Indexed OCR Text
Pages 181-200
عند الشافعية، الصحیحُ الوجوب. وإن كان ملة أخرى ففيه طريقان: منهم من خرَّجه على القولين، وقطع الجمهورُ بوجوب الحكم، فإنهما لا يجتمعان على حاكم واحد، فيستمر خصامُهما في دار الإسلام. وأهل العهد إذا كانت خصومتُهم مع المسلمين وجب الحكم، وإن اتحدت ملّتُهم لم يجب الحكم اتفاقاً، نقله بعضُ مصنفي الشافعية رحمهم الله، وإن اختلفت ملَّتُهم، فقيل: يُلْحَقُ باختلاف ملَّة الذميين، وإنما لم يوجب الحكم بين المعاهدين إذا اتفقت ملتهم بناءً على أنَّا إنما التزمنا الكفّ عنهم دون الذَّبِّ والسياسة. وهذا مأخذ غيرُ ما نحن فيه، فإنًَّ إنما ننظر بالنسبة إلى الظلم ووجوب النصرة فيه، لا بالنسبة إلى مآخذ أُخرَ، وهذه أربع مسائل للبحث فيها مدخلٌ بالنسبة إلى الظلم و[وجوب](١) النصرة، تنبني على مسألة نذكرها، وهي في محل النظر. الحادية عشرة بعد المئتين: [هل] (٢) يُوصَفُ مالُ الكافرِ على الكافر بالحرمة بناءً على القول بأنهم مخاطَبون بالفروع؟ (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). ١٨١ فقد قالوا في الأصول: إنّ المسألة معناها أنهم يُعاقبون عليها في الدار الآخرة(١)، وهذا ممَّا لا يثبت بالعقل وإنما يثبت بالنقل، فإن وُجِدَ دلیل يدل عليه فقد ثبتت(٢) الحرمة، وترتب عليها الظلم، وترتب عليها وجوب النصرة في المسائل المذكورة، وإن لم يقم دليل عليه، فسبب وجوب الحكم بين المسلم والذمي أنَّ ظلم المسلم للذمي وبالعكس حرام، والأول بمقتضى العهد، والثاني بمقتضى الدين. وأما في مسألة حكم الذميين أو المعاهدين، فهو يبنى على ما قلناه من أن مالَ الكافرِ علی الکافر حرام، أم لا؟ فإن قيل به، دخل في نصرة المظلوم، وإن لم يُقَلْ به، خرج منه(٣) ما إذا جاء الحربيُّ لأجل مال الذميّ؛ لأنه لا يكون حينئذٍ من باب الظلم، ويكون عن الذميِّ من باب الوفاء بمقتضى الذمّة، وبهذا ينظر ما في المسائل المذكورة، وقد يُستدلُّ على أنه ليس من باب الظلم بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضَ عَنْهُمْ ﴾ [المائدة: ٤٢]، فإنه لو كان ظلماً لزمه التخصيصُ في نصرة المظلوم، ومخالفة القاعدة الكلية التي فُهمتْ من الشرع في دفع (١) انظر: ((البرهان)) للجويني (١ / ٩٢)، و((الإحكام)) للآمدي (١ / ١٩١)، و((الإبهاج)) للسبكي (١ / ١٧٧)، و((الموافقات)) للشاطبي (٣/ ٣٥٥). (٢) في الأصل: (ثبت))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت): ((عنه)) . ١٨٢ الظلم وإزالة البغي والفساد في الأرض مع التمكن من إزالته، والله لا يُحِبُّ الفساد. وقد يُستدَلُّ على أنه منه بقوله بَّ حكايةً عن الله تعالى: (يا عبادي إنّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلْتُهُ بينكم مُحَرَّماً، [فلا تظالموا](١))(٢)، وهو عامٌّ في جميع العباد، فيدخل فيه ظلمُ الكافرِ للكافر، إذا حمل الظلمُ على الظلمِ العرفيِّ، لا على الظُّلم الشرعيِّ، فإنَّه إنْ حُمل عليه فقد يمنع كونه ظلماً، وأنه يدخل تحت النص، فتبَّع الأدلةَ في هذه المقدمة فعليها تنبني(٣) المسائلُ المذكورة. * القول في الموانع من