراً كثيراً في مسائلِ التوكلِ والانتصاب، وما ينافي
التوكلَ في المباشرات للأسباب، وما لا ينافيه، وله موضع آخر، إلا
أن الذي يحتاج إليه هاهنا هو أن مثلَ هذا السببِ غيرُ منافٍ.
السادسة والعشرون: قد خلا الصحابيان بها في هذه المدة التي
سألاها وأنيا بها، فهو دليل على جواز مثل هذا؛ إما مطلقاً، أو مقيداً
إن قام دليلٌ على الامتناع في غير هذه الحالة.
السابعة والعشرون: نقل السَّفاقسي عن أبي عبد الملك أنه قال:
أُخِذَتْ كُرهاً؛ لأنها كانت حَرْباً، فَمَنَّ النبيُّ وَّهِ، وأطلَقها ببعيرها
ومائها .
الثامنة والعشرون: فإذا حُمل على ذلك، توجَّه سؤال، وهو أن
يقال: إن الاستيلاءَ بمجرَّده رِقُّ النساء والصبيان، وإذا كان الاستيلاء
٥٤٤

موجباً لذلك، فقد دخلت في الملك، ويسأل عن إطلاقها؛ إما من غير
استئذان من أخذها، وإما مطلقاً.
ويطلب الجواب عنه؛ فإما أن يقال: إن هذا الاستيلاء ليس
الاستيلاء المتملك للنساء، أو يشترطُ في التملك قصدُه، أو غير ذلك
مما ينظر فيه؛ للتصرف في مائها من غير إذن؛ إما لإباحته من حيث
كونُها حرباً على ما تقدم، أو من جهة أخرى أشرنا إليها، أو لعلم
النبيِّ ◌َّ بما وقع وقوله: ((ما رَزَأناك من مَائِكِ شيئاً»، أو لما نذكره في
المسألة بعدها.
التاسعة والعشرون: عن بعضهم: أنه أُخِذَ منه جوازُ أخذِ أموال
الناس عند الضرورة بثمن إن كان له ثمن.
فأما أخذها فلا بأس بما قيل فيه إن تبيَّن أن الماء مملوكاً للمرأة،
وأنها معصومةُ المال، وانتفت تلك الاحتمالات التي قدمناها.
وأما قوله: بثمن إن كان له ثمن، فإن كان أخذه من إعطاء النبي ◌َّ
لها ما أعطاها، فيرد عليه أن الذي أعطاها مُتقوَّم، والفقهاء يقولون: إن
ضمانَ المتقوَّم بالفَقْد، وضمان المِثلي بالمِثْل.
فإن عدَّ الماءَ مِثلياً، أو متقوماً، فيرِدُ الإشكالُ على ما قاله بعد
تقرير القاعدة التي يقولها الفقهاء من ضمان المثلي بالمثل والمتقوم
بالتقويم(١)، [و] ينعكس الحال إلى ضد ما قال؛ وهو أن المأخوذ من
(١) (ت)): ((بالتقديم)).
٥٤٥

المال للضرورة لا يجب العوض عنه (١)، إذ التعويض بما ليس بعوض
ليس بتعويض، هذا بعد تقرير تصحيح أخذ الحكم من أخذه - التعليقات : -
للماء كما ذكره.
الثلاثون: فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ومعجزة من
المعجزات له وَيه بتكثير الماء القليل إلى حدٍّ لا تقتضيه العادةُ.
الحادية والثلاثون: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان
على غيره من مصلحة الطهارة بالماء، من قوله: وكان آخر ذلك
أن أعطى الذي أصابته الجنابةُ إناءً من ماء، فقال: ((اذهب فأَفرِغْهُ
علیك)).
وهذا أمر محقق؛ أعني: أنه يؤخذ منه أن هذه المصلحة مقدمةٌ
على تلك المصلحة، بسبب تقديم النبيِّ وَّيقوم الاستقاء للإنسان والحيوان
على إعطاء الجنب لطهارته.
وأما أنه يؤخذ منه جواز التيمم مع وجود الماء لحاجة العطش،
ففیه نظرٌ يحتاج إلى تأمل.
الثانية والثلاثون: فيه جواز التوكيد بالإيمان لما يحتاج إليه في
ذلك، وإن لم تَدْعُ إليه الضرورةُ أو السؤال.
(١) إلى هنا نقله الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٤٥٤) عن المؤلف رحمه الله، وقد
أغفل الحافظُ ذكرَ المؤلف فيما تَعقب به ما نقَل عن بعضهم. وهذا يؤيد
ما كنت قد ذكرته من أن الحافظ رحمه الله یغفل ۔ أحیاناً ۔ ذکر ابن دقيق
وغيره في نقله، فيظن المطالع أن الكلام للحافظ، والأمر خلاف ذلك.
٥٤٦

