Indexed OCR Text

Pages 321-340

هاهنا أولى؛ لعدم انطلاق اسم الإناء حقيقةً على بعضه، فإذاً ليس هو إناءَ
ذهبٍ حقيقةً، بل بعضَ إناء، [فلا يبعد في هذه المسألة وفي التي تقدمت
من تغشية إناء نحاس بذهب أو فضة مستتراً أن يمنع ويستند فيه إلى
التنكير في ((شرب بالفضة))](١).
الرابعة والسبعون بعد الثلاث مئة: الظاهريةُ على أصلهم في
الوقوفِ على المنصوص، فلا يُعَدُّون الحكمَ إلى غير الشرب والأكل،
وغيرهم عَدَّاه إلى وجوه الاستعمال؛ كالوضوءِ بآنيتهما، واستعمالِ ماء
الورد والبخورِ من الآنية المذكورة.
وادَّعى بعضُ المُعَدِّين إلى غير المنصوص عليه: أن النهي عن
الشرب للتنبيه على سائر المنافع، فإنَّ ما سوى منفعةِ الشرب دونَ
منفعةِ الشرب، وقلما يُثَّخذ لأجلها إناءُ الذهب والفضة، فإذا حرم
الشرب منها، فسائر وجوهِ الانتفاع أولى بالتحريم.
الخامسة والسبعون بعد الثلاث مئة: إذا صَبَّ من إناء الفضة أو
الذهب، وشَرِبَ من غير أن يلاقيَ فَمُه الإناءَ؛ من اعتبرَ معنى
الاستعمال فلا تردّد في امتناعه على مذهبه؛ لأنه مستعملٌ لإناء الذهب
والفضة.
ومن اعتبرَ اللفظَ؛ فأما في لفظ هذه الرواية، وهو قولُه: ((وعن
شربٍ بالفضة)) فظاهرٌ أيضاً تحريمُهُ، إذا حملنا الباء على باء الاستعانة
(١) زيادة من ((ت)).
٣٢١

والآلة؛ لأنه قد شرب بها.
وأما على روايةٍ من روى: ((عن آنية الفضة))، فمن ذهبَ في مثل
هذا إلى العموم في المقتضى؛ لأنّه أقربُ إلى الحقيقة، دخلَ تحته
أيضاً هذا النوع، بل سائرُ وجوه الانتفاع.
السادسة والسبعون بعد الثلاث مئة: قد تقدَّم تفسيرُ المیاثر،
وحكينا الأقوالَ في معناها، وتلك الأقوالُ يرجع بعضها إلى النهى عن
الحرير، كمن فسَّرها بأغشية السُّروج من الحرير، ومن فسَّرها بسروج
من الديباج، وبعضها يرجع إلى ما هو أعمُّ، كما جاء: ((المياثر
الحمر)) (١)، وبعضُها إلى جلودِ السباع، والأقربُ أنها تدل على ما هو
أعمُّ من الحرير؛ لأن في حديث آخر: ((مَياثر الأَرْجُوان))(٢)، وذلك
يدلُّ على إطلاق اللفظ على ما هو من الأُرجوان، [وأما تخصيصها؛
فقد](٣) اختلفتِ الروايةُ [في المياثر](٤)؛ ففي الراوية التي قدمناها
الإطلاقُ أو العموم، وفي روايةٍ عن أشعثَ عند البخاري بهذا الإسناد
(١) رواه البخاري (٥٥٠٠)، كتاب: اللباس، باب: لبس القسي، من حديث
البراء ه قال: نهانا النبي وَ﴿ عن المياثر الحمر، والقسي.
(٢) رواه أبو داود (٤٠٥٠)، كتاب: اللباس، باب: من كرهه، والنسائي
(٥١٨٤)، كتاب: الزينة، باب: حديث عبيدة، من حديث علي
أنه قال: نهى عن مياثر الأرجوان. وإسناده صحيحُ كما قال الحافظ في
((الفتح)) (١٠ / ٣٠٧).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٣٢٢

بعينه: ((ومَيَاثر الحُمُر)) (١)، وأما تخصيصُها بالحرير، أو [به و] (٢)
بالأُرجوان، فيُحتمل أن يكون لعادةٍ جرتْ فيهما في ذلك الوقت،
فانصرف النهيُ إليهما، وتكونُ الألف واللام للعهد، والله أعلم.
السابعة والسبعون بعد الثلاث مئة: فإنْ كان المرادُ بها مياثرَ (٣)
الحرير، فالتحريمُ في ذلك ظاهر؛ لما سيأتي عن النهي عن لُبس
الحرير، وإن كان من الأرجوان، أو من الأحمر الذي هو أعمُّ من
الحرير، فيجب على المذاهبِ المشهورة عن العلماء أن يكونَ النهيُ
على الكراهة [فيما عدا الحرير](٤)؛ لاعتقادهم الحلَّ فيها.
الثامنة والسبعون بعد الثلاث مئة: إذا حُملت على جلودِ السِّباع
كما وردَ في [بعض](٥) تفسير هذه اللفظة(٦)، فلا تعلّقَ له بعلةِ تحريم
لُبس الحرير، وقد يتعلق بعلة النجاسة، فيُستدل به على أن الذَّكاةَ
لا تَعَمَلُ في جلود ما لا يُؤكل لحمُه، وتبقى على نجاستها(٧).
وقد استدل بالنهي عن افتراش جلود النَّمور ونحوها (٨) على هذه
(١) تقدم تخريجه قريباً، إلا أنه قال: ((عن المياثر الحمر)).
(٢)
زيادة من (ت)) .
(٣) في الأصل: ((المياثر))، والمثبت من ((ت).
(٤)
سقط من ((ت)) .
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) انظر: ((صحيح البخاري)) (٥/ ٢١٩٥).
(٧) ((ت)): ((نجاسته)).
(٨) ((ت)): ((ونحوه)) .
٣٢٣

المسألة، فعلى هذا يدخلُ النهيُ عن المياثر إذا فُسِّرت بهذا (١) التفسير
في هذا الباب، ويُستدل به عليه على النحو الذي حكيناه، إلا أنه
استدلالٌ على تقديرٍ تفسيرِ المياثر بهذا التفسير في هذا الحديث(٢)،
وقد ذكرنا أن الأقربَ تفسيرُها بما هو أعمُّ من هذا.
التاسعة والسبعون بعد الثلاث مئة: فإن صحَّ هذا الاستدلالُ
على نجاسة جلدٍ ما لا يؤكل لحمه، وجعلَ ذلك علة النهي، فيتعدَّى
منه إلى مسألةِ استعمالِ الثوب النجسِ لغير الصلاةِ.
الثمانون بعد الثلاث مئة: النهيُ عن المياثر إذا حملناه على
الحريرِ يدل على تحريم ما ظاهرُه محرَّمُ اللُّبسِ إن (٣) كان بِطَانْتُهُ وحَشْؤُه
من غيره، وأنه لا يجعلُ اختلاطَه به على هذا الوجه كاختلاطِ الحرير
بغيره نسجاً، فإن مياثرَ السروج لابد فيها من الحشو، وأنْ تتصلَ بما
ليس بحرير غالباً، ولو فرضناه ليس كذلك نادراً، لكان لفظُ
المياثر يدخلُ تحتَه هذه(٤) الصورة؛ أعني: ما إذا كانت الظهارة من
حرير، والحشوُ والبطانة من غيره، فيدخلُ تحت النهي، فيحصل
ما ذكرناه من الاستدلال.
(١) ((ت)): ((هذا)).
(٢) ((ت): ((على تقدير تفسير المياثر بجلود السباع)).
(٣)
(ت)): ((وإن)).
(٤) ((ت)): ((وهذه)).
٣٢٤

الحادية والثمانون بعد الثلاث مئة: ظاهرُ النهي عن لبس الحرير
التحريمُ، وقول الشافعي - -: وأكره لُبسَ الديباج(١)، محمولٌ
على أن المراد بالكراهة التحريمُ، والمتقدِّمون يطلقون مثلَ هذا
[اللفظِ] (٢) ويريدون التحريم.
الثانية والثمانون بعد الثلاث مئة: هذا التحريم متعلق بالرجال،
وهو كالمثَّفق عليه؛ لكثرته وشهرته، وعن ((الاستذكار)): أنه
لا خلافَ: أن ما كان سَداه ولُحْمتُه حريراً أنه لا يجوز للرجال
لباسُه(٣).
وقد تقدم حكايةُ كلام القاضي في مسألة الخاتم (٤).
الثالثة والثمانون بعد الثلاث مئة: المشهورُ المستفيضُ قولاً
وفعلاً: لباسُ النساءِ الحريرَ، وفيه خلافٌ(٥) قديم، فقد ثبتَ عن ابن
الزُّبير - رضي الله عنهما - أنه قال: ((ألا لا تُلْبِسُوا نساءكم الحريرَ))،
(١) الذي وجدته في ((الأم)) (١ / ٢٢١) قول الإمام الشافعي رحمه الله: ولو
توقَّى المحارب أن يلبس ديياجاً أو قزاً ظاهراً كان أحب إليَّ، وإِن لبسه
لیحصنه، فلا بأس به إن شاء الله تعالى؛ لأنه قد يرخص له في الحرب،
فيما يحظر عليه في غيره.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٨/ ٣١٨).
(٤) في المسألة الثالثة والخمسين بعد الثلاث مئة.
(٥) ((ت): ((قول)).
٣٢٥