النصرة، وما يُتَوهَّمُ كونُه مانعاً واختلف فيه، وفيه مسائلُ نُورِدُها على سياق العدد السابق [إلى الثالثة والثلاثين بعد المئتين] (٤): الثانية عشرة بعد المئتين: قد يتحقق كونُ الشيء ظلماً لكونه إضراراً بالغير محرماً، ويمتنع فيه بعضُ النصرة لمانع، ومنه امتناع القِصاص في جناية العَمْد عمَّنْ لا يكافىء الجاني، كجناية المسلم (١) زيادة من ((ت)). (٢) رواه مسلم (٢٥٧٧)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، من حديث أبي ذر ﴾. (٣) ((ت): ((تبنى)). (٤) سقط من ((ت)). ١٨٣ على الذميّ، وجناية الحرِّ على العبد عند من لا يرى القصاصَ فيه، وجناية الأب على ولده؛ إمَّا مطلقاً عند من يراه، وإما حيثُ يُتفق عليه، فإنه ظلمٌ قطعاً، وامتنعتِ النصرة بإيجاب القصاص، ولم يمتنعْ مطلقُ النصرة، ولتعرض ذلك في الجناية على الطَّف؛ لما أشرنا إليه من أن دخولِ الجناية تحت هذا المعنى فيه نظر، وإذا وجب البدلُ في الجناية فلم تعْدُه النصرةُ. الثالثة عشرة بعد المئتين: فإن قلتَ: فهل(١) يلزم في مثل هذا تخصيصُ العمومِ في وجوب النصرة، أم لا؟ قلتُ: لا يبعُد أن يُبنى [على](٢) أنَّ موجبَ العمد ماذا؟ فإن قلنا: إنّ موجبَه القودُ عيناً، فهاهنا امتنعتِ النصرةُ الواجبةُ للمجنيٌّ عليه لمعارضٍ، فيلزم التخصيصُ. وإن قلنا: إن موجبَ العمدِ أحدُ الشيئين؛ إما القصاصُ أو الدِّیةُ، فلا تخصيص . الرابعة عشرة بعد المئتين: وكذلك يلزم التخصيصُ في كيفية المماثَلَة التي يعتبرها مالكٌ والشافعيُّ - رحمهما الله تعالى - في القصاص إذا ثبت لقيام المانع من بعضها؛ كالقتل باللِّيَاطَة، واتِّجار الخمر، والأفعال المحرمة. (١) في الأصل: ((فهذا))، والتصويب من ((ت). (٢) زيادة من ((ت)). ١٨٤ الخامسة عشرة بعد المئتين: كلُّ عمد من الجنايات أُسقِطَ القصاصُ فيه بالشبهة التي لا ترجع إلى اعتقاد الحلّ، كشريك الخاطىء، وشريك الأب عند من يرى ذلك، فهو ظلمٌ لتحريمه، ولا يجب نصرُه عند ذلك(١) القائلِ بالقصاصِ، وفيه البحثُ المتقدم(٢). وإنما قلت: بالشبهة التي لا ترجع إلى اعتقاد الحلّ؛ لأن اعتقادَ الحلِّ قد ينفي التحريمَ عن مُعتقِدِهِ، فلا يكون ظلماً، وإنْ أوجبنا الضمانَ، فالضمانُ لا يتوقف على الظلم. السادسة عشرة بعد المئتين: قد تتوقف نُصرة المظلوم على شرطٍ يراه بعضُ العلماء، كما يُقالُ في حقوق الآدميين: إنها تتوقف على استدعاء المدّعي، فإذا ثبت ذلك فهذا تخصيصٌ آخرُ. السابعة عشرة بعد المئتين: باع عبدين من رجلٍ دلّس بعيب في أحدِهما، ففي جواز إفرادِهِ بالردّ خلافٌ، وعند الشافعية قولان(٣)، فيمكن أن يُستَدلَّ على تمكينه بأن البائعَ ظالمٌ بتدليسه عليه، فتمكينه من الرد عليه نصرةٌ للمظلوم، والمانعُ من ذلك يراعي حقَّ البائع بتَبعيضِ الصفقة عليه، وهذا يكسِرُ شوكةَ القولِ بتغريمِ الغاصبِ (١) في الأصل: ((من ذلك))، والتصويب من ((ت)). (٢) في الأصل: ((المقدم))، والتصويب من ((ت)). (٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٤٢٣). ١٨٥ [من](١) ماله إذا جَبَرَ حقَّ المغصوبِ منه بما يُوفيه، وإنما فرضنا المسألةَ في تدليس الغاصب لتدخُلَ تحت نصرةِ المظلومِ، فإنه لو لم يكن مُدَلِّساً، كان الردُّ عليه من [باب](٢) إيفاء الحق لمستحِقِّه، وقد بينًا أنَّه أعمُّ من نصرة المظلوم. الثامنة عشرة بعد المئتين: فإن كان العبدان معيَّنَين، ففي الإفراد خلافٌ مرتَّبٌ على ما قبلَه، والكلامُ كالكلامِ(٣). التاسعة عشرة بعد المئتين: اشترى اثنان عبداً من واحد، فأراد أحدُهما أن ينفردَ بردٌّ نصيبِه، جاز على أصح القولين عند الشافعية رحمهم الله، فتُفْرَضُ المسألة في التّدليس، ويجيء الكلام إلى آخره، ومَنْ مَنَعَ فِلِقِيامِ مانع عندَه، وفي هذه المسألة مانعان: أحدُهما: عيبُ التَّشقيصِ بسبب الردّ. والثاني: اتّحادُ الصفقة. وفي تعيين أحدِهما للاعتبار وجهان: يُخَرَّج عليهما ردُّ ما لا ينقصه التشقيصُ من ذوات الأمثال(٤). العشرون بعد المئتين: الحربيُّ إذا ظلمَ المسلمَ في نفسه وماله (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) أي: حكمُ هذه المسألة كحكم المسألة السابقة . (٤) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٤٢٣). ١٨٦ ثم أسلم، لم يُطالَبْ بما سلف من جناياته، وإن(١) كان ظالماً للمسلم، وإنَّما كان كذلك للمصلحة الراجحةِ، [و] هي التأليفُ (٢) على الإسلام وعدمُ التنفیر عنه. الحادية والعشرون بعد المئتين: في مقدمة، نُقُل عند الشافعية اختلاف في أن البغيَ هل هو اسمُ ذمٌّ؟ وهل يسمَّى الباغي عاصياً؟ فقيل: ليس باسم ذم، وإنَّ الباغين ليسوا فَسَقة، كما أنهم ليسوا بكفرة، ولكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل، ومنهم من يسمّيهم عصاةً، ولا يسمّيهم فسقةً، ويقول: ما (٣) كلُّ معصيةٍ توجبُ الفسقَ(٤). الثانية والعشرون بعد المئتين: ما وُجِد من أموال أهل العدل عند البُغاة، وجبَ ردُّه إلى أربابه، وهو ظاهر . الثالثة والعشرون بعد المئتين: اختلف في ضمان البغاة ما أتلفوه على أهل العدل من نَفْسٍ أو مال، وهذا ينبني أولاً على أنَّ الباغي عاصٍ، أو لا؟ فإن قلنا: لا، لم يدخلْ تحتَ نصرةِ المظلوم(٥)، وإن (١) في الأصل: ((قد))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((التألف))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((من))، والتصويب من ((ت)). (٤) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ٥٠). (٥) ((ت)): ((تحت هذه القاعدة)) . ١٨٧ وجبَ(١) الضمانُ، فمِنْ باب إيفاء الحقّ، وإن [قلنا](٢) بالعصيان، فإتلافُهم ظلمٌ، فمقتضاه ضمانُهم لِمَا أتلفوه، ولكنَّ المانعَ قائمٌ، وهو مصلحة التأليف بالعَوْدِ إلى الطاعة، وقد قيل به عند الشافعية؛ أي: بأنَّهم لا يلزمُهم الضمانُ(٣). وقال سُحنون المالكيُّ في الخوارج: ولا يُتْبَعوا بما سفكوا من دمٍ، ونالوا من فرج، لا بِقَوَدٍ ولا ديّة ولا صَدَاق ولا حدّ(٤). الرابعة والعشرون بعد المئتين: اختلفوا في الجماعة من المرتدّين لهم شوكةٌ، إذا أتلفوا مالاً أو نفساً(٥) ثم أسلموا، هل يجب عليهم الضمان؟ وهذه نصرةٌ مظلومٍ، ومن لم يوجبِ المطالبةَ راعى المانعَ الذي ذُكر في الكافر الأصليِّ، وهو التألُّفُ (٦) وعدمُ التنفيرِ. الخامسة والعشرون بعد المئتين: أصحاب الشوكة - إذا لم يكن لهم تأويل - ظَلَمَةٌ، وفي إلزامهم تغريمَ المُتْلَفاتِ خلافٌ للشافعية، (١) في الأصل: ((أوجب))، والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (٢/ ٢١٨)، و((الوسيط)) للغزالي (٦/ ٤٢١)، و((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ٥٧). (٤) انظر: ((التاج والإكليل)) لابن المواق (٦/ ٢٧٨). (٥) ((ت)): ((نفساً أو مالاً)). (٦) ((ت)): ((التأليف)). ١٨٨ ومقتضى القاعدةِ الإلزامُ، [وعدمُهُ لمانع(١)](٢). السادسة والعشرون بعد المئتين: من الموانع المُحَقَّقة مسألةُ ما إذا غَصبَ سَاجَةً(٣)، وأدخلها في سفينة، وفيها حيوان أو مال مُحترمٌ لغير الغاصب، فإنه يمتنع نزعُها ودفعُها للمالك إذا كان سبباً لإتلاف ما ذكر (٤)، وهذا ظاهرٌ جارٍ على القواعد؛ لأن حقَّ المالك يمكِنُ جبرُه من غير إتلافٍ لهذه المُحْتَرمات، فتقديمُه [على](٥) الإتلاف تقديمٌ لأخفِّ المفسدتَيْن على أعظمِهِمَا. السابعة والعشرون بعد المئتين: ومن الموانع ما إذا غصب خيطاً وخَاطَ به جرحَ حيوانٍ محتَرمٍ (٦). الثامنة والتاسعة والعشرون بعد المئتين: إذا تبارز فارسان مسلمٌ وكافرٌ، وشَرطَ الكافرُ أن لا يُعانَ المسلمُ عليه إلى انقضاء القتال، (١) أي: لا يُلجأ إلى عدم الإلزام إلا إذا حالَ مانعٌ دونَه. (٢) سقط من ((ت)). (٣) السَّاجُ: هو خشبٌ أسود رزين يُجلب من الهند، ولا تكادُ الأرضُ تُبليه، واحدتُه: سَاجَةٌ، انظر ((المصباح المنير)) للفيّومي (ص: ١١١)، (مادة: سوج). (٤) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١/ ٨٧)، و((المهذب)) للشيرازي (١/ ٣٧٢). (٥) في الأصل: ((مع))، والتصويب من (ت)). (٦) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (١ / ٣٧٢). ١٨٩ وجب الوفاءُ بالشَّرط في ترك إعانةِ المسلم عليه قبلَ انقضاءِ القتال، نصُّوا عليه عند الشافعية(١). ولا شكّ أن قتالَ الكافرِ للمسلم ظلمٌ، وإعانةُ المسلم عليه نصرةٌ للمظلوم(٢)، فهذه نصرةٌ محرّمة(٣)، وإنما قيل بها لمعارضٍ، وهو أن المبارزةَ عظيمةُ النفع في الجهاد، ولا تتمُّ إلا بأن [يأمنَ](٤) كلُّ واحد منهما من غیر قِرْنِهِ. الثلاثون بعد المئتين: من صور تعذّر النصرة، ما لو ظلم القاسِمُ بين النساء إحدى نسائه ثم طلق المظلوم لهنّ(٥)، فقد تعذَّرتِ(٦) النصرةُ، وهو القضاء؛ لأن معناه انقطاعه عنهن، والاشتغال بقضاء المظلومة، وهو بطلاقه مترفُّع عنهن. وكذلك لو طلَّق المظلومةَ ولم يردّها، وهناك قيل: تبقى الظَّلامةُ إلى يوم القيامة. وكذلك لو مَرِضت واحدةٌ حيث توجَّب عليه القضاء، تعذّر عليه (١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ٢٨٤). (٢) في الأصل: ((المظلوم))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((محترمة)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((بهن))، والمثبت من ((ت))، والمعنى: أنه طلق النساء اللواتي دفعنه إلى الظلم . (٦) في الأصل: ((تعذر))، والمثبت من ((ت)). ١٩٠ القضاءُ، قال بعضُهم: فإن برئتْ قضى بالإجماع(١). الحادية والثلاثون بعد المئتين: قد تبين أن من أعظم