الثالثة والثلاثون: قال السَّفاقسي: وقوله: وإنه ليخيَّل إلينا أنها
أشد ملاءة: يريد أن فيها من الماء فيما يظهر لنا أكثر مما كان، وذلك
أن الملاءةَ ما يأخذه [الإناء] إذا امتلأ .
الرابعة والثلاثون: إذا كان ما أعطاه النبيُّ وَّ و ليس على سبيل
العِوَض على نقيض قاعدة الفقهاء، فهو من باب الإفضال والإنعام، أو
من باب مقابلة حبسِها عن أهلها بالإحسان الذي يقوم مقامَ ما فاتها من
مقصودها ببلوغ أهلها على حسب ما كانت عليه من السرعة.
الخامسة والثلاثون: يقتضي إطلاقَ لفظِ الطعام على غير
الحنطة؛ لأنه لم يذكر إلا عجوة ودَقِيقة وسَوِيقة، وقد وجد في
الأحاديث ما يقتضي تخصيصَ لفظ الطعام بالحنطة، حتى اعتمد ذلك
بعضُهم في بعض الأحكام.
وقال بعضُهم: إذا قيل أكره السؤال في سوق الطعام، فإنه
لا يفهم منه إلا سوق الحنطة، أو كما قال(١).
ويحتمل أن يكون قوله: حتى جمعوا لها طعاماً؛ أي: انتهى
جمعهم إلى أن جمعوا لها طعاماً؛ أي: حنطة، تنقّلاً من الأدنى إلى
الأعلى، والله أعلم.
السادسة والثلاثون: يمكن أن يجعل أصلاً في جواز الأخذ من
الجماعة للفقراء، ولمن يقتضي حالُه الإعطاءَ بناءً على ظاهر الحال من
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٥٠).
٥٤٧

رضا المطلوب منهم، لا سيَّما بأمر النبيِّ وَّر، وأما إذا علم من حال
المطلوب منهم الضُّنة والشّح، فإنما يؤخذ منهم حيث يتعين ذلك،
ويجب عليهم إعطاؤه، وليس هذا في هذه الصورة.
السابعة والثلاثون: وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الهيئات
أو الإباحات من غير لفظ من المعطي والآخذ؛ لعدم ذكر شيء من
ذلك في الحديث، مع أن الظاهرَ عدمُ وقوعِه، أخذاً مما يدل عليه
اللفظ فقط .
الثامنة والثلاثون: قوله العليهي: ((ما رزأناكِ منْ مَائِكِ شیئاً»، إن
أخذ على ظاهره، كان جميع ما أخذ مما زاده الله تعالى، وأوجده من
غَيبه، لم يختلط به شيء من مائها، وذلك أبدع وأغرب في المعجزة؛
لاختلاط الماءین .
ويحتمل أن يكون المراد: ما رزأناك من مقدار مائك شيئاً، أو
ما يقرُب من هذا.
التاسعة والثلاثون: قوله: ((ولكنَّ اللهَ هو الذي سقَانا)) يحتمل أن
يكون معناه: جعل لنا سُقْيا، وذلك يطابقُ قولَه التَّ: ((تعلمينَ أنَّا لم
نرزاكِ من مَائِكِ شيئاً، ولكنَّ اللهَ هو الذي أسقانا)»؛ أي: لم يكن ماؤك
من جهتك سقيا لنا، ولا جَعلتِ لنا سقيا، ولكنَّ اللهَ هو الذي جعل لنا
السُّقيا، ويحتمل أن يكون ذلك إلى نفس السقي.
الأربعون: اللفظ الذي ذكرته لأهلها ليس لفظ إيمان، بل هو في
٥٤٨