أخرجه مسلم (١).
وروى النسائي من حديث يوسفَ بنِ مَاهِك: أن امرأةً سألتِ ابنَ
عمرَ - رضي الله عنهما - عن الحرير فقال لها ابن عمر: مَنْ لَبِسَهُ في
الدُّنيا لم يلبَسْه في الآخرة(٢).
وروى النسائيُّ أيضاً من حديثٍ عمرو بنِ الحارثِ: أن أبا عُشانة
المَعَافِرِيَّ(٣) حدَّثه: أنه سمع عقبةَ بنَ عامر يخبر: أن رسول الله وَله
كان يمنعُ أهلَه الحليةَ والحريرَ، ويقول: إنْ كنتُمْ تُحبونَ حِلْيَةَ الجنةِ
وحريرَها فلا تلبسوها (٤) في الدُّنيا(٥).
وللجواز دلائلُ منها: ما ثبتَ في الصحيح من حديثٍ
زيدٍ بن وهبٍ، عن علي بن أبي طالب - ◌َ﴿ - قال: كَساه
رسولُ اللهِ وَِّ حُلَّةٌ سُيَرَاءَ، فخرجْتُ فيها، فرأيتُ الغضبَ في وجهِهِ،
(١) رواه مسلم (٢٠٦٩)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء
الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٥٩٥)، والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (٤ / ٢٥١).
(٣) في الأصل: ((أنَّ أبا عشانة بن عامر))، وقد سقط من ((ت)) و(ب)) قوله: ((بن
عامر))، ولعل المراد: ((المعافري)) كما أثبت من مراجع التخريج؛ لأن أبا
عشانة اسمه: حي بن یومن، کما أفاده ابن حبان في ((صحیحه)).
(٤) في الأصل: ((تلبسوه))، والمثبت من ((ت)) و(ب)).
(٥) رواه النسائي (٥١٣٦)، كتاب: الزينة، باب: الكراهية للنساء في إظهار
الحلي والذهب، والإمام أحمد في («المسند» (٤ / ١٤٥)، وابن حبان في
((صحيحه)) (٥٤٨٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٤٠٣).
٣٢٦

قال: فشقَقتُها بين نسائي. وهو متَّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم(١).
وعن أبي صالح الحنفيٌّ، عن علي: أن أُكَيْدِرَ دُومةَ أهدى إلى
النبيِّ نَّهِ ثوبَ حريرٍ، فأعطاه عليّاً - ﴿ه - فقال: شقَقْتُه خُمُراً بين
الفواطِمِ، وفي رواية: بين النسوة، أخرجه مسلم(٢).
واشتهر في هذا الاستدلال بما (٣) جاء في الذهب والحرير من
تحريمه على الرجال، وحلّه للنساء.
ومنه: ما روى سعيدُ بنُ أبي هند، عن أبي موسى الأشعري: أن
رسول الله وَّ﴿ قال: ((إنَّ اللهَ أحلَّ لإناثِ أمتي الحريرَ والذهبَ، وحرَّمَهُ
على ذكورِها))، أخرجه النسائي(٤)، واعتمده ابنُ حزم، قال: وهو أثرٌ
صحيحٌ؛ لأنَّ سعیدَ بن أبي هندٍ ثقةٌ مشهورٌ، روى عنه نافعٌ، وموسی
ابن مَيْسَرة (٥).
والذي ذكره من توثيق سعيدٍ صحيحٌ، ولكن لا يكفي ذلك في
الحكم بالصحة، بل لابد من شرط آخر، وهو الاتصالُ وعدمُ
الانقطاع، ولم يضع ابنُ حزم نظرَه عليه، ولا وجَّه - والله أعلم - فِكْرَه
(١) رواه البخاري (٢٤٧٢)، كتاب: الهبة وفضلها، باب: هدية ما يكره لبسه،
ومسلم (٢٠٧١)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء
الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٢) رواه مسلم (٢٠٧١)، (٣/ ١٦٤٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم
استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٣) ((ت)): ((ما)).
(٤) وتقدم تخريجه قريباً.
(٥) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١٠ / ٨٦).
٣٢٧