نصرة المظلوم إنقاذَ أسيرِ المسلمين من أيدي العدو؛ إمَّا بالقتال أو بالفداء، وقد يقع في بعض صور الفداء موانعُ، أو ما يمكن أن تكون موانعُ، فيحتاج إلى النظر فيها، وفي إباحة الفداء بها . فمن ذلك الفداءُ بالسلاح والخيل، وفيه من المفسدة إعانةٌ الكفّار وتقويتُهم على قتال المسلمين، فأجاز أشهبُ من المالكية ذلك، قال: فإن طلبوا الخيلَ والسلاحَ فلا بأس أن يُفْدَى به، وفي رواية ابن سُحنون، عن أبيه: يفدى بالخيل والسلاح، والمؤمنُ أعظمُ حرمَةً. وفي كتاب ((ابنِ المؤَّاز))(٢) قال ابنُ القاسم: إذا طلبوا منّا فداءً المسلم بالخيل والخمر، فلا نصالح بالخيلِ، وهو بالخمر أخفُّ(٣). (١) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٥ / ٢٩٦). (٢) للإمام الفقيه محمد بن إبراهيم بن رباح الإسكندراني المعروف بابن المواز، المتوفى سنة (٢٦٩هـ) كتابه المشهور ((الكبير))، وهو من أجل الكتب التي ألَّفها قدماء المالكية وأصحها مسائل، وأبسطها كلاماً، وأوعبها، وقد ذكره أبو الحسن القابسي ورجحه على سائر الأمهات. انظر: ((ترتيب المدارك)» للقاضي عياض (٢ / ٧٢). (٣) انظر: ((حاشية الدسوقي)) (٢/ ٢٠٨)، و((التاج والإكليل)) لابن المواق (٣٨٩/٣). ١٩١ فاقتضى هذا النقلُ الخلافَ في الفداءِ بالخيل، وأما بالسلاح: فإذا مُنِع بالخيل ففي السِّلاح أولى. الثانية والثلاثون بعد المئتين: ومن ذلك الفداء بالخمر، وقد قدَّمنا تخفيفَ ابنِ القاسم له بالنسبة إلى الخيل، والمنقول عن أَشهب أنه قال: وأما الخمرُ فلا، ولا يدخل في نافلةٍ بمعصية. وعن سُحنون: لا بأس أن يبتاعَ لهمُ الخمرَ للفداء، وهذه ضرورة. وفي كتاب ابنه(١) عنه: وإن طلبوا الخمرَ والخنزيرَ والمَيْتَةَ أمرَ الإمامُ أهلَ الذمةِ بدفع ذلك إليهم، وحاسَبَهم بقيمته في الجزية، فإن أبى من ذلك أهلُ الذمة لم يُجبروا، ولم يرَ أشهبُ؛ يعني أنه: لا يُفدی(٢) بالخمر(٣). قلت: النظر في هذا كلُّه إنما هو راجعٌ إلى اعتبار المصالح والمفاسد، وترجيحِ بعضِها على (٤) بعض، وفي النظر إلى العمومات والنصوص في مثل هذا عُسْرٌ شديدٌ، يدور فيه رأسُ من يريد أن يحاوِلَه من الظاهرية [إنْ حاولوه](٥)؛ لِمَا يقع فيه من التعارض بين (١) في الأصل: ((أبيه))، والتصويب من ((ت)). (٢) في الأصل: ((يفدو))، والمثبت من ((ت)). (٣) وانظر: ((التاج والإكليل)) لابن المواق (٣/ ٣٨٩). (٤) في الأصل: ((مع))، والمثبت من ((ت)). (٥) سقط من ((ت)). ١٩٢ العمومات، والذي أقولُه الآن بالنسبة إلى النظر إلى المصالح والمفاسد - والعلم عند الله تعالى -: إنّ الحال لا يخلو من أن يتعيَّن الفداء بما ذُكِر(١)، أو لا، فإن تعين الفداء بأحد هذه الأمور؛ بأن لا يرضى العدوُّ إلا بها، فهاهنا يقعُ التعارضُ، والأقربُ الجواز، أمّا في حقِّ الخمر؛ فلأنَّ وضعَ اليدِ عليها وعدمَ إراقتها متأخرُ المرتبة في المصلحة عن فِكاك المسلم من أسر العدو قَطْعاً؛ لأنَّ ذلك من (٢) مرتبة الضرورة، والمنعُ من وضع اليد على الخمر من(٣) مرتبة التكميل، والأولُ أرجح، وأمَّا الفداءُ بالسلاح والخيل فهو - وإن كان أعظمَ مفسدةً من الفداء بالخمر - إلا أنه يرجُحُ على ترك الفداء بهِ في حال تعیُّن الفداء به لوجوه : الأول: أنَّ المنعَ من تمكين العدو من السلاح، [من قَبيل منع الوسائل، والمنعَ من إذلال المسلمين في الحال](٤) من قبيل المقاصد، والثاني راجحٌ على الأول. الثاني : ما قدمناه من مرتبة الضرورة والتكميل. والثالث: أنَّ المفسدةَ في إذلالِ العدو والإضرارِ به مفسدةٌ محقَّقةٌ في الحال، والمفسدةُ في استعانةِ العدو به على القتال مفسدةٌ (١) في الأصل: ((ذكروا))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((في)). (٣) ((ت)): ((في)). (٤) سقط من (ت)). ١٩٣ مترقَّبةٌ مُحتمِلةٌ لعدم الوقوع، فالأولُ أولی بالدفع. وأما قول سُحنون: [فلعله يقول](١) بجواز الفداء بالخمر، فإذا فوَّضه الإمامُ إلى أهل الذمَّة، فلم يفوِّضْ إليهم إلا أمراً جائزاً، وتُستفاد بالتفویض إلیھم مصلحةُ عدم وضع الید علیه . الثالثة والثلاثون بعد المئتين: قَدِمَ من له أمان، وبيده مالٌ المسلم وأحرارٌ مسلمون، اختلف المالكيةُ فيه، فقال بعضُهم: إنهم يُعْطَوْنَ قيمةَ المسلمين الأحرارِ وإن كرهوا. وقال ابنُ المؤَّاز: لا يُعْرَض للمستأمَنين فيما بأيديهم من متاع المسلمين ومن عبيدِهم(٢)، ولا أحرارٌ مسلمون وذميون ولا مكاتبون ومدبَّرون، وقال: وله بيعُ ما شاء من ذلك وأخذُ ثمنِهِ، أو الرجوعُ به و بعد أن يُغْرَم ما بَذَلَ عليه. قال ابنُ أبي زيد - يزيدُ على قول ابن القاسم في روايته -: قال ابنُ المَوَّاز: وأما إذا أَسلمَ المستأمَنُ أو الحربيُّ فلا حقَّ له في كل ما بيده من حرِّ ومسلم، ويَخرجون من يده بلا غُرْمِ، لم يختلف في ذلك أحد. وهذا الذي حكيناه عن ابن المؤَّاز من المُشنَّعات، وهو تجويزُ (١) في الأصل: ((فقول))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت): ((عبدهم)). ١٩٤ بيع الأحرارِ المسلمين واستملاكِ الكافر لهم، [وليس فيه ما يعارضه إلا اعتبار المصلحة العامة، فإنه إذا أقرَّ في يده كان أقرب إلى التمكين بسبب إمكان العود، أما لو رُدَّ واحد منهم لامتنعوا من العود بذلك](١). الرابعة والثلاثون بعد المئتين: قد قدمنا المنع (٢) من التفريق بين الأم وولدها وإيجابَ الجمع، قال بعضُ مصنَّفي الشافعية - رحمة الله عليهم -: ويجوز التفريقُ للضرورة؛ بأن تكونَ الأمُّ حرةً، أو مِلْكاً لغير مالكِ الطفل(٣). الخامسة والثلاثون بعد المئتين: المانعون للخروج على الإمام الجائرِ - وهم الأكثرون، حتى عُدَّ ذلك في اعتقاد أهل السنة - قائلون بالتخصيصِ لنصرة المظلوم في هذا المحل، ولهم أحاديثُ وردتْ بذلك، وأقرُّوها (٤) على ظاهرها لمعارضٍ مفسدةِ الفتن وتَوَران الهيج، ومن رأى الخروجَ لإزالة ظلمهم عن المظلومين - وهم بعضُ السّلف - فهو داخلٌ على مذهبهم تحت الحدیثٍ. (١) زيادة من ((ت))، وقد جاء في الأصل بدلها: ((وليس فيه ما يُتوقَّم معارضته الأصلِ الإذلال، إلا أن يَتَوهَّم - إن منعناه - أنَّه تعرضٌ له فيما في يده)). (٢) في الأصل: ((أن المنع))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ٢٥٨). (٤) في الأصل: ((أمروها))، والمثبت من ((ت)). ١٩٥ السادسة والثلاثون بعد المئتين: المانعون لقضاء القاضي بعلمه في الحدود، سببُه: عظيم أمرها، واقتضاء ذلك أن لا يتولاها إلا الأئمةُ، فيكون هذا تخصيصاً لعموم نصرةٍ(١) المظلوم. السابعة والثلاثون بعد المئتين: المانعون لقضاء القاضي [بعلمه](٢) في غير الأموال، سببُه: انحطاطُ رتبة الأموال(٣) عن غيرها، [وهذا كما تقدَّم من رجوع الأمر إلى التخصيص للمانع المذَّعى](٤). الثامنة والثلاثون بعد المئتين: ما عُدَّ من منع(٥) الإنكار بالوعظ في حقِّ الفاسق [لمن يعلم فسقَه، سببُهُ](٦): أنهُ يُفضي إلى تطويل اللسان في عرضِهِ بالإنكار (٧)، وأما الحِسْبة القَهْرية فلا [حسبةَ](٨) على الفاسق في إراقة الخمر، وكسرِ الملاهي، وغيرِها، إذا قَدر عليه. التاسعة والثلاثون بعد المئتين: قال بعضُ مصنّفي الشافعية (١) ((ت)): (نصر)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((المال)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) ((ت): ((عدم). (٦) سقط من ((ت))، وجاء بدلها: ((يعلل)). (٧) ((ت)) زيادة: ((بعرضه)). (٨) زيادة من ((ت)). ١٩٦ - رحمهم الله -: ولو قَصِد (١) قريبُه أو أجنبيٌّ بقتل أو فاحشةٍ كان دفعُه ےے عنهما کدفعه عن نفسه في الوجوب وغيره. وقال أربابُ الأصول: لا يجبُ ذلك إلا على الولاة. قال: واختلفوا في جوازِ شَهْرِ السلاح لذلك في حقِّ الآحاد. [وهذا الذي قاله قد فُصِّل من قولِ غيرِهِ وبُسِط، وحاصلَه ومعناه: أنَّه إذا صالَ صائلٌ على أجنبي، فلغير ذلك الأجنبي دفعُ ذلك الصائل؛ لأنه معصومٌ مظلومٌ، وسواءٌ في ذلك أن يكونَ الصائلُ أباً للمصول عليه أو سيداً له، وإذا كان المصولُ عليه ذمِّياً والصائلُ مسلماً، فكذلك يجوز الدفعُ عنه(٢). قلت: وإذا كان ذلك داخلاً في نصرةِ المظلوم، فمقتضى الأمرِ الوجوبُ، فينبغي أن يقالَ به بمقتضى الحديث. والشافعيةُ اختلفوا في وجوب الدفع عن الغير على ثلاثة طرق : الأظهر منها: أن حکم الدفع عن الغیر حکمُ الدفع عن النفس حتى يجبَ هنا حيث يجبُ هناك، وينتفي الوجوبُ هنا حيث ينتفي هناك. والثانية: القطعُ بالوجوب؛ لأنَّ الإيثارَ إنما يكون لحظ النفس، فأما سائر الناس فلا يُؤْثِرُ بعضهم على بعض. والثالثة: القطعُ بالمنع، ونُسِب إلى معظم الأصوليين؛ لأنَّ شَهْرَ (١) في الأصل: ((قصده))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ١٨٦). ١٩٧ السلاح يحرِّكُ الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفةِ السلطان. وعلى هذا: فهل يحرم، أو يجوز من غير وجوب؟ حُكِيَ عنهم فيه اختلاف](١) (٢). قلت: لاشك أنَّ هذا داخلٌ تحت نصرِ المظلوم، ومن أراد إخراجَه فعليه دليلٌ يدلُّ عليه، والذي ظهر من الكلام الذي حكيناه: أنه جَعَلَ الولاية في دفع هذا المنكر شرطاً في الوجوب، فيكون عدمُها مانعاً أو مساوياً للمانع، وهذا بعيدٌ عندي إن(٣) أَخِذَ على إطلاقه، ولم يُشترط فيه إمكانُ الإنكار من جهة الولاة، وكيف يمكن أن يقال: إنه إذا قصدَه بالقتل حيث لا واليَ وأمكن خَلاصُه بنصره أنه يُترك وقتلَه، وهذا الحديث الذي نحن فيه مما يأبى ذلك، وكذلك قوله وَله: «المسلمُ أخو