نفسه كفر، وإنما حصل الإيمان بعد ذلك، فيكون تجنب الصحابة
لصِرمها(١) ليس لأجل عصمتهم بالإيمان، ولعله لأجل الاستئلاف
والترغيب فيه، وقد جزم به بعضهم؛ أعني: أن قعودَهم عن قومها كان
استئلافاً لهم.
الحادية والأربعون: المقتضى لإيراد هذا الحديث في باب
الآنية، أنه استدلَّ بالوضوء من مَزَادة المشرك: على أن أواني
المشركين محمولةٌ على الأصل في الطهارة، وأنه يجوز استعمالها
لها (٢)، ولمَّا مرَّ في حديث أبي ثعلبة ما يقتضي الحكمَ بنجاستها
ظاهراً، وهو الأمر بغسلها قبل الأكلِ فيها، أتبعه بما يتمسك به من
يقول بخلاف هذا المذهب.
الثانية والأربعون: ((وأَطْلقَ العَزَالِي، وسقى من سقى، واستسقى
من شاء)»: يحتمل أن يكون الاستسقاء من فم العزالي عندما يخرج
منها الماء، ويحتمل أن يكون ذلك بعد اجتماع الماء في شيء آخر
بعد خروجه من العزالي، إلا أن هذا الاحتمال الثاني لا دليل عليه،
لا من جهة الدلالة، ولا من جهة القرينة، والأصل عدمه، فهو
مرجوح في الاعتبار، وستأتي فائدةُ كلِّ واحدٍ من الاحتمالين، والله
أعلم.
(١) أي: جماعتها.
(٢) أي: استعمال آنية المشركين للطهارة.
٥٤٩

الثالثة والأربعون: ويَرِدُ على الاستدلال بالحديث على طهارة
إناء المشرك، أن يقال: يحتمل أن يكون هذا الماءُ كثيراً، لا تؤثر
فيه نجاسةُ الإناء، فلا يعارضُ الحديثَ المتقدمَ الدالَّ على نجاسة
أواني المشركين، وهذا الاختلاف بحسب اختلاف المذاهب في
حد الكثرة والقلة، فَمَنْ حَدَّ الكثرةَ بالقُلَّتين، والقليلَ بما دونَها، فيبعد
على مذهبه أن يكون الماء كثيراً؛ لأنه إذا حَدَّ القلتين بخمس مئة
رطل مثلاً، اقتضى أن يكون البعير قد حمل ألف رطل مع المرأة
والمَزَادتین.
وقد قالوا في تقدير القلتين: إنه مأخوذ من استقلال البعير، وأن
بعير العرب يكون ضعيفاً لا يحتمل أكثر من مئةٍ وستينَ مناً(١).
وإنما قلنا: إنه يقتضي على هذا المذهب أن يكون البعير قد
حمل ألف رطل؛ لأن هذا الاستقاء كما قدمنا يحتمل أن يكون من
فم العَزْلاَء، ويحتمل أن يكون بعد خروجه عنها واجتماعه في إناء
واحد، وقد ذكرنا أن هذا الاحتمال مرجوح لا دليل عليه، فيحتمل
على الأول، وهو أن يكون الشرب والاستقاء من الماء النازل من كل
واحدة واحدة(٢) من العزلاوين، فلا يكون كثيراً إلا إذا كان في كل
مَزَادة خمسُ مئةٍ رطلٍ، ويلزم أن يكون البعير قد حَمَل ألفَ رطل مع
(١) المَنُّ: كيل معروف. انظر: ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (مادة: م ن ن).
(٢) أي: من كل واحدة على حدة.
٥٥٠

المرأة والمَزادتین، وذلك بعید.
وأما من لا يرى تحديدَ الكثير بالمقدار المعين، ويعتقد فيما دونه
أنه يكون كثيراً، فيجوز على هذا المذهب أن يكون الماء كثيراً،
ولا يتم الاحتجاجُ على طهارة إناء المشركين.
الرابعة والأربعون: وقد ظهر لك من الاحتمالين أنه يتوقف
الاستدلال أيضاً أن يكون الاستقاء من العزلاوين، لا من ما يجتمع بعد
خروجه عنها؛ لأنه لو كان كذلك أمكن أن يكون المجتمع كثيراً، فلا
يكون الحديثُ حينئذ دالاً على الوضوء من ماء قليل في إناء مشرك.
الخامسة والأربعون: ويتوقف الاستدلالُ بالحديث على طهارة
إناء المشرك أيضاً، على أن الماء القليل ينجُس بإيصال النجاسة؛ لأنه
إن لم يثبت ذلك، لم تلزم من جواز استعمال الماء من آنيتهم طهارةٌ
الإناء؛ لجواز أن يكون الماءُ طاهراً، والإناءُ نجساً على هذا التقدير.
السادسة والأربعون: هذا الذي ذكرناه فيما تقدم من توقف
الدلالة على قلة الماء؛ أعني: ماء المَزَادة، وتأثر الماء القليل بوقوع
النجاسة فيه، وأن المزادة لم تبلغ قلتين، وأن كان الاستقاء من فم
العزلاء، يقتضي إثباتَ كل واحد من هذه الأمور، وترجيحه على
ما يعارضه من وجوه :
أحدها: أن القليل ما نقص عن القلتين.
وثانيها: أن القليل يتأثر بإيصال النجاسة به.
٥٥١