إليه (١)، وكان يلزمُه ذلك قبلَ الحكم بصحته.
وقد ذكرَ أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى الأندلسي الداني
في كتاب ((الإيماء)) عن الدَّار قطني: أن سعيدَ بن أبي هند لم يسمعْ عن (٢)
أبي موسى شيئاً (٣)، فعلى هذا يفوت شرطُ الاتصال.
واشتُهر أيضاً الاستدلالُ بما رُوي عن علي ـ ه ـ في هذا،
وهو حديثٌ رواه أبو داود من حديث يزيد بن [أبي](٤) حبيب، عن أبي
(١) في الأصل: ((عليه))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((من)).
(٣) قال الزين العراقي: لا حجة إلى إبعاد النجعة في حكايته - أي: ابن دقيق -
من كتاب غريب ومؤلف غريب، فقد ذكره ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل))،
ومن ثم ضعَّفَ ابنُ حبان الخبر وقال: معلول لا يصح.
قال الزين: وقد يجاب أنه يرتفع بالشواهد إلى درجة الصحة، كما يتأكد
المرسل بمجيئه من غير ذلك الوجه. كذا نقله المناوي في ((فيض القدير))
(٣/ ٣٨٠).
قلت: أراد الإمام ابن دقيق كلام الدارقطني، فجاء ذكر كتاب: («الإيماء)»
عرضاً لا قصداً. وقول الدار قطني: أن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي
موسى شيئاً، ذكره في ((العلل)) له (٧ / ٢٤١).
وما نقله الزين العراقي عن ابن أبي حاتم، ذكره في ((المراسيل))
(ص: ٧٥). وما نقله عن ابن حبان، ذكره في «صحيحه)) (١٢ / ٢٥٠)،
حدیث رقم (٥٤٣٤).
(٤) زيادة من ((ت)).
٣٢٨

أَفْلَح الهمداني، [عن](١) عبد الله بن زُرَير: أنه سمع علي بن أبي
طالب - به - يقول: إنَّ نبيَّ الله ◌َليِ أخذ حريراً فجعله في يمينه،
وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: ((إن هذيْنِ حرامٌ على ذكورِ
أمتي، حِلٌّ الإناثِها))(٢).
الرابعة والثمانون بعد الثلاث مئة: تكلّمَ القاضي على حديث
عبدالله بن الزبير - -: ((لا تُلبسوا نساءَكم الحريرَ ... )) الحديث،
فقال: هذا مذهب عبد الله ومن قال بقوله، يحرِّمُهُ على الرجال والنساء،
ويحمله على العموم، وقد انعقدَ الإجماعُ بعدَه من العلماء على جوازه
للنساء، وتخصيصُ تحريمِه بالذكور، وقيل: نُسخ في الرجال والنساءِ
بالإباحة لهنَّ، والجمهورُ على أنّه ليس بناسخ ولا منسوخ، وإنما هذه
أحاديثُ مجملةٌ، وحديثُ تخصيصِ الرجال بذلك مبيِّنٌ، وحملَ
بعضُهم النهيَ العام في ذلك على الكراهة لا على التحريم(٣).
قلت: هذا الكلامُ يحتاج إلى تأويل؛ فإن أراد به إثباتَ قولٍ
بالكراهة دونَ التحريم، فهذا يناقضه ما قدمه من انعقاد الإجماع بعد
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه أبو داود (٤٠٥٧)، كتاب: اللباس، باب: في الحرير للنساء،
والنسائي (٥١٤٤)، كتاب: الزينة، باب: تحريم الذهب على الرجال،
وابن ماجه (٣٥٩٥)، كتاب: اللباس، باب: لبس الحرير والذهب
للنساء، وغيرهم من طريق يزيد بن أبي حبيب، به، ولم يقل ((حل الإناثهم))
إلا ابن ماجه. وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (١ / ٥٣).
(٣) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٨٢).
٣٢٩

ابن الزبير - ومن قال بقوله من العلماء - على جوازه [للنساء](١)،
[وتخصیص تحریمە بالذكور](٢).
وإنْ أرادَ به أنه كان الحكمُ العامُّ قبل التحريم على الرجال هو
الكراهة دون التحريم، ثم انعقد الإجماعُ على التحريمِ للرجال،
والإباحةِ للنساء، فهذا يوجب الحكمَ بنسخ الكراهة في حق الرجال
إلى التحريم، وفي حقِّ النساء إلى الإباحة، والله أعلم.
الخامسة والثمانون بعد الثلاث مئة: لُبسُ الحرير، إن كان
يتناول الحريرَ المنفردَ دون(٣) المخالَطِ، فلا تخصيصَ فيه بالنسبة إلى
الرجال حيث حرُم(٤) عليهم، وإن كان يتناول الخالصَ والممزوجَ،
فما(٥) يُباح منه يكون بطريق التخصيص، وقد يُستدل على تناوله
الممزوجَ بحديث سُويد بن غَفَلة: أنَّ عمر بن الخطاب - ◌ُه - خطب
بالجابية قال: نهى رسول الله وَّهِ عن لُبْسِ الحَريرِ، إلا موضعَ [إصبعِ،
أو](٦) إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع(٧).
ووجهُ الدليل منه: الاستثناء، وهو يقتضي إخراجَ ما لولاه لدخلَ،
زيادة من «ت)) .
(١)
سقط من ((ت)).
(٢)
(٣)
((ت): ((عن)).
(٤)
((ت)): ((يحرم)).
في الأصل: ((فيما))، والمثبت من ((ت)).
(٥)
(٦)
سقط من ((ت)) .
(٧) رواه مسلم (٢٠٦٩)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء
الذهب والفضة على الرجال والنساء.
٣٣٠

فيكونُ لُبس الحرير منطلقاً على الممزوج قبل الاستثناء.
السادسة والثمانون بعد الثلاث مئة: تحريم الحرير على الرجال
يُعلَّلُ بأمرين:
أحدهما: الفخرُ والخيلاء، والثاني: أنه ثوبٌ رفاهية وزينة، وإبداء
زِيٍّ يليق بالنساء دون شَهَامةِ الرجال، وقد يكون المعنیان معتبریْن، إلا أنه
قيل: إنَّ(١) هذا القدر - أعني: المعنى الثاني - لا يقتضي التحريمَ عند
الشافعي - رحمه الله تعالى - قال (٢) في ((الأمّ)): ولا أكرهُ لباسَ اللؤلؤ إلا
للأدب، فإنه من زِيِّ النساء (٣).
قلت: ما كان مخصوصاً بالنساء في جنسه أو هيئته، أو (٤) غالباً في
زِيِّهنَّ، فالمنعُ فيه(٥) ظاهر؛ لأنه قد يثبت(٦) اللعنُ على المتشبِّهين من
الرجال بالنساء، وذكر بعضُهم في تعليل التحريم [للحرير] (٧): التشبه
بالكفار(٨)، ولعلَّه يعود إلى [معنى](٩) الخيلاء، فإنه زيُّهم، والله أعلم.
(١)
((ت)): ((أعنى)).
(٢)
((ت)): ((لأنه قال)).
انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١ / ٢٢١).
(٣)
(٤)
((ت)): ((و)) .
((ت)): ((منه)) .
(٥)
((ت)): ((ثبت)».
(٦)
سقط من ((ت)) .
(٧)
انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٨٢).
(٨)
زيادة من ((ت)) .
(٩)
٣٣١

السابعة والثمانون بعد الثلاث مئة: [من](١) صور التخصيص:
لباس [الحرير](٢) للحكَّة، ويخصِّصه الحديثُ الصحيحُ عن أنس قال:
رَخَّص رسولُ اللهِ وَّ للزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف
- رضي الله عنهما - في لُبس الحرير، لِحِكَّةٍ كانت بهما. متفق عليه،
واللفظ لمسلم(٣).
ورواه مسلمٌ من وجهٍ آخرَ، عن سعيد، ثنا قتادة: أنَّ أنس بن
مالك - خ - أنبأهم: أن رسول الله وَّهُ رخَّص لعبد الرحمن بن
عوف، والزبير(٤) بن العوام - رضي الله عنهما - في القميص الحرير في
السفر، من چگّة كانت بهما.
ورواه محمد بن بشر، عن سعيد، ولم يذكرِ السفرَ(٥).
وأجاز الشافعيةُ - رحمهم الله تعالى - لُبسَ الحرير للحِكَّة
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) رواه البخاري (٥٥٠١)، كتاب: اللباس، باب: ما يرخص للرجال من
الحرير للحكة، ومسلم (٢٠٧٦ / ٢٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب:
إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها.
(٤) ((ت)): ((وللزبير)).
(٥) رواه مسلم (٢٠٧٦ / ٢٤)، كتاب: اللباس والزينة، باب: إباحة لبس
الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها. ووقع عنده: «في القُمُص
الحرير))، وزاد في آخره: ((أو وجع كان بهما)).
٣٣٢