المسلمٍ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُه)) (٤)، وهذا إسلامٌ للمسلمِ [إلى](٥) الهلاك (٦)، إلى غير ذلك من الدلائل. (١) من قوله: ((وهذا الذي قاله قد فُصِّل)) إلى هنا سقط من (ت)). (٢) وانظر: ((الوسيط)) للغزالي (٦ / ٥٣٠). (٣) في الأصل: ((وإن))، والمثبت من ((ت)). (٤) تقدم تخريجه . (٥) زيادة من ((ت)). (٦) ((ت)): ((للهلاك)) ١٩٨ الأربعون بعد المئتين: إذا قلنا: إن الكافر مخاطَبٌ بالفروع، فهل يُخص من نصرة المظلوم حتى يمتنعَ عليه ذلك في حق المسلم؟ هذا قد تُكلم فيه في(١) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل فيه: إنَّ الكافر إنْ مَنع المسلمَ بفعله، فهو تسليط عليه، فيمنع(٢) من حيث إنه تسلّطْ، وما جَعَلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلاً. وأما مجرد قوله: ((لا تزنٍ))، فليس محرَّماً عليه من حيث إنه نَهْيٌ عن الزنى، ولكن من حيث إنه إظهارُ دلالةِ الاحتكام على المسلم، وفيه(٣) إذلال للمتحكَّم(٤) [عليه](٥)، والفاسقُ يستحق الإذلال، لكنْ لا من الكافر الذي هو أولى بالذلِّ منه، فهذا وجهٌ منعنا (٦) إياه من الحسبة، وإلا فلسْنا نقول: إنَّ الكافر يعاقَب بسبب قوله: ((لا تزنٍ)) من حيث إنه نهي، بل نقول: إذا لم يقل: ((لا تزِن))، يعاقب(٧) إن رأينا خطابَ الكفار بفروع الدین، وفيه نظر . (١) في الأصل: ((من))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((فيمنعه))، والمثبت من ((ت)). (٣) (ت)): ((في)). (٤) في المطبوع من ((إحياء علوم الدين)) وعنه نقل المؤلف هنا: (للمحتكم)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) في الأصل: ((منعناه))، والمثبت من (ت)). (٧) ((ت)): ((يعاقب عليه)) . ١٩٩ هكذا وجدته عمن نقلته عنه، أو كما قال(١). ولقائل أن يقولَ: قوله: ((لا تزن)) حقيقةٌ واحدةٌ، والنظر في ترتّب حقيقة واحدة عليها، وهو مقدار من العقاب، فلا يخلو الحالُ من أن يكونَ معاقباً على ترك هذه الحقيقة الواحدة، أو لا؛ فإن كان معاقباً - وقد فرضنا أنه ممنوعٌ من أن يقول للمسلم: ((لا تزنٍ))، ومن لوازم كونه ممنوعاً منه أن يُعاقَبَ على فعله - فإذاً يلزم أن يترتبَ على هذه الحقيقة الواحدةِ العقابُ على فعلها، والعقابُ على تركها، وهو مُحالٌ؛ لأن من لوازم العقاب على فعلها عدمُ العقاب على تركها، ومن لوازم العقاب على تركها عدمُ العقاب على فعلها، ولو وُجِدَ المُلْزومان لوُجِدَ الَّلازمان، وهو العقاب وعدم العقاب، وهو محال، واختلاف الجهتين هاهنا لا أثرَ له؛ لأنًّ فرضنا الكلامَ في حقيقة واحدة، وهو مقدارٌ من العقاب، فمتى دخلت تلك الحقيقةُ في الوجود الخارجيّ، امتنع أن يدخلَ نقيضُها معها [قطعاً](٢)، نعم اختلاف الجهتين قد يفيد إذا رُتِّبَ على إحدى الجهتين حكم وعلى الأخرى (٣) حكمٌ آخرُ لا ينافيه لذاته، كالصلاة في الدارِ المغصوبة؛ فإنّه يُرتَّب على الغصبِ العصيانُ، وعلى الصلاة الإجزاءُ، والعصيانُ والإجزاءُ لیسا بمتناقضین لذاتهما. (١) هو الإمام الغزالي كما في ((إحياء علوم الدين)) له (٢/ ٣١٤ _ ٣١٥). (٢) سقط من ((ت). (٣) في الأصل: ((آخر))، والتصويب من ((ت)) و(ب)). ٢٠٠