وثالثها: أن المزادة كانت ناقصةً عن القلتين.
ورابعها: أن الاستقاء لم يكن بعد اجتماع قلتين.
فمتى ثبت كلُّ واحد من هذه الأمور، لزم طهارة إناء المشرك
جزماً؛ لأنه إذا ثبت أن القليل ما نقص عن القلتين، وثبت أن ذلك
الماء ناقصٌ عنهما بما ذكرناه من الاستبعاد، وثبت تنجُّسُ الماء القليل
بإيصال النجاسة به، وثبت أن الاستقاء قبل اجتماع قلتين، ثبت طهارة
إناء المشرك جزماً؛ لأنه لو لم يكن طاهراً لثبت مجموعٌ مركبٌ من
نجاسة آنيتهم، وقلة الماء عن الحد المعتبر، وبتنجس القليل بإيصال
النجاسة به، والوضوء به مع وصف القلة.
فلو ثبت نجاسة آنيتهم حينئذ لم يجُزِ الوضوءُ بماء المزادة قطعاً،
لكن جاز بالحديث؛ أعني: حديث عمران بن الحصين هذا، فينتفي
هذا المجموع، وانتفاؤه ليس بانتفاء أحد هذه الأمور الأول؛ لأنَّاً نتكلم
على تقدير ثبوتها، فانتفاؤه بانتفاء نجاسة آنيتهم، فتكون طاهرة.
فأما إثبات نقصان ماء المزادة عن القلتين، فقد ذكرنا ما فيه.
وأما إثبات أن القلتين هو القدرُ المعتبر في دفع النجاسة عن
الماء، فبحدیث القلتين.
وأما إثبات نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه، فبمفهوم
حدیث القلتين، أو بغيره.
وأما إثبات الوضوء به قبل كثرته، فبما ذكرنا من مرجوحيّة ذلك
٥٥٢

الاحتمال؛ أعني: الاجتماع.
وكل واحد من هذه الأمور يحتمل المنازعةَ بما يُعارِضُها،
فيحتاج إلى ترجيح ما يدَّعيه المستدلُّ من إثبات كل واحد منها(١) على
ما يعارضه.
السابعة والأربعون: فأما تحديد الكثير بالقلتين، وتحديد القلتين
بالقدر المذكور فيهما، إما خمس مئة رطل، أو غيره، فطريق
الاعتراض فيه أن يقول الخصم: لو كان ما ذكرتموه من المقدار في
القلتين معتبراً لما جاز الوضوءُ بماء المَزَادة، لكن جاز، فلا يكون
ما ذكرتموه من المقدار معتبراً.
بيان الملازمة: أنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان
ماء هذه المزادة ماء قليلاً ملابساً للنجاسة، ولو كان ماء قليلاً ملابساً
للنجاسة لم يجز الوضوء منه، فلو كان ما ذكرتموه معتبراً، لما جاز
الوضوء من ماء المزادة.
وإنما قلنا: إنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان ماء
المزادة قليلاً لما قررتموه؛ ولأنه لا يتمُّ الاستدلالُ به على طهارة إناء
المشرك، إلا إذا كان الماء قليلاً.
وأما أنه يكون ملابساً للنجاسة، فلأنه ملابس لآنية المشرك،
وآنية المشرك نجسة لحديث أبي ثعلبة، فثبت أنه لو كان ما ذكرتموه
(١) ((ت)): ((منهما)).
٥٥٣