والحَرْب، وفي ((التنبيه)) حكايةُ وجهٍ (١): أنه لا يجوز(٢)، والمشهورُ
الأولُ، وهل(٣) يُشرط السفر في ذلك، أم يجوز بمجرد الحِكَّة؟
فيه وجهان للشافعية، قال الرافعي - رحمه الله -: [أصحهما] (٤):
لا يشترط لإطلاق الخبر، والثاني: نَعَمْ؛ لأنَّ السفر شاغلٌ عن التفقد
والمعالجة.
قال: وفي الرواية الثانية - يعني: من الحديث - ما يقتضي اعتبارَه
في دفع القمل(٥).
قلتُ: كأن منشأَ الخلاف [اختلافُ](٦) الروايات في ذكر السفر
وعدم ذكره، وقد قدمنا في رواية سعيد بن أبي عروبة ذكرَ السفر في
الحِكَّة، لا في القمل(٧).
ولقائل أن يقول: الاختلافُ راجعٌ إلى مَخْرج واحد في الرواية
عن قتادة، ففي رواية شعبة عنه: إطلاق الرخصة في لبس الحرير
(١) ((ت)): ((وجه أو قول)).
(٢) انظر: ((التنبيه)) لأبي إسحاق الشيرازي (ص: ٤٣).
(٣) في الأصل: ((وهو))، والمثبت من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٥ / ٢٨)، و((روضة الطالبين))
للنووي (٢ / ٦٨).
(٦) زيادة من ((ت)).
(٧) كما تقدم تخريجه قريباً عند مسلم برقم (٢٠٧٦/ ٢٤).
٣٣٣

للحِكَّة، واختلف على سعيد، عن قتادة؛ ففي رواية أبي أسامة، عن
سعيد: ذِكْرُ السفر، وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد: عدمُ ذکرِهِ،
هذا بحسب ما في كتاب مسلم، رحمه الله تعالى.
وعلى مقتضاه: أن المَخْرجَ إذا كان واحداً فهو حديث واحد،
ذكر بعضُ الرواة فيه السفر، ولم يذكره بعضهم، فوجب أن يُحمل
الإطلاقُ على إهمال بعض الرواة للقيد، إما لعدم سماعه من شيخه،
أو لنسيانه، أو لغيره، ويتعيَّنُ اعتبارُ(١) القيد في الرواية.
وحينئذ نقول: وجب أن يُعتبر في الحكم؛ لأن هذا وصفٌ عُلِّق
الحكمُ به، ويمكن أن يكون معتبراً فلا يُلْغی.
ووجه اعتبارِهِ: ما قدمناه من كون السفر شاغلاً عن التفقّد
والمعالجة، أو لكونه مَظِنَّةَ الرُّخَص، فيكون هذا منها.
فإِنْ وُجد حديثٌ آخرُ من وجه آخر، ومخرج آخر، بحيث لا يغلب
على الظن أنه حديث واحد، فهاهنا يمكن أن يقال: إنه من قَبيل
النَّصَّين اللذين أحدُهما مطلق والآخر مقيّد، وتلحق بقاعدته واختلاف
العلماء فيها، وفيه نظر أيضاً على هذا التقدير؛ أعني: على تقدير أن
يوجد حديثٌ آخر مطلق، ووجه النظر: أنه وإن اختلف المخرج،
فليس هو حكايةَ لفظين أحدُهما مطلقٌ والآخرُ مقيدٌ، وإنما هو حكاية
قضيةٍ مخصوصة، وهو الترخيص لعبد الرحمن والزبير - رضي الله
(١) في الأصل: ((اعتباره))، والمثبت من ((ت)).
٣٣٤

عنهما - لعذر معيَّن، فالظاهر أنها قضية واحدة، فيرجع(١) الأمرُ فيها
إلى ما قلناه فيما إذا كان المخرج واحداً، والله أعلم.
الثامنة والثمانون بعد الثلاث مئة: قال الرافعي الشافعي - رحمة الله
عليهما -: وعَدَّ الأئمةُ القَزَّ من الحرير، وحرَّموه على الرجال، وإن
كان كَمِدَ اللون، وادَّعى صاحبُ ((النهاية)) وِفَاقَ الأصحاب [فيه](٢)،
ثم حكى أن في ((التتمة)) حكايةً وجه: أنه لا يحرم؛ لأنه ليس من
ثياب الزينة(٣) .
قلت: إن کان مرادُه بالقزِّ ما نطلقه نحن في زماننا علیه، فليس
يخرجُ عن اسم الحرير، وإذا كان اسمُ الحريرِ منطلقاً عليه وجب أن
يحرم، ولا معنى لاعتبار اللون وكُمُودِتِهِ، ولا لكونه من ثياب الزينة،
فكلاهما تعليلٌ ضعيفٌ لا أثر له بعد انطلاق الاسم عليه (٤).
التاسعة والثمانون بعد الثلاث مئة: أجاز(٥) الشافعيةُ لُبْسَه لدفع
(١) ((ت)): ((فرجع)) .
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٢٩/٥).
(٤) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١٠ / ٢٩٥): ولم يتعرض - أي: ابن
دقیق ـ لمقابل التقسيم، وهو وإن کان المراد به شيئاً آخر، فيتجه كلامه،
والذي يظهر أن مراده به رديء الحرير، ونحو ما تقدم في الخز، ولأجل
ذلك وصفه بكمودة اللون، والله أعلم . .
(٥) ((ت)): ((اختار)).
٣٣٥

القمل(١)، وقد خرَّج مسلم من حديث همَّام قال: ثنا قتادة: أن أنساً
أخبره: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شَكَوَا إلى النبي وَليه
القملَ، فرخَّص لهما في قميص الحرير، في غَزَاةٍ لهما (٢).
فهذه الرواية فيها الرخصة للقمل، وفيها ما يدل على السفر أيضاً،
وذكر(٣) القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حديثَ الحكة وحديث القملِ
في الغزاة اللذين قدمناهما، وقال: مذهبُ مالك - رحمه الله تعالى - مَنْعُه
في الوجهين، وبعضُ أصحابِه يبيحه فيهما(٤).
وقال شيخُه القاضي أبو الوليد بن رشد المالكيُّ: ولا اختلاف
في أنَّ لباسَ الرجالِ له في الحرب محظورٌ، لا يباح إلا مِنْ ضرورة،
فقد أَرْخَصَ النبيُّ وَّ لعبد الرحمن بن عوف والزَّبير بن العوَّامِ
في قمیص الحریر، لحکةٍ کانت بهما.
قال: وكره ذلك مالك، ولم يرخص فيه(٥)، إذ لم يبلغه
الحديث، والله أعلم، وقد روي عنه: أنه أَرْخَصَ فيه للحكَّة على
ما في الحديث(٦).
(١) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٤ / ٣٨١).
(٢) رواه مسلم (٢٠٧٦ / ٢٦)، كتاب: اللباس والزينة، باب: إباحة لبس
الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها. وعنده: ((في قمص الحرير)).
(٣) ((ت): ((وحكى)).
(٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٨٥).
(٥) (ت)): ((يرخصه)).
(٦) انظر: ((المقدمات الممهدات)) لابن رشد (٣/ ٤٣٢).
٣٣٦

التسعون بعد الثلاث مئة: روى مسلم من حديث عبد الله(١) مولی
أسماء بنت أبي بكر - وكان خالَ ولدِ عطاء - قال: أرسلتني أسماءُ إلى
عبد الله بن عمر، فقالت(٢): بلغني أنك تحرِّم أشياءَ ثلاثةً: العَلَم في
الثوب، ومِيثرةَ الأُرْجوان، وصومَ رجبٍ كلِّه؟
فقال لي عبدُ الله: أمَّا ما ذكرت من رجبٍ، فكيف بمن(٣) يصومُ
الأبدَ؟ وأمَّا ما ذكرت من العَلَم في الثوب، فإني سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ
يقول: سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((إنما يلبسُ الحريرَ مَنْ لا خَلاقَ
له»، فخِفْتُ أن يكونَ العَلَمُ منه، وأما مِيثرةُ الأُرْجوان فهذه مِيثرةٌ
عبدِ الله، فإذا هي أرجوان (٤)، فرجعت إلى أسماءَ فخبَّرتُها(٥)، فقالت:
هذه جُبَّة رسولِ الله وََّ، فأخرجت إليَّ جبةً طَيَالسية كِسْرَوَانِيَّةً، لها
لَبِنْهُ ديباج، وفَرْجَاها مكفوفان بالديباج، فقالت: هذه كانت عند
عائشة - رضي الله عنها - حتى قُبِضِت، فلما قُبِضت قَبَضْتُها، وكان
النبيُّ ◌َّ يلبسها، فنحن نغسِلَها للمرضى نستشفي بها (٦).
(١) في الأصل: ((عبيد الله))، والتصويب من ((ت)) و(ب)).
(٢) في الأصل و((ب)): ((فقال))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((من))، والمثبت من ((ت).
(٤) ((ت)): ((ميثرة أرجوان)).
(٥) ((ت)): ((فأخبرتها)).
(٦) رواه مسلم (٢٠٦٩ / ١٠)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال
إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
٣٣٧