من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً ملابساً للنجاسة، لم يجز
الوضوء به؛ إما إلزاماً للمُناظِر على مقتضى مذهبه، وإما بالدليل الدال
على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه.
وحاصل هذا الوجه: إثباتُ تأثّرِ الماء القليل بالنجاسة، وإثباتُ
نجاسة إناء المشرك، وأن ماء المزادة لم يبلغ قلتين، ويلزمه ما ذكر من
عدم التحدید بالقلتين.
وتقع المعارضة هاهنا بين الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك،
والدليل الدال على تأثر الماء القليل بالنجاسة، والدليل الدال على قلة
ذلك الماء، وأن الوضوء به كان مع قلته، وبين الدليل الدال على
اعتبار القلتين.
الثامنة والأربعون: وأما من يرى أن الماء القليل لا ينجس
باتصاله بالنجاسة، فالطريق فيه أن يقول: الوضوء جائزٌ بالماء القليل
الموضوعِ في أوانيهم، والماءُ القليلُ الموضوعُ في أوانيهم متصلٌ
بالنجاسة، والوضوء جائزٌ بالماءِ القليلِ المتصل بالنجاسة.
أما المقدمة، وهي: أن الوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في
أوانيهم، فإنه جاز بماء المزادة لحديث عمران، وماءُ المَزَادة ماءٌ قليل
لِمَا تقدَّم، وهو موضوع في آنيتهم، فالوضوء جائز بالماء القليل
الموضوع في آنیتهم.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الماء القليل الموضوع في آنيتهم
٥٥٤

متصل بالنجاسة، فلأنَّ أوانيهم نجسةٌ بحديث أبي ثعلبة، والماء متصل
بها، فالماء القليل الموضوع في أوانيهم متصل بالنجاسة.
وحاصل هذا: ترجيح الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك مع
إثبات قلة الماء، على الدليل الدال على تنجيس الماء القليل بإيصال
النجاسة به .
واعلم أن هذا لا يتم الاستدلالُ به للمالكي الذي لا يرى تنجيسَ
الماء القليل باتصاله بالنجاسة، وإن أمكن تقريرُه، فبطريق الإلزام
لبعض المخالفین له.
أمَّا أنه لا يتأتَّى له الاستدلال بالحديث على ذلك، فلأنَّ
الاستدلالَ به موقوفٌ على إثبات قلة ماء المزادة، ولا فرق بين القلة
والكثرة بالنسبة إلى الحكم والنجاسة على مذهبه، إذ لا نجاسة لقليل
الماء ولا لکثیره، فلا فائدة لتحدید القلیل حينئذ.
اللهم إلا أن يثبتَ له أن ماء المزادة انتهى إلى حد القلة،
لا يُختلف في كونه قليلاً، ويحصل الاتفاق عليه، فیتم ذلك.
لكن هذا غير ممكن، فإن للمزادة حظّاً من الكثرة عند بعض
الناس، وهم الذين يمثلون القليل بملء الإناء الصغير، فالمزادة تَسعُ
ما هو أكثر من ذلك، فإذا رأوا أن ذلك المقدار ینجس، وأراد الاستدلال
علیهم بحديث المزادة، أجابوه بأنه کثیرٌ عندنا.
وأما بطريق الإلزام فَبِأَنْ يلزمَ ذلك من يَحُدّ القليلَ بما دون
٥٥٥

القلتين، أو من يرى ما هو أكثر من ذلك قليلاً؛ كمن حدَّ ذلك بما
يتحرك أحدُ طرفيه عند تحريك الطرف الآخر، وهذا - وإن وقع(١) وتم -
فإلزامٌ لا طريقٌ لإثبات المذهب في نفس الأمر عند التحقيق، والله أعلم.
التاسعة والأربعون: القول بأن القليل محدودٌ بما دون القلتين،
وأن آنية المشركين نجسة، وأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه،
يعسُر بعده الجواب عن حديث عمران بن الحصين هذا، ولا يتجه فيه إلا
المنع لکون هذا الماء کان دون القلتين.
وارتكاب المعاندة فیما ذكرناه من الاستبعاد، أو يُدَّعى أن حديث
أبي ثعلبة في تنجيس آنية المشركين متأخر عن هذا الحديث، ويقول
بامتناع الوضوء من مثل هذه الآنية أن يأتيَ له دليل على التأخر.
الخمسون: وأما من يرى أن الماء القليل ينجس بالنجاسة من غير
تغيُّر، ولا يحد القليل بما دون القلتين، ويمثله بالإناء الصغير، فلا
يتأتى أن يحتج عليه من هذا الحديث على أن الماء القليل
لا ينجس بالنجاسة؛ لأنه يجوز أن يكون ماء المزادة كثيراً لا يتأثر
بالنجاسة على مقتضى مذهبه؛ لأن الاستبعاد الذي ذكرناه في بلوغ ماء
المزادة قلتين ينتفي على مقتضى مذهبه.
الحادية والخمسون: القائلون بالقلتين اختلفوا في مقدارهما،
فيمكن الاستدلالُ به - بعد القول بالرجوع إلى القلتين - على إبطال
(١) (ت): ((يقع)).
٥٥٦