قال الروياني الشافعي: لو كانت جبةَ صوفٍ أو لَبِدِ يُكَفُّ أكمامُها
وجَيْبها(١) وأذيالُها بالحرير المصمَّت أو الديباج، كما يُفعل في العرف؛
لا يحرم لُبسها(٢).
وقال الرافعي: يجوز لُبْس الثوب المطرَّف بالديباج والمطرّز به،
وقال: قال الشيخ أبو محمد وغيرُه: والشرط فيه الاقتصارُ على عادة
التَّطريف، فإن جاوز العادةَ فيه كان سَرَفاً محرَّماً (٣).
وقد اعتُرض على الاستدلال بالحديث، بأن قيل: لعلَّ هذا الحرير
أُحْدِث بعد موتِ النبيِّ وَّه، لا أنه لَبِسَها وفيها هذا الحرير (٤) (٥)،
فيكون في ذلك حجة على جَوازه، وإذا احتمل، سقطَ التعلّق به.
قال القاضي عياض: وهذا بعيد جداً؛ لأن أسماء إنما احتجت
(١) ((ت)): ((جيبها وأكمامها)).
(٢) انظر: ((بحر المذهب)) للروياني (٢٠٤/٣ - ٢٠٥).
(٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٥/ ٣٠).
(٤) (ت)): ((ولم يثبت عن النبي ﴿ لبسها وفيها هذا الحرير، ولا صرح به)).
(٥) كذا أجاب الباجي في ((المنتقى)) (٧/ ٢٢٢). قال ابن العربي في
((العارضة)) (٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥): هذا احتمال فاسد - أي: ما ذكره
الباجي -؛ لأن إخراجها لها بصفتها وقولها هذه التي كانت عائشة، نص
في كونها بهيئتها؛ لأنهم ماكانوا ليغيروها بما لا يجوز، أو بما يختلف فيه،
ثم ينسبونها كذلك إلى رسول الله اصطاته .
٣٣٨

بهذا على العَلَم لأجل الحرير الذي فيها، قال: وقد قيل: لعلَّ
النبيَّ ◌َ إنما كان يلبسها في الحرب(١).
الحادية والتسعون بعد الثلاث مئة: قدمنا(٢) رواية سويد بن
غَفَلة: أن عمر بن الخطاب - ◌َاتُه ـ [خطب](٣) بالجابية، فقال: ((نهى
رسولُ اللهِوَلِّ عن لبس الحرير إلا موضِعَ إصبعين أو ثلاثٍ أو أربع»،
أخرجه مسلم (٤).
وهذا دليل على جواز التَّطريز بمثل هذا المقدار، وقد شرط في
((التهذيب)) الشافعي: أن يكونَ الطّرازُ بقدر أربع أصابع فما دونَها، فإن
زاد لم يجزْ(٥). وهذا موافق لمقتضى ما دلّ عليه الحديثُ، والله أعلم .
الثانية والتسعون بعد الثلاث مئة: أجيز لُبسُ الثوبِ الذي يخيط
بالإبرِيْسَم(٦)، وهذا ظاهر إذا كان الخيط بمقدار ما رُخِّص فيه، وهو
قياسٌ في معنى الأصل، والله أعلم.
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٨٢).
(٢) ((ت): ((قد قدمنا)).
زيادة من ((ت)) .
(٣)
(٤) وتقدم تخريجه.
(٥) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٥/ ٣١).
(٦) الإبريسَمُ: الحرير. انظر: ((القاموس المحيط)) للفيروز أبادي، (مادة: برسم)،
(ص: ٩٧٤).
٣٣٩

الثالثة والتسعون بعد الثلاث مئة: قد ذكرنا في تفسير القَسِّ ما يُشعر
بأنه غير مُتمخِّض الحرير في بعض الأقاويل، وأوردنا عن ابن وَهْب،
[وابن بُكير](١): أنها ثيابٌ مُضَلَّعةٌ بالحرير تُعْمل بالقَسِّ من بلاد مِصر مما
يلي الفَرْما(٢)، وفي كتاب البخاري: فيها حريرٌ أمثال الأتْرُجِّ (٣). وعلى
هذا يكون النهيُ متوجهاً على بعض الممزوج بالحرير.
والشافعية في الممزوج طريقان؛ أحدهما: إن كان ذلك المغيّر (٤)
أكثرَ في الوزن لم يحرُم لُبسه، [وذلك كالخزِّ سَدَاه إبْرِئْسَم، ولُحمتُه
صُوف، فإنَّ اللحمةَ أكثرُ من السَّدَاة](٥)، وإن كان الإبريسمُ أكثرَ
يحرمْ، وإن كان نصفين ففيه وجهان؛ قال الرافعي: أصحُّهما أنه
لا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوبَ حرير، والأصلُ الحِلُّ (٦).
وهذا الذي صحَّحه الرافعيُّ خالَفه غيرُه في التصحيح وقال:
الصحيحُ أنه يحرم(٧)، [يريد](٨): تغليباً للتحريم.
(١) سقط من ((ت))، وفي الأصل: ((وابن مكين))، والتصويب من ((ب)).
(٢) انظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢ / ١٩٣).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) (٥/ ٢١٩٥).
(٤)
((ت)): ((الغير)) .
(٥) هذه الجملة جاءت على هامش ((ت))، وذكر أنها في نسخة .
انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٥ /٢٩).
(٦)
انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (٤ / ٣٧٩ _ ٣٨٠).
(٧)
(٨) سقط من ((ت)).
٣٤٠