بعض تلك المذاهب في التقدير بماء کثیر یُجزمُ ببطلانه؛ کمن يقدرُهما
بألف رطل، فيكون مجموعُ ما حمله البعير ألفي رطل مع المرأة،
وذلك زائدٌ في البُعْد، وهذا كلَّه بعد القول بنجاسة إناء المشرك، والله
تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٧

الحديث السادس
وَعَنْ جَابِرٍ بن عَبْدِ اللَّهِ رَصِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ، أَوْ (١) أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ،
فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ
فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، [فَإِنَّ الشَّيَاطِيْنَ
لاَ تَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ](٢)، وَخَمِّرُوا
آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا(٣) شَيْئاً، وَأَطْفِئُوا
(١) في المطبوع من ((الإلمام)) (١ / ٥٦)، وكذا ما رأيته بخط ابن عبد الهادي
لكتاب ((الإلمام)) (ق٤ / أ): ((إذا)) بدل ((أو)). وقد أشار ابن عبد الهادي في
هامش نسخته: بـ ((أو)) وكتب فوقها (خ) إشارة إلى أنها في نسخة كذا.
وكذا أثبت المؤلف رحمه الله ((أو)) في ((الإمام)) (١ / ٣٢٩)، وهكذا هو في
المطبوع من ((صحيح البخاري))، حيث اللفظ له.
(٢) ما بين معكوفتين سقط من ((ت))، والمثبت من المراجع المشار إليها في
التخريج، ومما سيورده المؤلف بعد.
(٣) (ت)): ((عليه))، والمثبت من المطبوع من ((الإمام)) للمؤلف (١ / ٣٢٩)،
و((الإلمام)) (١/ ٥٦)، والنسخة الخطية لابن عبد الهادي (للإلمام))
(ق ٤ / ب)، وكذا مراجع التخريج.
٥٥٩

مَصَابِيحَكُمْ)، متَّفق عليه(١).
(١) كذا في ((ت)) قوله: ((متفق عليه). وفي المطبوع من ((الإلمام)) (١ / ٥٦)،
والنسخة الخطية لابن عبد الهادي (ق ٤/ ب). رواه البخاري. قلت:
ولعله مراد المؤلف؛ لما سيأتي عنده في الوجه الثالث، وقد ذكر في
((الإمام)» (١/ ٣٢٩) هذا الحديث فقال: روى البخاري ... ، فذكره.
تخريج الحديث:
رواه البخاري (٥٣٠٠)، كتاب: الأشربة، باب: تغطية الإناء، والسياق
له، و(٣١٠٦)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده،
و(٣١٢٨)، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومسلم
(٢٠١٢ / ٩٧)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، وأبو داود
(٣٧٣١)، كتاب: الأشربة، باب: في إيكاء الآنية، من حديث ابن
جریج، عن عطاء، عن جابر، به.
ورواه البخاري (٣١٣٨)، كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب
فواسق يقتلن في الحرم، و(٥٩٣٧)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك
النار في البيت عند النوم، وأبو داود (٣٧٣٣)، كتاب: الأشربة، باب:
في إيكاء الآنية، والترمذي (٢٨٥٧)، كتاب: الأدب، باب: (٧٤)، من
حديث كثير بن شنظير، عن عطاء، عن جابر، به.
ورواه البخاري (٣١٢٨)، كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم
يتبع بها شعف الجبال، ومسلم (٢٠١٢)، (٣/ ١٥٩٥)، كتاب:
الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء، من حديث ابن جريج، عن عمرو بن
دينار، عن جابر، به.
ورواه البخاري (٥٣٠١)، كتاب: الأشربة، باب: تغطية الإناء،
و(٥٩٣٨)، كتاب: الاستئذان، باب: غلق الأبواب بالليل، من حديث
همام، عن عطاء، عن جابر، به.
=
٥٦٠